Indexed OCR Text
Pages 241-260
على انتفاء الملزوم ، وبأنه خالق كل شىء ، وكل ما سواه مخلوق له ، ليس فيه شيء مولود له . والثاني: نفاه بكونه سبحانه الصمد ، وهذا المتولد من أصلين يكون يجزئين ينفصلان من الأصلين ، كتولد الحيوان من أبيه وأمه بالمنى الذي ينفصل من أبيه وأمه ، فهذا التولد يفتقر إلى أصل آخر ، وإلى أن يخرج منها شيء ، وكل ذلك ممتنع فى حق الله تعالى، فإنه أحد فليس له كفؤ يكون صاحبة ونظيراً ، وهو صمد لا يخرج منه شيء ، فكل واحد من كونه أحداً، ومن كونه صداً يمنع أن يكون والداً، ويمنع أن يكون مولوداً بطريق الأولى والأحرى . وكما أن التوالد فى الحيوان لا يكون إلا من أصلين - سواء كان الأصلان من جنس الولد ، وهو الحيوان المتوالد أو من غير جنسه ، وهو المتولد - فكذلك فى غير الحيوان كالنار المتولدة من الزندين ، سواء كانا خشبتين ، أو كانا حجراً وحديداً، أو غير ذلك قال الله تعالى: ( فَالْمُورِبَتِ قَدْحًا) وقال تعالى: (أَفَرَءَ يْتُمُ النَّارَالَّتِى تُوُرُونَ * ءَ أَنْتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ * فَحْنُ جَعَلْنَهَا تَذْكِرَةً وَمَعًا لِلْمُقْوِينَ ) وقال تعالى: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًاً وَنَسِىَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِ الْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْبِيهَا الَّذِىّ أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيهُ * الَّذِى جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِنَارًا فَإِذَا أَنْتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ ) ٢٤١ قال غير واحد من المفسرين هما شجرتان يقال لإحداهما : المرخ ، والأخرى العفار . فمن أراد منها النار قطع منها غصنين مثل السواكين، وهما خضراوان يقطر منها الماء ، فيسحق المرخ - وهو ذكر - على العفار . - وهو أنثى - فتخرج منها النار بإذن الله تعالى، وتقول العرب فى كل شجر نار ، واستمجد المرخ والعفار . وقال بعض الناس فى كل شجرة نار إلا العناب، (فَإِذَا أَنْتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ ) فذلك زنادم . وقد قال أهل اللغة الجوهرى وغيره : الزند العود الذي يقدح به النار ، وهو الأعلى. والزبدة السفلى فيها ثقب، وهي الأنثى ، فإذا اجتمعا قيل زندان . وقال أهل الخبرة بهذا : إنهم يسحقون الثقب الذي فى الأنثى بالأعلى كما يفعل ذكر الحيوان فى أنثاه ، فبذلك السحق والحك يخرج منها أجزاء ناعمة تنقدح منها النار ، فتتولد النار من مادة الذكر والأنثى كما يتولد الولد من مادة الرجل والمرأة ، وسحق الأنثى بالذكر وقدحها به يقتضي حرارة كل منها ، ويتحلل من كل منها مادة تنقدح منها النار كما أن إيلاج ذكر الحيوان فى أنثاه بقدح وحك فرجها بفرجه ، فتقوى حرارة كل منهما ، ويتحلل من كل منهما مادة تمتزج بالأخرى ، ويتولد منها الولد ، ويقال : علقت النار فى المحل الذي يقدح عليه ، الذي هو ٢٤٢ كالرحم للولد ، وهو الحراق والصوفان ، ونحو ذلك مما يكون أسرع قبولا للنار من غيره ، كما علقت المرأة من الرجل ، وقد لا تعلق النار كما قد لا تعلق المرأة ، وقد لا تنقدح نار كما لا ينزل مني ، والنار ليست من جنس الزنادين ، بل تولد النار منها كتولد حيوان من الماء والطين ، فإن الحيوان نوعان متوالد كالإنسان وبهيمة الأنعام ، وغير ذلك مما يخلق من أبوين ، ومتولد كالذي يتولد من الفاكهة والخل ، وكالقمل الذي يتولد من وسخ جلد الإنسان ، وكالفأر والبراغيث وغير ذلك مما يخلق من الماء والتراب . وقد تنازع الناس فيما يخلقه الله من الحيوان والنبات والمعدن والمطر والنار التى تورى بالزناد وغير ذلك هل تحدث أعيان هذه الأجسام فيقلب هذا الجنس إلى جنس آخر . كما يقلب المنى علقة ثم مضغة ، أولا تحدث إلا أعراض وأما الأعيان التى هي الجواهر فهي باقية بغير صفاتها بما يحدثه فيها من الأكوان الأربعة : الاجتماع ، والافتراق ، والحركة ، والسكون ؟ على قولين : فالقائلون بأن الأجسام مركبة من الجواهر المنفردة . التى لا تقبل التجزي كما يقوله كثير من أهل الكلام . وإما من جواهر لانهاية لها كما يحكى عن النظام. ٢٤٣ فالقائلون بأن الأجسام مركبة من الجواهر يقولون : إن الله لا يحدث شيئاً قائماً بنفسه، وإنما يحدث الأعراض التى هي الاجتماع والافتراق، والحركة والسكون وغير ذلك من الأعراض . ثم من قال منهم بأن الجواهر محدثة قال: إن الله أحدثها ابتداء، ثم جميع ما يحدثه إنما هو إحداث أعراض فيها لا يحدث اللّه بعد ذلك جواهر ، وهذا قول أكثر المعتزلة والجهمية والأشعرية ونحوم ، ومن أكبر هؤلاء من يظن أن هذا مذهب المسلمين ، ويذكر إجماع المسلمين عليه ، وهو قول لم يقل به أحد من سلف الأمة ، ولا جمهور الأمة ؛ بل جمهور الأمة حتى من طوائف أهل الكلام ينكرون الجوهر الفرد ، وتركب الأجسام من الجواهر ، وابن كلاب إمام أتباعه هو ممن ينكر الجوهر الفرد وقد ذكر ذلك أبو بكر بن فورك فى مصنفه الذي صنفه فى مقالات ابن كلاب ، وما بينه وبين الأشعري من الخلاف، وهكذا نفي الجوهر الفرد قول الهشامية والضرارية ، وكثير من الكرامية والتجارية أيضاً . وهؤلاء القائلون بأن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة : المشهور عنهم؛ بأن الجواهر متماثلة ؛ بل ويقولون أو أكثرم : إن الأجسام متماثلة ؛ لأنها مركبة من الجواهر المتماثلة وإنما اختلفت باختلاف الأعراض، وتلك صفات عارضة لها ليست لازمة ، فلا تنفي التماثل ، فإن حد المثلين أن يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر ، ويجب له ما يجب له ويمتنع عليه ما يمتنع عليه. وهم يقولون: إن الجواهر متماثلة ، فيجوز ٢٤٤ على كل واحد ما جاز على الآخر ، ويجب له ما يجب له ، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه. وكذلك الأجسام المؤلفة من الجواهر ؛ ولهذا إذا أثبتوا حكما لجسم قالوا : هذا ثابت لجميع الأجسام، بناء على التماثل، وأكثر العقلاء ينكرون هذا، وحذاقهم قد أبطلوا الحجج التى احتجوا بها على التماثل، كما ذكر ذلك الرازي والآمدي وغيرها . وقد بسط الكلام على هذا في مواضع. والأشعري في ((كتاب الإبانة)) جعل القول بتماثل الأجسام من أقوال المعتزلة التى أنكرها . وهؤلاء يقولون: إن اللّه يخص أحد الجسمين المتماثلين بأعراض دون الآخر بمجرد المشيئة ، على أصل الجهمية ، أو لمعنى آخر كما تقوله القدرية ، ويقولون يمتنع انقلاب الأجناس ، فلا ينقلب الجسم عرضاً ، ولا جنس من الأعراض إلى جنس آخر، فلو قالوا : إن الأجسام مخلوقة، وإن المخلوق ينقلب من جنس إلى جنس آخر ، لزم انقلاب الأجناس . فهؤلاء يقولون : إن التولد الحاصل في الرحم ، والثمر الحاصل فى الشجر، والنار الحاصلة من الزناد هي جواهر كانت في المادة التى خلق ذلك منها ، وهي باقية؛ لكن غيرت صفتها بالاجتماع والافتراق والحركة والسكون . ٢٤٥ ولهذا لما ذكر أبو عبد الله الرازي أدلة ((إثبات الصانع)) ذكر أربعة طرق : إمكان النوات وحدوثها ، وإمكان الصفات وحدوثها والطرق الثلاثة الأول ضعيفة ؛ بل باطلة ؛ فإن الذوات التى ادعوا حدوثها أو إمكانها أو إمكان صفاتها ذكروها بألفاظ مجملة لا يتميز فيها الخالق عن المخلوق، ولم يقيموا على ما ادعوه دليلا صحيحاً . وأما (( الطريق الرابع)) وهو الحدوث لما يعلم حدوثه فهو طريق صحيح ، وهو طريق القرآن ، لكن قصروا فيه غابة التقصير ؛ فإنهم على أصلهم لم يشهدوا حدوث شيء من النوات ، بل حدوث الصفات، وطريقة القرآن تبين أن كل ما سوى الله مخلوق ، وأنه آية الله، وقد بسط الكلام على مافي القرآن من البراهين والآيات التى لم يصل إليها هؤلاء المتكلمة والمتفلسفة ، وإن كل ما عنده من حق فهو جزء ممادل عليه القرآن فى غير موضع . والمقصود هنا أن هؤلاء لما كان هذا أصلهم فى ابتداء الخلق وهو القول بإثبات الجوهر الفرد - كان أصلهم فى المعاد مبنيا عليه فصاروا على قولين : منهم من يقول تعدم الجواهر ثم تعاد . ومنهم من قال : تتفرق الأجزاء ثم تجتمع فأورد عليهم الإنسان الذي يأكله حيوان ، وذلك ٢٤٦ الحيوان أكله إنسان آخر ، فإن أعيدت تلك الأجزاء من هذا لم تعد من هذا . وأورد عليهم أن الإنسان يتحلل دائماً فما الذي يعاد أهو الذي كان وقت الموت ؟ فإن قيل : بذلك لزم أن يعاد على صورة ضعيفة ، وهو خلاف ما جاءت به النصوص ، وإن كان غير ذلك فليس بعض الأبدان بأولى من بعض . فادعى بعضهم أن فى الإنسان أجزاء أصلية لا تتحلل ، ولا يكون فيها شيء من ذلك الحيوان الذي أكله الثانى ، والعقلاء يعلمون أن بدن الإنسان نفسه كله يتحلل ، ليس فيه شيء باق، فصار ما ذكروه فى المعاد مما قوى شبهة المتفلسفة في إنكار معاد الأبدان ، وأوجب أن صار طائفة من النظار إلى أن الله يخلق بدنا آخر تعود الروح إليه . والمقصود تنعيم الروح وتعذيبها سواء كان هذا فى البدن أو فى غيره ، وهذا أيضاً مخالف للنصوص الصريحة بإعادة هذا البدن ، وهذا المذكور فى كتب الرازي ، فليس فى كتبه وكتب أمثاله في مسائل أصول الدين الكبار القول الصحيح الذي يوافق المنقول والمعقول ، الذي بعث الله به الرسول ، وكان عليه سلف الأمة وأثمتها ، بل يذكر بحوث المتفلسفة الملاحدة ، وبحوث المتكلمين المبتدعة الذين بنوا على أصول الجهمية والقدرية في مسائل الخلق ، والبحث والمبدإ ، والمعاد ، وكلا الطريقين فاسد . إذ بنوه على مقدمات فاسدة ، والقول الذي عليه ٢٤٧ السلف وجمهور العقلاء من أن الأجسام تنقلب من حال إلى حال ، إنما بذكره عن الفلاسفة والأطباء ؛ وهذا القول - وهو القول فى خلق الله للأجسام التى يشاهد حدوثها أنه يقلبها ويحيلها من جسم إلى جسم - هو الذي عليه السلف والفقهاء قاطبة ، والجمهور . ولهذا يقول الفقهاء فى النجاسة هل تطهر بالاستحالة أم لا ؟ كما تستحيل العذرة رماداً، والخنزير وغيره ملحاً، ونحو ذلك ، والمنى الذي فى الرحم يقلبه الله علقة، ثم مضغة، وكذلك الثمر يخلق بقلب المادة التى يخرجها من الشجرة من الرطوبة مع الهواء والماء الذي نزل عليها وغير ذلك من المواد التى يقلبها ثمرة بمشيئته وقدرته ، وكذلك الحبة يغلقها وتنقلب المواد التى يخلقها منها سنبلة وشجرة وغير ذلك ، وهكذا خلقه لما يخلقه سبحانه وتعالى . كما خلق آدم من الطين، فقلب حقيقة الطين فجعلها عظما ولما وغير ذلك من أجزاء البدن ، وكذلك المضغة يقلبها عظاما ، وغير عظام . قال الله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا اُلْإِنسَانَ مِنِ سُلَلَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَهُ نُطْفَةً فِ قَرَارِمَّكِينٍ * ثُمَ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَمَ لَحْمَا ثُمَّأَ نشَأْنَهُ خَلْقَاءَاخَرَ فَتَبَارَكَ اَللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ * ثُمَّإِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّإِنَّكُمْيَوْمَ اُلْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ ) . وكذلك النار يخلقها بقلب بعض أجزاء الزناد ناراً ، كما قال تعالى: ٢٤٨ فنفس تلك الأجزاء ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِنَارًا ). التى خرجت من الشجر الأخضر جعلها الله نارا من غير أن يكون كان فى الشجر الأخضر نار أصلا، كما لم يكن فى الشجرة ثمرة أصلا ، ولا كان في بطن المرأة جنين أصلا ؛ بل خلق هذا الموجود من مادة غيره بقلبه تلك المادة إلى هذا ، وبما ضمه إلى هذا من مواد أخر ، وكذلك الإعادة بعيده بعد أن يبلى كله إلا عجب الذنب ، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب. منه خلق ابن آدم، ومنه يركب)). وهو إذا أعاد الإنسان فى النشأة الثانية لم تكن تلك النشأة مماثلة لهذه ، فإن هذه كائنة فاسدة ، وتلك كائنة لا فاسدة ، بل باقية دائمة ، وليس لأهل الجنة فضلات فاسدة تخرج منهم، كما ثبت فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أهل الجنة لا يبولون ولا يتغوطون ولا يبصقون ولا يتمخطون وإنما هو رشح كرشح المسك)) وفي الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (« يحشر الناس حفاة عراة غرلا ثم قرأ (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ تُعِيدُهُ، وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَا فَعِلِينَ) فهم يعودون غلفا لامختونين . وقال الحسن البصري ومجاهد: كما بدأ كم، خلقكم فى الدنيا ولم تكونوا شيئاً ، كذلك تعودون يوم القيامة أحياء ، وقال قتادة بدأم من ٢٤٩ التراب ، وإلى التراب يعودون. كما قال تعالى: (مِنْهَا خَقْنَكُمْ وَفِيَهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا مُخْرِ حُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ) وقال: (فِيَهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ) . وهو قد شبه سبحانه إعادة الناس فى النشأة الأخرى بإحياء الأرض بعد موتها فى غير موضع. كقوله: (وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الْرِّيَحَ بُشْرَابَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ، حََّ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالَا سُقْنَهُ لِبَلَدٍ غَيْتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَآءَ فَأَخْرَجْنَابِهِ، مِن كُلِّ الثَّعَزَتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْقَ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) وقال : ( وَالْأَرْضَ مَدَدْنَهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَسِيَ ) إلى قوله : ( وَأَحْيَيْنَاِهِ، بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُويُ) وقال تعالى: (يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ مُخَلَّفَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَقَةٍ لُِّبَيِنَ لَكُمْ وَنُفِرُّ فِ الْأَرْحَاءِ مَا نَشَآءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى تُمَّتُخْرِحُكُمْ ◌ِفْلًا ثُمَّلِتَبْلُغُواْأَشُدَّكُمْ وَمِنكُمْ مَنْ يُنَوَّكَ وَمِنْكُمُ مَّن يُرَّةُّإِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاًوَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجِ بَهِيجِ * ذَلِكَ بِأَنَّاللَّهَ هُوَالْحَقُّ وَنَّهُ يُحِ الْمَوْنَى وَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ) وقال تعالى : (وَاللّهُالَِّّ أَرْسَلَ الْرِّيَحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَهُ إِلَى بَلَدِ مَّيْتٍ فَأَخْبَيْنَابِهِالْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ ) . ٢٥٠ وهو سبحانه مع إخباره أنه يعيد الخلق، وأنه يحيي العظام وهي رميم ، وأنه يخرج الناس من الأرض تارة أخرى ، هو يخبر أن المعاد هو المبدأ . كقوله تعالى : (وَهُوَ اُلَّذِى يَبْدَؤُاْ الْخَلْقَ ثُمَّيُعِيدُهُ ) ويخبر أن الثانى مثل الأول ، كقوله تعالى : (وَقَالُوَأْأَءِذَا كُتَاعِظَمًا وَرُفَتَا أَءِنَّا لَمَبْعُوُثُونَ خَلْقَا جَدِيدًا * ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْأَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌّ عَلَّ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلَّا لََّرَيْبَ فِيهِ ) وقال تعالى : (وَقَالُوَاْأَعِذَا كُنَّاِظَمًا وَرُفَنَا أَعِنَّا لَمَبْعُوتُونَ خَلْقَا جَدِيدًا * قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِمَّايَكْبُرُفِ صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُ نَاْقُلِ الَّذِى فَطَرَّكُمْ أَوَّلَ مَرَّقَ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَّقُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِبًا * يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ، وَتَظُنُونَ إِن لَّبِئْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ) وقال تعالى: (أَوَلَيْسَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمَّ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّقُ الْعَلِيمُ) وقال تعالى: (أَوَلَمْيَرَوْأَنَّاللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَاْأَرْضَ وَلَمْ يَعِىَ بِخَلْقِنَّ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يُحْفِىَ الْمَوْنَى بَلَّ إِنَّهُ, عَلَى كُلِّ شَىْءٍقَدِيرٌ ) وقال : ( أَفَرَهَيْتُم مَّاتُمْنُونَ * ◌َأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ : أَمْ نَحْنُ الْخَلِقُونَ * فَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَّكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * عَلَى أَنْ تُبَدِّلَ أَمْثَلَكُمْ وَنُنِشِتَكُمْ فِ مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ عَلِتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ ) . والمراد بقدرته على خلق مثلهم هو قدرته على إعادتهم ، كما أخبر ٢٥١ (أَوَلَمْيَرَوْ أَنَّاللَّهَ اُلَّذِىِ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْىَ بذلك . في قوله : فإن القوم ما كانوا ينازعون بِخَلْقِهِنَّ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يُحْنِىَ الْمَوْنَى ) في أن الله يخلق فى هذه الدار ناساً أمثالهم، فإن هذا هو الواقع المشاهد يخلق قرنا بعد قرن ، يخلق الولد من الوالدين ، وهذه هي النشأة الأولى ، وقد علموها ، وبها احتج عليهم على قدرته على النشأة الآخرة، كما قال: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُوْلَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ) وقال: (وَضَرَبَ لَنَا صِے مَثَلًّاً وَنَسِىَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحِىِ الْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْبِيهَا الَّذِى أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ( يَّأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى وقال : وَهُوَبِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ) رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَقْنَكُمْمِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَ مِن مُضْغَةٍ أُخَلَقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِنَلَكُمْ ) . ولهذا قال : (عَلَى أَنْ تُبَدِّلَ أَمْثَلَكُمْ وَنُنِشِتَكُمْ فِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) قال الحسن بن الفضل البجلي : الذي عندي في هذه الآية (وَنُنِشِئَكُمْ فِ مَا أي أخلقكم للبعث بعد الموت لَا تَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى ) من حيث لا تعلمون ، كيف شئت ، وذلك أنكم علمتم النشأة الأولى، كيف كانت فى بطون الأمهات ، وليست الأخرى كذلك ، ومعلوم أن النشأة الأولى كان الإنسان نطفة ، ثم علقة ، ثم مضغة مخلقة ، ثم ينفخ فيه الروح ، وتلك النطفة من منى الرجل والمرأة ، وهو يغذيه بدم الطمث الذي يربي الله به الجنين فى ظلمات ثلاث : ظلمة المشيمة ، وظلمة ٢٥٢ الرحم ، وظلمة البطن ، والنشأة الثانية لا يكونون فى بطن امرأة ، ولا يغذون بدم، ولا يكون أحدم نطفة رجل وامرأة ، ثم بصير علقة بل ينشئون نشأة أخرى ، وتكون المادة من التراب ، كما قال : ( مِنْهَ خَقْتَكُمْ وَفِيَهَانُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا مُخْرِحُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ) وقال تعالى : (وَاَللَّهُ أَنْبَتَكُمْ ( فِيَهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ) وقال وفي الحديث : مِّنَ اْأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّيُعِيذُ كُمْفِيَهَا وَنُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا) ((إن الأرض تمطر مطراً كمنى الرجال ينبتون في القبور كما ينبت النبات)» كما قال تعالى: (كَذَلِكَ الْخُرُوجُ) (كَذَلِكَ النُُّورُ) (كَذَلِكَ تُخْرِجُ اُلْمَوْنَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) . فعلم أن النشأتين نوعان تحت جنس ، يتفقان ويتاثلان ويتشابهان من وجه ، ويفترقان ويتنوعان من وجه آخر ، ولهذا جعل المعاد هو المبدأ ، وجعل مثله أيضاً. فباعتبار اتفاق المبدأ والمعاد فهو هو ، وباعتبار ما بين النشأتين من الفرق فهو مثله . وهكذا كل ما أعيد . فلفظ الإعادة يقتضى المبدأ والمعاد ، سواء في ذلك إعادة الأجسام والأعراض كإعادة الصلاة وغيرها ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم حر برجل يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد الصلاة ، ويقال للرجل : أعد كلامك ، وفلان قد أعاد كلام فلان بعينه ، ويعيد الدرس . فالكلام هو الكلام وإن كان صوت الثاني غير صوت الأول وحركته ، ولا ٢٥٣ يطلق القول عليه أنه مثله، بل قد قال تعالى: (قُل لَّيْنِ أَجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَ أَنْ يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ) وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا . وإن كان يسمى مثلا مقيداً حتى يقال لمن حكى كلام غيره هكذا قال فلان ، أي مثل هذا قال ، ويقال فعل هذا عوداً على بدء ، إذا فعله مرة ثانية بعد أولى ، ومنه البئر البدي ، والبئر العادي ، فالبدي التى ابتدئت ، والعادي التى أعيدت ، وليست بنسبة إلى عاد . كما قيل . ويقال استعدته الشىء فأعاده إذا سألته أن يفعله مرة ثانية ، ومنه سميت العادة ، يقال : عاده واعتاده ونعوده أي صار عادة له : وعود كلبه الصيد فتعوده ، وهو من المعاودة ، والمعاودة الرجوع إلى الأمر الأول، ويقال الشجاع معاود ؛ لأنه لا يمل المراس. وعاودته الحمى وعاوده بالمسألة أي سأله مرة بعدمرة ، وتعاود القوم في الحرب وغيرها إذا عاد كل فريق إلى صاحبه ، والعواد بالضم ما أعيد من الطعام . بعد ما أكل منه مرة أخرى ، وعواد بمعنى عد مثل نزال بمعنى ازل . ففي جميع هذه المواضع يستعمل لفظ الإعادة باعتبار الحقيقة فإن الحقيقة الموجودة فى المرة الثانية هي الأولى ، وإن تعدد الشخص ، ولهذا يقال : هو مثله، ويقال هذا هو هذا، وكلاهما صحيح وأعني بالحقيقة الأمر الذي يختص بذلك الشخص ، ليس المراد القدر المشترك بين ٢٥٤ الفاعلين ، فإن من فعل مثل فعل غيره لا يقال أعاده ، وإنما يقال حاكاه وشابهه ، بخلاف ما إذا أعاد فعلا ثانياً مثل ما فعل أولا فإنه يقال أعاد فعله ، وكذلك يقال لمن أعاد كلام غيره قد أعاده ، ولا يقال لمن أنشأ مثله قد أعاده ، ويقال قرىء على هذا، وأعاد على هذا ، وهذا يقرأ أي يدرس، وهذا يعيد، ولو كان كلاما آخر مما يماثله لم يقل فيه يعيد ، وكذلك من كسر خاتما أو غيره من المصوغ يقال أعده كما كان ويقال لمن هدم داراً أعدها كما كانت ، بخلاف من أنشأ أخرى مثلها ، فإن هذا لا يسمى معيداً ، والمعاد يقال فيه هذا هو الأول بعينه ، ويقال هذا مثل الأول من كل وجه ، ونحو ذلك من العبارات الدالة على أنه هو هو من وجه وهو مثله من وجه . وبهذا تزول الشبهات الواردة على هذا الموضع ، كقول من قال : الإعادة لا تكون إلا مع إعادة ذلك الزمان ونحو ذلك مما يمنع إعادته فى صريح العقل ، وإنما يعاد بالإتيان بمثله ، وإن قال بعض المتكلمين أنه لا مغايرة أصلا بوجه من الوجوه . والإعادة التى أخبر الله بها هي الإعادة المعقولة في هذا الخطاب ، وهي الإعادة التى فهمها المشركون والمسلمون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهى التى يدل عليها لفظ الإعادة ، والمعاد هو الأول بعينه وإن كان بين لوازم الإعادة ، ولوازم البدأة فرق ، فذلك الفرق لا يمنح ٢٥٥ أن يكون قد أعيد الأول ليس الجسد الثانى مبايناً للأول من كل وجه ، كما زعم بعضهم ، ولا أن النشأة الثانية كالأولى من كل وجه ، كما ظن بعضهم وكما أنه سبحانه خلق الإنسان ، ولم يكن شيئاً ، كذلك يعيده بعد أن لم يكن شيئاً ، وعلى هذا فالإنسان الذي صار ترابا ونبت من ذلك التراب نبات آخر أكله إنسان آخر ، وهلم جرا، والإنسان الذي أكله إنسان أو حيوان، وأكل ذلك الحيوان إنسانا آخر ، ففي هذا كله قد عدم هذا الإنسان وهذا الإنسان، وصار كل منها ترابا ، كما كان قبل أن يخلق ، ثم بعاد هذا ويعاد هذا من التراب ، وإنما يبقى عجب الذنب ، منه خلق ، ومنه يركب . وأما سائره فعدم ، فيعاد من المادة التى استحال إليها ، فإذا استحال فى القبر الواحد ألف ميت ، وصاروا كلهم ترابا ، فإنهم يعادون ويقومون من ذلك القبر ، وينشئهم الله تعالى بعد أن كانوا عدما محضاً كما أنشأم أولا بعد أن كانوا عدما محضاً، وإذا صار ألف إنسان ترابا فى قبر ، أنشأ هؤلاء من ذلك القبر من غير أن يحتاج أن يخلقهم كما خلقهم في النشأة الأولى التى خلقهم منها من نطفة ، ثم من علقة ، ثم من مضغة ، وجعل نشأتهم بما يستحيل إلى أبدانهم من الطعام والشراب ، كما يستحيل إلى بدن أحدم ما يأكله من نبات وحيوان ، وكذلك لو أكل إنساناً ، أو أكل حيواناً قد أكل إنساناً: فالنشأة ٢٥٦ الثانية لا يخلقهم فيها بمثل هذه الاستحالة ، بل يعيد الأجساد من غير أن ينقلهم من نطفة إلى علقة إلى مضغة ، ومن غير أن يغذوها بدم الطمث ومن غير أن يغذوها بلبن الأم وبسائر ما يأكله من الطعام والشراب ، فمن ظن أن الإعادة تحتاج إلى إعادة الأغذية التى استحالت إلى أبدانهم فقد غلط . وحينئذ فإذا أكل إنسان إنساناً فإنما صار غذاء له كسائر الأغذية وهو لا يحتاج إلى إعادة الأغذية ، ومعلوم أن الغذاء ينزل إلى المعدة طعاما وشرابا، ثم يصير كلوساً كالثردة ثم كيموساً كالحريرة، ثم ينطبخ دما فيقسمه الله تعالى في البدن كله ، ويأخذ كل جزء من البدن نصيبه ، فيستحيل الدم إلى شبيه ذلك الجزء العظم عظما ، واللحم لماً ، والعرق عرقا ، وهذا فى الرزق كاستحالتهم فى مبدأ الخلق نطفة ثم علقة، ثم مضغة. وكما أنه سبحانه لا يحتاج فى الإعادة إلى أن يحيل أحدم نطفة ، ثم علقة ، ثم مضغة فكذلك أغذيتهم لا يحتاج أن يجعلها خبزاً وفاكهة ولهماً ثم يجعلها كلوساً وكيموساً، ثم دما ، ثم عظماً ولمّاً وعروقا، بل يعيد هذا البدن على صفة أخرى ، لنشأة ثانية ليست مثل هذه النشأة، كما قال: (وَنُنشِتَكُمْ فِمَا لَا تَعْلَمُونَ ) ولا يحتاج مع ذلك إلى شيء من هذه الاستحالات التى كانت فى النشأة الأولى . ٢٥٧ وبهذا يظهر الجواب عن قوله البدن دائماً فى التحلل ، فإن تحلل البدن ليس بأعجب من انقلاب النطفة علقة ، والعلقة مضغة ، وحقيقة كل منهما خلاف حقيقة الأخرى . وأما البدن المتحلل فالأجزاء الثانية تشابه الأولى وتماثلها ، وإذا كان في الإعادة لا يحتاج إلى انقلابه من حقيقة إلى حقيقة فكيف بانقلابه بسبب التحلل؟! ومعلوم أن من رأى شخصاً وهو شاب ثم رآه وهو شيخ علم أن هذا هو ذاك مع هذه الاستحالة ، وكذلك سائر الحيوان والنبات ، كمن غاب عن شجرة مدة ثم جاء فوجدها على أن هذه هي الأولى مع أن التحلل والاستحالة ثابت فى سائر الحيوان والنبات ، كما هو فى بدن الإنسان ، ولا يحتاج عاقل في اعتقاده أن هذه الشجرة هي الأولى ، وأن هذه الفرس هي التى كانت عنده من سنين ، ولا أن هذا الإنسان هو الذي رآه من عشرين سنة إلى أن يقدر بقاء أجزاء أصلية لم تتحلل ، ولا يخطر هذا ببال أحد ، ولا يقتصر العقلاء في قولهم هذا هو ذاك على تلك الأجزاء التى لا نعرف ولا تتميز عن غيرها، بل إنما يشيرون إلى جملة الشجرة والفرس والإنسان ، مع أنه قد يكون كان صغيراً فكبر ، ولا يقال إنما كان هو ذاك باعتبار أن النفس الناطقة واحدة كما زعمه من ادعى أن البدن الثاني ليس هو ذاك الأول ، ولكن المقصود جزاء النفس بنعيم أو عذاب ، ٢٥٨ ففي أي بدن كانت حصل المقصود ، فإن هذا أيضاً باطل مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف، مخالف للمعقول من الإعادة . فإنا قد ذكرنا أن العقلاء كلهم يقولون : هذا الفرس هو ذاك ، وهذه الشجرة هي تلك التى كانت من سنين ، مع على العقلاء أن النبات ليس له نفس ناطقة تفارقه وتقوم بذاتها ، وكذلك يقولون : مثل هذا في الحيوان . وفي الإنسان ، مع أنه لم يخطر بقلوبهم أن المشار إليه بهذا وذاك نفس مفارقة ؛ بل قد لا يخطر هذا بقلوبهم ، فدل على أن العقلاء كانوا يعلمون أن هذا البدن هو ذاك ، مع وجود الاستحالة ، وعلى بذلك أن ما ذكر من الاستحالة لا ينافى أن يكون البدن الذي يعاد في النشأة الثانية هو هذا البدن ، ولهذا يشهد البدن المعاد بما عمل في الدنيا . كما قال تعالى : (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَهِهِمْ وقال تعالى : وَتُكَلِمُنَّا أَيْدِ يهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ) (حَتَّى إِذَا مَاجَآءُ وهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبَصَرُهُمْ وَجُلُهُم بِمَا كَانُو ◌ْيَعْمَلُونَ * وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْ تُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِىّ أَنْطَقَّ كُلَّ شَىْءٍ) ومعلوم أن الإنسان لو قال قولا ، أو فعل فعلا. أو رأى غيره يفعل ، أو سمعه يقول ثم بعد ثلاثين سنة شهد على نفسه بما قال أو فعل ، وهو الإقرار الذي يؤاخذ بموجبه ، أو شهد على غيره بما قبضه ٢٥٩ من الأموال ، وأقربه من الحقوق ، لكانت الشهادة على عين ذلك المشهود عليه مقبولة ، مع استحالة بدنه فى هذه المدة الطويلة ، ولا يقول عاقل من العقلاء : إن هذه الشهادة على مثله أو على غيره . ولو قدر أن المعين حيوان أو نبات ، وشهد أن هذا الحيوان قبضه هذا من هذا ، وأن هذا الشجر سلمه هذا إلى هذا : كان كلاما معقولا مع الاستحالة ، وإذا كانت الاستحالة غير مؤثرة. فقول القائل بعيده على صفة ما كان وقت موته أو سمنه أو هزاله أو غير ذلك جهل منه فإن صفة تلك النشأة الثانية ليست مماثلة لصفة هذه النشأة ، حتى يقال: إن الصفات هي المغيرة ؛ إذ ليس هناك استحالة ، ولا استفراغ ، ولا امتلاء ، ولا سمن ، ولا هزال ، ولا سيما أهل الجنة إذا دخلوها فإنهم يدخلونها على صورة أبيهم آدم: طول أحدم ستون ذراعا، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما ، وروى أن عرضه سبعة أذرع ، وهم لا يبولون ولا يتغوطون ، ولا يبصقون ، ولا يتمخطون . وليست تلك النشأة من أخلاط متضادة حتى يستلزم مفارقة بعضها بعضاً ، كما في هذه النشأة، ولاطعامهم مستحيلا، ولاشرابهم مستحيلا من التراب والماء والهواء ، كما هي أطعامهم فى هذه النشأة ، ولهذا أبقى الله طعام الذي مر على قربة وشرابه مائة عام لم يتغير ، ودلنا سبحانه بهذا على قدرته ، فإذا كان فى دار الكون والفساد يبقى الطعام الذي ٢٦٠