Indexed OCR Text

Pages 201-220

ويقرون بما جعله من الأسباب ، وما في خلقه وأمره من المصالح التى
جعلها رحمة بعباده ، مع أنه خالق كل شيء وربه ومليكه : أفعال
العباد ، وغير أفعال العباد . وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن .
وأن كل ما وقع من خلقه وأمره فعدل وحكمة ، سواء عرف العبد
وجه ذلك أو لم يعرفه .
والحكمة الناشئة من الأمر ثلاثة أنواع :
أحدها : أن تكون فى نفس الفعل - وإن لم يؤمر به - كما فى
الصدق والعدل ونحوهما من المصالح الحاصلة لمن فعل ذلك وإن لم يؤمر
به، واللّه يأمر بالصلاح وينهى عن الفساد .
والنوع الثانى: أن ما أمر به ونهى عنه صار متصفاً بحسن اكتسبه
من الأمر، وقبح اكتسبه من النهي ، كالخمر التى كانت لم تحرم ثم
حرمت فصارت خبيئة ، والصلاة إلى الصخرة التى كانت حسنة فلمانهى
عنها صارت قبيحة . فإن ما أمر به يحبه ويرضاه ، وما نهى عنه يبغضه
ويسخطه . وهو إذا أحب عبداً ووالاء أعطاه من الصفات الحسنة
ما يمتاز بها على من أبغضه وعاداه . وكذلك المكان والزمان الذي
يحبه ويعظمه - كالكعبة وشهر رمضان - يخصه بصفات يميزه بها
على ما سواء ، بحيث يحصل فى ذلك الزمان والمكان من رحمته
٢٠١

وإحسانه ونعمته ما لا يحصل فى غيره .
فإن قيل : الخمر قبل التحريم وبعده سواء ، فتخصيصها بالحبث بعد
التحريم ترجيح بلا مرجح؟.
قيل : ليس كذلك ، بل إنما حرمها فى الوقت الذي كانت الحكمة
تقتضي تحريمها . وليس معنى كون الشيء حسناً وسيئاً مثل كونه
أسود وأبيض ، بل هو من جنس كونه نافعاً وضاراً، وملائماً ومنافراً
وصديقاً وعدواً، ونحو هذا من الصفات القائمة بالموصوف التى تتغير
بتغير الأحوال : فقد يكون الشىء نافعاً فى وقت ضاراً فى وقت ،
والشيء الضار قد يترك تحريمه إذا كانت مفسدة التحريم أرجح ، كما
لو حرمت الخمر فى أول الإسلام ؛ فإن النفوس كانت قد اعتادتها عادة
شديدة ، ولم يكن حصل عندهم من قوة الإيمان ما يقبلون ذلك التحريم،
ولا كان إيمانهم ودينهم تاماً حتى لم يبق فيه نقص إلا ما يحصل بشرب
الخمر من صدها عن ذكر الله وعن الصلاة، فلهذا وقع التدريج فى
تحريمها . فأنزل الله أولا فيها: ( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ
◌ِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا) ثم أنزل فيها - لما
شربها طائفة وصلوا فغلط الإمام في القراءة - آية النهي عن الصلاة
سكارى : ثم أنزل الله آية التحريم :
٢٠٢

والنوع الثالث : أن تكون الحكمة ناشئة من نفس الأمر ، وليس
فى الفعل ألبتة مصلحة ، لكن المقصود ابتلاء العبد هل يطيح أو يعصي،
فإذا اعتقد الوجوب وعزم على الفعل حصل المقصود بالأمر فينسخ حينئذ،
كما جرى للخليل فى قصة الذيج : فإنه لم يكن الذيح مصلحة ، ولا كان
هو مطلوب الرب فى نفس الأمر ، بل كان مراد الرب ابتلاء إبراهيم
ليقدم طاعة ربه ومحبته على محبة الولد ، ولا يبقى فى قلبه التفات إلى
غير الله، فإنه كان يحب الولد محبة شديدة، وكان قد سأل الله أن
يهبه إياه - وهو خليل الله - فأراد تعالى تكميل خلته لله بأن
لا يبقى فى قلبه ما يزاحم به محبة ربه: (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ *
وَتَدَيْنَهُ أَنْ يَتَإَِهِمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُِّيَأْ إِنَّا كَذَلِكَ مَجْزِىِ الْمُحْسِنِينَ* إِنَّ هَذَالَهُوَ
الْبَوَّا الْمُبِينُ )
ومثل هذا الحديث الذي في صحيح البخاري :
حديث أبرص وأقرع وأعمى ، كان المقصود ابتلاءم لا نفس الفعل .
وهذا الوجه والذي قبله مما خفى على المعتزلة ، فلم يعرفوا وجه الحكمة
الناشئة من الأمر ، ولا من المأمور لتعلق الأمر به ، بل لم يعرفوا إلا
الأول . والذين أنكروا الحكمة عندم الجميع سواء، لا يعتبرون حكمة،
ولا تخصيص فعل بأمر ، ولا غير ذلك ، كما قد عرف من أصلهم .
ثم إن كثيراً من هؤلاء وهؤلاء يتكلمون فى تفسير القرآن والحديث
والفقه فيبنون على تلك الأصول التى لهم ولا يعرف حقائق أقوالهم إلا
٢٠٣

من عرف مأخذهم . فقول القائل: إن ( قُلْ هُوَاللَّهُ أَحَدُّ ) وفاتحة
الكتاب قد تكون كل واحدة منهما فى نفسها مماثلة لسائر السور ، وآية
الكرسي مماثلة لسائر الآيات، وإنما خصت بكثرة ثواب قارئها ، أو لم
تتعين الفاتحة في الصلاة ونحو ذلك إلا لمحض المشيئة من غير أن يكون
فيها صفة تقتضى التخصيص ، هو مبنى على أصول جهم فى الخلق والأمر
وإن كان وافقه عليه أبو الحسن وغيره . وكتب السنة المعروفة التى فيها
آثار السلف يذكر فيها هذا وهذا ، ويجعل هذا القول قول الجبرية
المتبعين لجهم في أقوال القدرية الجبرية المبتدعة ، والسلف كانوا ينكرون
قول الجبرية الجهمية كما ينكرون قول المعتزلة القدرية ، وهذا معروف
عن سفيان الثوري والأوزاعى والزبيدي وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد
ابن حنبل وغيرم، وقد ذكر ذلك غير واحد من أتباع الأئمّة من
الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية وسائر أهل السنة فى كتبهم كما قد
بسط في مواضعه ، وذكرت أقوال السلف والأئمة في ذلك .
وإنما نبهنا هنا على الأصل لأن كثيراً من الناس لا يعرف ذلك ،
ولا يظن قول أهل السنة فى القدر إلا القول الذي هو عند أهل السنة
قول جهم وأتباعه المجبرة أو ما يشبه ذلك . كما أن منهم من يظن أن
قول أهل السنة في مسائل الأسماء والأحكام والوعد والوعيد هو أيضاً
القول المعروف عند أهل السنة بقول جهم . وهذا يعرفه من يعرف
٢٠٤

أقوال الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام المشهورين في هذه الأصول .
وذلك موجود فى الكتب المصنفة التى فيها أقوال جمهور الأئمة التى
يذكر فيها أقوالهم فى الفقه كثيراً، والعلماء الأكابر من أتباع الأئمة
الأربعة على مذهب السلف فى ذلك ، وكثير من الكتب المصنفة التى
يذكر فيها أقوال السلف على وجه الاتباع من تصنيف أصحاب مالك
والشافعي وأبى حنيفة وأحمد بن حنبل وغيرم يذكرون ذلك فيها .
وينبغي للعاقل أن يعرف أن مثل هذه المسائل العظيمة التى هي من
أعظم مسائل الدين لم يكن السلف جاهلين بها ولا معرضين عنها. بل
من لم يعرف ما قالوه فهو الجاهل بالحق فيها ، وبأقوال السلف، وبمادل
عليه الكتاب والسنة ، والصواب فى جميع مسائل النزاع ما كان عليه
السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ، وقولهم هو الذي يدل عليه
الكتاب والسنة والعقل الصريح . وقد بسط هذا فى مواضع كثيرة .
واللّه سبحانه أعلم .
٢٠٥

ومثل شيخ الإسلام
ومفتى الأنام : تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد
السلام بن تيمية - رضي الله عنه - عن فتيا صورتها :
ما نقول السادة العلماء فى تفسير قول النبى صلى الله عليه وسلم فى
سورة الإخلاص: ((إنها تعدل ثلث القرآن)) فكيف ذلك مع قلة
حروفها ، وكثرة حروف القرآن ؟ بينوا لنا ذلك بياناً مبسوطا شافيا ،
وأفتونا مأجورين - إن شاء الله تعالى -
فأجاب - رضي الله عنه - بما صورته :
الحمد لله؛ الأحاديث المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم فى فضل
(قُلْ هُوَ اللَّهُأَحَدَّ ) وأنها تعدل ثلث القرآن من أصح الأحاديث
وأشهرها ، حتى قال طائفة من الحفاظ كالدارقطني : لم يصح عن النبي
صلى الله عليه وسلم فى فضل سورة من القرآن أكثر مما صح عنه فى
فضل (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ)، وجاءت الأحاديث بالألفاظ كقوله: ((قل
هو الله أحد تعدل ثلث القرآن)) وقوله: ((من قرأ قل هو الله أحد
٢٠٦

مرة فكأنما قرأ ثلث القرآن ، ومن قرأها مرتين فكأنما قرأ ثلثي
القرآن، ومن قرأها ثلاثا فكأنما قرأ القرآن كله)) وقوله للناس :
((احتشدوا حتى أقرأ عليكم ثلث القرآن ، فشدوا حتى قرأ عليهم :
قال : والذي نفسي بيده إنها تعدل
(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ)
ثلث القرآن)) .
وأما توجيه ذلك : فقد قالت طائفة من أهل العلم : إن القرآن
باعتبار معانيه ثلاثة أثلاث: ثلث توحيد، وثلث قصص ، وثلث أمر
ونهي، و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ) هي صفة الرحمن ونسبه، وهي متضمنة
ثلث القرآن ؛ وذلك لأن القرآن كلام الله تعالى، والكلام إما إنشاء
وإما إخبار ، فالإنشاء هو الأمر والنهي ، وما يتبع ذلك كالإباحة ونحوها
وهو الأحكام . والإخبار : إما إخبار عن الخالق ، وإما إخبار عن
المخلوق ، فالإخبار عن الخالق هو التوحيد ، وما يتضمنه من أسماء الله
وصفاته، والإخبار عن المخلوق هو القصص ، وهو الخبر عما كان وعما
يكون ، ويدخل فيه الخبر عن الأنبياء وأممهم ، ومن كذبهم ، والإخبار
عن الجنة والنار ، والثواب والعقاب . قالوا: فيهذا الاعتبار تكون ( قُلّ
هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ) تعدل ثلث القرآن، لما فيها من التوحيد الذي هو ثلث
معانى القرآن .
بقي أن يقال : فإذا كانت تعدل ثلث القرآن مع قلة حروفها كان
٢٠٧

للرجل أن يكتفي بها عن سائر القرآن .
فيقال فى جواب ذلك: إن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((إنها
تعدل ثلث القرآن)) وعدل الشيء - بالفتح - يقال على ما ليس من جنسه ،
كما قال تعالى: (أَوْعَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا) فجعل الصيام عدل كفارة. وهما
جنسان . ولا ريب أن الثواب أنواع مختلفة فى الجنة، فإن كل ما ينتفع
به العبد ويلتذ به من مأكول ومشروب ومنكوح ومشموم هو من
الثواب ، وأعلاه النظر إلى وجه الله تعالى، وإذا كانت أحوال الدنيا
لاختلاف منافعها يحتاج إليها كلها ، وإن كان بعضها يعدل ما هو أكبر
منه فى الصورة ، كما أن ألف دينار تعدل من الفضة والطعام والثياب
وغير ذلك ما هو أكبر منها ، ثم من ملك الذهب فقد ملك ما يعدل
مقدار ألف دينار من ذلك، وإن كان لا يستغني بذلك عن سائر أنواع
المال التى ينتفع بها ؛ لأن المساواة وقعت في القدر لا فى النوع والصفة ،
فكذلك ثواب : (قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ) وإن كان يعدل ثواب ثلث
القرآن فى القدر ، فلا يجب أن يكون مثله في النوع والصفة، وأما
سائر القرآن ففيه من الأمر والنهي والوعد والوعيد ما يحتاج إليه العباد ،
فلهذا كان الناس محتاجين لسائر القرآن ، ومنتفعين به منفعة لا تغني
عنها هذه السورة ، وإن كانت تعدل ثلث القرآن .
فهذه المسألة مبنية على أصل : وهو أن القرآن هل يتفاضل في
٢٠٨

نفسه ، فيكون بعضه أفضل من بعض ؟ وهذا فيه للمتأخرين قولان
مشهوران ، منهم من قال : لا يتفاضل فى نفسه ؛ لأنه كله كلام الله ،
وكلام الله صفة له قالوا : وصفة الله لا تتفاضل . لاسيما مع القول بأنه
قديم ، فإن القديم لا يتفاضل ، كذلك قال هؤلاء فى قوله تعالى :
(مَانَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْنُنسِهَا نَأَتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ) قالوا فخير إنما يعود
إلى غير الآية ، مثل نفع العباد وتوابهم .
والقول الثانى : أن بعض القرآن أفضل من بعض ، وهذا قول
الأكثرين من الخلف والسلف ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال فى
الحديث الصحيح في الفاتحة : إنه لم ينزل فى التوراة ولا فى الإنجيل ولا
الزبور ولا القرآن مثلها )) فنفى أن يكون لها مثل، فكيف يجوز أن
يقال: إنه متماثل ؟ وقد ثبت عنه فى الصحيح أنه قال لأبي بن كعب:
(( يا أبا المنذر! أتدري أي آية فى كتاب الله أعظم؟ قال: (اللّهُلَآ
إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّوُ ) فضرب بيده فى صدره وقال له ليهنك العلم أبا
المنذر )) فقد بين أن هذه الآية أعظم آية فى القرآن ، وهذا بين أن
بعض الآيات أعظم من بعض .
وأيضاً فإن القرآن كلام الله والكلام يشرف بالمتكلم به ، سواء
كان خبراً أو أمراً، فالخبر يشرف بشرف الخبر ، وبشرف المخبر عنه،
والأمر يشرف بشرف الآمر ، وبشرف المأمور به ، فالقرآن وإن كان
٢٠٩

كله مشتركا ، فإن الله تكلم به ، لكن منه ما أخبر الله به عن نفسه ،
ومنه ما أخبر به عن خلقه ، ومنه ما أمرهم به ، فمنه ما أمرم فيه بالإيمان،
ونهاهم فيه عن الشرك ، ومنه ما أحرج به بكتابة الدين ، ونهام فيه
عن الربا .
ومعلوم أن ما أخبر به عن نفسه: كـ (قُلْ هُوَ اللَّهُأَحَدُّ) أعظم مما
أخبر به عن خلقه: كـ (تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ ) وما أمر فيه بالإيمان . وما
نهى فيه عن الشرك أعظم مما أمر فيه بكتابة الدين ونهى فيه عن الرباء
ولهذا كان كلام العبد مشتركا بالنسبة إلى العبد ، وهو كلام لمتكلم
واحد، ثم إنه يتفاضل بحسب المتكلم فيه، فكلام العبد الذي يذكر
به ربه ويأمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر أفضل من كلامه الذي
يذكر فيه خلقه، ويأمر فيه بمباح أو محظور، وإنما غلط من قال
بالأول ؛ لأنه نظر إلى إحدى جهتى الكلام ، وهي جهة المتكلم به ،
وأعرض عن الجهة الأخرى وهي جهة المتكلم فيه ، وكلاهما للكلام به
تعلق يحصل به التفاضل والتماثل .
قالوا : ومن أعاد التفاضل إلى مجرد كثرة الثواب أو قلته من غير
أن يكون الكلام فى نفسه أفضل ، كان بمنزلة من جعل عملين متساويين
وثواب أحدهما أضعاف ثواب الآخر، مع أن العملين فى أنفسها لم يختص
أحدهما بمزية ، بل كدرم ودرم تصدق بها رجل واحد فى وقت واحد
٢١٠

ومكان واحد على اثنين متساويين فى الاستحقاق ونيته بها واحدة ، ولم
يتميز أحدهما على الآخر بفضيلة ، فكيف يكون ثواب أحدهما أضعاف
ثواب الآخر ، بل تفاضل الثواب والعقاب دليل على تفاضل الأعمال فى
الخير والشر . وهذا الكلام متصل بالكلام فى اشتمال الأعمال على
صفات بها كانت صالحة حسنة ، وبها كانت فاسدة قبيحة . وقد بسط
هذا فى غير هذا الموضع .
وقول من قال: صفات الله لا تتفاضل ونحو ذلك ؛ قول لا دليل
عليه ، بل هو مورد النزاع ، ومن الذي جعل صفته التى هي الرحمة
لا تفضل على صفته التى هي الغضب ، وقد ثبت عن النبي صلى الله
عليه وسلم: (( إن الله كتب في كتاب موضوع عنده فوق العرش: إن رحمتى
تغلب غضى - وفى رواية ــ تسبق غضى)) وصفة الموصوف من العلم
والإرادة والقدرة والكلام والرضا والغضب وغير ذلك من الصفات
تتفاضل من وجهين :
أحدهما: أن بعض الصفات أفضل من بعض ، وأدخل في كل
الموصوف بها ، فإنا نعلى أن اتصاف العبد بالعلم والقدرة والرحمة أفضل
من اتصافه بضد ذلك ؛ لكن الله تعالى لا يوصف بضد ذلك ، ولا يوصف
إلا بصفات الكمال ، وله الأسماء الحسنى يدعى بها ، فلا يدعى إلا بأسمائه
الحسنى ، وأسماؤه متضمنة لصفاته ، وبعض أسمائه أفضل من بعض ،
٢١١

وأدخل في كمال الموصوف بها؛ ولهذا في الدعاء المأثور: «أسألك
باسمك العظيم الأعظم، الكبير الأكبر))، و((لقد دعا الله باسمه
العظيم الذي إذا دعي به أجاب ، وإذا سئل به أعطى)) وأمثال ذلك
فتفاضل الأسماء والصفات من الأمور البينات .
والثانى : أن الصفة الواحدة قد تتفاضل ، فالأمر بمأمور يكون
أكمل من الأمر بمأمور آخر ، والرضا عن النبيين أعظم من الرضا عمن
دونهم، والرحمة لهم أكمل من الرحمة لغيرهم ، وتكليم الله لبعض عباده
أكمل من تكليمه لبعض، وكذلك سائر هذا الباب ، وكما أن أسماء.
وصفاته متنوعة ، فهي أيضاً متفاضلة ، كما دل على ذلك الكتاب والسنة
والإجماع مع العقل ، وإنما شبهة من منع تفاضلها من جنس شبهة من
منع تعددها ، وذلك يرجع إلى نفي الصفات . كما يقوله الجهمية لما ادعوه
من التركيب ، وقد بينا فساد هذا مبسوطاً فى موضعه .
٢١٢

وسئل :
عمن يقرأ القرآن . هل يقرأ (سورة الإخلاص ) مرة أو ثلاثاً ؟
وما السنة في ذلك ؟ .
فأجاب : إذا قرأ القرآن كله ينبغي أن يقرأها كما فى المصحف مرة
واحدة ، هكذا قال العلماء ؛ لئلا يزاد على ما في المصحف. وأما إذا
قرأها وحدها ، أو مع بعض القرآن فإنه إذا قرأها ثلاث مرات عدلت
القرآن . والله أعلم .
٢١٣

وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه
بِسْمِ اللهِلَالرَّحَمِ
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا
ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له. ومن يضلل فلا
هادي له . ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . ونشهد أن
محمداً عبده ورسوله ، صلى الله تعالى عليه وسلم تسليما .
فصل
في تفسير (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ
وَلَمْ يَكُنْ لَّهُكُفُوَا أَحَدٌ)(١)
*
والاسم ((الصمد)) فيه للسلف أقوال متعددة قد يظن أنها مختلفة،
وليست كذلك ؛ بل كلها صواب . والمشهور منها قولان :
أحدهما : أن الصمد هو الذي لا جوف له .
والثانى : أنه السيد الذي يصمد إليه فى الحوائج، والأول هو قول
(١) تسمى: تفسير ((سورة الإخلاص)).
٢١٤

أكثر السلف من الصحابة والتابعين وطائفة من أهل اللغة. والثاني قول
طائفة من السلف والخلف ، وجمهور اللغويين ، والآثار المنقولة عن
السلف بأسانيدها فى كتب التفسير المسندة ، وفى كتب السنة
وغير ذلك ، وقد كتبنا من الآثار في ذلك شيئاً كثيراً بإسناده
فيما تقدم .
وتفسير («الصمد)) بأنه الذي لا جوف له معروف عن ابن مسعود
موقوفا ومرفوعا ، وعن ابن عباس ، والحسن البصري ، ومجاهد .
وسعيد بن جبير ، وعكرمة ، والضحاك ، والسدي ، وقتادة ، وبمعنى
ذلك قال سعيد بن المسيب قال : هو الذي لا حشو له . وكذلك قال
ابن مسعود : هو الذي ليست له أحشاء ، وكذلك قال الشعبي : هو
الذي لا يأكل ولا بشرب . وعن محمد بن كعب القرظي ، وعكرمة :
هو الذي لا يخرج منه شيء . وعن ميسرة قال : هو المصمت . قال
ابن قتيبة: كأن الدال فى هذا التفسير مبدلة من تاء، والصمت من هذا .
قلت : لا إبدال في هذا ولكن هذا من جهة الاشتقاق الأكبر
وسنبين إن شاء الله وجه القول من جهة الاشتقاق، واللغة .
وفي الحديث المأثور في سبب نزول هذه الآية رواه الإمام أحمد فى
المسند وغيره من حديث أبى سعد الصغانى : حدثنا أبو جعفر الرازي ،
٢١٥

عن الربيع بن أنس، عن أبى العالية عن أبى بن كعب: ((أن المشركين قالوا
لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انسب لنا ربك فأنزل الله: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدً
* اُللَّهُ الصَّمَدُ) إلى آخر السورة. قال: الصمد الذي لم يلد ولم
يولد ؛ لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا سيورث،
وأن الله لا يموت ولا يورث)).
وأما تفسيره بأنه السيد الذي يصمد إليه فى الحوائج فهو أيضاً
مروى عن ابن عباس موقوفا ومرفوعا، فهو من تفسير الوالى عن ابن
عباس . قال : ( الصمد ) السيد الذي كمل فى سؤدده ، وهذا مشهور
عن أبى وائل شقيق بن سلمة قال : هو السيد الذي انتهى سؤدده .
وعن أبى إسحق الكوفى عن عكرمة الصمد الذي ليس فوقه أحد .
ويروى هذا عن على ، وعن كعب الأحبار : الذي لا يكافئه من خلقه
أحد ، وعن السدي أيضاً : هو المقصود إليه في الرغائب ، والمستغاث
به عند المصائب . وعن أبى هريرة رضي الله عنه هو المستغنى عن كل
أحد المحتاج إليه كل أحد ، وعن سعيد بن جبير أيضاً : الكامل فى
جميع صفاته وأفعاله . وعن الربيع الذي لا تعتريه الآفات . وعن
مقاتل بن حيان الذي لا عيب فيه . وعن ابن كيسان هو الذي لا
يوصف بصفته أحد . قال أبو بكر الأنباري : لاخلاف بين أهل اللغة
أن الصمد السيد الذي ليس فوقه أحد ، الذي يصمد إليه الناس فى
حوائجهم وأمورم .
٢١٦

وقال الزجاج هو الذي ينتهي إليه السؤدد ، فقد صد له كل
شيء أي قصد قصده ، وقد أنشدوا فى هذا بيتين مشهورين أحدهما :
ألا بكر الناعى بخيرى بني أسد بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد
وقال الآخر :
علوته بحسامي ثم قلت له : خذها حذيف فأنت السيد الصمد
وقال بعض أهل اللغة : الصمد هو السيد المقصود فى الحوائج ،
تقول العرب صمدت فلاناً أصمده ـ بكسر الميم - وأصمده - بضم
الميم - صمداً - بسكون الميم - إذا قصدته، والمصمود صمد كالقبض
بمعنى المقبوض ، والنقض بمعنى المنقوض ، ويقال بيت مصمود ومصمد
إذا قصده الناس فى حوائجهم قال طرفة :
وإن يلتق الحي الجمع تلاقنی
إلى ذروة البيت الرفيع المصمد
وقال الجوهرى : صمده بصمده صمداً إذا قصده ، والصمد
بالتحريك السيد لأنه يصمد إليه في الحوائج ، ويقال بيت مصمد بالتشديد
أى مقصود .
٢١٧

وقال الخطابى : أصح الوجوه أنه السيد الذي يصمد إليه فى الحوائج
لأن الاشتقاق يشهد له ، فإن أصل الصمد القصد ، يقال : اصمد
صمد فلان أي أقصد قصده ، فالصمد السيد الذي يصمد إليه فى
الأمور ، ويقصد فى الحوائج ، وقال قتادة : الصمد الباقي بعد خلقه ،
وقال مجاهد ، ومعمر : هو الدائم ، وقد جعل الخطابى وأبو الفرج ابن
الجوزي : الأقوال فيه أربعة هذين ، واللذين تقدما . وسنبين إن شاء
الله أن بقاءه ودوامه من تمام الصمدية. وعن مرة الهمدانى هو الذي
لا يبلى ولا يفنى . وعنه أيضاً قال: هو الذي يحكم ما يريد ، ويفعل
ما يشاء لا معقب لحكمه ، ولا راد لقضائه .
وقال ابن عطاء : هو المتعالي عن الكون والفساد . وعنه أيضاً
قال: الصمد الذي لم يتبين عليه أثر فيما أظهر، يريد قوله: (وَمَا مَسَّنَا
مِن ◌ُغُوبٍ ) وقال الحسين بن الفضل : هو الأزلي بلا ابتداء، وقال محمد
ابن علي الحكيم الترمذي: هو الأول بلا عدد والباقى بلا أمد ، والقائم
بلا عمد . وقال أيضاً الصمد الذي لا تدركه الأبصار ، ولا تحويه
الأفكار ، ولا تبلغه الأقطار ، وكل شيء عنده بمقدار . وقيل : هو
الذي جل عن شبه المصورين . وقيل هو بمعنى نفى التجزي والتأليف عن
ذاته وهذا قول كثير من أهل الكلام ، وقيل هو الذي أيست العقول
من الاطلاع على كيفيته . وكذلك قيل هو الذي لا تدرك حقيقة نعوته
٢١٨

وصفاته ، فلا يتسع له اللسان ، ولا بشير إليه البنان . وقيل هو الذي
لم يعط خلقه من معرفته إلا الاسم والصفة . وعن الجنيد قال : الذي
لم يجعل لأعدائه سبيلا إلى معرفته .
ونحن نذكر ما حضرنا من ألفاظ السلف بأسانيدها . فروى ابن
أبي حاتم فى تفسيره قال: (( ثنا أبى، ثنا محمد بن موسى بن نفيع
الجرشي ، تنا عبد الله بن عيسى يعني أبا خلف الخزاز ، تنا داود بن
أبى هند، عن عكرمة، عن ابن عباس فى قوله: (اُلصَّمَدُ) قال :
الصمد الذي تصمد إليه الأشياء إذا نزل بهم كربة أو بلاء .
حدثنا أبو زرعة ، ثنا محمد بن ثعلبة بن سواء السدوسي ، ثنا محمد
ابن سواء ، ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن أبي معشر، عن إبراهيم ،
قال : الصمد الذي يصمد العباد إليه فى حوائجهم ، حدثنا أبى ، تنا
عبد الرحمن بن الضحاك ، ثنا سويد بن عبد العزيز ، ثنا سفيان بن
حسين ، عن الحسن ، قال : الصمد الحي القيوم الذي لا زوال له .
حدثنا أبى ، تنا نصر بن علي ، ثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن
قتادة ، عن الحسن ، قال : الصمد الباقي بعد خلقه وهو قول قتادة
حدثنا أبو سعيد الأشج ، ثنا ابن نمير ، عن الأعمش ، عن شقيق فى
قوله : ( الصمد ) قال السيد الذي قد انتهى سؤدده .
٢١٩

حدثنا أبى، ثنا أبو صالح، ثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبى
طلحة ، عن ابن عباس فى قوله : ( الصمد ) قال : السيد الذي قد
كمل فى سؤدده ، والشريف الذي قد كمل فى شرفه ، والعظيم الذي
قد كمل في عظمته ، والحليم الذي قد كمل في حلمه ، والعليم الذي قد
كمل فى علمه، والحكيم الذي قد كمل فى حكمته، وهو الذي قد كمل
فى أنواع الشرف والسؤدد، هو الله سبحانه وتعالى هذه صفته لا تنبغي
لأحد إلا له ليس له كفؤ ، وليس كمثله شىء سبحان الله الواحد القهار.
حدثنا كثير بن شهاب المذحجي القزونى ، ثنا محمد بن سعيد بن
سابق ، ثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس فى قوله : ( الصمد)
قال : الذي لم يلد ولم يولد . حدثنا أبو سعيد الأشج ، تنا ابن علية ،
عن أبى رجاء ، عن عكرمة فى قوله ( الصمد ) قال : الذي لم يخرج منه
شيء. حدثنا أبو سعيد الأشج، ثنا أبو أحمد ، ثنا مندل بن علي ،
عن أبى روق عطية بن الحارث ، عن أبى عبد الرحمن السلمى ، عن
عبد الله بن مسعود قال: ( الصمد ) الذي ليس له أحشاء وروى عن
سعيد بن المسيب مثله .
حدثنا أبى ، ثنا محمد بن عمر بن عبد الله الرومي ، ثنا عبيد الله
ابن سعيد قائد الأعمش ، عن صالح بن حيان ، عن عبد الله بن بريدة
عن أبيه ، قال لا أعلمه إلا قد رفعه قال : ( الصمد ) الذي لا جوف
٢٢٠