Indexed OCR Text
Pages 221-240
ذلك ؛ لما وقع فيه من الاشتباه والنزاع واختلاف الناس . فلما لم يكن فى السنة ما يدل على هذا المطلوب ؛ لم يجز إثباته بما يظن أنه معنى الحديث بسياقه ، وإنما سمعوا أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((كان الله ولا شيء معه )) فظنوه لفظاً ثابتاً مع تجرده عن سائر الكلام الصادر عن النبى صلى الله عليه وسلم ، وظنوا معناه الإخبار بتقدمه تعالى على كل شيء ، وبنوا على هذين الظنين نسبة ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وليس عندهم بواحدة من المقدمتين علم ، بل ولا ظن يستند إلى أمارة . وهب أنهم لم يجزموا بأن مراده المعنى الآخر ، فليس عندم ما يوجب الجزم بهذا المعنى وجاء بينهم الشك ، وهم ينسبون إلى الرسول ما لا علم عندم بأنه قاله، وقد قال تعالى: ( وَلَنَقْفُ مَالَيْسَلَكَبِهِ، عِلْمُ )، وقال تعالى: ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِ الْفَوَحِشَ مَاظَهَرَمِنْهَ وَمَا بَطَنَ وَآلْإِثْمَ وَاُلْبَغْىَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِلَّهِ مَالَمْيُنَزِّلْ بِهِ، سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَاَ نَعْلَمُونَ). وهذا كله لا يجوز . (الوجه العاشر) أنه قد زاد فيه بعض الناس: (( وهو الآن على ما عليه كان)) ، وهذه الزيادة إنما زادها بعض الناس من عنده ، وليست فى شيء من الروايات . ثم إن منهم من يتأولها على أنه ليس معه الآن موجود ، بل وجوده عين وجود المخلوقات ! كما يقوله أهل ٢٢١ وحدة الوجود الذين يقولون : عين وجود الخالق هو عين وجود المخلوق . كما يقوله ابن عربى ؛ وابن سبعين ؛ والقونوي ؛ والتلمساني ؛ وابن الفارض ؛ ومحوم . وهذا القول مما يعلم بالاضطرار شرعا وعقلا أنه باطل . ( الوجه الحادي عشر) أن كثيراً من الناس يجعلون هذا عمدتهم من جهة السمع : أن الحوادث لها ابتداء ، وأن جنس الحوادث مسبوق بالعدم إذ لم يجدوا فى الكتاب والسنة ما ينطق به ؛ مع أنهم يحكون هذا عن المسلمين واليهود والنصارى ، كما يوجد مثل هذا في كتب أكثر أهل الكلام المبتدع في الإسلام الذي ذمه السلف ؛ وخالفوا به الشرع والعقل. وبعضهم يحكيه إجماعا للمسلمين ، وليس معهم بذلك نقل ، لا عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا عن الكتاب والسنة فضلا عن أن يكون هو قول جميع المسلمين . وبعضهم يظن أن من خالف ذلك فقد قال بقدم العالم ، ووافق الفلاسفة الدهرية ؛ لأنه نظر فى كثير من كتب الكلام فلم يجد فيها إلا قولين : قول الفلاسفة القائلين بقدم العالم إما صورته وإما مادته ، سواء قيل : هو موجود بنفسه ؛ أو معلول لغيره . وقول من رد على هؤلاء من أهل الكلام : الجهمية ؛ والمعتزلة ؛ والكرامية ؛ الذين يقولون : إن ٢٢٢ الرب لم يزل لا يفعل شيئاً ولا يتكلم بشيء، ثم أحدث الكلام والفعل بلا سبب أصلا . وطائفة أخرى كالكلابية ومن وافقهم يقولون : بل الكلام قديم العين إما معنى واحد، وإما أحرف وأصوات قديمة أزلية قديمة الأعيان ، ويقول هؤلاء : إن الرب لم يزل لا يفعل شيئاً ، ولا يتكلم بمشيئته وقدرته ، ثم حدث ما يحدث بقدرته ومشيئته ، إما قائماً بذاته أو منفصلا عنه عند من يجوز ذلك، [و]إما منفصلا عنه عند من لم يجوز (١) قيام ذلك بذاته . ومعلوم أن هذا القول أشبه بما أخبرت به الرسل من أن الله خالق كل شيء، وأن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام ، فمن ظن أنه ليس للناس إلا هذان القولان وكان مؤمناً بأن الرسل لا يقولون إلا حقاً يظن أن هذا قول الرسل ومن اتبعهم . ثم إذا طولب بنقل هذا القول عن الرسل لم يمكنه ذلك ولم يمكن لأحد أن يأتى بآية ولا حديث يدل على ذلك ، لا نصاً ولا ظاهراً ، بل ولا يمكنه أن ينقل ذلك عن أحد من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم والتابعين لهم بإحسان . وقد جعلوا ذلك معنى حدوث العالم الذي هو أول مسائل أصول (١) أضيفت حسب مفهوم السياق ٢٢٣ الدين عندهم . فيبقى أصل الدين الذي هو دين الرسل عندم ، ليس عنده ما يعلمون به أن الرسول قاله ولا فى العقل ما يدل عليه ، بل العقل والسمع يدل على خلافه . ومن كان أصل دينه الذي هو عنده دين الله ورسوله لا يعلم أن الرسول جاء به كان من أضل الناس فى دينه . (الوجه الثانى عشر) أنهم لما اعتقدوا أن هذا هو دين الإسلام أخذوا يحتجون عليه بالحجج العقلية المعروفة لهم ، وعمدتهم التى هى أعظم الحجج ، مبناها على امتناع حوادث لا أول لها ، وبها أثبتوا حدوث كل موصوف بصفة ، وسموا ذلك إثباتاً لحدوث الأجسام ، فلزمهم على ذلك نفي صفات الرب عز وجل ، وأنه ليس له علم ولا قدرة ولا كلام يقوم به ، بل كلامه مخلوق منفصل عنه ، وكذلك رضاه وغضبه ، والتزموا على ذلك أن الله لا يرى في الآخرة، وأنه ليس فوق العرش، إلى غير ذلك من اللوازم التى نفوا بها ما أثبته الله ورسوله ، وكان حقيقة قولهم تكذيباً لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتسلط أهل العقول على تلك الحجج التى لهم فيينوا فسادها . وكان ذلك مما سلط الدهرية القائلين بقدم العالم لما علموا حقيقة قولهم وأدلتهم ونسوا فساده . ثم لما ظنوا أن هذا قول الرسول صلى الله عليه وسلم واعتقدوا أنه باطل، قالوا: إن الرسول لم يبين ٢٢٤ الحقائق سواء علمها أو لم يعلمها ، وإنما خاطب الجمهور بما يخيل لهم وما ينتفعون به . فصار أولئك المتكلمون النفاة مخطئين فى السمعيات والعقليات ، وصار خطؤم من أكبر أسباب تسلط الفلاسفة ، لما ظن أولئك الفلاسفة الدهرية أنه ليس فى هذا المطلوب إلا قولان : قول أولئك المتكلمين وقولهم. وقد رأوا أن قول أولئك باطل ، فجعلوا ذلك حجة فى تصحيح قولهم ، مع أنه ليس للفلاسفة الدهرية على قولهم بقدم الأفلاك حجة عقلية أصلا ، وكان من أعظم أسباب هذا أنهم لم يحققوا معرفة ما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم . ( الوجه الثالث عشر) : أن الغلط فى معنى هذا الحديث هو من عدم المعرفة بنصوص الكتاب والسنة ، بل والمعقول الصريح ؛ فإنه أوقع كثيراً من النظار وأتباعهم فى الحيرة والضلال ، فإنهم لم يعرفوا إلا قولين : قول الدهرية القائلين بالقدم ، وقول الجهمية القائلين بأنه لم يزل معطلا عن أن يفعل أو يتكلم بقدرته ومشيئته ، ورأوا لوازم كل قول تقتضي فساده وتناقضه، فبقوا حائرين مرتابين جاهلين ، وهذه حال من لا يحصى منهم ، ومنهم من صرح بذلك عن نفسه كما صرح به الرازي وغيره . ومن أعظم أسباب ذلك أنهم نظروا فى حقيقة قول الفلاسفة فوجدوا أنه لم يزل المفعول المعين مقارناً للفاعل أزلا وأبداً، وصريح ٢٢٥ العقل يقتضي أنه لا بد أن يتقدم الفاعل على فعله ، وأن تقدير مفعول الفاعل مع تقدير أنه لم يزل مقارناً له لم يتقدم الفاعل عليه ؛ بل هو معه أزلا وأبداً: أمر يناقض صريح العقل . وقد استقر فى الفطر أن كون الشيء المفعول مخلوقا يقتضى أنه كان بعد أن لم يكن . ولهذا كان ما أخبر الله به فى كتابه من أنه خلق السموات والأرض مما يفهم جميع الخلائق أنها حدثنا بعد أن لم تكونا ، وأما تقدير كونها لم يزالا معه مع كونها مخلوقين له فهذا تنكره الفطر ، ولم يقله إلا شرذمة قليلة من الدهرية كابن سينا وأمثاله . وأما جمهور الفلاسفة الدهرية كأرسطو وأتباعه فلا يقولون : إن الأفلاك معلولة لعلة فاعلة كما يقوله هؤلاء ؛ بل قولهم وإن كان أشد فساداً من قول متأخريهم فلم يخالفوا صريح المعقول فى هذا المقام الذي خالفه هؤلاء . وإن كانوا خالفوه من جهات أخرى ونظروا فى حقيقة قول أهل الكلام الجهمية والقدرية ومن اتبعهم ، فوجدوا أن الفاعل صار فاعلا بعد أن لم يكن فاعلا من غير حدوث شيء أوجب كونه فاعلا ، ورأوا صريح العقل يقتضى بأنه إذا صار فاعلا بعد أن لم يكن فاعلا ، فلا بد من حدوث شيء وأنه يمتنع في العقل أن يصير ممكنا بعد أن كان ممتنعاً بلا حدوث ، وأنه لا سبب يوجب حصول وقت حدث وقت الحدوث ؛ وأن حدوث جنس الوقت ممتنع ، فصاروا ٢٢٦ يظنون إذا جمعوا بين هؤلاء أنه يلزم الجمع بين النقيضين ، وهو أن يكون الفاعل قبل الفعل وأنه يمتنع أن يصير فاعلا بعد أن لم يكن فيكون الفعل معه ، فيكون الفعل مقارناً غير مقارن بأن كان بعد أن لم يكن حادثاً مسبوقاً بالعدم ، فامتنع على هذا التقدير أن يكون فعل الفاعل مسبوقا بالعدم ، ووجب على التقدير الأول أن يكون فعل الفاعل مسبوقا بالعدم ، ووجدوا عقولهم تقصر عما يوجب هذا الإثبات وما يوجب هذا النفي ، والجمع بين النقيضين ممتع ، فأوقعهم ذلك في الحيرة والشك. ومن أسباب ذلك أنهم لم يعرفوا حقيقة السمع والعقل ، فلم يعرفوا ما دل عليه الكتاب والسنة ، ولم يميزوا فى المعقولات بين المشتبهات ، وذلك أن العقل يفرق بين كون المتكلم متكلما بشيء بعد شيء دائماً ، وكون الفاعل يفعل شيئاً بعد شيء دائماً ، وبين آحاد الفعل والكلام ، فيقول : كل واحد من أفعاله لا بد أن يكون مسبوقا بالفاعل وأن يكون مسبوقا بالعدم ، ويمتنع كون الفعل المعين مع الفاعل أزلا وأبداً وأماكون الفاعل لم يزل يفعل فعلا بعد فعل فهذا من كمال الفاعل ، فإذا كان الفاعل حياً ، وقيل: إن الحياة مستلزمة الفعل والحركة كما قال ذلك أئمة أهل الحديث كالبخاري والدارمي وغيرهما، وأنه لم يزل متكلما إذا شاء وبما شاء ونحو ذلك ، كما قاله ابن المبارك وأحمد وغيرها ٢٢٧ من أئمة أهل الحديث والسنة : كان كونه متكلما أو فاعلا من لوازم حياته ، وحياته لازمة له ، فلم يزل متكلما فعالا ؛ مع العلم بأن الحي يتكلم ويفعل بمشيئته وقدرته ، وان ذلك يوجب وجود كلام بعد كلام وفعل بعد فعل ، فالفاعل يتقدم على كل فعل من أفعاله ، وذلك يوجب أن كل ما سواه محدث مخلوق ، ولا نقول : إنه كان فى وقت من الأوقات ولا قدرة حتى خلق [ له قدرة ] والذي ليس له قدرة هو عاجز ، ولكن نقول: لم يزل اللّه عالماً قادراً مالكا، لا شبه له ولا كيف . فليس مع اللّه شيء من مفعولاته قديم معه. لا بل هو خالق كل شيء ، وكل ما سواه مخلوق له ، وكل مخلوق محدث كائن بعد ان لم يكن وإن قدر أنه لم يزل خالقاً فعالا . وإذا قيل: إن الخلق صفة كمال؛ لقوله تعالى: ( أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ ؟ ) أمكن أن تكون خالقيته دائمة وكل مخلوق له محدث مسبوق بالعدم ، وليس مع الله شيء قديم ؟ وهذا أبلغ فى الكمال من أن يكون معطلا غير قادر على الفعل ثم بصير قادراً والفعل ممكناً له بلا سبب. وأما جعل المفعول المعين مقارناً له أزلا وأبداً فهذا فى الحقيقة تعطيل لخلقه وفعله ، فإن كون الفاعل مقارناً لمفعوله أزلا وأبداً مخالف لصريح المعقول . ٢٢٨ فهؤلاء الفلاسفة الدهرية وإن ادعوا أنهم يثبتون دوام الفاعلية فهم فى الحقيقة معطلون للفاعلية، وهي الصفة التى هي أظهر صفات الرب تعالى، ولهذا وقع الإخبار بها في أول ما أنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم ( اقْرَأْبِأَسْمِرَبِّكَ الَّذِىِ خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقِ * آقْرَأْوَرَبُّكَ فإن أوله : . ( اَلْأَكْرِمُ * الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عََّ الْإِنسَنَ مَا لَعَلَ فأطلق الخلق . ثم خص الإنسان ، وأطلق التعليم ثم خص التعليم بالقلم ، والخلق يتضمن فعله ، والتعليم بتضمن قوله ، فإنه يعلم بتكليمه وتكليمه بالإيحاء ؛ وبالتكلم من وراء حجاب ، وبإرسال رسول يوحي بإذنه ما يشاء ، قال تعالى: (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ) ، وقال تعالى: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ لَ مِنَ الْعِلْمِ )، وقال تعالى: (وَلَا ) تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُّةٌ، وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا ) وقال تعالى: ( الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ اَلْقُرْءَانَ * خَلَقَ الْإِنسَنَ عَلَّمَهُ أَلْبَيَانَ * الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بْحُسْبَانٍ ). وهؤلاء الفلاسفة يتضمن قولهم في الحقيقة أنه لم يخلق ولم يعلم ، فإن ما يثبتونه من الخلق والتعليم إنما يتضمن التعطيل ، فإنه على قولهم لم يزل الفلك مقارناً له أزلا وأبداً ، فامتنع حينئذ أن يكون مفعولا له ، فإن الفاعل لا بد أن يتقدم على فعله ، وعندهم أنه لا يعلم شيئاً من جزئيات العلم ، والتعليم فرع العلم ، فمن لم يعلم الجزئيات يمتنع ٢٢٩ أن يعلمها غيره ، وكل موجود فهو جزئى لا كلي ، كذا الكليات إنما وجودها فى الأذهان لا فى الأعيان ، فإذا لم يعلم شيئاً من الجزئيات لم يعلم شيئاً من الموجودات ، فامتنع أن يعلم غيره شيئاً من العلم بالموجودات المعينة . ومن قال منهم : لا يعلم لا كلياً ولا جزئياً فقوله أقبح. ومن قال: يعلم الكليات الثابتة دون المتغيرة فهو عندم لا يعلم شيئاً من الحوادث ، ولا يعلمها لأحد من خلقه ، كما يقتضي قولهم أنه لم يخلقها ، فعلى قولهم لا خلق ولا علم ! وهذا حقيقة قول مقدمهم أرسطو ، فإنه لم يثبت أن الرب مبدع للعالم ، ولا جعله علة فاعلة ، بل الذي أثبته أنه علة غائية يتحرك الفلك لتشبهه به كتحريك المعشوق للعاشق ، وصرح بأنه لا يعلم الأشياء، فعنده لا خلق ولا علم. وأول ما أنزل الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ( أَقْرَأْبِأَ سِرَتِكَ الَّذِىِ خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ أَقْرَأْوَرَبُّكَ الْأَكْرُ * الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلََّ الْإِنسَنَ مَالَوْيَعْلَمْ) ( الوجه الرابع عشر ) : أن الله تعالى أرسل الرسل وأنزل الكتب لدعوة الخلق إلى عبادته وحده لا شريك له ، وذلك يتضمن معرفته لما أبدعه من مخلوقاته ، وهي المخلوقات المشهودة الموجودة : من السموات والأرض وما بينهما ، فأخبر [في] الكتاب الذى لم يأت من عنده كتاب ٢٣٠ أهدى منه بأنه خلق أصول هذه المخلوقات الموجودة المشهودة فى ستة أيام ثم استوى على العرش . وشرع لأهل الإيمان أن يجتمعوا كل أسبوع يوماً يعبدون الله فيه ويحتفلون بذلك ، ويكون ذلك آية على الأسبوع الأول الذي خلق الله فيه السموات والأرض. ولما لم يعرف الأسبوع إلا بخبر الأنبياء فقد جاء فى لغتهم عليهم السلام أسماء أيام الأسبوع فإن التسمية نتبع النصوص فالاسم يعبر عما تصوره : فلما كان تصور اليوم والشهر والحول معروفاً بالعقل تصورت ذلك الاسم وعبرت عن ذلك ، وأما الأسبوع فلما لم يكن فى مجرد العقل ما يوجب معرفته فإنما عرف بالسمع صارت معرفته عند أهل السمع المتلقين عن الأنبياء دون غيرم ، وحينئذ فأخبروا الناس بخلق هذا العالم الموجود المشهود وابتداء خلقه ، وأنه خلقه فى ستة أيام ، وأما ما خلقه قبل ذلك شيئاً بعد شيء فهذا بمنزلة ما سيخلقه بعد قيام القيامة ودخول أهل الجنة وأهل النار منازلهما . وهذا مما لا سبيل للعباد إلى معرفته تفصيلا . ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (( قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاماً فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم )) رواه البخاري . فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم ببدء الخلق إلى دخول أهل الجنة والنار منازلها . ٢٣١ وقوله: ((بدأ الخلق): مثل قوله فى الحديث الآخر: ((قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة)) فإن الخلائق هنا المراد بها الخلائق المعروفة المخلوقة بعد خلق العرش وكونه على الماء . ولهذا كان التقدير للمخلوقات هو التقدير لخلق هذا العالم ، كما فى حديث القلم: إن الله لما خلقه قال: اكتب! قال: وماذا أكتب ؟ قال : اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة . وكذلك فى الحديث الصحيح: ((إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء )) وقوله فى الحديث الآخر الصحيح: ((كان اللّه ولا شيء قبله، وكان عرشه على الماء ، وكتب فى الذكر كل شيء ، ثم خلق السموات والأرض)»، يراد به أنه كتب كل ما أراد خلقه من ذلك ؛ فإن لفظ كل شيء بعم فى كل موضع بحسب ما سيقت له ، كما فى قوله : (عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ)، وقوله: (اللَّهُ خَلِقُ ( بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ) ، (وَأُوِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ ) ، كُلِّ شَىْءٍ )، و(تُدَمِرُكُلَّ شَىْءٍ)، (وَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَفْنَا زَوْجَيْنِ )، و (فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ )، وأخبرت الرسل بتقدم أسمائه وصفاته كما فى قوله: (وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا). ( سَمِيعًا بَصِيرًا). (غَفُورًا رَّحِيمًا)، وأمثال ذلك. قال ابن عباس : (( كان ولا يزال)). ولم یقید کونه بوقت دون وقت ٢٣٢ ويمتنع أن يحدث له غيره صفة ، بل يمتنع توقف شيء من لوازمه على غيره سبحانه ، فهو المستحق لغاية الكمال ، وذاته هي المستوجبة لذلك . فلا يتوقف شيء من كماله ولوازم كماله على غيره ، بل نفسه المقدسة ، وهو المحمود على ذلك أزلا وأبداً ، وهو الذى يحمد نفسه ويثني عليها بما يستحقه . وأما غيره فلا يحصى ثناء عليه ، بل هو نفسه كما أثنى على نفسه ، كما قال سيد ولد آدم فى الحديث الصحيح : ((اللهم إنى أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك ، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك)). وإذا قيل : لم يكن متكلما ثم تكلم ، أو قيل : كان الكلام ممتنعاً ثم صار ممكناً له، كان هذا مع وصفه له بالنقص فى الأزل وأنه نجدد له الكمال ومع تشبيهه له بالمخلوق الذي ينتقل من النقص إلى الكمال : ممتنعاً ؛ من جهة أن الممتنع لا يصير ممكناً بلا سبب ، والعدم المحض لا شيء فيه ، فامتنع أن يكون الممتنع فيه بصير ممكناً بلا سبب حادث . وكذلك إذا قيل : كلامه كله معنى واحد لازم لذاته ليس له فيه قدرة ولا مشيئة ، كان هذا فى الحقيقة تعطيلا للكلام وجمعاً بين المتناقضين، إذ هو إثبات لموجود لا حقيقة له ، بل يمتنع أن يكون موجوداً مع أنه لا مدح فيه ولا كمال . ٢٣٣ وكذلك إذا قيل : كلامه كله قديم العين ، وهو حروف وأصوات قديمة لازمة لذاته ليس له فيه قدرة ولا مشيئة . كان هذا مع ما يظهر من تناقضه وفساده فى المعقول لا كمال فيه ، إذ لا يتكلم بمشيئته ولا قدرته ولا إذا شاءه . أما قول من يقول : ليس كلامه إلا ما يخلقه فى غيره . فهذا تعطيل للكلام من كل وجه ، وحقيقته أنه لا يتكلم كما قال ذلك قدماء الجهمية ، وهو سلب للصفات؛ إذ فيه من التناقض والفساد - حيث أثبتوا الكلام المعروف ونفوا لوازمه - ما يظهر به أنه من أفسد أقوال العالمين ، لأنهم أثبتوا أنه يأمر وينهى ؛ ويخبر ويبشر ؛ وينذر وينادي ؛ من غير أن يقوم به شيء من ذلك ، كما قالوا : إنه بريد ويحب ويبغض ؛ ويغضب ، من غير أن يقوم به شيء من ذلك ، وفي هذا من مخالفة صريح المعقول وصحيح المنقول ماهو مذكور فى غير هذا الموضع . وأما القائلون بقدم هذا العالم فهم أبعد عن المعقول والمنقول من جميع الطوائف ؛ ولهذا أنكروا الكلام القائم بذاته والذي يخلقه فى غيره ، ولم يكن كلامه عندهم إلا ما يحدث في النفوس من المعقولات والمتخيلات ، وهذا معنى تكليمه لموسى عليه السلام عندهم ، فعاد التكليم إلى مجرد علم المكلم . ثم إذا قالوا مع ذلك : إنه لا يعلم الجزئيات ، فلا علم ولا إعلام ، وهذا غاية التعطيل والنقص ، وم ليس لهم دليل قط ٢٣٤ على قدم شيء من العالم ، بل حججهم إنما تدل على قدم نوع الفعل : وأنه لم يزل الفاعل فاعلا أو لم يزل لفعله مدة: أو أنه لم يزل للمادة مادة. وليس فى شيء من أدلتهم ما يدل على قدم الفلك ، ولا قدم شيء من حركاته ؛ ولا قدم الزمان الذي هو مقدار حركة الفلك . والرسل أخبرت بخلق الأفلاك وخلق الزمان الذي هو مقدار حركتها ، مع إخبارها بأنها خلقت من مادة قبل ذلك ، وفى زمان قبل هذا الزمان ؛ فإنه سبحانه أخبر أنه خلق السموات والأرض فى ستة أيام ، وسواء قيل : إن تلك الأيام بمقدار هذه الأيام المقدرة بطلوع الشمس وغروبها ؛ أو قيل : إنها أكبر منها كما قال بعضهم : إن كل يوم قدره ألف سنة ، فلا ريب أن تلك الأيام التى خلقت فيها السموات والأرض غير هذه الأيام ، وغير الزمان الذي هو مقدار حركة هذه الأفلاك. وتلك الأيام مقدرة بحركة أجسام موجودة قبل خلق السموات والأرض . وقد أخبر سبحانه أنه (اسْتَوَىّ إِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ أَثْتِيَا طَوَّعًا أَوَكَرْهَا قَالَتَآ أَنَيْنَا طَآبِعِينَ ) فخلقت من الدخان وقد جاءت الآثار عن السلف أنها خلقت من بخار الماء ؛ وهو الماء الذي كان العرش عليه، المذكور في قوله: (وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضَ فقد أخبر أنه خلق فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ, عَلَى الْمَآءِ ) ، السموات والأرض فى مدة ومن مادة ، ولم يذكر القرآن خلق شيء ٢٣٥ من لا شيء ، بل ذكر أنه خلق المخلوق بعد أن لم يكن شيئا ، كما قال : ( وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْتَكُ شَيْئًا )، مع إخباره أنه خلقه من نطفة . وقوله: ( أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْشَىْءٍ أَمْ هُمُ الْخَلِّقُونَ ) فيها قولان . فالأكثرون على أن المراد أم خلقوا من غير خالق بل من العدم المحض ؟ كما قال تعالى: (وَسَخَّرَلَكُمَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِ جَمِيعًامِنْهُ )، وكما قال تعالى: (وَكَلِمَتْهُ, أَلْقَمُهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوٌ مِّنْهُ) ، وقال تعالى : (وَمَابِكُمْ مِّن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ). وقيل : أم خلقوا من غير مادة ؟ وهذا ضعيف ، لقوله بعد ذلك : ( أم م الخالقون؟ ) ، فدل ذلك على أن التقسيم أم خلقوا من غير خالق ، أم م الخالقون ؟ ولو كان المراد من غير مادة لقال : أم خلقوا من غير شيء ، أم من ماء مهين ؟ فدل على أن المراد أنا خالقهم لا مادتهم. ولأن كونهم خلقوا من غير مادة ليس فيه تعطيل وجود الخالق ، فلو ظنوا ذلك لم يقدح فى إيمانهم بالخالق بل دل على جهلهم ، ولأنهم لم يظنوا ذلك ولا يوسوس الشيطان لابن آدم بذلك ، بل كلهم يعرفون ٢٣٦ أنهم خلقوا من آبائهم وأمهاتهم ، ولأن اعترافهم بذلك لا يوجب إيمانهم ولا يمنع كفرهم . والاستفهام استفهام إنكار مقصوده تقريرهم أنهم لم يخلقوا من غير شيء ، فإذا أقروا بأن خالقاً خلقهم نفعهم ذلك ، وأما إذا أقروا بأنهم خلقوا من مادة لم يغن ذلك عنهم من الله شيئاً . ( الوجه الخامس عشر) : أن الإقرار بأن الله لم يزل يفعل ما يشاء ويتكلم بما يشاء هو وصف الكمال الذي يليق به ؛ وما سوى ذلك نقص يجب نفيه عنه ، فإن كونه لم يكن قادراً ثم صار قادراً على الكلام أو الفعل مع أنه وصف له ؛ فإنه يقتضي أنه كان ناقصاً عن صفة القدرة التى هي من لوازم ذاته ، والتى هي من أظهر صفات الكمال ، فهو ممتنع فى العقل بالبرهان اليقينى، فإنه إذا لم يكن قادراً ثم صار قادراً فلا بد لم يكن ، فإذا لم يكن هناك إلا العدم من أمر جعله قادراً بعد أن المحض امتنع أن يصير قادراً بعد أن لم يكن ، وكذلك يمتنع أن بصير عالما بعد أن لم يكن قبل هذا ، بخلاف الإنسان فإنه كان غير عالم ولا قادر ثم جعله غيره عالماً قادراً ، وكذلك إذا قالوا : كان غير متكلم ثم صار متكلما . وهذا مما أورده الإمام أحمد على الجهمية ؛ إذ جعلوه كان غير متكلم ثم صار متكلما . قالوا : كالإنسان ، قال : فقد جمعتم بين تشبيه وكفر . وقد حكيت ألفاظه في غير هذا الموضع . ٢٣٧ وإذا قال القائل : كان فى الأزل قادراً على أن يخلق فيما لا يزال، كان هذا كلاما متناقضاً، لأنه فى الأزل عندم لم يكن يمكنه أن يفعل. ومن لم يمكنه الفعل فى الأزل امتنع أن يكون قادراً فى الأزل ؛ فإن الجمع بين كونه قادراً وبين كون المقدور ممتنعاً جمع بين الضدين ، فإنه فى حال امتناع الفعل لم يكن قادراً. وأيضاً يكون الفعل ينتقل من كونه ممتنعاً إلى كونه ممكناً بغير سبب موجب يحدد ذلك وعدم ممتنع . وأيضاً فما من حال يقدرها العقل إلا والفعل فيها ممكن وهو قادر ، وإذا قدر قبل ذلك شيئاً شاءه الله فالأمر كذلك، فلم يزل قادراً والفعل ممكنا ؛ وليس لقدرته وتمكنه من الفعل أول ، فلم يزل قادراً يمكنه أن يفعل ، فلم يكن الفعل ممتنعاً عليه قط . وأيضاً فإنهم يزعمون أنه يمتنع فى الأزل. والأزل ليس شيئاً محدوداً يقف عنده العقل ، بل ما من غاية ينتهي إليها تقدير الفعل إلا والأزل قبل ذلك بلا غابة محدودة، حتى لو فرض وجود مدائن أضعاف مدائن الأرض فى كل مدينة من الخردل ما يملؤها ؛ وقدر أنه كلما مضت ألف ألف سنة فنيت خردلة فنى الخردل كله والأزل لم ينته ، ولو قدر أضعاف ذلك أضعافا لاينتهي . فما من وقت يقدر إلا والأزل قبل ٢٣٨ ذلك . وما من وقت صدر فيه الفعل إلا وقد كان قبل ذلك ممكناً . وإذا كان ممكناً فما الموجب لتخصيص حال الفعل بالخلق دون ما قبل ذلك فيما لا يتناهى ؟ . وأيضاً فالأزل معناه : عدم الأولية ، ليس الأزل شيئاً محدوداً ، فقولنا : لم يزل قادراً بمنزلة قولنا: هو قادر دائماً، وكونه قادراً وصف دائم لا ابتداء له ، فكذلك إذا قيل: لم يزل متكلما إذا شاء ولم يزل يفعل ماشاء ، يقتضي دوام كونه متكلا وفاعلا بمشيئته وقدرته، وإذا ظن الظان أن هذا يقتضي قدم شيءٍ معه كان من فساد تصوره ، فإنه إذا كان خالق كل شيء فكل ما سواه مخلوق مسبوق بالعدم ، فليس معه شيء قديم بقدمه . وإذا قيل : لم يزل يخلق كان معناه لم يزل يخلق مخلوقا بعد مخلوق ، كما لا يزال فى الأبد يخلق مخلوقا بعد مخلوق ، تنفي ماتفيه من الحوادث والحركات شيئاً بعد شىء . وليس فى ذلك إلا وصفه بدوام الفعل ، لا بأن معه مفعولا من المفعولات بعينه . وإن قدر أن نوعها لم نزل معه فهذه المعية لم ينفها شرع ولا عقل ، (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) بل هي من کاله ، قال تعالی : والخلق لا يزالون معه ، وليس فى كونهم لا يزالون معه فى المستقبل ما ينافى كماله، وبين الأزل فى المستقبل مع أنه فى الماضي حدث بعد أن لم يكن إذكان كل مخلوق فله ابتداء ، ولا نجزم أن يكون له انتهاء . ٢٣٩ وهذا فرق فى أعيان المخلوقات ، وهو فرق صحيح لكن يشتبه على كثير من الناس النوع بالعين ، كما اشتبه ذلك على كثير من الناس في الكلام فلم يفرقوا بين كون كلامه قديماً بمعنى أنه لم يزل متكلما إذا شاء ، وبين كون الكلام المعين قديماً . وكذلك لم يفرقوا بين كون الفعل المعين [ قديماً وبين كون نوع الفعل ] المعين قديماً كالفلك محدث مخلوق مسبوق بالعدم ، وكذلك كل ما سواه ، وهذا الذي دل عليه الكتاب والسنة والآثار ، وهو الذي تدل عليه المعقولات الصريحة الخالصة من الشبه ، كما قد بسطنا الكلام عليها فى غير هذا الموضع ، وبينا مطابقة العقل الصريح للنقل الصحيح . وإن غلط أهل الفلسفة والكلام أو غيرم فيها أو فى أحدهما ، فالقول الصدق المعلوم بعقل أو سمع بصدق بعضه بعضاً لا يكذب بعضه بعضاً، قال تعالى: ( وَالَّذِى جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بٌِّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُثَّقُونَ )، بعد قوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اُفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وإنما مدح من جاء بالصدق وصدق أَوْكَذَبَ بِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُ( )، بالحق الذي جاءه . وهذه حال من لم يقبل إلا الصدق ولم يرد ما يجيئه به غيره من الصدق ، بل قبله ولم يعارض بينهما ولم يدفع أحدهما بالآخر، ٢٤٠