Indexed OCR Text
Pages 201-220
عنده، كما أن على اللّه لا يدخل فيه نفس علم موسى والخضر. ( والثانى ) أن يقال: بل لفظ الملك وما عنده يتناول كل شيء ، وما أعطام فهو جزء من ملكه ومما عنده ، ولكن نسبته إلى الجملة هذه النسبة الحقيرة . ومما يحقق هذا القول الثانى : أن الترمذي روى هذا الحديث من طريق عبد الرحمن بن غنم ؛ عن أبى ذر مرفوعا، فيه : ((لو أن أولكم وآخركم؛ وإنسكم وجنكم؛ ورطبكم ويابسكم؛ سألونى حتى تنتهي مسألة كل واحد منهم فأعطيتهم ما سألونى: ما نقص ذلك مما عندي كمفرز إبرة لو غمسها أحدكم فى البحر ، وذلك أنى جواد ماجد واجد، عطائى كلام ، وعذابى كلام ، إنما أمري لشيء إذا أردته أن أقول له : كن! فيكون)) ، فذكره سبحانه: أن عطاءه كلام وعذابه كلام يدل على أنه هو أراد بقوله: ((من ملكي)) و((مما عندي)) أي : من مقدوري ، فيكون هذا في القدرة كحديث الخضر فى العلم، والله أعلم . ويؤيد ذلك أن فى اللفظ الآخر الذي فى نسخة أبى مسهر: « لم ينقص ذلك من ملكي شيئاً إلاكما ينقص البحر )) . وهذا قد يقال فيه : أنه استثناء منقطع ، أي : لم ينقص من ملكي شيئاً لكن يكون حاله حال هذه النسبة ، وقد يقال : بل هو تام والمغنى على ما سبق . ٢٠١ فصل ثم ختمه بتحقيق ما بينه فيه من عدله وإحسانه، فقال: (( يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ، ثم أوفيكم إياها ، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه))، فبين أنه محسن إلى عباده فى الجزاء على أعمالهم الصالحة إحسانا يستحق به الحمد؛ لأنه هو المنعم بالأمر بها؛ والإرشاد إليها ، والإعانة عليها ، ثم إحصائها ، ثم توفية جزائها . فكل ذلك فضل منه وإحسان ؛ إذكل نعمة منه فضل ، وكل نقمة منه عدل ، وهو وإن كان قدكتب على نفسه الرحمة وكان حقاً عليه نصر المؤمنين - كما تقدم بيانه - فليس وجوب ذلك كوجوب حقوق الناس بعضهم على بعض الذي يكون عدلا لا فضلا ؛ لأن ذلك إنما يكون لكون بعض الناس أحسن إلى البعض فاستحق المعاوضة ، وكان إحسانه إليه بقدرة المحسن دون المحسن إليه ؛ ولهذا لم يكن المتعاوضان ليخص أحدهما بالتفضل على الآخر لتكافئها ، وهو قد بين فى الحديث أن العباد لن يبلغوا ضره فيضروه، ولن يبلغوا نفعه فينفعوه ، فامتنع حينئذ أن يكون لأحد من جهة نفسه عليه حق ، بل هو الذي أحق الحق على نفسه بكلماته ، فهو المحسن بالإحسان وبإحقاقه ٢٠٢ وكتابته على نفسه ، فهو فى كتابة الرحمة على نفسه وإحقاقه نصر عباده المؤمنين ونحو ذلك محسن إحساناً مع إحسان . فليتدبر اللبيب هذه التفاصيل التى يتبين بها فصل الخطاب فى هذه المواضع التى عظم فيها الاضطراب ، فمن بين موجب على ربه بالمنع أن يكون محسناً متفضلا ؛ ومن بين مسو بين عدله وإحسانه وما تنزه عنه من الظلم والعدوان . وجاعل الجميع نوعا واحداً . وكل ذلك حيد عن سنن الصراط المستقيم ، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . وكما بين أنه محسن في الحسنات؛ متم إحسانه بإحصائها والجزاء عليها ؛ بين أنه عادل في الجزاء على السيئات، فقال: ((ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)) كما تقدم بيانه فى مثل قوله: (وَمَا ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوْ أَنْفُسَهُمْ ) . وعلى هذا الأصل استقرت الشريعة الموافقة لفطرة الله التي فطر الناس عليها ، كما فى الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ؛ عن شداد بن أوس ؛ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي؛ لا إله إلا أنت. خلقتني وأنا عبدك ؛ وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت . أعوذ بك من شر ما صنعت ؛ أبوء لك بنعمتك علي ؛ وأبوء بذنبي ؛ فاغفر لي ؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت))، ففى قوله: ((أبوء لك بنعمتك علي)» اعتراف بنعمته عليه فى الحسنات وغيرها. وقوله: ((وأبوء بذنبى)) ٢٠٣ اعتراف منه بأنه مذنب ظالم لنفسه ، وبهذا بصير العبد شكوراً لربه مستغفراً لذنبه ، فيستوجب مزيد الخير وغفران الشر من الشكور الغفور ، الذى يشكر اليسير من العمل ويغفر الكثير من الزلل . وهنا انقسم الناس ثلاثة أقسام فى إضافة الحسنات والسيئات التى هي الطاعات والمعاصي إلى ربهم وإلى نفوسهم ، فشرم الذي إذا أساء أضاف ذلك إلى القدر ، واعتذر بأن القدر سبق بذلك ، وأنه لا خروج له على القدر ، فركب الحجة على ربه فى ظلمه لنفسه، وإن أحسن أضاف ذلك إلى نفسه ، ونسي نعمة الله عليه في تيسيره لليسرى . وهذا ليس مذهب طائفة من بني آدم ، ولكنه حال شرار الجاهلين الظالمين ، الذين لا حفظوا حدود الأمر والنهي ، ولا شهدوا حقيقة القضاء والقدر ، كما قال فيهم الشيخ أبو الفرج ابن الجوزى : أنت عند الطاعة قدرى ؛ وعند المعصية جبرى ! أى مذهب وافق هواك تمذهبت به . وخير الأقسام وهو القسم المشروع ، وهو الحق الذي جاءت به الشريعة: أنه إذا أحسن شكر نعمة الله عليه وحمده ؛ إذ أنعم عليه بأن جعله محسناً ولم يجعله مسيئاً ؛ فإنه فقير محتاج فى ذاته وصفاته وجميع حركاته وسكناته إلى ربه، ولا حول ولا قوة إلا به ، فلو لم بهده لم يهتد ، كما قال أهل الجنة : (الْحَمْدُللَّهِ الَّذِى هَدَ مِنَالِهَذَا وَ مَاكُنَّا لِتَهْتَدِىَ لَوْلَا أَنْ هَدَ نَا اللَّهُ لَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَيِّنَابِاَ لْحَقّ ) وإذا صِے صلے ٢٠٤ أساء اعترف بذنبه ، واستغفر ربه وتاب منه، وكان كأبيه آدم الذي قال: ) ، رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ ولم يكن كإبليس الذي قال: (رَبِِّمَا أَغْوَيْنَنِى لَأُزَّيِّنَنَّ لَهُمْ فِ الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَتَهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَِّعِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ). ولم يحتج بالقدر على ترك مأمور ولا فعل محظور؛ مع إيمانه بالقدر خيره وشره ، وأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه ، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، وأنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء ، ونحو ذلك . وهؤلاء هم الذين أطاعوا اللّه فى قوله في هذا الحديث الصحيح: ((فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه))، ولكن بسط ذلك وتحقيق نسبة الذنب إلى النفس مع العلم بأن الله خالق أفعال العباد فيه أسرار ليس هذا موضعها ، ومع هذا فقوله تعالى: ( وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَ إِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ، مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِاللّهِ فَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا * مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَ اللَّهِوَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ) ليس المراد بالحسنات والسيئات فى هذه الآية الطاعات والمعاصي كما يظنه كثير من الناس حتى يحرف بعضهم القرآن ويقرأ ( فمن نفسك؟ ) ومعلوم أن معنى هذه القراءة يناقض القراءة المتواترة ، وحتى يضمر بعضهم القول على وجه الإنكار له ، وهو قول ٢٠٥ الله الحق، فيجعل قول الله الصدق الذى يحمد ويرضى قولا للكفار يكذب به ويذم، ويسخط بالإضمار الباطل الذى يدعيه ، من غير أن يكون فى السياق ما يدل عليه . ثم إن من جهل هؤلاء ظهم أن في هذه الآية حجة للقدرية واحتجاج بعض القدرية بها ، وذلك أنه لا خلاف بين الناس فى أن الطاعات والمعاصى سواء من جهة القدر . فمن قال : إن العبد هو الموجد لفعله دون الله؛ أو هو الخالق لفعله؛ وأن الله لم يخلق أفعال العباد ، فلا فرق عنده بين الطاعة والمعصية . ومن أثبت خلق الأفعال وأثبت الجبر أو نفاه؛ أو أمسك عن نفيه وإثباته مطلقاً ؛ وفصل المعنى أو لم يفصله : فلا فرق عنده بين الطاعة والمعصية . فتبين أن إدخال هذه الآية في القدر فى غاية الجهالة، وذلك أن الحسنات والسيئات في الآية المراد بها المسار والمضار دون الطاعات والمعاصي، كما فى قوله تعالى: (وَبَلَوْنَهُم بِالْحَسَنَتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) وهو الشر والخير في قوله: ( وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّوَالْخَيْرِ فِتْنَةً ). وكذلك قوله: ( إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيْئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا )، وقوله تعالى: ( وَلَبِنْ أَذَقْنَهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّ )، وقوله تعالى: (وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَِّيّ إِلَّ ٢٠٦ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ * ثُمَّ بَذَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَواْ وَقَالُواْقَدْ مَسَ ءَابَآءَنَا الضَّرَآءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَهُمْ بَغْنَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) وقال تعالى: ( فَإِذَاجَآءَتُهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُو ◌ْلَنَاهَذِهِ، وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَُّواْ بِمُوسَى وَمَنْ تَعَةُ ) . فهذه حال فرعون وملئه مع موسى ومن معه ، كمال الكفار والمنافقين والظالمين مع محمد وأصحابه ، إذا أصابهم نعمة وخير قالوا : لنا هذه ، أو قالوا : هذه من عند الله ، وإن أصابهم عذاب وشر تطيروا بالنبي والمؤمنين ، وقالوا : هذه بذنوبهم ، وإنما هي بذنوب أنفسهم لا بذنوب المؤمنين ، وهو سبحانه ذكر هذا في بيان حال الناكلين عن الجهاد الذين يلومون المؤمنين على الجهاد، فإذا أصابهم نصر ونحوه قالوا : هذا من عند الله وإن أصابتهم محنة قالوا: هذه من عند هذا الذي جاءنا بالأمر والنهي والجهاد ، قال الله تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُ وأُحِذْرَكُمْ )، إلى قوله: ( وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَّيْبَطِتَنَّ)، إلى قوله: (أَلَمْتَرَإلَى الَّذِينَ قِيلَ لَّكُقُواْأَيْدِيَّكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوْةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْفِنَالُ إِذَا فِقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَثَبْتَ عَلَيْنَا الْفِنَالَ) إلى قوله: ( أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِكِكُمُ اَلْمَوْتُ وَلَوَّكُمْ فِىِ بُوِجِ مُسَيِّدَةٍ وَإِن تُصِبُهُمْ حَسَنَةٌ ) أي هؤلاء المذمومين (يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَ إِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ، مِنْ عِندِلَ) أي بسبب أمرك ونهيك. ٢٠٧ ﴿ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا * مَّا أَصَابَكَ قال الله تعالى : مِنْ حَسَنَةٍ ) أي: من نعمة (فَمِنَ اللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَيَن نَّفْسِكَ ) أي : فىذنبك . كما قال: (وَمَا أَصَبَكُمْ مِّن مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَبْدِيَكُمْ )، وقال: (وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ). وأما القسم الثالث فى هذا الباب : فهم قوم لبسوا الحق بالباطل ، وم بين أهل الإيمان أهل الخير، وبين شرار الناس وم الخائضون فى القدر بالباطل ، فقوم يرون أنهم م الذين يهدون أنفسهم ويضلونها ، ويوجبون لها فعل الطاعة وفعل المعصية ، بغير إعانة منه وتوفيق للطاعة، ولا خذلان منه في المعصية . وقوم لا يثبتون لأنفسهم فعلا ولا قدرة ولا أمرا. ثم من هؤلاء من ينحل عن الأمر والنهى فيكون أكفر الخلق ، وثم فى احتجاجهم بالقدر متناقضون ؛ إذ لا بد من فعل يحبونه وفعل يبغضونه ، ولا بد لهم ولكل أحد من دفع الضرر الحاصل بأفعال المعتدين ، فإذا جعلوا الحسنات والسيئات سواسية لم يمكنهم أن يذموا أحدا ، ولا يدفعوا ظالما ، ولا يقابلوا مسيئا ، وأن يبيحوا للناس من أنفسهم كل ما يشتهيه مشته، ونحو ذلك من الأمور التى لا يعيش ٢٠٨ عليها بنو آدم؛ إذ م مضطرون إلى شرع فيه أمر ونهى أعظم من اضطرارهم إلى الأكل واللباس . وهذا باب واسع لشرحه موضع غير هذا . وإنما نبهنا على ما فى الحديث من الكلمات الجامعة والقواعد النافعة بنكت مختصرة تنبه الفاضل على ما فى الحقائق من الجوامع والفوارق ؛ التى تفصل بين الحق والباطل فى هذه المضائق . بحسب ما احتملته أوراق السائل، والله ينفعنا وسائر إخواننا المؤمنين بما علمناه ، ويعلمنا ما ينفعنا ويزيدنا علما، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، ولا ملجأ منه إلا إليه ، له النعمة وله الفضل ، وله الثناء الحسن، وأستغفر الله العظيم لي ولجميع إخواننا المؤمنين. والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما ٢٠٩ وقال شيخ الإسلام رحمه الله: بِسْمِاللهِالرَِّ الرَّحِيمِ الحمد لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له. ونشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليما . (١) فصل فى صحيح البخارى وغيره من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( يا بني تميم اقبلوا البشرى)) قالوا: قد بشرتنا فأعطنا، فأقبل على أهل اليمن فقال: (( يا أهل (١) تسمى ((شرح حديث عمران بن حصين)). ٢١٠ اليمن اقبلوا البشرى؛ إذ لم يقبلها بنو تميم ))، فقالوا : قد قبلنا يا رسول الله . قالوا : جئناك لنتفقه فى الدين ، ولنسألك عن أول هذا الأمر، فقال: ((كان اللّه ولم يكن شيء قبله))، وفي لفظ ((معه))، وفى لفظ ((غيره))، ((وكان عرشه على الماء ، وكتب فى الذكر كل شيء، وخلق السموات والأرض))، وفى لفظ: (( ثم خلق السموات والأرض »، ثم جاءنى رجل فقال: أدرك ناقتك ، فذهبت فإذا السراب ينقطع دونها ، فوالله لوددت أنى تركتها ولم أقم . قوله: ((كتب في الذكر)) يعنى: اللوح المحفوظ، كما قال: (وَلَقَدْ كَتَبْنَافِ الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ )، أى: من بعد اللوح المحفوظ ، يسمى ما يكتب فى الذكر ذكراً كما يسمى ما يكتب فيه كتابا ، كقوله عز وجل: ( إِنَّهُ لَقُرْءَانُ كَرِيمٌ * فِ كِنَبٍ مَكْنُونٍ ) . والناس فى هذا الحديث على قولين : منهم من قال : إن مقصود الحديث إخباره بأن اللّه كان موجوداً وحده ، ثم إنه ابتدأ إحداث جميع الحوادث، وإخباره بأن الحوادث لها ابتداء بجنسها، وأعيانها مسبوقة بالعدم، وأن جنس الزمان حادث لافى زمان ، وجنس الحركات والمتحركات حادث ، وأن اللّه صار فاعلا بعد أن لم يكن يفعل شيئاً من الأزل إلى حين ابتدأُ الفعل ؛ ولا كان الفعل ممكناً . ثم هؤلاء على قولين : منهم من يقول : وكذلك صار متكلما بعد ٢١١ أن لم يكن يتكلم بشيء ، بل ولا كان الكلام ممكناً له . ومنهم من يقول : الكلام أمر يوصف به بأنه يقدر عليه ، لا أنه يتكلم بمشيئته وقدرته ، بل هو أمر لازم لذاته بدون قدرته ومشيئته . ثم هؤلاء منهم من يقول : هو المعنى دون اللفظ المقروء، عبر عنه بكل من التوراة والإنجيل والزبور والفرقان . ومنهم من يقول : بل هو حروف وأصوات لازمة لذاته لم تزل ولا تزال ، وكل ألفاظ الكتب التى أنزلها وغير ذلك . والقول الثانى فى معنى الحديث : أنه ليس مراد الرسول هذا ؛ بل إن الحديث يناقض هذا ، ولكن مراده إخباره عن خلق هذا العالم المشهود الذي خلقه الله في ستة أيام ثم استوى على العرش، كما أخبر القرآن العظيم بذلك فى غير موضع، فقال تعالى: ( وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِنَّةِ أَتَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ ) وقد ثبت فى صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو ؛ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين الف سنة، وكان عرشه على الماء ))، فأخبر صلى الله عليه وسلم أن تقدير خلق هذا العالم المخلوق فى ستة أيام ، وكان حينئذ عرشه على الماء . كما أخبر بذلك القرآن والحديث المتقدم الذي رواه البخاري فى صحيحه ؛ عن عمران رضي الله عنه . أ ٢١٢ ومن هذا: الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي وغيرهما ، عن عبادة بن الصامت، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أول ما خلق الله القلم، فقال له : اكتب قال : وما أكتب ؟ قال : ماهو كائن إلى يوم القيامة))، فهذا القلم خلقه لما أمره بالتقدير المكتوب قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان مخلوقا قبل خلق السموات والأرض ، وهو أول ما خلق من هذا العالم ، وخلقه بعد العرش كما دلت عليه النصوص ، وهو قول جمهور السلف، كما ذكرت أقوال السلف فى غير هذا الموضع . والمقصود هنا: بيان ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة . والدليل على هذا القول الثانى وجوه : (أحدها ) أن قول أهل اليمن: ((جئناك لنسألك عن أول هذا الأمر ))، إما أن يكون الأمر المشار إليه هذا العالم، أو جنس المخلوقات ، فإن كان المراد هو الأول كان النبى صلى الله عليه وسلم قد أجابهم ؛ لأنه أخبرهم عن أول خلق هذا العالم ، وإن كان المراد الثاني لم يكن قد أجابهم؛ لأنه لم يذكر أول الخلق مطلقا؛ بل قال: ((كان الله ولا شيء قبله، وكان عرشه على الماء ، وكتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السموات والأرض ))، فلم يذكر إلا خلق السموات والأرض، ٢١٣ لم يذكر خلق العرش، مع أن العرش مخلوق أيضاً، فإنه يقول: (( وهو رب العرش العظيم)) وهو خالق كل شيء : العرش وغيره، ورب كل شيء : العرش وغيره . وفى حديث أبى رزين قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بخلق العرش . وأما فى حديث عمران فلم يخبر بخلقه ؛ بل أخبر بخلق السموات والأرض ، فعلم أنه أخبر بأول خلق هذا العالم لا بأول الخلق مطلقاً . وإذا كان إنما أجابهم بهذا على أنهم إنما سألوه عن هذا ، لم يسألوه عن أول الخلق مطلقا ، فإنه لا يجوز أن يكون أجابهم عما لم يسألوه عنه ولم يجبهم عما سألوا عنه ، بل هو صلى الله عليه وسلم منزه عن ذلك ، مع أن لفظه إنما يدل على هذا ؛ لا يدل على ذكره أول الخلق وإخباره بخلق السموات والأرض بعد أن كان عرشه على الماء بقصد به الإخبار عن ترتيب بعض المخلوقات على بعض ، فإنهم لم يسألوه عن مجرد الترتيب ، وإنما سألوه عن أول هذا الأمر ، فعلم أنهم سألوه عن مبدأ خلق هذا العالم فأخبرم بذلك ، كما نطق فى أولها في أول الأمر «خلق الله السموات والأرض)). وبعضهم بشرحها فى البدء، أو فى الابتداء خلق الله السموات والأرض . والمقصود أن فيها الإخبار بابتداء خلق السموات والأرض ، وأنه كان الماء غامراً للأرض ، وكانت الريح تهب على الماء ، فأخبر أنه ٢١٤ حينئذ كان هذا ماءً وهواءً وترابا، وأخبر في القرآن العظيم أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ، وفى الآية الأخرى: ( ثُمَّاُسْتَوَىَِّإلَى السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَ لِلْأَرْضِ أَثْتِيَاطَوْعًا أَوْكَرْهَا قَالَتَاً أَنْيْنَا طَآئِعِينَ ) ، وقد جاءت الآثار عن السلف بأن السماء خلقت من بخار الماء وهو الدخان . والمقصودهنا: أن النبى صلى الله عليه وسلم أجابهم عما سألوه عنه ولم يذكر إلا ابتداء خلق السموات والأرض، فدل على أن قولهم : ((جئنا لنسألك عن أول هذا الأمر )» كان مرادم خلق هذا العالم . والله أعلم . (الوجه الثانى): أن قولهم: ((هذا الأمر)) إشارة إلى حاضر موجود، والأمر يراد به المصدر ، ويراد به المفعول به وهو المأمور الذي كونه الله بأمره ، وهذا مرادم ، فإن الذي هو قوله : كن ليس مشهوداً مشاراً إليه ، بل المشهود المشار إليه هذا المأمور به، قال تعالى : (وَكَانَ وقال تعالى: ( أَنَ أَمْرُ اللَّهِ)، ونظائره أَمْرُللَّهِقَدَرَّامَّقْدُورًا ) ، متعددة . ولو سألوه عن أول الخلق مطلقا لم يشيروا إليه بهذا ؛ فإن ذاك لم يشهدوه فلا يشيرون إليه بهذا، بل لم يعلموه أيضاً ؛ فإن ذلك لا يعلم إلا بخبر الأنبياء، والرسول صلى الله عليه وسلم لم يخبرم بذلك ، ولو كان قد أخبرم به لما سألوه عنه ، فعلم أن سؤالهم كان ٢١٥ عن أول هذا العالم المشهود . (الوجه الثالث): أنه قال: ((كان الله ولم يكن شيء قبله))، وقد روي: ((معه))، وروي: ((غيره))، والألفاظ الثلاثة في البخاري، والمجلس كان واحداً، وسؤالهم وجوابه كان في ذلك المجلس، وعمران الذي روى الحديث لم يقم منه حين انقضى المجلس ؛ بل قام لما أخبر بذهاب راحلته قبل فراغ المجلس ، وهو المخبر بلفظ الرسول ، فدل على أنه إنما قال أحد الألفاظ ، والآخران رويا بالمعنى . وحينئذ فالذي ثبت عنه لفظ ((القَبْل)) ؛ فإنه قد ثبت فى صحيح مسلم عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول فى دعائه: (( أنت الأول فليس قبلك شيء ، وأنت الآخر فليس بعدك شيء ، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ، وأنت الباطن فليس دونك شيء))، وهذا هُوَ اُلْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَاُلَّهِرُ وَالْبَاطِنُ ) . ) موافق ومفسر لقوله تعالى : وإذا ثبت في هذا الحديث لفظ [القَبْل ] فقد ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم قاله، واللفظان الآخران لم يثبت واحد منها أبداً، وكان أكثر أهل الحديث إنما يروونه بلفظ القبل: ((كان الله ولا شيء قبله))، مثل الحميدي ، والبغوي ، وابن الأثير ، وغيرم . وإذا كان إنما قال: ((كان اللّه ولم يكن شيء قبله)) لم يكن فى هذا اللفظ نعرض لابتداء الحوادث ولا لأول مخلوق . ٢١٦ (الوجه الرابع): أنه قال فيه: (( كان الله ولم يكن شيء قبله ، أو معه، أو غيره، وكان عرشه على الماء ، وكتب في الذكر كل شيء ))، فأخبر عن هذه الثلاثة بلفظ الواو ، لم يذكر فى شيء منها ثم ، وإنما جاء ثم فى قوله: (( خلق السموات والأرض)). وبعض الرواة ذكر فيه خلق السموات والأرض بثم ، وبعضهم ذكرها بالواو . فأما الجمل الثلاث المتقدمة فالرواة متفقون على أنه ذكرها بلفظ الواو ، ومعلوم أن لفظ الواو لا يفيد الترتيب على الصحيح الذي عليه الجمهور ، فلا يفيد الإخبار بتقديم بعض ذلك على بعض ، وإن قدر أن الترتيب مقصود ، إما من ترتيب الذكر لكونه قدم بعض ذلك على بعض ، وإما من الواو عند من يقول به ، فإنما فيه تقديم كونه على كون العرش على الماء ، وتقديم كون العرش على الماء على كتابته فى الذكر كل شيء ، وتقديم كتابته فى الذكر كل شيء على تقديم خلق السموات والأرض ، وليس فى هذا ذكر أول المخلوقات مطلقاً ، بل ولا فيه الإخبار بخلق العرش والماء ، وإن كان ذلك كله مخلوقا كما أخبر به في مواضع أخر ، لكن في جواب أهل اليمن إنما كان مقصوده إخباره إياهم عن بدء خلق السموات والأرض وما بينهما ، وهي المخلوقات التى خلقت فى ستة أيام لا بابتداء ما خلقه الله قبل ذلك. ( الوجه الخامس ) أنه ذكر تلك الأشياء بما يدل على كونها ووجودها ٢١٧ ولم يتعرض لابتداء خلقها ، وذكر السموات والأرض بما يدل على خلقها، وسواء كان قوله: ((وخلق السموات والأرض)) أو (( ثم خلق السموات والأرض)) فعلى التقديرين أخبر بخلق ذلك ، وكل مخلوق محدث كائن بعد أن لم يكن ، وإن كان قد خلق من مادة ، كما فى صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((خلق الله الملائكة من نور ، وخلق الجان من مارج من نار ، وخلق آدم مما وصف لكم)) . فإن كان لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم (( ثم خلق)) فقد دل على أن خلق السموات والأرض بعد ما تقدم ذكره من كون عرشه على الماء ومن كتابته في الذكر، وهذا اللفظ أولى بلفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لما فيه من تمام البيان وحصول المقصود بلفظة الترتيب ، وإن كان لفظه الواو فقد دل سياق الكلام على أن مقصوده أنه خلق السموات والأرض بعد ذلك ؛ وكما دل على ذلك سائر النصوص ؛ فإنه قد علم أنه لم يكن مقصوده الإخبار بخلق العرش ولا الماء ؛ فضلا عن أن يقصد أن خلق ذلك كان مقارناً لخلق السموات والأرض ، وإذا لم يكن فى اللفظ ما يدل على خلق ذلك إلا مقارنة خلقه لخلق السموات والأرض - وقد أخبر عن خلق السموات مع كون ذلك - علم أن مقصوده أنه خلق السموات والأرض حين كان ٢١٨ العرش على الماء ، كما أخبر بذلك فى القرآن ، وحينئذ يجب أن يكون العرش كان على الماء قبل خلق السموات والأرض ، كما أخبر بذلك فى الحديث الصحيح حيث قال: ((قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ، وكان عرشه على الماء )»، فأخبر أن هذا التقدير السابق لخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة حين كان عرشه على الماء . (الوجه السادس) أن النبى صلى الله عليه وسلم: إما أن يكون قد قال: ((كان ولم يكن قبله شيء))؛ وإما أن يكون قد قال: ((ولا شيء معه))؛ ((أو غيره)). فإن كان إنما قال اللفظ الأول لم يكن فيه تعرض لوجوده تعالى قبل جميع الحوادث . وإن كان قد قال الثاني أو الثالث فقوله: ((ولم يكن شيء معه وكان عرشه على الماء وكتب فى الذكر)): إما أن يكون مراده أنه حين كان لا شيء معه كان عرشه على الماء ؛ أو كان بعد ذلك كان عرشه على الماء . فإن أراد الأول كان معناه لم يكن معه شيء من هذا الأمر المسؤول عنه وهو هذا العالم ، ويكون المراد أنه كان الله قبل هذا العالم المشهود وكان عرشه على الماء . وأما القسم الثالث ؛ وهو أن يكون المراد به كان لاشيء معه وبعد ذلك كان عرشه على الماء وكتب فى الذكر ثم خلق السموات ٢١٩ والأرض ، فليس فى هذا إخبار بأول ما خلقه الله مطلقاً ، بل ولا فيه إخباره بخلق العرش والماء ، بل إنما فيه إخباره بخلق السموات والأرض ، ولا صرح فيه بأن كون عرشه على الماء كان بعد ذلك ، بل ذكره بحرف الواو ، والواو للجمع المطلق والتشريك بين المعطوف والمعطوف عليه . وإذا كان لم يبين الحديث أول المخلوقات ولا ذكر متى كان خلق العرش الذي أخبر أنه كان على الماء مقروناً بقوله: ((كان الله ولا شىء معه))، دل ذلك على أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يقصد الإخبار بوجود الله وحده قبل كل شيء ، وبابتداء المخلوقات بعد ذلك ؛ إذ لم يكن لفظه دالا على ذلك ، وإنما قصد الإخبار بابتداء خلق السموات والأرض . ( الوجه السابع ) أن يقال : لا يجوز أن يجزم بالمعنى الذي أراده الرسول صلى الله عليه وسلم إلا بدليل يدل على مراده ، فلو قدر أن لفظه يحتمل هذا المعنى وهذا المعنى لم يجز الجزم بأحدهما إلا بدليل، فيكون إذا كان الراجح هو أحدهما فمن جزم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد ذلك المعنى الآخر فهو مخطئ . ( الوجه الثامن ): أن يقال: هذا المطلوب لو كان حقاً لكان أجل ء من أن يحتج عليه بلفظ محتمل في خبر لم يروه إلا واحد ، ولكان ذكر هذا في القرآن والسنة من أهم الأمور ؛ لحاجة الناس إلى معرفة ٢٢٠