Indexed OCR Text

Pages 161-180

العلم بالآخر . وبين هذا وهذا فرق ظاهر ، فصفات الرب اللازمة
له لا تفارقه ألبتة، فلا تكون غيراً بالمعنى الأول ، ويجوز أن تعلم
بعض الصفات دون بعض وتعلم الذات دون الصفة فتكون غيراً باعتبار
الثانى ، ولهذا أطلق كثير من مثبتة الصفات عليها أغياراً للذات . ومنهم
من قال : نقول إنها غير الذات ولا نقول إنها غير الله ، فإن لفظ
الذات لا يتضمن الصفات بخلاف اسم الله فإنه بتناول الصفات ؛ ولهذا
كان الصواب - على قول أهل السنة - أن لا يقال في الصفات :
إنها زائدة على مسمى اسم الله ؛ بل من قال ذلك فقد غلط عليهم.
وإذا قيل : هل هي زائدة على الذات أم لا؟ كان الجواب : إن
الذات الموجودة فى نفس الأمر مستلزمة للصفات ، فلا يمكن وجود
الذات مجردة عن الصفات ؛ بل ولا يوجد شيء من الذوات مجرداً عن
جميع الصفات، بل لفظ ((الذات)) تأنيث ((ذو)) ولفظ ((ذو))
مستلزم للإضافة . وهذا اللفظ مولد ، وأصله أن يقال : ذات على ،
ذات قدرة، ذات سمع، كما قال تعالى: (فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْذَاتَ
بَيْنِكُمْ) ويقال: فلانة ذات مال، ذات جمال . ثم لما علموا أن نفس
الرب ذات علم وقدرة وسمع وبصر ــ رداً على من نفى صفاتها -
عرفوا لفظ الذات ، وصار التعريف يقوم مقام الإضافة ، فحيث قيل
لفظ الذات فهو ذات كذا ، فالذات لا تكون إلا ذات علم وقدرة
١٦١

ونحو ذلك من الصفات لفظاً ومعنى . وإنما يريد محققوا أهل السنة
بقولهم ((الصفات زائدة على الذات)) أنها زائدة على ما أثبته نفاة
الصفات من الذات ، فإنهم أثبتوا ذاتاً مجردة لا صفات لها ، فأثبت أهل
السنة الصفات زائدة على ما أثبته هؤلاء ، فهي زيادة فى العلم والاعتقاد
والخبر ، لا زيادة على نفس الله جل جلاله وتقدست أسماؤه . بل نفسه
المقدسة متصفة بهذه الصفات لا يمكن أن تفارقها ، فلا توجد الصفات
بدون الذات ولا الذات بدون الصفات . وهذه الأمور مبسوطة فى غير
هذا الموضع .
والمقصود أن الأشعري وغيره من الصفاتية - الذين سلكوا
مسلك ابن كلاب - إذا قال أحدم فى الصفات إنها متماثلة فإن هذا
لا يقوله عاقل ، إذ المثلان ما سد أحدهما مسد الآخر وقام مقامه ، والعلم
ليس مثلا للقدرة ، ولا القدرة مثلا للإرادة ، وأما الكلام فإنه عنده
شيء واحد ، والواحد يمتنع فيه تفاضل أو تماثل .
وفى الجملة فالذين يمنعون أن يكون كلام الله بعضه أفضل من بعض
لهم مأخذان :
((أحدهما)) أن صفات الرب لا يكون بعضها أفضل من بعض ، وقد
يعبرون عن ذلك بأن القديم لا يتفاضل .
١٦٢

((والثانى)) أنه واحد، والواحد لا يتصور فيه تفاضل ولا تماثل.
وهذا على قول من يقول : إنه واحد بالعين ، وهؤلاء الذين يقولون
إنه واحد بالعين منهم من يجعله مع ذلك حروفا أو حروفا وأصواتاً
قديمة الأعيان ، ويقول : هو مع ذلك شيء واحد ، كما يوجد فى كلام
طائفة من المتأخرين الذين أخذوا عن الكلابية أنه ليس له إلا إرادة
واحدة وعلم واحد وقدرة واحدة وكلام واحد وأن القرآن قديم .
وأخذوا عن المعتزلة وغيرم أنه مجرد الحروف والأصوات ، والتزموا
أن الحروف والأصوات قديمة الأعيان ، مع أنها مترتبة فى نفسها ترتبا
ذاتيا فى الوجود أزلية لم يزل بعضها مقارناً لبعض ، وفرقوا بين ذات
الشيء وبين وجوده في الخارج موافقة لمن يقول ذلك من المعتزلة وكثير
من القائلين بقدمه، وأنه حروف وأصوات ، لا يقولون إنه شيء واحد
بل يجعلونه متعدداً مع قدم القرآن ، وقدم أعيان الحروف والأصوات .
والقول الآخر لمن يقول إنه واحد بالعين : أن القديم هو معنى
واحد لا يتعدد ولا يتبعض ، كما قد بين حقيقة قولهم . وهذا هو
القول المنسوب إلى ابن كلاب والأشعري . وهذا القول أول من عرف
أنه قاله فى الإسلام ابن كلاب لم يسبقه إليه أحد من الصحابة ولا التابعين
ولا غيرهم من أئمة المسلمين ، مع كثرة ما تكلم الصحابة والتابعون فى
كلام الله تعالى، ومع أنه من أعظم وأم أمور الدين الذي تتوفر
١٦٣

الهمم على معرفته وذكره ، ومع تواتر نص الكتاب والسنة وآثار
الصحابة على خلاف هذا القول . وكل من هذه الأقوال مما يدل
الكتاب والسنة وآثار السلف على خلافه . وكل منها مما اتفق جمهور
العقلاء الذين يتصورونه على أن فساده معلوم بضرورة العقل ، ويجوز
اتفاق طائفة من العقلاء على قول بعلم فساده بضرورة العقل إذا كان
عن تواطؤ ، كما يجوز اتفاقهم على الكذب تواطؤاً ، وأما بدون ذلك
فلا يجوز .
فالمذهب الذي تقلده بعض الناس عن بعض - كقول النصارى
والرافضة والجهمية والدهرية ونحو ذلك - يجوز أن يكون فيه ما يعلم
فساده بضرورة العقل ، وإن كان طائفة من العقلاء قالوه على هذا الوجه ،
فأما أن يقولوه من غير تواطؤ فهذا لا يقع ، وأكثر المتقلدين للأقوال
الفاسدة لا يتصورونها تصوراً تاماً حتى يكون تصورها التام موجباً
للعلم بفسادها . ثم إذا اشتهر القول عند طائفة لم يعلموا غيره عن أهل
السنة ظنوا أنه قول أهل السنة .
ولما كان المشهور عند المسلمين أن أهل السنة لا يقولون القرآن
مخلوق صار كل من رأى طائفة تنكر قول من يقول القرآن مخلوق
يظن أن كل ما قالته فى هذا الباب هو قول السلف وأئمة السنة
- والذين قالوا إن القرآن غير مخلوق بل قائم بذات الله ، ووافقوا
١٦٤

السلف والأئمة فى هذا لما ظهرت محنة الجهمية - وثبت فيها الإمام أحمد
الذي أيد الله به السنة ونصر السنة - صار شعار أهل السنة أن القرآن
كلام الله غير مخلوق وأن الله يُرى فى الآخرة ، فكل من أنكر ذلك
فهو من أهل البدعة فى اللسان العام - فكثر حينئذ من يوافق أهل
السنة والحديث على ذلك ، وإن كان لا يعرف حقيقة قولهم ، بل معه
أصول من أصول أهل البدع الجهمية يريد أن يجمع بينها وبين قول
أهل السنة ، كما يريد المتفلسف أن يجمع بين أقوال المتفلسفة المخالفين
للرسل وبين ما جاءت به الرسل .
فلهذا صار المنتسبون إلى السنة الذين يقولون القرآن كلام الله غير
مخلوق لهم أقوال :
(أحدها ) قول من يقول: إنه قديم العين، وإن اللّه لا يتكلم
بمشيئته وقدرته ، ولا يتكلم بكلام بعد كلام . ثم هؤلاء على قولين:
منهم من يقول ذلك القديم هو معنى واحد لازم لذات الله أبداً، أو
خمسة معان. ( ومنهم ) من يقول : بل هو حروف وأصوات قديمة الأعيان
لازمة لذات الله أبداً . (الثالث ) قول من يقول: بل الرب فى أزله لم
يكن الكلام ممكنا له ، كما لم يكن الفعل ممكنا له عندهم ؛ لأن وجود
الكلام والفعل لا يكون إلا بمشيئته واختياره ، ووجود ما يكون بالمشيئة
والاختيار محال عندهم دوامه . ثم (المشهور) عن هؤلاء قول من يقول :
١٦٥

تكلم فيما لا يزال بحروف وأصوات تقوم بذاته، كما يقوله طوائف متعددة
منهم الكرامية . وبعض الناس يذكر ما يقتضى أن الكلام الذي قام به
شيئاً بعد شيء إنما هو علوم وإرادات ، وأبو عبد الله الرازي يميل إلى
هذا فى بعض كتبه .
و (الخامس ) قول من يقول: لم يزل متكلما كيف شاء. وهذا هو
المعروف عن السلف وأئمة السنة ، مثل عبد الله بن المبارك وأحمد بن
حنبل وسائر أهل الحديث والسنة .
ثم هؤلاء منهم من يقول: لم يزل متكلما لا يسكت ، بل لا يزال
متكلما بمشيئته وقدرته . وهذا هو الذي جعله ابن حامد المشهور من
مذهب أحمد وأصحابه ، مع أنه حكى أنه لا يختلف قول أحمد أنه لم
يزل متكلما كيف شاء وكما شاء . والقول الثاني أنه يتكلم إذا شاء
ويسكت إذا شاء. وهذا القول حكاه أبو بكر عبد العزيز عن طائفة من
أصحاب أحمد ، وكذلك خرجه ابن حامد قولا فى المذهب، مع ذكره
أنه لم يختلف مذهبه فى أنه لم يزل متكلما كيف شاء وكما شاء ، وأنه
لا يجوز أن يكون لم يزل ساكناً ثم صار متكلما كما يقوله الكرامية .
وهذه الأقوال وتوابعها مبسوطة فى موضع آخر ،
والمقصود هنا أن الذين قالوا: ((كلام الله غير مخلوق)) تنازعوا
١٦٦

بعد ذلك على هذه الأقوال ، مع أن أكثر الذين قالوا بعض هذه
الأقوال لا يعلمون ما قال غيرم ، بل غاية ما عند أمتهم المصنفين فى
هذا الباب معرفة قولين أو ثلاثة أو أربعة من هذه الأقوال - كقول
المعتزلة والكلابية والسالمية والكرامية - ولا يعرفون أن في الإسلام
من قال سوى ذلك، ويصنف أحدم كتاباً كبيراً في ((مقالات الإسلاميين))
وفى ((الملل والنحل))، ويذكر عامة الأقوال المبتدعة فى هذا الباب، والقول
المأثور عن السلف والأئمة لا يعرفه ولا ينقله ، مع أن الكتاب والسنة
مع المعقول الصريح لا يدل إلا عليه ، وكل ما سواه أقوال متناقضة
كما بسط فى موضعه .
والقصد هنا: أن من كان عنده أن قول المعتزلة مثلا ، أو قول
المعتزلة والكرامية ، أو قول هؤلاء وقول الكلابية ، أو قول هؤلاء
وقول السالمية - هو باطل من أقوال أهل البدع، لم يبق عنده قول
أهل السنة إلا القول الآخر الذي هو أيضاً من الأقوال المبتدعة المخالفة
لصريح المعقول وصحيح المنقول ، فيفرع على ذلك القول ما يضيفه إلى
السنة ، ثم إذا تدبر نصوص الكتاب والسنة وآثار السلف وجدها
تخالف ذلك القول أصلاً وفرعا، كما وقع لمن أنكر فضل ((فاتحة الكتاب))
و((آية الكرسى)) و(قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ) على غيرها من القرآن ، فإن عمدتهم
ما قدمته من الأصل الفاسد . أماكون الكلام واحداً فلا يتصور فيه
١٦٧

تفاضل ولا تماثل ولا تعدد . وأما كون صفات الرب لا تتفاضل -
وربما قالوا : القديم لا يتفاضل ، وهو من جنس قول الجهمية والمعتزلة
وبحوم : القديم لا يتعدد - فهذا لفظ مجمل : فإن القديم إذا أربد
به رب العالمين : فرب العالمين إله واحد لا شريك له ، وإذا أريد به
صفاته . فمن قال إن صفات الرب لا تتعدد فهو يقول : العلم هو
القدرة ، والقدرة هي الإرادة ؛ والسمع والبصر هو العلم . وقد يقول
بعضهم أيضاً: العلم هو الكلام ، ويقول آخرون: العلم والقدرة هو
الإرادة، ثم قد يقولون إن الصفة هي الموصوف: فالعلم هو العالم والقدرة
هي القادر. وهذه الأقوال صرح بها نفاة الصفات من الفلاسفة والجهمية
ويحوم كما حكيت ألفاظهم فى غير هذا الموضع . ومعلوم أن فى هذه
الأقوال من مخالفة المعقول الصريح والمنقول الصحيح - بل مخالفة
المعلوم بالاضطرار للعقلاء . والمعلوم بالاضطرار من دين الإسلام ودين
الرسل - ما يبين أنها في غاية الفساد شرعا وعقلا .
ثم إن هؤلاء تأولوا نصوص الكتاب والسنة بتأويلات باطلة : منهم
من قال : المراد بكونه أعظم وأفضل وخيراً كونه عظيما فى نفسه ،
وامتنع هؤلاء من إجراء التفضيل عليه، وحكى هذا عن الأشعري وابن
الباقلاني وجماعة غيرهما . ومعلوم أن من تدبر ألفاظ الكتاب والسنة
تبين له أنها لا تحتمل هذا المعنى ، بل هو من نوع القرمطة . فإن الله
١٦٨

تعالى يقول: ( اَللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ ) وقال النبى صلى الله عليه وسلم:
لأبي (( أتدري أي آية معك في كتاب الله أعظم)) وقال: ((لأعلمنك سورة
لم ينزل فى التوراة ولا فى الإنجيل ولا في الزبور ولا فى القرآن مثلها ،
إلى غير ذلك مما تقدم ذكره .
ومنهم من قال: بل المراد بقوله ((خير منها)) أي خير منها لكم
أي أكثر ثواباً أو أقل تعباً ، وقال : ما دل على أن بعضه أفضل
من بعض فليس هو تفضيلا لنفس الكلام بل لمتعلقه ، وهو أن تلاوة
هذا والعمل به يحصل به من الأجر أكثر مما يحصل بالآخر . فيقال
لهؤلاء : ما ذكر تموه حجة عليكم، مع ما فيه من مخالفة النص . وذلك
أن كون الثواب على أحد القولين أو الفعلين أكثر منه على الثاني
إنما كان لأنه فى نفسه أفضل ، ولهذا إنما تنطق النصوص بفضل القول
والعمل في نفسه ، كما قد سئل النبى صلى الله عليه وسلم غير مرة :
أي العمل أفضل؟ فيجيب بتفضيل عمل على عمل ، وذلك مستلزم الرجحان
ثوابه . وأما رجحان الثواب مع تماثل العملين فهذا مخالف
للشرع والعقل .
وكذلك الكلام ، ففى صحيح مسلم عن سمرة عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه قال: ((أفضل الكلام بعد القرآن أربع - وهن من
القرآن - سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر))،
١٦٩

فأخبر أنها أفضل الكلام بعد القرآن مع كونها من القرآن ، ففضل
نفس هذه الأقوال بعد القرآن على سواها ، وكذلك فى صحيح مسلم
أنه سئل: أي الكلام أفضل؟ فقال (( ما اصطفى الله لملائكته:
سبحان الله وبحمده)). وفى الموطأ وغيره عن النبى صلى الله عليه وسلم
أنه قال ((أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي : لا إله إلا الله وحده
لا شريك له ، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير))،
فأخبر أن هذا الكلام أفضل ما قاله هو والنبيون من قبله. وفى سنن
ابن ماجه عنه أنه قال: ((أفضل الذكر : لا إله إلا الله . وأفضل
الدعاء : الحمد لله)) وقد رواه ابن أبي الدنيا . وفي الصحيحين أنه قال
((الإيمان بضع وستون - أو وسبعون - شعبة، أعلاها قول لا إله
إلا الله)). ومثل هذا كثير فى النصوص يفضل العمل على العمل،
والقول على القول . ويعلم من ذلك فضل ثواب أحدهما على الآخر .
أما تفضيل الثواب بدون تفضيل نفس القول والعمل فلم يرد به
نقل ، ولا يقتضيه عقل ، فإنه إذا كان القولان متماثلين من كل وجه،
أو العملان متماثلين من كل وجه ، كان جعل ثواب أحدهما أعظم من
ثواب الآخر ترجيحاً لأحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح . وهذا أصل
قول القدرية والجهمية الذين يقولون : إن القادر يرجح أحد مقدوريه
بلا مرجح، وظنوا أنهم بهذا الأصل ينصرون الإسلام ، فلا للإسلام
١٧٠

نصروا ولا لعدوه كسروا . بل تسلط عليهم سلف الأمة وأئمتها
بالتبديع والتضليل والتكفير والتجهيل ، وتسلط عليهم خصومهم الدهرية
وغيرهم بإلزامهم مخالفة المعقول ، وجعلوا ذلك ذريعة إلى الزيادة فى
مخالفة المشروع والمعقول كما جرى للملحدين مع المبتدعين .
وأيضاً فقول القائل : إنه ليس بعض ذلك خيراً من بعض بل
بعضه أكثر ثواباً : رد لخبر الله الصريح، فإن الله يقول: (نَأْتِ
◌ِخَيْرِ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ) فكيف يقال ليس بعضه خيراً من بعض ؟ وإذا
كان الجميع متماثلا فى نفسه امتنع أن يكون فيه شيء خيراً من شيء.
وكون معنى الخير أكثر توابا مع كونه متماثلا في نفسه أمر لا يدل
عليه اللفظ حقيقة ولا مجازاً ، فلا يجوز حمله عليه ، فإنه لا يعرف قط
أن يقال هذا خير من هذا وأفضل من هذا مع تساوي الذاتين
بصفاتها من كل وجه ، بل لابد - مع إطلاق هذه العبارة - من
التفاضل ولو ببعض الصفات، فأما إذا قدر أن مختاراً جعل لأحدهما
مع التماثل ما ليس للآخر مع استوائها بصفاتها من كل وجه فهذا
لا يعقل وجوده ، ولو عقل لم يقل إن هذا خير من هذا أو أفضل
الأمر لا يتصف به أحدهما ألبتة.
وأيضاً ففي الحديث الصحيح أنه قال فى الفاتحة: (( لم ينزل فى
التوراة ولا فى الإنجيل ولا فى القرآن مثلها))، فقد صرح الرسول
١٧١

بأن اللّه لم ينزل لها مثلا، فمن قال: إن كل ما نزل من كلام الله فهو
مثل لها من كل وجه فقد ناقض الرسول فى خبره .
وأيضاً فقد تقدم قوله: ( أَحْسَنَ الْحَدِيثِ ) ومع تماثل كل
حديث للّه فليس القرآن أحسن من التوراة والإنجيل . وكذلك تقدم
ما خص الله به القرآن من الأحكام .
فإن قيل : نحن نسلم لكم أن الله خص بعض كلامه من الثواب
والأحكام بما لا يشركه فيه غيره ، لكن هذا عندنا بمحض مشيئته ؛
لا لاختصاص ذلك الكلام بوصف امتاز به عن الآخر . قيل : أولا
هذا مخالف لصريح نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة ، مع
مخالفته لصريح المعقول . ثم هذا مبني على أصل الجهمية والقدرية، وهو
أن القادر المختار يرجح أحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح. وهؤلاء
لما جوزوا هذا قالوا : إن الرب لم يزل معطلا ، وما كان يمكن فى
الأزل أن يتكلم ولا أن يفعل . ثم صار الكلام والفعل ممكناً من
غير حدوث شيء اقتضى انتقالهما من الامتناع إلى الإمكان ، وقالوا :
إن القادر المرجح يرجح بلا مرجح .
ثم قالت الجهمية : والعبد ليس بقادر فى الحقيقة ، فلا يرجح
شيئاً ، بل الله هو الفاعل لفعله ، وفعله هو نفس فعل الرب . وقالت
١٧٢

القدرية : العبد قادر تام القدرة يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا
سبب حادث، ولا حاجة إلى أن يحدث اللّه ما به يختص به فعل أحدهما؛
بل هو - مع أن نسبته إلى الضدين الإيمان والكفر سواء -
يرجح أحدهما بلا مرجح لا من الله ولا من العبد ، ولا يفتقر إلى
إعانة اللّه ولا إلى أن يجعله شائياً ولا يجعله يقيم الصلاة ولا يجعله
مسلماً . ومعلوم بالعقول خلاف هذا ، والله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم
ما يريد ، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن لكن المدح فى هذا
الكلام معناه أنه مطلق المشيئة لا معوق له إذا أراد شيئاً ، كما قال
النبى صلى الله عليه وسلم (( لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت
اللهم ارحمني إن شئت، ولكن ليعزم المسألة، فإن الله لا مكره له)).
فبين صلى الله عليه وسلم أنه لا يفعل إلا بمشيئته، ليس له مكره حتى
يقال له افعل إن شئت ، ولا يفعل إن لم يشأ .
فهو سبحانه إذا أراد شيئاً كان قادراً عليه لا يمنعه منه مانع .
لا يعنى بذلك أنه يفعل لمجرد مشيئة ليس معها حكمة ، بل يفعل عندهم
ما وجود فعله وعدمه بالنسبة إليه سواء من كل وجه . فإن هذا ليس
بمدح ، بل المعقول من هذا أنه صفة ذم ، فمن فعل لمجرد إرادته
الفعل من غير حكمة لفعله ولا تضمن غاية مجردة كان أن لا يفعل
خيراً له . وقد ذم الله سبحانه في كتابه من نسبه إلى هذا فقال تعالى
١٧٣

(وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَطِلًا ذَلِكَ ظَنُّالَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوْ مِنَ النَّارِ)،
وقال تعالى :
( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَلَى الَّهُ الْمَلِكُ الْحَقّلَا
إِلَهَ إِلَّا هُوَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيرِ) ، قال المفسرون : العبث أن يعمل
عملا لا لحكمة، وهو جنس من اللعب. وقال: (وَمَاخَلَقْنَا السَّمَاءُ
وَاُلْأَرْضَ وَمَابَنَهُمَا لَعِينَ * لَوْأَرَدْنَا أَنْ تَنَّخِذَلَوَّا لَّأَتَّخَذْنَهُ مِن لَّدُنَّ إِن كُنَّافَعِلِينَ )،
قال
وقال: (أَيَحْسَبُ اَلْإِنسَنُ أَنْ يُتْرَكَ سُدَّى).
المفسرون وأهل اللغة : السدى المهمل الذي لا يؤمر ولا ينهى ؛ كالذي
يترك الإبل سدى مهملة، وقال تعالى: ( وَهُوَ اُلَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ
وَاْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ)، وقال تعالى: (وَمَاخَلَقْنَا
السَمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَابَتْنَهُمَا إِلَّا بِآلْحَقّ وَ إِنَّ السَّاعَةَ لَنِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ *
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَقُ اَلْعَلِيمُ ) .
وقد بين سبحانه الفرق بين ما أمر به وما نهى عنه ، وبين من
بحمده ويكرمه من أوليائه ، ومن يذمه ويعاقبه من أعدائه ، وأنهم
مختلفون لا يجوز التسوية بينهما . وجعل خلاف ذلك من المنكر الذي
لا مساغ له . فقال تعالى: (أَفَتَجْعَلُ اَلْسْلِمِينَ كَاُْْرِمِينَ * مَا لَكُنْكَيْفَ تَّحْكُمُونَ ) ،
وقال: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِ الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ
كَالْفُجَّارٍ ) .
وقال تعالى :
١٧٤

(أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ أُجْتَرَحُواْالسَّيِّئَاتِ أَنْ تَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ سَوَآءُ
فبين أن هذا الحكم سيء فى
◌َحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ )
نفسه ليس الحكم به مساوياً للحكم بالتفاضل. ثم قال: (وَخَلَقَ اللَّهُ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِآلَْقِّ وَلِتُجْزَى كُلَّ نَفْسِ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ)
فأخبر أنه خلق الخلق ليجزى كل نفس بما كسبت ، وأنه لا يظلم أحداً
فينقص من حسناته شيئاً ، بل كما قال: (وَوَجَدُ وامَا عَمِلُواْ حَاضِر ◌ُوَلَا يَظْلِمُ
رَبُّكَ أَحَدًا ).
وقد نزه نفسه فى غير موضع من القرآن أن يظلم أحداً من خلقه
فلا يؤتيه أجره أو يحمل عليه ذنب غيره فقال تعالى : (وَمَن يَعْمَلْ مِنَ
الصَّلِحَتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَاهَضْمًا ) ، وقال تعالى:
( لَا تَخْتَصِمُوْلَدَىَّ وَقَدْ قَدَمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَنَّ وَمَا أَنْبِظَلَِّلِلْعِيدِ )
وقال تعالى: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُضُهُ عَلَيْكٌ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ * وَمَا
ظَمْنَهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوْ أَنفُسَهُمَّ فَمَآ أَغْنَتْ عَنْهُمْءَالِهَتُهُمُ الَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن
شَىْ ءٍ لَّمَّاجَآءَ أَمْهُ رَبِكٌ وَمَازَادُوهُمْ غَيْرَ تَنْبِيبٍ)
وفي الحديث الصحيح الإلهي (( يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي
وجعلته بينكم محرماً ، فلا تظالموا)).
وما تزعمه القدرية من أن تفضيل بعض عباده على بعض بفضله
وإحسانه من باب الظلم جهل منهم ، وكذلك جزاؤه بأعمالهم التى جرى
١٧٥

بها القدر ليس بظلم ، فإن الواحد من الناس إذا عاقبه غيره بسيئاته
وانتصف للمظلوم من الظالم لم يكن ذلك ظلماً منه باتفاق العقلاء ، بل
ذلك أمر محمود منه ، ولا يقول أحد إن الظالم معذور لأجل القدر .
فرب العالمين إذا أنصف بعض عباده من بعض وأخذ للمظلومين حقهم
من الظالمين كيف يكون ذلك ظلماً منه لأجل القدر ؟ ! وكذلك الواحد
من العباد إذا وضع كل شيء موضعه ، فجعل الطيب مع الطيب فى
المكان المناسب له وجعل الخبيث مع الخبيث في المكان المناسب له كان
ذلك عدلا منه وحكمة ، فرب العالمين إذا وضع كل شيء موضعه ولم
يجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين فى الأرض، ولم يجعل
المتقين كالفجار ، ولا المسلمين كالمجرمين . والجنة طيبة لا يصلح أن
يدخلها إلا طيب ، ولهذا لا يدخلها أحد إلا بعد القصاص الذي ينظفهم
من الحبث ، كما ثبت فى الصحيح عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه
وسلم: (( إن المؤمنين إذا عبروا الجسر - وهو الصراط المنصوب على
متن جهنم - فإنهم يوقفون على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم
من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم فى دخول
الجنة)) وهذه الأمور مبسوطة فى غير هذا الموضع .
والمقصود: هنا أن ما يقوله القدربة من الظلم والعدل الذي يقيسون
به الرب على عباده من بدعهم التى ضلوا بها وخالفوا بها الكتاب والسنة
١٧٦

وإجماع سلف الأمة ، وكذلك من قابلهم فنفى حكمة الرب الثابتة فى خلقه
وأمره وما كتبه على نفسه من الرحمة، وما حرمه على نفسه من الظلم ، وما
جعله للمخلوقات والمشروعات من الأسباب التى شهد بها النص مع العقل
والحس، وانفق عليها سلف الأمة وأئمة الدين ، كقوله تعالى: (وَمَآ أَنزَلَ
اَللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَآءٍ فَأَخْيَابِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) وقوله تعالى :
ونحو ذلك ، فإن هذه
(فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، مِنْ كُلِّ الثَّمَرَتِ )
الأقاويل أصلها مأخوذ من الجهم بن صفوان إمام غلاة المجبرة وكان ينكر
رحمة الرب ، ويخرج إلى الجنسى فيقول : أرحم الراحمين يفعل مثل
هذا؟ ! يريد بذلك أنه ما ثم إلا إرادة رجح بها أحد المتماثلين بلا مرجح،
لا لحكمة ولا رحمة.
ولهذا كان الذين وافقوه على قوله من المنتسبين إلى مذهب أهل
السنة والجماعة بتناقضون ، لأنهم إذا خاضوا فى الشرع احتاجوا أن
يسلكوا مسالك أئمة الدين فى إثبات محاسن الشريعة وما فيها من الأمر
بمصالح العباد، وما ينفعهم من النهي عن مفاسدم وما يضرم، وأن الرسول
الذي بعث بها بعث رحمة، كما قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلَّرَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ) وقد
وصفه الله تعالى بقوله: (وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُهَا لِلَّذِينَ يَنَّقُونَ
وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَالَّذِينَ هُم بِتَايَئِنَايُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىِّ الْأُفِىّ
الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْنُوبَا عِندَهُمْ فِ التَّوْرَةِ وَآلْإِنِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنْهُمْ
١٧٧

عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبِثَ ) فأخبر أنه يأمر
بما هو معروف وينهى عما هو منكر ، ويحل ما هو طيب ويحرم ما
هو خبيث .
ولو كان المعروف لا معنى له إلا المأمور به والمنكر لا معنى له إلا
ما حرم لكان هذا كقول القائل : يأمرجم بما يأمرج وينهاهم عما ينهاهم .
ويحل لهم ما أحل لهم ويحرم عليهم ما حرم عليهم. وهذا كلام لا فائدة فيه ،
فضلا عن أن يكون فيه تفضيل له على غيره . ومعلوم أن كل من أمر بأمر
يوصف بذلك، وكل نى بعث فهذه حاله. وقد قال تعالى: (فَيُظُلٍّ مِنَ الَّذِينَ
فعلم أن الطيب وصف للعين.
هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ)
وأن الله قد يحرمها مع ذلك عقوبة للعباد، كما قال تعالى لما ذكر ما حرمه
على بنى إسرائيل: (ذَلِكَ جَزَيْتَهُمْ بِبَغْيِهِمٌ وَإِنَّا لَصَدِفُونَ ) وقال تعالى:
فلو كان معنى
(يَسْتَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الَِّبَتُ)
الطيب هو ما أحل كان الكلام لا فائدة فيه . فعلم أن الطيب والخبيث
وصف قائم بالأعيان .
وليس المراد به مجرد التذاذ الأكل فإن الإنسان قد يلتذ ما
يضره من السموم وما يحميه الطبيب منه ، ولا المراد به التذاذ طائفة
من الأمم كالعرب ، ولاكون العرب تعودته ؛ فإن مجرد كون أمة من
الأمم تعودت أكله وطاب لها ، أو كرهته لكونه ليس فى بلادها لا
١٧٨

يوجب أن يحرم الله على جميع المؤمنين مالم تعتده طباع هؤلاء، ولا أن
يحل لجميع المؤمنين ما تعودوه . كيف وقد كانت العرب قد اعتادت
أكل الدم والميتة وغير ذلك وقد حرمه الله تعالى. وقد قيل لبعض
العرب : ما تأكلون ؟ قال : ما دب ودرج ، إلا أم حبين . فقال :
ليهن أم حبين العافية . ونفس قريش كانوا يأكلون خبائث حرمها الله
وكانوا يعافون مطاعم لم يحرمها الله . وفي الصحيحين عن النبى صلى الله
عليه وسلم أنه قدم له لحم ضب فرفع يده ولم يأكل ، فقيل : أحرام
هو يارسول الله؟ قال: (( لا ، ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني
أعافه)). فعلم أن كراهة قريش وغيرها لطعام من الأطعمة لا يكون
موجباً لتحريمه على المؤمنين من سائر العرب والعجم .
وأيضاً فإن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يحرم أحد منهم
ما كرهته العرب ، ولم يبح كل ما أكلته العرب. وقوله تعالى: (وَيُحِلُّ
لَهُمُ الطََّتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَبِثَ) إخبار عنه أنه سيفعل ذلك ، فأحل
النبي صلى الله عليه وسلم الطيبات وحرم الخبائث مثل كل ذي ناب
من السباع وكل ذي مخلب من الطير فإنها عادية باغية ، فإذا أكلها
الناس - والغاذي شبيه بالمغتذي - صار في أخلاقهم شوب من أخلاق
هذه البهائم وهو البغي والعدوان ، كما حرم الدم المسفوح لأنه مجمع
قوى النفس الشهوية الغضبية ، وزيادته توجب طغيان هذه القوى وهو
١٧٩

مجرى الشيطان من البدن، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: (( إن
الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم )) . ولهذا كان شهر رمضان إذا
دخل صفدت الشياطين ، لأن الصوم جنة .
فالطيبات التى أباحها هي المطاعم النافعة للعقول والأخلاق ، والخبائث
هي الضارة للعقول والأخلاق ، كما أن الخمر أم الخبائث لأنها تفسد
العقول والأخلاق ، فأباح الله للمتقين الطيبات التى يستعينون بها على
عبادة ربهم التى خلقوا لها ، وحرم عليهم الخبائث التى تضرم في المقصود
الذي خلقوا له، وأمرهم مع أكلها بالشكر ، ونهام عن تحريمها ، فمن
أكلها ولم يشكر ترك ما أمر الله به واستحق العقوبة. ومن حرمها
- كالرهبان - فقد تعدى حدود الله فاستحق العقوبة، قال تعالى:
(يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَارَزَقْنَكُمْ وَاشْكُرُوْلِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ
تَعْبُدُونَ ) وفى الحديث الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم
أنه قال: ((إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها،
ويشرب الشربة فيحمده عليها)) وفى حديث آخر: ((الطاعم الشاكر
بمنزلة الصائم الصابر)) وقال تعالى: (لَتُتْئَلُنَ يُؤْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ) أي
عن شكره ، فإنه لا يبيح شيئاً ويعاقب من فعله ، ولكن يسأله عن
الواجب الذي أوجبه معه وعما حرمه عليه : هل فرط بترك مأمور
أو فعل محظور، كما قال تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُخَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ
١٨٠