Indexed OCR Text

Pages 421-440

اسم وفعل وحرف جاء لمعنى ، ليس باسم ولا فعل . فإنه لما كان معروفا
من اللغة أن الاسم حرف، والفعل حرف خص هذا القسم الثالث الذي
يطلق النحاة عليه الحرف أنه جاء لمعنى ، ليس باسم ولا فعل ، وهذه
حروف المعانى التى يتألف منها الكلام .
وأما حروف الهجاء فتلك إنما تكتب على صورة الحرف المجرد ،
وينطق بها غير معربة ، ولا يقال فيها معرب ولا مبنى ؛ لأن ذلك إنما
يقال في المؤلف ، فإذا كان على هذا القول كل ما سوى هذه محكم
حصل المقصود ، فإنه ليس المقصود إلا معرفة كلام الله ، وكلام رسوله
صلى الله عليه وسلم ، ثم يقال : هذه الحروف قد تكلم فى معناها
أكثر الناس ، فإن كان معناها معروفا فقد عرف معنى المتشابه، وإن
لم يكن معروفا وهي المتشابه كان ما سواها معلوم المعنى. وهذا المطلوب.
( مِنْهُ ءَايَكْتُ مُحْكَمَتُ هُنَّ أُمُ الْكِنَبِ وَأُخَرُ
وأيضاً فإن الله تعالى قال :
مُتَشَبِهَتُ ) وهذه الحروف ليست آيات عند جمهور العلماء ، وإنما يعدها
آيات الكوفيون .
وسبب نزول هذه الآية الصحيح : يدل على أن غيرها أيضا
متشابه ، ولكن هذا القول يوافق ما نقل عن اليهود من طلب علم
المدد من حروف الهجاء .
٤٢١

والرابع : أن المتشابه ما اشتبهت معانيه ، قال مجاهد، وهذا يوافق
قول أكثر العلماء ، وكلهم يتكلم فى تفسير هذا المتشابه، ويبين معناه.
والخامس : أن المتشابه ما تكررت ألفاظه، قاله عبد الرحمن بن زيد
ابن أسلم، قال المحكم ما ذكر الله تعالى فى كتابه من قصص الأنبياء
ففصله وبينه ، والمتشابه هو ما اختلفت ألفاظه فى قصصهم عند التكرير
كما قال فى موضع من قصة نوح : ( أُحِلْ فِيَهَا ) ، وقال فى موضع
آخر : (فَأَسْلُكْ فِيهَا)، وقال فى عصى موسى: (فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَى )
وفى موضع آخر . (فَإِذَاهِىَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ)، وصاحب هذا القول جعل
المتشابه اختلاف اللفظ مع اتفاق المعنى ، كما يشتبه على حافظ القرآن
هذا اللفظ بذاك اللفظ ، وقد صنف بعضهم فى هذا المتشابه ، لأن
القصة الواحدة يتشابه معناها فى الموضعين ، فاشتبه على القارئ أحد
اللفظين بالآخر ، وهذا التشابه لا ينفى معرفة المعانى بلا ريب، ولا يقال
فى مثل هذا إن الراسخين يختصون بعلى تأويله ، فهذا القول إن كان
صحيحا كان حجة لنا ، وإن كان ضعيفا لم يضرنا .
والسادس : أنه ما احتاج إلى بيان كما نقل عن أحمد .
والسابع: أنه ما احتمل وجوها، كما نقل عن الشافعى، وأحمد ،
وقد روي عن أبى الدرداء رضى الله عنه أنه قال: إنك لا تفقه كل
٤٢٢

الفقه حتى ترى للقرآن وجوها، وقد صنف الناس ((كتب الوجوه
والنظائر)) فالنظائر اللفظ الذي اتفق معناه فى الموضعين ، وأكثر .
والوجوه : الذي اختلف معناه ، كما يقال الأسماء المتواطئة والمشتركة ، وإن
كان بينهما فرق، ولبسطه موضع آخر .
وقد قيل : هي نظائر فى اللفظ ومعانيها مختلفة، فتكون كالمشتركة ،
وليس كذلك؛ بل الصواب أن المراد بالوجوه والنظائر هو الأول : وقد
تكلم المسلمون سلفهم وخلفهم فى معانى الوجوه ، وفيما يحتاج إلى بيان
وما يحتمل وجوها فعلم بقينا أن المسلمين متفقون على أن جميع القرآن
مما يمكن العلماء معرفة معانيه وعلم أن من قال إن من القرآن ما لا يفهم
أحد معناه ، ولا يعرف معناه إلا الله، فإنه مخالف لإجماع الأمة مع
مخالفته للكتاب والسنة .
والثامن: أن المتشابه هو القصص والأمثال وهذا أيضا يعرف معناه.
والتاسع : أنه ما يؤمن به ولا يعمل به، وهذا أيضا مما
يعرف معناه .
والعاشر: قول بعض المتأخرين إن المتشابه آيات الصفات ، وأحاديث
الصفات ، وهذا أيضاً مما يعلم معناه ، فإن أكثر آيات الصفات اتفق
٤٢٣

المسلمون على أنه يعرف معناها ، والبعض الذي تنازع الناس فى معناه
إنما ذم السلف منه تأويلات الجهمية ، ونفوا على الناس بكيفيته : كقول
مالك : الاستواء معلوم ، والكيف مجهول، والإيمان به واجب ، والسؤال
عنه بدعة . وكذلك قال سائر أئمة السنة . وحينئذ ففرق بين المعنى
المعلوم ، وبين الكيف المجهول ، فإن سمى الكيف تأويلا ساغ أن يقال:
هذا التأويل لا يعلمه إلا الله، كما قدمناه أولا.
وأما إذا جعل معرفة المعنى وتفسيره تأويلا كما يجعل معرفة سائر
آيات القرآن تأويلا ، وقيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم وجبريل
والصحابة والتابعين ما كانوا يعرفون معنى قوله: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ
أُسْتَوَى ) ولا يعرفون معنى قوله: (مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ)
ولا معنى قوله: (غَضِبَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ) بل هذا عندم بمنزلة
الكلام العجمي ، الذي لا يفهمه العربي . وكذلك إذا قيل كان عندهم
قوله تعالى: ( وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ
وَالسَّمَوَتُ مَطْوِيَتُ بِيَمِينِهِ) وقوله: (لََّتُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُوَهُوَ
يُدْرِلُ اَلْأَبْصَرَ) وقوله: (وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) وقوله: (رَضِىَ
اللَّهُ عَنّهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ) وقوله: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ أَتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ اللَّهَ
وَكَرِهُوَأْرِضْوَنَهُ) وقوله: (وَأَحْسِنُواْإِنَّاللَّهَ يُحِبُّالْمُحْسِنِينَ ) وقوله:
( إِنَّا
وقوله :
( وَقُلِ أَعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ)
٤٢٤

( فَأَجِرُهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَمَ اللَّهِ ) وقوله:
جَعَلْنَهُقُرْءَنَّاعَرَبِيًّا ) وقوله :
(هَلْ
وقوله :
﴿ فَلَمَّا جَآءَ هَا نُودِىَ أَنْ بُورِكَ مَن فِ النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا )
يَنْظُرُونَ إِلَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَبِكَةُ) وقوله: (وَجَءَ
رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفَّاصَفًّا) وقوله: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلََّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَئِكَةُ أَوْيَأْتِىَ
رَبِّكَ أَوْيَأْتِیَ بَعْضُءَايَتِرَیِّكَ ) وقوله
(ثُمَاسْتَوَىَّ إِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ)
وقوله (إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَّهُكُنْ فَيَكُونُ)
إلى أمثال هذه الآيات .
فمن قال عن جبريل ومحمد صلوات الله وسلامه عليها ، وعن
الصحابة والتابعين لهم بإحسان ، وأئمة المسلمين والجماعة : أنهم كانوا
لا يعرفون شيئاً من معاني هذه الآيات، بل استأثر اللّه بعلم معناها ،
كما استأثر بعلم وقت الساعة، وإنما كانوا يقرأون ألفاظاً لا يفهمون لها
معنى ، كما يقرأ الإنسان كلاما لا يفهم منه شيئاً ، فقد كذب على القوم،
والنقول المتواترة عنهم تدل على نقيض هذا ، وأنهم كانوا يفهمون هذا
كما يفهمون غيره من القرآن ، وإن كان كنه الرب عز وجل لا يحيط
به العباد ، ولا يحصون ثناءاً عليه ، فذاك لا يمنع أن يعلموا من أسمائه
وصفاته ما علمهم سبحانه وتعالى ، كما أنهم إذا علموا أنه بكل شيء
عليم ، وأنه على كل شيء قدير، لم يلزم أن يعرفوا كيفية علمه وقدرته.
وإذا عرفوا أنه حق موجود لم يلزم أن يعرفوا كيفية ذاته .
٤٢٥

وهذا مما يستدل به على أن الراسخين فى العلم يعلمون التأويل ،
فإن الناس متفقون على أنهم يعرفون تأويل الحكم ، ومعلوم أنهم
لا يعرفون كيفية ما أخبر الله به عن نفسه فى الآيات المحكمات ، فدل
ذلك على أن عدم العلم بالكيفية لا ينفى العلم بالتأويل الذي هو تفسير
الكلام وبيان معناه ؛ بل يعلمون تأويل المحكم والمتشابه ، ولا يعرفون
كيفية الرب لا فى هذا ، ولا في هذا .
فإن قيل : هذا يقدح فيما ذكرتم من الفرق بين التأويل الذي
يراد به التفسير ، وبين التأويل الذي فى كتاب الله تعالى ، قيل لايقدح
فى ذلك ، فإن معرفة تفسير اللفظ ومعناه وتصور ذلك فى القلب غير
معرفة الحقيقة الموجودة فى الخارج المرادة بذلك الكلام ، فإن الشيء
له وجود فى الأعيان ، ووجود في الأذهان ، ووجود في اللسان ،
ووجود فى البنان . فالكلام لفظ له معنى فى القلب ، ويكتب ذلك
اللفظ بالخط ، فإذا عرف الكلام وتصور معناه فى القلب ، وعبر عنه
باللسان ، فهذا غير الحقيقة الموجودة فى الخارج ، وليس كل من عرف
الأول ، عرف عين الثانى .
مثال ذلك: أن أهل الكتاب يعلمون ما في كتبهم من صفة محمد
صلى الله عليه وسلم وخبره ونعته ، وهذا معرفة الكلام ومعناه وتفسيره،
وتأويل ذلك هو نفس محمد المبعوث ، فالمعرفة بعينه معرفة تأويل ذلك
٤٢٦

الكلام ، وكذلك الإنسان قد يعرف الحج والمشاعر كالبيت والمسجد
ومنى وعرفة ومزدلفة ويفهم معنى ذلك ، ولا يعرف أعيان الأمكنة
حتى بشاهدها ، فيعرف أن الكعبة المشاهدة المذكورة في قوله: ( وَلِلَّهِ
عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ ) وكذلك أرض عرفات هي المذكورة فى قوله:
﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ) وكذلك المشعر الحرام هي
المزدلفة التى بين مأزمي عرفة ، ووادي محسر ، يعرف أنها المذكورة
في قوله: (فَأَذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِالْحَرَامِ ).
وكذلك الرؤيا قد يراها الرجل ، ويذكر له العابر تأ ويلها فيفهمه
ويتصوره : مثل أن يقول : هذا يدل على أنه كان كذا ، ويكون
كذا وكذا ، ثم إذا كان ذلك فهو تأويل الرؤيا ليس تأويلها نفس
(هَذَا تَأْوِيلُ
علمه وتصوره وكلامه ، ولهذا قال يوسف الصديق :
رُوْ يَىَ مِن قَبْلُ) وقال: (لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُزَ فَانِإِلََّ بَأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِ قَبْلَ
فقد أنبأ ها بالتأ ويل قبل أن يأتى التأويل ، والإنباء
أَنْ يَأْتِيَّكُمَا )
ليس هو التأويل ، فالنبي صلى الله عليه وسلم عالم بالتأ ويل، وإن كان
التأ ويل لم يقع بعد ، وإن كان لا يعرف متى بقع ، فنحن نعلم تأ ويل
ما ذكر الله فى القرآن من الوعد والوعيد، وإن كنا لا نعرف متى يقع
هذا التأويل المذكور فى قوله سبحانه وتعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ.
يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ) الآية. وقال تعالى: (لِكُلِّ نَبَلِ مُسْتَقَرٌّ)
٤٢٧

فنحن نعلم مستقر نيا الله ، وهو الحقيقة التى أخبر الله بها . ولا نعلم
متى يكون ، وقد لا نعلم كيفيتها وقدرها ، وسواء فى هذا تأ ويل المحكم
والمتشابه. كما قال الله تعالى: (قُلْ هُوَالْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ
أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْيَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُرْ بَأْسَ بَعْضٍ)
قال النبى صلى الله عليه وسلم إنها كائنة، ولم يأت تأ ويلها
بعد ، فقد عرف تأ ويلها ، وهو وقوع الاختلاف والفتن، وإن لم يعرف
متى بقع ، وقد لا يعرف صفته ولا حقيقته ، فإذا وقع عرف العارف أن
هذا هو التأويل الذي دلت عليه الآية ، وغيره قد لا يعرف ذلك أو
ينساه بعد ما كان عرفه ، فلا يعرف أن هذا تأويل القرآن ، فإنه لما
نزل قوله تعالى: (وَأَتَّقُواْفِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْكُمْ خَضَةً )
قال الزبير : لقد قرأنا هذه الآية زمانا وما أرانا من أهلها ، وإذا نحن
المعنيون بها : (وَأَتَّقُواْفِتْنَةَ لَّا تُصِيبَنَّالَّذِينَ ظَلَمُوْ مِنْكُمْ خَاضَةً ).
وأيضاً فإن الله قد ذم في كتابه من يسمح القرآن ولا يفقه معناه،
وذم من لم يتدبره ومدح من يسمعه ويفقهه ، فقال تعالى : ( وَمِنْهُم
مَّنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ )
الآية ، فأخبر أنهم كانوا
يقولون لأهل العلم : ماذا قال الرسول فى هذا الوقت المتقدم فدل على
أن أهل العلم من الصحابة كانوا يعرفون من معانى كلام رسول الله
صلى الله عليه وسلم ما لا يعرفه غيرهم ، وهؤلاء م الراسخون فى العلم
٤٢٨

الذين يعلمون معانى القرآن محكمه ومتشابهه ، وهذا كقوله تعالى :
(وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِيُهَا لِلنَّاسِّ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلََّ الْعَلِّمُونَ ) فدل على أن
العالمين يعقلونها ، وإن كان غيرم لا يعقلها .
والأمثال: هي المتشابه عند كثير من السلف ، وهي إلى
المتشابه أقرب من غيرها لما بين الممثل والممثل به من التشابه ،
وعقل معناها هو معرفة تأ ويلها الذي يعرفه الراسخون فى العلم دون
غيرم، ويشبه هذا قوله تعالى: (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُواْالْعِلْمَ الَّذِىّ أُنزِلَ إِلَيْكَ
فلولا أنهم
مِن رَّبِّكَ هُوَالْحَقَّ وَيَهْدِىّ إِلَى صِرَطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ )
عرفوا معنى ما أنزل كيف عرفوا أنه حق أو باطل ، وهل يحكم على
كلام لم يتصور معناه أنه حق أو باطل ؟ !
وقال تعالى: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) وقال:
( أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَفًّا كَثِيرًا )
وقال تعالى: (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْالْقَوْلَ أَمْ جَآءَ هُمْ مَالَرْيَأْتِ ءَابَآءَ هُمُ الْأَوَّلِينَ )
وقال تعالى: (فَبَشِرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ )
وقال: (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُ واْ بِثَايَتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُواْ عَلَيْهَا صُمَّا وَعُمْيَانًا)
وقال :
( إِنَّا أَنزَلْتَهُ قُّءَ نَا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ )
وقال :
وقال : ( كِنَبُ
(كِنَبُ أُحْكِمَتْءَايَتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَُّنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ )
٤٢٩

فُصِّلَتْ ءَايَتُهُ قُرْءَانَا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا ) إلى قوله : (وَمِنْ
بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ).
فإذا كان كثير من القرآن أو أكثره مما لا يفهم أحد معناه لم يكن
المتدبر المعقول إلا بعضه، وهذا خلاف ما دل عليه القرآن ، لا سيما
عامة ما كان المشركون ينكرونه كالآيات الخبرية ، والإخبار عن اليوم الآخر
أو الجنة والنار ، وعن نفى الشركاء والأولاد عن الله ، وتسميته بالرحمن
فكان عامة إنكاره لما يخبرهم به من صفات الله نفياً وإثباتاً، وما
يخبرهم به عن اليوم الآخر ، وقد ذم اللّه من لا يعقل ذلك ولا يفقهه
ولا يتدبره .
فعلم أن الله يأمر بعقل ذلك وتدبره ، وقد قال تعالى: (وَمِنْهُم
قَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيَّكَ أَفَانْتَ تُتْمِعُ الضُّمَ وَلَوْ كَانُوْلَا يَعْقِلُونَ * وَمِنْهُمْ مَّنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ
وقال :
أَفَأَنْتَ تَهْدِى الْعُمْىَ وَلَوْ كَانُواْ لَا يُبْصِرُونَ )
(وَمِنْهُمْ مَن يَسْتَمِعُ إِلَيْكٌ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِيَّ اذَانِمْ وَقْرًا ) الآية .
وقال تعالى: (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا
مَّسْتُورًا * وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِيَّاذَانِهِمْ وَقْرًا ) الآية.
وقد استدل بعضهم بأن الله لم ينف عن غيره علم شيء إلا
٤٣٠

كان منفرداً به، كقوله: (قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ)
وقوله: (لَايُجَلِيَهَا لِوَقِهَا إِلَّهُوَ) وقوله: (وَمَايَعْلَمُ جُودَرَّكَ إِلَّهُوَ ).
فيقال ليس الأمر كذلك ، بل هذا بحسب العلم المنفي ، فإن
كان مما استأثر الله به قيل فيه ذلك ، وإن كان مما علمه بعض عباده
(وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّ بِمَا شَآءَ )
ذكر ذلك ، كقوله :
وقوله: (عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ: أَحَدًا) إلى قوله: (رَصَدًا )
(قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِنَبِ )
وقوله :
(شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَإِلَّهُوَ وَالْمَلَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَابِمًا بِالْقِسْطِ )
وقوله :
(لَِّكِنِ اَللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنَزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ) إلى قوله :
وقوله :
( قُل رَِّ أَعْلَمُ بِعِدَتِهِم مَّا يَعْلَهُمْ إِلَّا قَلِلٌ ) وقال
(شَهِيدًا ) وقوله :
للملائكة: (إِنَّ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) وقالت الملائكة: (لَا عِلْمَ لَنَآ إِلَّ مَا
عَلَّمْتَنَا ) وفى كثير من كلام الصحابة الله ورسوله أعلم، وفى
الحديث المشهور: ((أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك
أو أنزلته في كتابك ، أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به فى
علم الغيب عندك )) .
(فَإِن تَزَعْثُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) ،
وقد قال تعالى :
وأول النزاع النزاع في معانى القرآن ، فإن لم يكن الرسول عالماً بمعانيه
٤٣١

امتنع الرد إليه ، وقد اتفق الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر أئمة
الدين أن السنة تفسر القرآن وتبينه ، وتدل عليه وتعبر عن مجمله ،
وأنها تفسر مجمل القرآن من الأمر والخبر . وقال تعالى: (كَانَ
إلى قوله :
النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً فَبَعَثَ اَللَّهُ النَّبِيْنَ مُبَشِرِينَ وَهُنذِرِينَ )
( فِيمَا اخْتَلَفُواْفِيهِ ) .
ومن أعظم الاختلاف الاختلاف فى المسائل العلمية الخبرية المتعلقة
بالإيمان بالله واليوم الآخر ، فلا بد أن يكون الكتاب حاكماً بين
الناس فيما اختلفوا فيه من ذلك ، ويمتنع أن يكون حاكماً إن لم يكن
معرفة معناه ممكناً ، وقد نصب اللّه عليه دليلا ، وإلا فالحاكم الذي يبين
ما فى نفسه لا يحكم بشيء ، وكذلك إذا قيل هو الحاكم بالكتاب ،
فإن حكمه فصل يفصل به بين الحق والباطل ، وهذا إنما يكون بالبيان ،
وقد قال تعالى فى القرآن: (إِنَّهُ لَغَوَلٌ فَضْلُ) أي فاصل يفصل
بين الحق والباطل ، فكيف يكون فصلا إذا لم يكن إلى معرفة
معناه سبيل ؟ ! .
وأيضاً فإن الله قال: (وَمِنْهُمْ أُمُِّّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ إِلَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ
فذم هؤلاء الذين لا يعلمون الكتاب إلا أمانى ،
هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ )
كما ذم الذين يحرفون معناه ويكذبون، فقال تعالى: (أَفَتَظَمَعُونَ أَنْ
يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَمَ اَللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُمِنْ بَعْدِمَا
٤٣٢

عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) إلى قوله: ( أَفَلَانَعْقِلُونَ ) فهذا أحد الصنفين،
ثم قال تعالى: (وَمِنْهُمْ أُمَّتُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ إِلَّ أَمَانِيَّ ) أي تلاوة
(وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ) ثم غم الذين يفترون كتباً يقولون هي من عند الله ،
(فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِنَبَ بِأَيْدِبِهِمْ )
وما هي من عند الله ، فقال :
إلى قوله : ( يَكْسِبُونَ ) .
وهذه الأصناف الثلاثة تستوعب أهل الضلال والبدع، فإن أهل
البدع الذين ذمهم الله ورسوله نوعان:
أحدهما : عالم بالحق يتعمد خلافه ، والثاني جاهل متبع لغيره .
فالأولون : يبتدعون ما يخالف كتاب الله ، ويقولون هو من عند
الله، إما أحاديث مفتريات، وإما تفسير وتأويل للنصوص باطل،
ويعضدون ذلك بما يدعونه من الرأي والعقل ، وقصدم بذلك الرياسة
والمأكل ، فهولاء يكتبون الكتاب بأيديهم ليشتروا به ثمناً قليلا، فويل
لهم مما كتبت أيديهم من الباطل ، وويل لهم مما يكسبون من المال على
ذلك ، وهؤلاء إذا عورضوا بنصوص الكتب الإلهية، وقيل لهم هذه
مخالفكم ، حرفوا الكلم عن مواضعه بالتأويلات الفاسدة ، قال الله تعالى:
( أَفَتَظْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَمَ اَللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ.
مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ).
٤٣٣

وأما النوع الثانى : الجمال . فهؤلاء الأميون الذين لا يعلمون الكتاب
إلا أماني ، وإن هم إلا يظنون . فعن ابن عباس وقتادة فى قوله :
(وَمِنْهُمْ أُمِّنُونَ ) أي غير عارفين بمعاني الكتاب ، يعلمونها حفظاً
وقراءة بلا فهم ، ولا يدرون ما فيه، وقوله: ( إِلَّ أَمَانِىَّ )
أي تلاوة ، فهم لا يعلمون فقه الكتاب ، إنما يقتصرون على ما يسمعونه
يتلى عليهم ، قاله الكسائي والزجاج ، وكذلك قال ابن السائب لا يحسنون
قراءة الكتاب ، ولا كتابته إلا أمانى، إلا ما يحدثهم به علماؤم . وقال
أبو روق وأبو عبيدة أي تلاوة وقراءة عن ظهر القلب ، ولا يقرأونها فى
الكتب، ففي هذا القول جعل الأماني التى هي التلاوة تلاوة الأميين أنفسهم،
وفي ذلك جعله ما يسمعونه من تلاوة علمائهم ، وكلا القولين حق ،
والآية تعمهما فإنه سبحانه وتعالى قال: (لَا يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ ) لم يقل
لا يقرأون ولا يسمعون ، ثم قال : (إِلَّ أَمَانِىَ) وهذا استثناء منقطع .
لكن يعلمون أمانى إما بقراءتهم لها ، وإما بسماعهم قراءة غيرهم ، وإن
جعل الاستثناء متصلا كان التقدير لا يعلمون الكتاب إلا علم أماني ،
لاعلم تلاوة فقط بلا فهم ، والأمانى جمع أمنية وهي التلاوة ، ومنه قوله
تعالى: (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا فِيٍ إِلَّ إِذَا تَمَنَّ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِىَ أُمْنِيَتِهِ.
فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْفِى الشَّيْطَانُ ثُمَّيُحْكِمُ اللَّهُ ءَايَتِهِ، وَاللَّهُ عَلِمُ حَكِيمٌ ) قال
الشاعر :
٤٣٤

وآخرها لاقى حمام المقادر
تمنى كتاب الله أول ليلة
والأميون نسبة إلى الأمة ، قال بعضهم إلى الأمة وما عليه العامة ،
فمعنى الأمي العامى الذي لا تميز له، وقد قال الزجاج هو على خلق
الأمة التى لم تتعلى ، فهو على جبلته ، وقال غيره هو نسبة إلى
الأمة ؛ لأن الكتابة كانت فى الرجال دون النساء ولأنه على ما
ولدته أمه .
والصواب: أنه نسبة إلى الأمة كما يقال عامي نسبة إلى العامة التى لم
تتميز عن العامة بما تمتاز به الخاصة ، وكذلك هذا لم يتميز عن الأمة
بما يمتاز به الخاصة من الكتابة والقراءة ، ويقال الأمي لمن لا يقرأ ولا
يكتب كتابا، ثم يقال لمن ليس لهم كتاب منزل من اللّه يقرأونه وإن
كان قد يكتب ويقرأ مالم ينزل؛ وبهذا المعنى كان العرب كلهم أميين ،
فإنه لم يكن عندهم كتاب منزل من الله، قال اللّه تعالى: (وَقُل لِلَّذِينَ
أُوتُوا الْكِتَبَ وَالْأُمِِّنَ ، أَسْلَمْتُمَّ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ )
وقال :
(هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِ الْأُمِِّّعِنَ رَسُولًاً مِنْهُمْ)
وقد كان فى العرب كثير
ممن يكتب ويقرأ المكتوب ، وكلهم أميون ، فلما نزل القرآن عليهم لم
بقوا أميين باعتبار أنهم لا يقرأون كتابا من حفظهم ، بل ثم يقرأون
القرآن من حفظهم، وأناجيلهم في صدورهم ، لكن بقوا أميين باعتبار
أنهم لا يحتاجون إلى كتابة دينهم ، بل قرآنهم محفوظ فى قلوبهم ، كما
٤٣٥

فى الصحيح عن عياض بن حمار المجاشعي عن النبى صلى الله عليه وسلم
أنه قال: (( خلقت عبادي يوم خلقتهم حنفاء - وقال فيه - إنى
مبتليك ومبتل بك، وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظان))(١).
فأمتنا ليست مثل أهل الكتاب الذين لا يحفظون كتبهم فى قلوبهم ،
بل لو عدمت المصاحف كلها كان القرآن محفوظاً فى قلوب الأمة ، وبهذا
الاعتبار فالمسلمون أمة أمية بعد نزول القرآن وحفظه . كما فى الصحيح
عن ابن عمر رضي الله تعالى منها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
قال: ((إنا أمة أمية لا نحسب ولا نكتب الشهر هكذا وهكذا)). فلم
يقل إنا لا نقرأ كتابا، ولا نحفظ ، بل قال : لا نكتب ولا تحسب ،
فديننا لا يحتاج أن يكتب ويحسب ، كما عليه أهل الكتاب من أنهم
يعلمون مواقيت صومهم وفطرم بكتاب وحساب ، ودينهم معلق
بالكتب لو عدمت لم يعرفوا دينهم ، ولهذا يوجد أكثر أهل السنة يحفظون
القرآن والحديث أكثر من أهل البدع ، وأهل البدع فيهم شبه بأهل
الكتاب من بعض الوجوه .
وقوله: (فَامِنُواْبِلَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيّ ) هو أمي بهذا الاعتبار؛
لأنه لا يكتب ولا يقرأ مافى الكتب ، لا باعتبار أنه لا يقرأ من حفظه ،
بل كان يحفظ القرآن أحسن حفظ ، والأمي فى اصطلاح الفقهاء
خلاف القارئ ؛ وليس هو خلاف الكاتب بالمعنى الأول ، ويعنون به
(١) الحديث في صحيح مسلم ج٤ ص ٢١٩٧ رقم ٢٨٦٥ بلفظ مختلف
٤٣٦

فى الغالب من لا يحسن الفاتحة، فقوله تعالى: (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ
الْكِنَبَ إِلَّ أَمَانِىَ ) أي لا يعلمون الكتاب إلا تلاوة لا يفهمون معناها،
وهذا يتناول من لا يحسن الكتابة ولا القراءة من قبل ، وإنما يسمع
أماني علما ، كما قال ابن السائب ، ويتناول من يقرأه عن ظهر قلبه ولا
يقرأه من الكتاب ، كما قال أبو روق . وأبو عبيدة .
وقد يقال : إن قوله : (لَا يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ ) أي الخط ، أي
لا يحسنون الخط، وإنما يحسنون التلاوة ، ويتناول أيضاً من يحسن
الخط والتلاوة ولا يفهم ما يقرأه ويكتبه ، كما قال ابن عباس وقتادة غير
عارفين معاني الكتاب ، يعلمونها حفظاً وقراءة بلا فهم ، ولا
يدرون ما فيه ، والكتاب هنا المراد به الكتاب المنزل، وهو التوراة ؛
ليس المراد به الخط ، فإنه قال: (وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ) فهذا يدل
على أنه نفى عنهم العلم بمعاني الكتاب ، وإلا فكون الرجل لا يكتب
بيده لا يستلزم أن يكون لا علم عنده ، بل يظن ظنا ؛ بل كثير ممن
يكتب بيده لا يفهم ما يكتب ، وكثير ممن لا يكتب يكون عالماً بمعانى
ما يكتبه غيره .
وأيضاً فإن اللّه ذكر هذا فى سياق النم لهم، وليس فى كون
الرجل لا يخط ذم إذا قام بالواجب ، وإنما الذم على كونه لا يعقل
٤٣٧

الكتاب الذي أنزل إليه ، سواء كتبه وقرأه أو لم يكتبه ولم يقرأه ،
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( هذا أوان يرفع العلم . فقال
له زياد بن لبيد: كيف يرفع العلم وقد قرأنا القرآن فوالله لنقرأنه
ولنقرئنه نساءنا ، فقال له : إن كنت لأحسبك من أفقه أهل المدينة ،
أو ليست التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم )) وهو
حديث معروف ، رواه الترمذي وغيره . ولأنه قال تعالى قبل هذا :
(وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ
فأولئك عقلوه ثم حرفوه ، وم مذمومون سواء
يَعْلَمُونَ)
كانوا يحفظونه بقلوبهم ويكتبونه ويقرأونه حفظاً وكتابة ، أو لم يكونوا
كذلك ، فكان من المناسب أن يذكر الذين لا يعقلونه وهم الذين
لا يعلمونه إلا أمانى، فإن القرآن أنزله الله كتابا متشابها مثانى، ويذكر
فيه الأقسام والأمثال فيستوعب الأقسام، فيكون مثاني ويذكر الأمثال فيكون
متشابها ، وهؤلاء وإن كانوا يكتبون ويقرأون فهم أميون من أهل
الكتاب ، كما نقول نحن لمن كان كذلك هو أمي، وساذج ، وعامي،
وإن كان يحفظ القرآن ويقرأ المكتوب إذا كان لا يعرف معناه .
وإذا كان الله قد ذم هؤلاء الذين لا يعرفون الكتاب إلا تلاوة
دون فهم معانيه ، كما ذم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه من بعد
ما عقلوه وهم يعلمون ، دل على أن كلا النوعين مذموم: الجاهل الذي لا
٤٣٨

يفهم معانى النصوص ، والكاذب الذي يحرف الكلم عن مواضعه ،
وهذا حال أهل البدع ، فإنهم أحد رجلين : إما رجل محرف الكلم
عن مواضعه ، ويتكلم برأيه، ويؤوله بما يضيفه إلى الله فهؤلاء يكتبون
الكتاب بأيديهم ويقولون هو من عند الله ، ويجعلون تلك المقالات
التى ابتدعوها هي مقالة الحق ، وهي التى جاء بها الرسول ، والتى كان
عليها السلف ، ونحو ذلك ثم يحرفون النصوص التى تعارضها . فهؤلاء
إذا تعمدوا ذلك ، وعلموا أن الذي يفعلونه مخالف للرسول ، فهم
من جنس هؤلاء اليهود ، وهذا يوجد فى كثير من الملاحدة ، ويوجد في
بعض الأشياء فى غيرم .
وأما الذين قصدهم اتباع الرسول باطنا وظاهراً ، وغلطوا فيما كتبوه
وتأولوه فهؤلاء ليسوا من جنسهم؛ لكن قد وقع بسبب غلطهم ما
هو من جنس ذلك الباطل ، كما قيل : إذا زل العالم زل بزلته عالم ،
وهذا حال المتأولين من هذه الأمة . وإما رجل مقلد أمي لا يعرف
من الكتاب إلا ما يسمعه منهم ، أو ما يتلوه هو ، ولا يعرف إلا أمانى
وقد ذمه الله على ذلك ، فعلم أن الله ذم الذين لا يعرفون معاني القرآن
ولا يتدبرونه ولا يعقلونه، كما صرح القرآن بذمهم فى غير موضع،
فيمتنع مع هذا أن يقال: إن أكثر القرآن أو كثيرا منه لا يعلمه
أحد من الخلق إلا أماني ، لا جبريل ولا محمد ولا الصحابة ولا أحد من
٤٣٩

المسلمين ، فإن هذا تشبيه لهم بهؤلاء فيما ذمهم الله به .
فإن قيل : أفلا يجب على كل مسلم معرفة معنى كل آية ؟ قيل :
نعم ، لكن معرفة معانى الجميع فرض على الكفاية ، وعلى كل مسلم
معرفة مالا بد منه ، وهؤلاء ذمهم الله لأنهم لا يعلمون معانى الكتاب إلا
تلاوة ، وليس عنده إلا الظن ، وهذا يشبه قوله: (وَإِنَّهُمْ لَفِى سَّكِّ مِّنْهُ
مُرِيبٍ ) .
فإن قيل: فقد قال بعض المفسرين: ( إِلَّ أَمَانِىَّ ) إلا ما يقولونه
بأفواههم كذبا وباطلا ، وروى هذا عن بعض السلف واختاره الفراء .
وقال: ( الأماني ) الأ كاذيب المفتعلة، قال بعض العرب لابن دأب
- وهو يحدث - أهذا شيء رويته أم تمنيته أي افتعلته، فأراد
بالأمانى الأشياء التى كتبها علماؤهم من قبل أنفسهم ثم أضافوها
إلى الله من تغيير صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم:
( الأماني ) يتمنون على اللّه الباطل والكذب، كقولهم: (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ
إِلَّا أَيَّامًا تَعْدُودَةً) وقولهم: (لَن يَدْ خُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودَّا أَوْ نَصَرَى)
وقولهم: (غَحْنُ أَبْنَوْاْللَّهِ وَأَحِبُّؤُهُ) وهذا أيضاً يروى عن
بعض السلف .
قيل : كلا القولين ضعيف ، والصواب الأول ؛ لأنه سبحانه قال :
٤٤٠