Indexed OCR Text
Pages 501-520
بوبه ، وقال محمد بن عبد الله مطين الحافظ وغيره: إنما هو قبر المغيرة ابن شعبة رضي الله عنه، وعلي رضي الله عنه إنما دفن بقصر الإمارة بالكوفة ، ودفن معاوية بقصر الإمارة بدمشق ، ودفن عمرو بن العاص بقصر الإمارة بمصر ، خوفا عليهم إذا دفنوا فى المقابر البارزة أن ينبشهم الخوارج المارقون ، فإن الخوارج كانوا تعاهدوا على قتل الثلاثة ، فقتل ابن ملجم عليا ، وجرح صاحبه معاوية ، وعمرو كان استخلف رجلاً اسمه خارجة فقتله الخارجي . وقال: أردت عمراً وأراد الله خارجة . فسارت مثلا . فالمقصود أن هذا المشهد إنما أحدث فى دولة الملاحدة دولة بني عبيد . وكان فيهم من الجهل والضلال ومعاضدة الملاحدة وأهل البدع من المعتزلة والرافضة أمور كثيرة ، ولهذا كان فى زمنهم قد تضعضع الإسلام تضعضعاً كثيراً ، ودخلت النصارى إلى الشام ، فإن بنى عبيد ملاحدة منافقون ليس لهم غرض فى الإيمان بالله ورسوله ، ولا فى الجهاد في سبيل الله، بل في الكفر والشرك ومعاداة الإسلام بحسب الإمكان ، وأتباعهم كلهم أهل بدع وضلال ، فاستولت النصارى فى دولتهم على أكثر الشام، ثم قيض الله من ملوك السنة مثل : نور الدين ، وصلاح الدين، وإخوته وأتباعهم ففتحوا بلاد الإسلام ، وجاهدوا الكفار والمنافقين . ٥٠١ ونهى النبى صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها ، لأن المشركين يسجدون للشمس حينئذ ، والشيطان يقارنها ، وإن كان المسلم المصلي لا يقصد السجود لها ، لكن سد الذريعة لئلا يتشبه بالمشركين فى بعض الأمور التى يختصون بها فيفضي إلى ما هو شرك ؛ ولهذا نهى عن محري الصلاة فى هذين الوقتين ، هذا لفظ ابن عمر الذي فى الصحيحين . فقصد الصلاة فيها منهى عنه . وأما إذا حدث سبب تشرع الصلاة لأجله : مثل تحية المسجد ، وصلاة الكسوف ، وسجود التلاوة ، وركعتى الطواف ، وإعادة الصلاة مع إمام الحي ونحو ذلك ، فهذه فيها نزاع مشهور بين العلماء ، والأظهر جواز ذلك واستحبابه ، فإنه خير لا شر فيه، وهو بفوت إذا ترك ، وإنما نهى عن قصد الصلاة وتحريها فى ذلك الوقت لما فيه من مشابهة الكفار بقصد السجود ذلك الوقت ، فما لا سبب له قد قصد فعله في ذلك الوقت ، وإن لم يقصد الوقت ، بخلاف ذي السبب فإنه فعل لأجل السبب فلا تأثير فيه للوقت بحال ، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فى المقبرة عموما فقال: ((الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام))، رواه أهل السنن، وقد روى مسنداً ومرسلاً، وقد محح الحفاظ أنه مسند ، فإن الحمام مأوى الشياطين ، والمقابر نهى عنها ٥٠٢ لما فيه من التشبه بالمتخذين القبور مساجد ، وإن كان المصلى قد لا يقصد الصلاة لأجل فضيلة تلك البقعة ، بل انفق له ذلك . لكن فيه تشبه بمن يقصد ذلك ، فهى عنه كما ينهى عن الصلاة المطلقة وقت الطلوع والغروب ، وإن لم يقصد فضيلة ذلك الوقت لما فيه من التشبه بمن يقصد فضيلة ذلك الوقت وم المشركون ، فنهيه عن الصلاة في هذا الزمان ، كنهيه عن الصلاة في ذلك المكان ، فلما كان الشرك الذي أضل أكثر بنى آدم أصله وأعظمه من عبادة البشر والتماثيل المصورة على صورم ، فإن المشركين قد اعتادوا آلهة يلدون ويولدون ، ويرثون وبورثون ، ويكونون من شيء من الأشياء ، فسألوا النبي صلى اللّه عليه وسلم عن إلهه الذي يعبده: من أي شيء هو؟ أمن كذا أم من كذا ؟ وممن ورث الدنيا؟ ولمن يورثها ؟ فقال تعالى : (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ * اللَّهُ الصََّمَدُ * لَمْ يَلِّدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوا أَحَدٌ). وفى حديث أبى بن كعب ، لأنه ليس أحد يولد إلا يموت ، ولا أحد يرث إلا يورث، يقول : كل من عبد من دون الله قد ولد مثل المسيح والعزير وغيرهما من الصالحين وتماثيلهم ، ومثل الفراعنة المدعين الإلهية ، فهذا مولود يموت، وهو وإن كان ورث من غيره ما هو فيه ، فإذا مات ورثه غيره . والله سبحانه حي لا يموت ، ولا يورث، سبحانه وتعالى، والله أعلم وصلى الله على محمد . ٥٠٣ سورة الفلق وقال شيخ الإسلام ناصر السنة قامع البدعة تقي الدين أحمد بن تيمية نفعنا المولى بعلومه - وهو مما كتبه في القلعة - فصل في (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) قال تعالى: (فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى) وقال تعالى: (فَالِقُ اُلْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ والفلق : فعل بمعنى مفعول ، كالقبض بمعنى المقبوض الَّيْلَ سَكَنًا ) فكل ما فلقه الرب فهو فلق ، قال الحسن : الفلق كل ما انفلق عن شيء : كالصبح ، والحب ، والنوى . قال الزجاج : وإذا تأملت الخلق بان لك أن أكثره عن انغلاق ٥٠٤ كالأرض بالنبات والسحاب بالمطر . وقد قال كثير من المفسرين : الفلق الصبح ، فإنه يقال هذا أبين من فلق الصبح ، وفرق الصبح . وقال بعضهم: الفلق الخلق كله ، وأما من قال : إنه واد فى جهنم أو شجرة فى جهنم، أو أنه اسم من أسماء جهنم ، فهذا أمر لا تعرف صحته ، لا بدلالة الاسم عليه ، ولا بنقل عن النبى صلى الله عليه وسلم ولا فى تخصيص ربوبيته بذلك حكمة ، بخلاف ما إذا قال رب الخلق ، أو رب كل ما انفلق ، أو رب النور الذي يظهره على العباد بالنهار ، فإن في تخصيص هذا بالذكر ما يظهر به عظمة الرب المستعاذ به ، وإذا قيل : الفلق يعم ويخص ، فبعمومه للخلق أستعيد من شر ما خلق ، وبخصوصه للنور النهاري أستعيد من شر غاسق إذا وقب . ( أَقِمِ الصَّلَوةَ فإن الغاسق قد فسر بالليل ، كقوله : لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الَِّلِ) وهذا قول أكثر المفسرين، وأهل اللغة . قالوا : ومعنى ( وَقَبَ ) دخل في كل شيء. قال الزجاج: (الغاسق ) البارد ، وقيل الليل غاسق ، لانه أبرد من النهار ، وقد روى الترمذي والنسائى عن عائشة (( أن النبي صلى الله عليه وسلم: نظر إلى القمر فقال : يا عائشة تعوذي بالله من شره ، فإنه الغاسق إذا وقب » وروى ٥٠٥ من حديث أبى هريرة مرفوعا (( أن الغاسق النجم)) وقال ابن زيد هو الثريا ، وكانت الأسقام والطواعين تكثر عند وقوعها ، وترتفع عند طلوعها ، وهذا المرفوع قد ظن بعض الناس منافاته لمن فسره بالليل ، فجعلوه قولا آخر ، ثم فسروا وقوبه بسكونه . قال ابن قتيبة : ويقال الغاسق القمر إذا كسف واسود . ومعنى وقب دخل فى الكسوف ، وهذا ضعيف ، فإن ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعارض بقول غيره ، وهو لا يقول إلا الحق ، وهو لم يأمر عائشة بالاستعاذة منه عند كسوفه ، بل مع ظهوره ، وقد (وَجَعَلْنَا الَّلَ وَالنَّهَارَ ءَايَنَيْنِّ فَحَوْنَءَايَةَ الَتْلِ وَحَعَلْنَاً قال الله تعالى : ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً) فالقمر آية الليل . وكذلك النجوم إنما تطلع فترى بالليل ، فأمره بالاستعاذة من ذلك أمر بالاستعاذة من آية الليل، ودليله وعلامته ، والدليل مستلزم للمدلول ، فإذا كان شر القمر موجوداً ، فشر الليل موجود ، وللقمر من التأثير ما ليس لغيره ، فتكون الاستعاذة من الشر الحاصل عنه أقوى ، ويكون هذا كقوله عن المسجد المؤسس على التقوى: ((هو مسجدي هذا)) مع أن الآية تتناول مسجد قباء قطعاً. وكذلك قوله عن أهل الكساء: ((هؤلاء أهل بيتى)) مع أن القرآن يتناول نساءه ، فالتخصيص لكون المخصوص أولى بالوصف ، فالقمر أحق ما يكون بالليل بالاستعاذة والليل مظلم، تنتشر فيه شياطين ٥٠٦ الإنس والجن ما لا تنتشر بالنهار ، ويجري فيه من أنواع الشر ما لا يجري بالنهار من أنواع الكفر والفسوق والعصيان والسحر والسرقة والخيانة والفواحش وغير ذلك ، فالشر دائماً مقرون بالظلمة ، ولهذا إنما جعله الله لسكون الآ دميين وراحتهم، لكن شياطين الإنس والجن تفعل فيه من الشر مالا يمكنها فعله بالنهار، ويتوسلون بالقمر وبدعوته، والقمر وعبادته، وأبو معشر البلخي له (( مصحف القمر)) يذكر فيه من الكفريات والسحريات ما يناسب الاستعاذة منه. فذكر سبحانه الاستعاذة من شر الخلق عموما، ثم خص الأمر بالاستعاذة من شر الغاسق إذا وقب ، وهو الزمان الذي بعم شره ، ثم خص بالذكر السحر ، والحسد . فالسحر يكون من الأنفس الخبيثة ، لكن بالاستعانة بالأشياء كالنفث فى العقد . والحسد يكون من الأنفس الخبيثة أيضاً، إما بالعين ، وإما بالظلم باللسان واليد ، وخص من السحر النفاثات فى العقد ، وهن النساء. والحاسد الرجال فى العادة ، ويكون من الرجال ومن النساء . والشر الذي يكون من الأنفس الخبيثة من الرجال والنساء : هو شر منفصل عن الإنسان ، ليس هو فى قلبه كالوسواس الخناس . وفى سورة الناس ذكر ( اُلْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ) فإنه مبدأ الأفعال ٥٠٧ المذمومة من الكفر والفسوق والعصيان ، ففيها الاستعاذة من شر ما يدخل الإنسان من الأفعال التى تضره من الكفر والفسوق والعصيان، وقد تضمن ذلك الاستعاذة من شر نفسه . وسورة الفلق فيها الاستعاذة من شر المخلوقات عموماً وخصوصاً ، ولهذا قيل فيها برب الفلق ، وقيل فى هذه برب الناس ، فإن فالق الإصباح بالنور يزيل بما في نوره من الخير ما فى الظلمة من الشر ، وفالق الحب والنوى بعد انعقادهما يزيل ما فى عقد النفاثات ، فإن فلق الحب والنوى أعظم من حل عقد النفاثات ، وكذلك الحسد هو من ضيق الإنسان وشحه لا ينشرح صدره لإنعام اللّه عليه ، فرب الفلق يزيل ما يحصل بضيق الحاسد وشحه ، وهو سبحانه لا يفلق شيئاً إلا بخير ، فهو فالق الإصباح بالنور الهادي ، والسراج الوهاج الذي به صلاح العباد ، وفالق الحب والنوى بأنواع الفواكه والأقوات التى هي رزق الناس ودوابهم ، والإنسان محتاج إلى جلب المنفعة من الهدى والرزق ، وهذا حاصل بالفلق ، والرب الذي فلق للناس ما يحصل به منافعهم يستعاذ به مما يضر الناس ، فيطلب منه تمام نعمته بصرف المؤذيات عن عبده الذي ابتدأ بإنعامه عليه ، وفلق الشيء عن الشيء هو دليل على تمام القدرة، وإخراج الشيء من ضده كما يخرج الحي من الميت . والميت من الحي ، وهذا من نوع الفلق ، فهو سبحانه قادر على دفع الضد المؤذى بالضد النافع . ٥٠٨ سورة الناس وقال رحمه الله: فصل في (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) إلى آخرها. قوله: (مِن شَرِّالْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِى يُؤَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) فيها أقوال ، ولم يذكر ابن الجوزي إلا قولين، ولم يذكر الثالث وهو الصحيح . وهو أن قوله من الجنة والناس لبيان الوسواس ، أي الذي يوسوس من الجنة ومن الناس فى صدور الناس ، فإن الله تعالى قد أخبر أنه جعل لكل نى عدواً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ، وإيحاؤم هو وسوستهم ، وليس من شرط الموسوس أن يكون مستتراً عن البصر ؛ بل قد يشاهد ، قال (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِىَ تعالى : ◌َهُمَا مَا ؤُدْرِىَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَ تِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَذَكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِأَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَلِينَ * وَقَاسَمَهُمَآ إِى لَكُمَا لَمِنَ النَّصِحِينَ) وهذا كلام من يعرف قائله، ليس شيئاً يلقى فى القلب لا يدرى ممن هو، وإبليس قد أمر بالسجود لآدم فأبى واستكبر ، فلم يكن ممن لا يعرفه آدم ، وهو ونسله يرون بني آدم من حيث لايرونهم ، وأما آدم فقد رآء. ٥٠٩ وقد يرى الشياطين والجن كثير من الإنس ، لكن لهم من الاجتنان (وَإِذْزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ والاستتار ما ليس للإنس ، وقد قال تعالى : أَعْمَلَهُمْ وَقَالَ لَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّ جَارٌلَّكُمْ فَلَمَا تَرَآءَتِ اُلْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِى بَرِىٌّمِنكُمْ) وفى التفسير والسيرة : أن الشيطان جاءهم فى صورة بعض الناس ، وكذلك قوله : (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْقَالَ لِلْإِنسَنِ أَكْفُرْ فَلَمَا كَفَرَ قَالَ إِنِّى بَرِىٌّمِّنِكَ إِنَّ أَخَافُ اَللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ). وفى حديث أبى ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نعوذ بالله من شياطين الإنس والجن ، قلت : أو للإنس شياطين ؟ قال : نعم ! شر من شياطين الجن)). (وَلَقَدْ خَلَقْنَا وأيضاً فالنفس لها وسوسة كما قال تعالى : الْإِنسَنَ وَنَعْلَمُ مَانُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ) فهذا توسوس به نفسه لنفسه، كما يقال حديث النفس ، قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((إن الله تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به )) أخرجاه فى الصحيحين . فالذي يوسوس فى صدور الناس نفوسهم ، وشياطين الجن ، وشياطين الإنس . والوسواس الخناس يتناول وسوسة الجنة ، ووسوسة الإنس ، وإلا ٥١٠ أي معنى للاستعاذة من وسوسة الجن فقط ، مع أن وسوسة نفسه وشياطين الإنس هي مما تضره، وقد تكون أضر عليه من وسوسة الجن ؟ !. وأما قول الفراء : إن المراد من شر الوسواس الذي يوسوس فى صدور الناس : الطائفتين من الجن والإنس ، وإنه سمى الجن ناسا ، كما سماهم رجالا ، وسماهم نفراً فهذا ضعيف ، فإن لفظ الناس أشهر وأظهر وأعرف من أن يحتاج إلى تنويعه إلى الجن والإنس ، وقد ذكر الله تعالى لفظ الناس فى غير موضع. وأيضاً فكونه يوسوس في صدور الطائفتين صفة توضيح وبيان وليس وسوسة الجن معروفة عند الناس ، وإنما يعرف هذا بخبر ، ولا خبر هنا ، ثم قد قال: (مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) فكيف يكون لفظ الناس عاما للجنة والناس ، وكيف يكون قسيم الشيء قسما منه ، فهو يجعل الناس قسيم الجن ، ويجعل الجن نوعا من الناس ، وهذا كما يقول : أكرم العرب من العجم والعرب ، فهل يقول هذا أحد ؟! وإذا سماهم الله تعالى رجالا لم يكن فى هذا دليل على أنهم يسمون ناساً ، وإن قدر أنه يقال جاء ناس من الجن فذاك مع التقييد ، كما يقال إنسان من طين ، وماء دافق ، ولا يلزم من هذا أن يدخلوا فى لفظ الناس ، (يَأَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْرَتَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْمِنِنَّفْسِ وقد قال تعالى : ٥١١ وَحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) فالناس كلهم مخلوقون من آدم وحواء مع أنه سبحانه يخاطب الجن والإنس . والرسول صلى اللّه عليه وسلم مبعوث إلى الجنسين، لكن لفظ الناس لم يتناول الجن ، ولكن يقول يا معشر الجن والإنس . وكذلك قول الزجاج: إن المعنى (مِن شَرِّالْوَسْوَاسِ ) الذي هو الجنة ومن شر الناس فيه ضعف ، وإن كان أرجح من الأول ؛ لأن شر الجن أعظم من شر الإنس ، فكيف بطلق الاستعاذة من جميع الناس ولا يستعيذ إلا من بعض الجن ؟ !. وأيضاً فالوسواس الخناس إن لم يكن إلا من الجنة فلا حاجة إلى قوله (مِنَ الْجِنَّةِ) ومن (النَّاسِ) فلماذا يخص الاستعاذة من وسواس الجنة دون وسواس الناس . وأيضاً فإنه إذا تقدم المعطوف اسماً كان عطفه على القريب أولى، كما أن عود الضمير إلى الأقرب أولى ، إلا إذا كان هناك دليل يقتضي العطف على البعيد ، فعطف الناس هنا على الجنة المقرون به أولى من عطفه على الوسواس . ٥١٢ ويكفي أن المسلمين كلهم يقرأون هذه السورة من زمن نبيهم ولم ينقل هذان القولان إلا عن بعض النحاة ، والأقوال المأثورة عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان ليس فيها شيء من هذا ، بل إنما فيها القول الذي نصرناه ، كما فى تفسير معمر عن قتادة (مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) قال : إن فى الجن شياطين، وإن فى الإنس شياطين، فنعوذ بالله من شياطين الإنس والجن ، فبين قتادة أن المعنى الاستعاذة من شياطين الإنس والجن . وروى ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فى قوله ( الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ) قال : الخناس الذي يوسوس مرة ويخلس مرة من الجن والإنس ، فبين ابن زيد أن الوسواس الخناس من الصنفين وكان يقال : شياطين الإنس أشد على الناس من شياطين الجن : شيطان الجن بوسوس ولا تراه ، وهذا يعاينك معاينة . وعن ابن جريج: (مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) قال: إنهما وسواسان ، فوسواس من الجنة فهو الخناس ، ووسواس من نفس الإنسان فهو قوله: (وَالنَّاسِ) ، وهذا القول الثالث وإن كان يشبه قول الزجاج ، فهذا أحسن منه فإنه جعل من الناس الوسواس الذي من نفس الإنسان، فمعناه أحسن ، ذكر الثلاثة ابن أبى حاتم في تفسيره . ٥١٣ وأيضاً فإنه ذكر في الآية (بِرَبِّ النَّاسِ* مَلِكِ النَّاسِ* إِلَهِ النَّاسِ) فإن كان المقصود أن يستعيذ الناس بربهم وملكهم وإلحهم من شر ما يوسوس فى صدورهم ، فإنه هو الذي يطلب منه الخير الذي ينفعهم ، ويطلب منه دفع الشر الذي يضرهم، والوسواس أصل كل شر يضرهم؛ لأنه مبدأ للكفر والفسوق والعصيان، وعقوبات الرب إنما تكون على ذنوبهم، وإذا لم يكن لأحدهم ذنب فكل ما يصيبه نعمة فى حقه ، وإذا ابتلى بما يؤلمه فإن الله يرفع درجته وبأجره، إذا قدر عدم الذنوب مطلقاً، لكن هذا ليس بواقع منهم ، فإن كل بنى آدم خطاء وخير الخاطئين التوابون، وقد قال تعالى: (وَحَمَلَهَا الْإِنسَنُّ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا * لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ ). فغاية المؤمنين الأنبياء فمن دونهم هي التوبة . قال الله تعالى: (فَلَقَّقْءَادَمُ مِن ◌َّبِّهِ كَلِمَتٍ فَتَابَ عَلَيْهِنَّهُ هُوَالنَّوَابُالرَّحِيمُ) وقال نوح : (رَبِّ إِنَّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْتَلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِ، عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِ وَتَرْحَمْنِىّ أَكُن مِّنَ اُلْخَسِرِينَ) وقال إبراهيم وإسماعيل : (رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآَ أُمَّةً مُسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) وقال موسى : ( أَنْتَ وَلِتُنَافَ عْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَفِرِينَ). ودعاء نبينا بمثل ذلك كثير معروف . ٥١٤ فكان الوسواس مبدأ كل شر ، فإن كانوا قد استعاذوا بربهم وملكهم وإلههم من شره ، فقد دخل في ذلك وسواس الجن والإنس، وسائر شر الإنس إنما يقع بذنوبهم ، فهو جزاء على أعمالهم ، كالشر الذي يقع من الجن بغير الوسواس ، وكما يحصل من العقوبات السماوية وثم لم يستعيذوا هنا من شر المخلوقات مطلقاً، كما استعاذوا فى سورة الفلق ، بل من الشر الذي يكون مبدؤه فى نفوسهم ، وإن كان ذكر رب الناس ملك الناس إله الناس يستعيذون به ليعيذه ، وليعيذ منهم ، وهذا أعم المعنيين ، فذلك يحصل بإعادته من شر الوسواس ، الموسوس في صدور الناس ، فإنه هو الذي يوسوس بظلم الناس بعضهم بعضاً ، وباغواء بعضهم بعضاً ، وبإعانة بعضهم بعضاً على الإثم والعدوان . فما حصل لإنسي شر من إنسي إلا كان مبدؤه من الوسواس الخناس وإلا فما يحصل من أذى بعضهم لبعض إذا لم يكن من الوسواس ، بل كان من الوحي الذي بعث الله به ملائكته كان عدلا، كإقامة الحدود، وجهاد الكفار ، والاقتصاص من الظالمين ، فهذه الأمور فيها ضرر وأذى للظالمين من الإنس ، لكن هي بوحي الله لا من الوسواس ، وهي نعمة من اللّه في حق عباده ، حتى فى حق المعاقب ، فإنه إذا عوقب كان ذلك كفارة له إن كان مؤمناً، وإلا كان تخفيفاً لعذابه في الآخرة بالنسبة إلى عذاب من لم يعاقب في الدنيا . ٥١٥ ولهذا كان محمد - صلى الله عليه وسلم - رحمة فى حق العالمين باعتبار ما حصل من الخير العام به ، وما حصل للمؤمنين به من سعادة الدنيا والآخرة ، وباعتبار أنه فى نفسه رحمة ، فمن قبلها ، وإلا كان هو الظالم لنفسه ، وباعتبار أنه قمع الكفار والمنافقين فنقص شرم ، وعجزوا عما كانوا يفعلونه بدونه ، وقتل من قتل منهم ، فكان تعجيل موتهم خيراً من طول عمرم فى الكفر لهم وللناس، فكان محمد صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين بكل اعتبار ، فلا يستعاذ منه ومن أمثاله من الأنبياء وأتباعهم المؤمنين ، وثم من الناس ، وإن كانوا يفعلون بأعدائهم ما هو أذى وعقوبة وألم لهم، فلم تبق الاستعاذة من الناس إلا مما يأتى به الوسواس إليهم ، فيستعاذ برب الناس ملك الناس إله الناس على هذا التقدير من شر الوسواس الذي يوسوس للمستعيذ ، ومن شر الوسواس الذي يوسوس لسائر الناس ، حتى لا يحصل منهم شر للمستعيد ، فإذا لم يكن للناس شر إلا من الوسواس كانت الاستعاذة من شر الذي يوسوس لهم تحصيلا للمقصود ، وكان حسما للمادة ، وأقرب إلى العدل، وكان مخرجا لأنبياء الله وأوليائه أن يستعاذ من شرم، وأن يقرنوا بالوسواس الخناس ، ويكون ذلك تفضيلا للجن على الإنس ، وهذا لا بقوله عاقل . فإن قيل : فإن كان أصل الشر كله من الوسواس الخناس ، فلا حاجة ٥١٦ إلى ذكر الاستعاذة من وسواس الناس ، فإنه تابع لوسواس الجن . قيل : بل الوسوسة نوعان : نوع من الجن ، ونوع من نفوس (وَلَفَدْ خَقْنَا آلْإِنسَنَ وَنَعْلَمُ مَا تُّوَسْوِسُ بِ نَفْسُهُ) الإنس . كما قال : فالشر من الجهتين جميعاً، والإنس لهم شياطين ، كما للجن شياطين ، والوسوسة من جنس الوشوشة بالشين المعجمة ، يقال فلان بوشوش فلانا ، وقد وشوشه إذا حدثه سراً فى أذنه ، وكذلك الوسوسة، ومنه وسوسة الحلي لكن هو بالسين المهملة أخص . (ورب الناس ) : الذي يربيهم بقدرته ومشيئته وتدبيره، وهو رب العالمين كلهم، فهو الخالق للجميع ، ولأعمالهم . و ( ملك الناس): الذي يأمرهم وينهام، فإن الملك يتصرف بالكلام والجماد لا ملك له ، فإنه لا يعقل الخطاب ، لكن له مالك ، وإنما يكون الملك لمن يفهم عنه، والحيوان يفهم بعضه عن بعض، كما قال: (عُلِّمْنَا (قَالَتْ نَمْلَةٌ يَكَأَيُّهَا النَّمْلُ) فلهذا كان له ملك من جنسه مَنْطِقَ الَّطَّيْرِ) ومن غير جنسه ، كما كان سليمان ملكهم . والإله : هو المعبود الذي هو المقصود بالإرادات والأعمال كلها ، كما قد بسط الكلام على ذلك . وقد قيل : إنما خص الناس بالذكر ؛ لأنهم مستعيذون ، أو لأنهم ٥١٧ المستعاذ من شرهم، ذكرها أبو الفرج، وليس لهما وجه ، فإن وسواس الجن أعظم ولم يذكره، بل ذكر الناس لأنهم المستعيذون، فيستعيذون بربهم الذي يصونهم، وبملكهم الذي أمرهم ونهاهم ، وبالمهم الذي يعبدونه من شر الذي يحول بينهم وبين عبادته ، ويستعيذون أيضاً من شر الوسواس الذي يحصل فى نفوس الناس منهم ومن الجنة ، فإنه أصل الشر الذي يصدر منهم والذي يرد عليهم . فصل وبهذا يتبين بعض هذه الاستعاذة والتى قبلها كما جاءت بذلك الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يستعذ المستعيذون بمثلها، فإن الوسواس أصل كل كفر وفسوق وعصيان ، فهو أصل الشر كله، فتى وقي الإنسان شره وقى عذاب جهنم ، وعذاب القبر ، وفتنة المحيا والمات ، وفتنة المسيح الدجال ، فإن جميع هذه إنما محصل بطريق الوسواس ، ووقي عذاب الله فى الدنيا والآخرة ، فإنه إنما يعذب على الذنوب، وأصلها من الوسواس ، ثم إن دخل فى الآية وسواس غيره بحيث يكون قوله (مِن شَرِّالْوَسْوَاسِ ) استعاذة من الوسواس الذي يعرض له ، والذي يعرض للناس بسببه ، فقد وقى ظلمهم ، وإن كان ٥١٨ إنما يريد وسواسه فهم إنما يسلطون عليه بذنوبه وهي من وسواسه ، قال (أَوَلَمَّا أَصَبَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْأَ صَبْتُم مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّ هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ تعالی : أَنْفُسِكُمْ) وقال: (وَمَا أَصَبَكُمْ مِّن مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) وقال : (مَآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَنَ اللَّهِوَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ). والوسواس من جنس الحديث والكلام ؛ ولهذا قال المفسرون قالوا : ما تحدث به نفسه ، وقد قال فى قوله (مَانُّوَسْوِسُ بِهِنَفْسُهُ) صلى الله عليه وسلم: ((إن الله تجاوز لأمتى ما حدثت به أنفسها ما لم تكلم به أو تعمل به )) . وهو نوعان : خبر ، وإنشاء . فالخبر : إما عن ماض ، وإما عن مستقبل . فالماضي يذكره به، والمستقبل يحدثه بأن يفعل هو أموراً، أو أن أموراً ستكون بقدر الله، أو فعل غيره، فهذه الأماني والمواعيد الكاذبة، والإنشاء أمر ونهي وإباحة والشيطان تارة يحدث وسواس الشر، وتارة ينسى الخير، وكان ذلك بما يشغله به من حديث النفس . قال تعالى في النسيان : ٥١٩ وقال فتی (وَإِمَّا يُنِسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُّ فَلَا نَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىْ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) موسى : (فَإِنِّ نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَآ أَنْسَنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ) وقال تعالى : (فَأَنْسَنُهُ الشَّيْطَنُ ذِكْرَرَبِّهِ). وثبت في الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان وله ضراط ، حتى لا يسمح التأذين ، فإذا قضى التأذين أقبل، فإذا ثوب بالصلاة أدبر ، فإذا قضى التثويب أقبل، حتى يخطر بين المرء ونفسه، فيقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يذكر حتى يظل الرجل لم يدر كم صلى)) فالشيطان ذكره بأمور ماضية ، حدث بها نفسه ، مما كانت فى نفسه من أفعاله ومن غير أفعاله، فبتلك الأمور نسى المصلي كم صلى ، ولم يدر كم صلى ، فإن النسيان أزال ما فى النفس من الذكر ، وشغلها بأمر آخر حتى نسى الأول . وأما إخباره بما يكون فى المستقبل من المواعيد والأماني فكقوله: ( وَقَالَ الشَّيْطَنُ لَمَّا قُضِىَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَلَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدَتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمّ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مِن سُلْطَانٍ إِلَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِى فَلَا تَلُومُونِ وَلُومُواْأَنفُسَكُمْ) وفى هذه الآية أمره ووعده ، وقال تعالى: (وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا * يَعِدُهُمْ وَيُمَّنِّيِهِمٌّ وَمَا يَعِدُ هُمُ الشَّيْطَانُ إِلََّغُرُرًا * أُوْلَكَ مَأْوَنَهُمْ جَهَنَّهُ وَلَا ٥٢٠