Indexed OCR Text
Pages 321-340
قال : والتفضيل بصيغة أفعل ، إنما يكون لما يدل عليه الاسم ، فإذا قيل : هذا أعلم وأحلم ، كان ذلك دالا على الفضيلة فيما دل عليه لفظ العلم والحلم ، فلما قالوا : أجسم ، لما كان أكثر أجزاء دل على أن لفظ الجسم عندم المراد به المركب ، فمن قال جسم وليس بمركب فقد خرج عن لغة العرب . قالوا : وهذه تخليطة في اللفظ ، وإن كنا لا نكفره ، إذا لم يثبت خصائص الجسم من التركيب والتأليف ، وقد نازعهم بعضهم فى قولهم هذا أجسم من هذا ، وقالوا : ليس هذا اللفظ من لغة العرب ، كما يحكى عن أبى زيد فيقال له : لا ريب أن العرب تقول هذا جسيم أي عظيم الجنة . وهذا أجسم من هذا أي أعظم جثة ، لكن كون العرب تعتقد أن ذلك لكثرة الأجزاء التى هي الجواهر الفردة ، إنما يكون إذا كان أهل اللغة قاطبة يعتقدون أن الجسم مركب من الجواهر الفردة ، والجوهر الفرد هو شيء قد بلغ من الصغر والحقارة إلى أنه لا يتميز يمينه من يساره . ومعلوم أن أكثر العقلاء من بني آدم لايتصور الجوهر الفرد ، والذين يتصورونه أكثرهم لا يثبتونه ، والذين أثبتوه إنما يثبتونه بطرق خفية طويلة بعيدة ، فيمتنع أن يكون اللفظ الشائع فى اللغة التى ينطق بها خواصها وعوامها أرادوا به هذا . وقد على بالاضطرار أن أحداً من الصحابة والتابعين لهم بإحسان لم ٣٢١ ينطق بإثبات الجوهر الفرد، ولا بما يدل على ثبوته عنده ، بل ولا العرب قبلهم ، ولا سائر الأمم الباقين على الفطرة ، ولا أتباع الرسل ، فكيف يدعى عليهم أنهم لم يقولوا لفظ جسم إلا لما كان مركبا مؤلفا ؟! ولو قلت لمن شئت من العرب الشمس والقمر والسماء مركب عندك من أجزاء صغار كل منها لا يقبل التجزى ، أو الجبال أو الهواء أو الحيوان أو النبات لم يتصور هذا المعنى إلا بعد كلفة ، ثم إذا تصوره قد يكذبه بفطرته ، ويقول : كيف يمكن أن يكون شيء لا يتميز منه جانب عن جانب ؟! وأكثر العقلاء من طوائف المسلمين وغيرهم ينكرون الجوهر الفرد ، فالفقهاء قاطبة تنكره ، وكذلك أهل الحديث والتصوف. ولهذا كان الفقهاء متفقين على استحالة بعض الأجسام إلى بعض ، كاستحالة العذرة رماداً ، والخنزير ملحا . ثم تكلموا في هذه الاستحالة هل تطهر أم لا تطهر ؟ والقائلون بالجوهر الفرد لا تستحيل الذوات عنده ، بل تلك الجواهر التى كانت في الأول هي بعينها في الثانى ، وإنما اختلف التركيب ، ولهذا يتكلم بلفظ التركيب فى الماء ونحوه من الفقهاء المتأخرين من كان قد أخذ هذا التركيب عن المتكلمين ، ويقول : إن الماء يفارق غيره في التركيب فقط. وكذلك القائلون بالجوهر الفرد عندم أنا لم نشاهد قط إحداث الله تعالى لشىء من الجواهر والأعيان القائمة بنفسها . وأن جميع ما يخلقه من الحيوان والنبات والمعدن والثمار والمطر ٣٢٢ والسحاب وغير ذلك إنما هو جمع الجواهر وتفريقها . وتغيير صفاتها من حال إلى حال ، لا أنه يبدع شيئاً من الجواهر والأجسام القائمة بأنفسها ، وهذا القول أكثر العقلاء ينكره، ويقول: هو مخالف للحس والعقل والشرع ، فضلا عن أن يكون الجسم فى لغة العرب مستلزما لهذا المعنى . ثم الجسم قد يراد به الغلظ نفسه ، وهو عرض قائم بغيره ، وقد يراد به الشيء الغليظ ، وهو القائم بنفسه. فنقول: هذا الثوب له جسم: أي غلظ، وقوله: (وَزَادَهُ بَسْطَةً فِى الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ) قد يحتج به على هذا ، فإنه قرن الجسم بالعلم الذي هو مصدر . فنقول المعنى (زَادَهُ بَسْطَةً ) فى قدره ، فجعل قدر بدنه أكبر من بدن غيره ، فيكون الجسم هو القدر نفسه لا نفس المقدر . وكذلك قوله تعالى: (تُعْجِبُّكَ أَجْسَامُهُمْ) أي صورم القائمة بأبدانهم، كما تقول : أعجبني حسنه وجماله ولونه وبهاؤه، فقد يراد صفة الأبدان، وقد يراد نفس الأبدان ، وم إذا قالوا : هذا أجسم من هذا أرادوا أنه أغلظ وأعظم منه ، أماكونهم يريدون بذلك أن ذلك العظم والغلظ كان لزيادة الأجزاء فهذا مما يعلم قطعاً أنه لم يخطر ببال أهل اللغة ، إلا من أخذ ذلك عمن اعتقده من أهل الكلام المحدث الذي أحدث فى الإسلام بعد انقراض عصر الصحابة ، وأكثر التابعين ، فإن هذا لم ٣٢٣ يعرف فى الإسلام من تكلم به أو بمعناه إلا في أواخر الدولة الأموية ، لما ظهر جهم بن صفوان ، والجعد بن درهم ، ثم ظهر فى المعتزلة . فقد تبين أن من قال : الجسم هو المؤلف المركب ، واعتقد أن الأجسام مركبة من الجواهر الفردة فقد ادعى معنى عقليا ينازعه فيه أكثر العقلاء من بنى آدم ، ولم ينقل عن أحد من السلف أنه وافقه عليه ، وأنه جعل لفظ الجسم في اصطلاحه يدل على معنى لا يدل عليه اللفظ فى اللغة ، فقد غير معنى اللفظ فى اللغة ، وادعى معنى عقليا فيه نزاع طويل ، وليس معه من الشرع ما يوافق ما ادعاه من معنى اللفظ ، ولا ما ادعاء من المعنى العقلي ، فاللغة لا تدل على ما قال ، والشرع لا يدل على ما قال ، والعقل لم يدل على مسميات الألفاظ ، وإنما يدل على المعنى المجرد ، وذلك فيه نزاع طويل ، ونحن نعلم بالاضطرار أن ذلك المعنى الذي وجب نفيه عن اللّه لا يحتاج نفيه إلى ما أحدثه هذا من دلالة اللفظ ، ولا ما ادعاه من المعنى العقلي ، بل الذين جعلوا هذا عمدتهم فى تنزيه الرب على نفى مسمى الجسم ، لا يمكنهم أن ينزهوه عن شيء من النقائص ألبتة، فإنهم إذا قالوا : هذا من صفات الأجسام ، فكل ما أثبتوه هو أيضاً من صفات الأجسام ، مثل كونه حيا عليما قديراً ، بل كونه موجوداً قائما بنفسه ، فإنهم لا يعرفون هذا فى الشاهد ٣٢٤ إلا جسما ، فإذا قال المنازع: أنا أقول فيما نفيتموه نظير قولكم فيما أثبتموه انقطعوا ثم هؤلاء لهم في استحقاق الرب لصفات الكمال عندم ، هل علم بالإجماع فقط ، أو علم بالعقل أيضا ؟ فيه قولان . فمن قال إن ذلك لم يعلم بالعقل كأبى المعالي والرازي وغيرهما لم يبق معهم دليل عقلي ينزهون به الرب عن كثير من النقائص ، هذا إذا لم ينف إلا ما يجب نفيه عن الله، مثل نفيه للنقائص ، فإنه يجب تنزيه الرب عنها ، وينفى عنه مماثلة المخلوقات ، فإنه كما يجب تنزيه الرب عن كل نقص وعيب يجب تنزيهه عن أن يماثله شيء من المخلوقات في شيء من صفات الكمال الثابتة له، وهذان النوعان يجمعان التنزيه الواجب لله، و(قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدٌ) دلت على النوعين . فقوله: ( أحد) مع قوله: (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوا أَحَدٌ) ينفى المائلة والمشاركة ، وقوله : (الصمد ) يتضمن جميع صفات الكمال ، فالنقائص جنسها منفى عن اللّه تعالى، وكل ما اختص به المخلوق فهو من النقائص التى يجب تنزيه الرب عنها ، بخلاف ما يوصف به الرب. ويوصف العبد بما يليق به : مثل العلم والقدرة والرحمة ، ونحو ذلك، فإن هذه ليست نقائص ، بل ما ثبت لله من هذه المعانى فإنه يثبت الله على وجه لا يقاربه فيه أحد من المخلوقات ، فضلا عن أن يماثله فيه ، بل ما خلقه الله في ٣٢٥ الجنة من المآكل والمشارب والملابس ، لا يماثل ما خلقه فى الدنيا وإن انفقا فى الاسم، وكلاهما مخلوق . قال: ابن عباس رضي الله عنها ليس فى الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء ، فقد أخبر الله أن في الجنة لبنا وخمراً وعسلا وماء وحريراً وذهبا وفضة ، وتلك الحقائق ليست مثل هذه، وكلاهما مخلوق . فالخالق تعالى أبعد عن مماثلة المخلوقات من المخلوق إلى المخلوق . وقد سمى الله نفسه عليما، حليما ، رؤوفا رحيما ، سميعا ، بصيرا، عزيزا، ملكا، جبارا ، متكبرا، مؤمنا، عظيما، كريما ، غنيا، شكورا. كبيرا، حفيظا، شهيدا، حقا، وكيلا، وليا ، وسمى أيضا بعض مخلوقاته بهذه الأسماء فسمى الإنسان سميعا بصيرا ، وسمى نبيه رؤوفا رحيما ، وسمى بعض عباده ملكا، وبعضهم شكورا ، وبعضهم عظيما ، وبعضهم حليما وعليما، وسائر ما ذكر من الأسماء مع العلم بأنه ليس المسمى بهذه الأسماء من المخلوقين مماثلا للخالق جل جلاله فى شيء من الأشياء . وكذلك النزاع في لفظ التحيز والجهة ونحو ذلك ، فمن الناس من يقول : هو متحيز ، وهو في جهة ، ومنهم من يقول : ليس بمتحيز ، وليس فى جهة ، ومنهم من يقول : هو فى جهة وليس بمتحيز ، ولفظ المتحيز يتناول الجسم ، والجوهر الفرد ، ولفظ الجوهر قد يراد به ٣٢٦ المتحيز ، وقد يراد به الجوهر الفرد . ومن الفلاسفة من يدعى إثبات جواهر قائمة بأنفسها غير متحيزة. ومتأخروا أهل الكلام كالشهر ستانى والرازى والآمدى ومحوم يقولون: ليس فى العقل ما يحيل ذلك، ولهذا كان من سلك سبيل هؤلاء - وهو إنما يثبت حدوث العالم بحدوث الأجسام - يقول بتقدير وجود جواهر عقلية ، فليس فى هذا الدليل ما يدل على حدوثها ، ولهذا صار طائفة ممن خلط الكلام بالفلسفة إلى قدم الجواهر العقلية ، وحدوث الأجسام ، وأن السبب الموجب لحدوثها هو حدوث تصور من تصورات النفس، وبعض أعيان المصنفين كان يقول بهذا . وكذلك الأرموى صاحب («اللباب)» الذي أجاب عن شبهة الفلاسفة على دوام الفاعلية المتضمنة أنه لا بد للحدوث من سبب ، فأجاب بالجواب الباهر الذي أخذه من كلام الرازي فى ((المطالب العالية)) فإنه أجاب به، وهو في ((المطالب العالية)) يخلط كلام الفلاسفة بكلام المتكلمين ، وهو فى مسألة الحدوث والقدم حائر ، وهذا الجواب من أفسد الأجوبة . فإنه يقال : ما الموجب لحدوث تلك التصورات دائما، ثم إن النفس عندم لابد أن تكون متصلة بالجسم ، فيمتنع وجود نفس بدون جسم . ٣٢٧ وأيضاً فالذي على بالاضطرار من دين الرسل أن كل ما سوى الله مخلوق محدث كائن بعد أن لم يكن . وأيضا فما تثبته الفلاسفة من الجواهر العقلية إنما يوجد فى الذهن لا فى الخارج ، وأما أكثر المتكلمين فقالوا انتفاء هذه معلوم بضرورة العقل . وقد بسط الكلام على هذا فى غير هذا الموضع، وبين أن ما ندعى الفلاسفة إثباته من الجواهر العقلية التى هي العقل والنفس والمادة والصورة فلا حقيقة لها فى الخارج ، وإنما هي أمور معقولة في الذهن يجردها العقل من الأمور المعينة كما يجرد العقل الكليات المشتركة بين الأصناف : كالحيوانية الكلية، والإنسانية الكلية ، والكليات إنما تكون كليات فى الأذهان لا فى الأعيان . ومن هؤلاء من يظن أنها تكون فى الخارج كليات، وأن فى الخارج ماهيات كلية مقارنة للأعيان غير الموجودات المعينة ، وكذلك منهم من يثبت كليات مجردة عن الأعيان يسمونها ((المثل الأفلاطونية))، ومنهم من يثبت دهراً مجردا عن المتحرك والحركة ، ويثبت خلاء مجردا ليس هو متحيزا ولا قائما بمتحيز . ويثبت هيولى مجردة عن جميع الصور ، والهيولى فى لغتهم بمعنى المحل. يقال الفضة هيولى الخاتم والدرم ، والخشب هيولى الكرسي . أي هذا المحل الذي تصنع فيه هذه الصورة ، وهذه الصورة الصناعية عرض من الأعراض ، ويدعون أن للجسم هيولى محل ٣٢٨ الصورة الجسمية غير نفس الجسم القائم بنفسه ، وهذا غلط . وإنما هذا يقدر فى النفس كما يقدر امتداد مجرد عن كل ممتد ، وعدد مجرد عن كل معدود ، ومقدار مجرد عن كل مقدر ، وهذه كلها أمور مقدرة فى الأذهان ، لا وجود لها فى الأعيان . وقد اعترف بذلك من عادته نصر الفلاسفة من أهل النظر . كما قد بسط هذا فى غير هذا الموضع . فالجواهر العقلية التى يثبتها هؤلاء الفلاسفة يعلم بصريح العقل بعد التصور التام انتفاؤها فى الخارج . وأما الملائكة الذين أخبر الله عنهم فهذه لا يعرفها هؤلاء الفلاسفة أتباع أرسطو ، ولا يذكرونها بنفى ولا إثبات ، كما لا يعرفون النبوات ، ولا يتكلمون عليها بنفي ولا إثبات ، إنما تكلم فى ذلك متأخروم كابن سينا وأمثاله ، الذين أرادوا أن يجمعوا بين النبوات وبين الفلسفة ، فلبسوا ودلسوا . وكذلك ((العلة الأولى)) التى يثبتونها لهذا العالم إنما أثبتوا علة غائية يتحرك الفلك للتشبه بها ، وتحريكها للفلك من جنس تحريك الإمام المقتدى به للمؤتم المقتدي ، إذا كان يحب أن يتشبه بإمامه ويقتدى بإمامه، ولفظ ((الإله)» فى لغتهم يراد به المتبوع الإمام الذي يتشبه به، فالفلك عندم يتحرك للتشبه بالإله، ولهذا جعلوا ((الفلسفة العليا)) و ((الحكمة الأولى))، إنما هي التشبه بالإله على قدر الطاقة ، وكلام أرسطو فى على ما بعد الطبيعة فى ((مقالة اللام)) التى هي منتهى فلسفته ٣٢٩ وفى غيرها كله يدور على هذا ، وتارة يشبه تحريكه للفلك بتحريك المعشوق للعاشق ، لكن التحريك هنا قد يكون لمحبة العاشق ذات المعشوق ، أو لغرض يناله منه ، وحركة الفلك عندم ليست كذلك ، بل يتحرك ليتشبه بالعلمة الأولى ، فهو يحبها أي يجب التشبه بها ، لا يحب أن يعبدها ، ولا يحب شيئاً يحصل منها ، ويشبه ذلك أرسطو بحركة النواميس لأنباعها ، أي أتباع الناموس قائمون بما فى الناموس ، ويقتدون به ، والناموس عندهم هي السياسة الكلية للمدائن التى وضعها لهم ذوو الرأي والعقل ، لمصلحة دنيام ؛ لئلا يتظالموا ولا تفسد دنيام . ومن عرف النبوات منهم يظن أن شرائح الأنبياء من جنس نواميسهم ، وأن المقصود بها مصلحة الدنيا ؛ بوضع قانون عدلي ؛ ولهذا أوجب ابن سينا وأمثاله النبوة ، وجعلوا النبوة لا بد منها لأجل وضع ء هذا الناموس ، ولما كانت الحكمة العملية عندم هي الخلقية ، والمنزلية ، والمدنية : جعلوا ما جاءت به الرسل من العبادات والشرائح والأحكام هي من جنس الحكمة الخلقية ، والمنزلية ، والمدنية . فإن القوم لايعرفون الله، بل م أبعد عن معرفته من كفار اليهود والنصارى بكثير . وأرسطو المعلم الأول من أجهل الناس برب العالمين إلى الغاية . لكن لهم معرفة جيدة بالأمور الطبيعية ، وهذا بحر علىهم ، وله تفرغوا ، ٣٣٠ وفيه ضيعوا زمانهم ، وأما معرفة الله تعالى فحظهم منها مبخوس جداً، وأما ملائكته وأنبياؤه وكتبه ورسله والمعاد . فلا يعرفون ذلك ألبتة ، ولم يتكلموا فيه لا بنفى ولا إثبات ، وإنما تكلم فى ذلك متأخروم الداخلون في الملل . وأما قدماء اليونان فكانوا مشركين من أعظم الناس شركا وسحراً، يعبدون الكواكب والأصنام ، ولهذا عظمت عناياتهم بعلم الهيئة والكواكب لأجل عبادتها . وكانوا يبنون لها الهياكل ، وكان آخر ملوكهم ( بطليموس ) صاحب ((المجسطي))، ولما دخلت الروم فى النصرانية فجاء دين المسيح صلوات الله عليه وسلامه أبطل ما كانوا عليه من الشرك . ولهذا بدل من بدل دين المسيح فوضع ديناً مركباً من دين الموحدين ودين المشركين ، فإن أولئك كانوا يعبدون الشمس والقمر والكواكب ، ويصلون لها ويسجدون ، فجاء قسطنطين ملك النصارى ومن اتبعه فابتدعوا الصلاة إلى المشرق ، وجعلوا السجود إلى الشمس بدلا عن السجود لها ، وكان أولئك يعبدون الأصنام المجسدة التى لها ظل ، فجاءت النصارى وصورت تماثيل القداديس فى الكنائس ، وجعلوا الصور المرقومة فى الحيطان والسقوف بدل الصور المجسدة القائمة بأنفسها التى لها ظل . ٣٣١ وأرسطو كان وزير الإسكندر بن فيلبس المقدوني - نسبة إلى مقدونية - وهي جزيرة هؤلاء الفلاسفة اليونانيين ، الذين يسمون المشائين ، وهي اليوم خراب أو غمرها الماء ، وهو الذي يؤرخ له النصارى واليهود التاريخ الرومي ، وكان قبل المسيح بنحو ثلاثمائة سنة ، فيظن من يعظم هؤلاء الفلاسفة أنه كان وزيرا لذي القرنين المذكور فى القرآن ، ليعظم بذلك قدره ، وهذا جهل ؛ فإن ذا القرنين كان قبل هذا بمدة طويلة جداً ، وذو القرنين بنى سد يأجوج ومأجوج، وهذا المقدوني ذهب إلى بلاد فارس ، ولم يصل إلى بلاد الصين ؛ فضلا عن السد . والملائكة التى أخبر اللّه ورسوله بها لا يعلم عددهم إلا اللّه تعالى، ليسوا عشرة ولا تسعة، وهم عباد الله أحياء، ناطقون، ينزلون إلى الأرض ، ويصعدون إلى السماء ، ولا يفعلون إلا بإذن ربهم . كما أخبر الله عنهم بقوله: (وَقَالُواْاتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدَّأْسُبْحَنَهُ, بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِهِمْ وَمَاخَلْفَهُمْ وقال تعالى : وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّ لِمَنْ أَرْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشَْتِهِ، مُشْفِقُونَ ) ( وَكَ مِّن مَّلَكٍ فِ السَّمَوَتِ لَا تُغْنِى شَفَعَنُهُمْ شَيْئًا إِلَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَ ) وأمثال هذه النصوص . وهؤلاء يدعون أن العقول قديمة أزلية ، وأن العقل الفعال هو ٣٣٢ رب كل ما تحت هذا الفلك ، والعقل الأول هو رب السموات والأرض وما بينهما ، والملاحدة الذين دخلوا معهم من أتباع بنى عبيد : كأصحاب رسائل إخوان الصفا ، وغيرهم ، وكملاحدة المتصوفة : مثل ابن عربي، وابن سبعين ، وغيرهما يحتجون لمثل ذلك بالحديث الموضوع: « أول ما خلق الله العقل)). وفي كلام أبي حامد الغزالي فى ((الكتب المضنون بها على غير أهلها )) وغير ذلك من معانى هؤلاء قطعة كبيرة، ويعبر عن مذاهبهم بلفظ الملك والملكوت والجبروت ، ومراده بذلك الجسم والنفس والعقل . فيأخذ هؤلاء العبارات الإسلامية ، ويودعونها معانى هؤلاء ، وتلك العبارات مقبولة عند المسلمين ، فإذا سمعوها قبلوها ثم إذا عرفوا المعانى التى قصدها هؤلاء ضل بها من لم يعرف حقيقة دين الإسلام ، وأن هذه معانى هؤلاء الملاحدة ليست هي المعانى التى عناها محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإخوانه المرسلون: مثل موسى وعيسى - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. ولهذا ضل كثير من المتأخرين بسبب هذا الالتباس ، وعدم المعرفة بحقيقة ما جاء به الرسول ، وما يقوله هؤلاء حتى يضل بهم خلق من أهل العلم والعبادة والتصوف ، ومن ليس له غرض في مخالفة محمد صلى الله عليه وسلم، بل يجب اتباعه مطلقاً، ولو عرف أن هذا مخالف لما جاء به لم يقبله ، لكن لعدم كمال علمه بمعانى ما أُخبر ٣٣٣ به الرسول ومقاصد هؤلاء ، يقبل هذا . لا سيما إذا كان المتكلم به ممن له نصيب وافر في العلم والكلام والتصوف والزهد والفقه والعبادة. ورأى الطالب أن هذا مرتبته فوق مرتبة الفقهاء الذين إنما يعرفون الشرع الظاهر ، وفوق مرتبة المحدث ، الذي غايته أن ينقل ألفاظاً لا يعلم معانيها ، وكذلك المقرئ والمفسر ، ورأى من يعظمه من أهل الكلام ، إما موافق لهم وإما خائف منهم ، ورأى بحوث المتكلمين معهم في مواضع كثيرة لم يأتوا بتحقيق ببين فساد قولهم ، بل تارة يوافقونهم على أصول لهم تكون فاسدة ، وتارة يخالفونهم فى أمر قالته الفلاسفة ويكون حقاً ، مثل من يرى كثيراً من المتكلمين يخالفهم فى أمور طبيعية ورياضية ظاناً أنه ينصر الشرع ، ويكون الشرع موافقاً لما علم بالعقل . مثل استدارة الأفلاك ، فإنه لم يعلم بين السلف خلاف في أنها مستديرة والآثار بذلك معروفة ، والكتاب والسنة قد دلا على ذلك ، وكذلك استحالة الأجسام بعضها إلى بعض ، هو مما اتفق عليه الفقهاء ، كما قال هؤلاء . إلى أمور أخر . لكن كثير من المتكلمين أو أكثرهم لا خبرة لهم بما دل عليه الكتاب والسنة وآثار الصحابة والتابعين لهم بإحسان؛ بل ينصر مقالات يظنها دين المسلمين ، بل إجماع المسلمين ، ولا يكون قد قالها أحد من ٣٣٤ السلف؛ بل الثابت عن السلف مخالف لها ، فلما وقع بين المتكلمين تقصير وجهل كثير بحقائق العلوم الشرعية ، وهم فى العقليات تارة يوافقون الفلاسفة على باطلهم ، وتارة يخالفونهم فى حقهم ، صارت المناظرات بينهم دولا . وإن كان المتكلمون أصح مطلقاً في العقليات الإلهية والكلية . كما أنهم أقرب إلى الشرعيات من الفلاسفة ؛ فإن الفلاسفة كلامهم فى الإلهيات والكليات العقلية كلام قاصر جداً، وفيه تخليط كثير ، وإنما يتكلمون جيداً فى الأمور الحسية الطبيعية ، وفى كلياتها ، فكلامهم فيها فى الغالب جيد . وأما الغيب الذي تخبر به الأنبياء ، والكليات العقلية التى نعم الموجودات كلها ، وتقسيم الموجودات كلها قسمة صحيحة فلا يعرفونها ألبتة ؛ فإن هذا لا يكون إلا ممن أحاط بأنواع الموجودات ، وهم لا يعرفون إلا الحسيات وبعض لوازمها ، وهذا معرفة بقليل من الموجودات جداً ، فإن ما لا يشهده الآدميون من الموجودات أعظم قدراً وصفة مما يشهدونه بكثير . ولهذا كان هؤلاء الذين عرفوا ما عرفته الفلاسفة إذا سمعوا أخبار الأنبياء بالملائكة والعرش والكرسي والجنة والنار ، وهم يظنون أن لا موجود إلا ما علموه م والفلاسفة : يصيرون حائرين متأولين لكلام الأنبياء على ما عرفوه ، وإن كان هذا لا دليل عليه ، وليس لهم بهذا ٣٣٥ النفي علم؛ فإن عدم العلم ليس علما بالعدم ، لكن نفيهم هذا كنفي الطبيب للجن ؛ لأنه ليس في صناعة الطب ما يدل على ثبوت الجن ، وإلا فليس فى علم الطب ما ينفي وجود الجن ، وهكذا تجد من عرف نوعا من العلم وامتاز به على العامة الذين لا يعرفونه فيبقى بجهله نافياً لما لم يعلمه ، وبنوا آدم ضلالهم فيما جحدوه ونفوه بغير على أكثر من ضلالهم فيما (بَلْ كَذَّبُواْبِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ، وَلَمَّايَأْتِهِمْ أثبتوه وصدقوا به . قال تعالى : تَأْوِيلُهُ ) وهذا لأن الغالب على الآدميين صحة الحس والعقل ، فإذا أثبتوا شيئاً وصدقوا به كان حقاً . ولهذا كان التواتر مقبولا من جميع أجناس بني آدم ؛ لأنهم يخبرون عما شاهدوه وسمعوه ، وهذا أمر لا يشترك الخلق العظيم فى الغلط فيه ، ولا فى تعمد الكذب فيه ، فإذا علم أنهم لم يتواط واعليه، ولم يأخذه بعضهم عن بعض ، كما تؤخذ المذاهب والآراء التى يتلقاها المتأخر عن المتقدم ، وقد علم أن هذا مما لا يغلط فيه عادة علم قطعاً صدقهم ، فإن المخبر إما أن يتعمد الكذب ، وإما أن يغلط ، وكلاهما مأمون فى المتواترات ، بخلاف ما نفوه وكذبوا به ، فإن غالبهم أو كثيراً منهم ينفون ما لا يعلمون ، ويكذبون بما لم يحيطوا بعلمه . فصار هؤلاء الذين ظنوا الموجودات ما عرفه هؤلاء المتفلسفة ، إذا سمعوا ما أخبرت به الأنبياء من العرش والكرسي قالوا : العرش هو ٣٣٦ الفلك التاسع، والكرسي هو الثامن ، وقد تكلمنا على ذلك فى ((مسألة الإحاطة)) وبينا جهل من قال هذا عقلا وشرعا، وإذا سمعهم يذكرون الملائكة ظن أنهم العقول والنفوس التى يثبتها المتفلسفة ، والقوى التى في الأجسام ، وكذلك الجن والشياطين يظن أنها أعراض قائمة بالنفوس ، حيث كان هذا مبلغه من العلم ، وكذلك يظن ماذكره ابن سينا وأمثاله من أن الغرائب فى هذا العالم سبيها قوة فلكية ، أو طبيعية أو نفسانية ويجعل معجزات الأنبياء من باب القوى النفسانية ، وهي من جنس السحر ، لكن الساحر قصده الشر ، والنبى قصده الخير ، وهذا كله من الجهل بالأمور الكلية المحيطة بالموجودات وأنواعها ، ومن الجهل بما جاء به الرسول ، فلا يعرفون من العلوم الكلية ولا العلوم الإلهية إلا ما يعرفه الفلاسفة المتقدمون ، وزيادات تلقوها عن بعض أهل الكلام ، أو عن أهل الملة . فلهذا صار كلام المتأخرين كابن سينا وأمثاله فى الإلهيات والكليات أجود من كلام سلفه ، ولهذا قربت فلسفة اليونان إلى أهل الإلحاد المبتدعة من أهل الملل ، لما فيها من شوب الملة ، ولهذا دخل فيها بنو عبيد الملاحدة ، فأخذوا عن هؤلاء الفلاسفة الصابئة المشركين العقل والنفس ، وعن المجوس النور والظلمة ، وسموه ثم السابق والتالي ، وكذلك الملاحدة المنتسبون إلى التصوف والتأله : كابن سبعين ، وأمثاله سلكوا ٣٣٧ مسلكا جمعوا فيه بزعمهم بين الشرع والفلسفة ، وهم ملاحدة ليسوا من الثنتين والسبعين فرقة ،. وقد بسط الكلام على هؤلاء وهؤلاء في غير هذا الموضع . وإنما ذكروا هنا لأن أهل الكلام المحدث صاروا - لعدم علمهم بما علمه السلف وأئمة السنة من الكتاب والسنة وآثار الصحابة ، ولما وقعوا فيه من الكلاميات الباطلة - يدخل بسبيهم هؤلاء الفلاسفة في الإسلام أموراً باطلة ، ويحصل بهم من الضلال والغي مالا يتسع هذا الموضع لذكره . ولما أحدثت الجهمية محنتهم ، ودعوا الناس إليها وضرب أحمد بن حنبل فى سنة عشرين ومائتين ، كان مبدأ حدوث القرامطة الملاحدة الباطنية من ذلك الزمان ، فصارت البدع باب الإلحاد ، كما أن المعاصى بريد الكفر، ولبسط هذا موضع آخر. والمقصودهنا: الكلام على لفظ التحيز والجهة ، وهؤلاء المتكلمون المتفلسفة صار بينهم نزاع فى الملائكة . هل هي متحيزة أم لا ؟ فمن مال إلى الفلسفة ورأى أن الملائكة هي العقول والنفوس التى يثبتها الفلاسفة ، وأن تلك ليست متحيزة، قال: إن الملائكة ليست متحيزة، لا سيما وطائفة من الفلاسفة لم تجعل عددها عشرة عقول وتسعة نفوس ، كما ٠ ٣٣٨ هو المشهور عن المشائين ، بل قال : لا دليل على نفى الزيادة ، ورأى النبوات قد أخبرت بكثرة الملائكة ، فأراد أن يثبت كثرتهم بطريقة فلسفية ، كما فعل ذلك أبو البركات صاحب ((المعتبر)) والرازي في ((المطالب العالية)) وغيرهما . وأما المتكلمون فإنهم يقولون : إن كل ممكن أوكل محدث، أوكل مخلوق: فهو إما متحيز، وإما قائم بمتحيز، وكثير منهم يقول : كل موجود إما متحيز ، وإما قائم بمتحيز ، ويقولون : لا يعقل موجود إلا كذلك ، كما قاله طوائف من أهل الكلام والنظر ، ثم المتفلسفة كابن سينا وأتباعه، والشهرستانى والرازي وغيرهم ، لما أرادوا إثبات موجود ليس كذلك ، كان أكبر عمدتهم إثبات الكليات كالإنسانية المشتركة، والحيوانية المشتركة ، وإذا كانت هذه لا تكون كليات إلا فى الذهن ، فلم ينازعهم الناس فى ذلك ، وإنما نازعوم في إثبات موجود خارج الذهن قائم بنفسه ، لا يمكن الإحساس به بحال ، بل لا يكون معقولا . وقالوا لهم : المعقول ما كان فى العقل ، وأما ما كان موجوداً قائماً بنفسه فلا بد أن يمكن الإحساس به ، وإن لم نحس نحن به فى الدنيا، كما لا نحس بالجن والملائكة وغير ذلك، فلا بد أن يحس به غيرنا كالملائكة والجن ، وأن يحس به بعد الموت ، أو فى الدار الآخرة ، أو ٣٣٩ يحس به بعض الناس دون بعض فى الدنيا ، كالأنبياء الذين رأوا الملائكة ، وسمعوا كلامهم. وهذه الطريقة - وهو أن كل قائم بنفسه يمكن رؤيته - هي التى سلكها أئمة النظار : كابن كلاب وغيره، وسلكها ابن الزاغونى وغيره. وأما من قال : إن كل موجود يجوز رؤيته أو يجوز أن يحس بسائر الحواس الخمس، كما يقوله الأشعري وموافقوه كالقاضي أبي يعلى ، وأبى المعالي وغيرهما ، فهذه الطريقة مردودة عند جماهير العقلاء ، بل يقولون فسادها معلوم بالضرورة ، بعد التصور التام كما بسط فى موضعه . وكذلك نزاعهم فى روح الإنسان التى تفارقه بالموت على قول الجمهور الذين يقولون: هي عين قائمة بنفسها ، ليست عرضاً من أعراض البدن كالحياة وغيرها ، ولا جزءاً من أجزاء البدن كالهواء الخارج منه ، فإن كثيراً من المتكلمين زعموا أنها عرض قائم بالبدن ، أو جزء من أجزاء البدن ، لكن هذا مخالف للكتاب والسنة ، وإجماع السلف والخلف، ولقول جماهير العقلاء من جميع الأمم، ومخالف للأدلة العقلية. وهذا مما استطال به الفلاسفة على كثير من أهل الكلام . قال القاضي أبو بكر : أكثر المتكلمين على أن الروح عرض من الأعراض، ٣٤٠