Indexed OCR Text

Pages 141-160

تقوم بذاته حتى يقال : هل بعضها أفضل من بعض أم لا ؟ وكل قول
سوى قول السلف والأئمة فى هذا الباب فهو خطأ متناقض ، وأي شيء
قاله فى جواب هذه المسألة كان خطأ لا يمكنه أن يجيب فيه بجواب
صحيح . فمن قال : إنه ليس له صفة ثبوتية بل ليس له صفة إلا سلبية
أو إضافية - كما يقول ذلك الجهمية المحضة من المتفلسفة والمتكلمة أتباع
جهم بن صفوان - فهذا إذا قيل له أيهما أفضل : نسبته التى هي الخلق
إلى السموات والأرض أم إلى بعوضة ؟ أم أيما أفضل : نفى الجهل بكل
شيء عنه والعجز عن كل شيء ، أم نفي الجهل بالكليات ؟ لم يمكنه أن
يجيب بجواب صحيح على أصله الفاسد .
فإنه إن قال : خلق السموات مماثل خلق البعوضة كان هذا مكارة
للعقل والشرع، قال تعالى: (لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ
وإن قال: بل ذلك أعظم وأكبر كما فى القرآن ، قيل له
النَّاسِ )
ليس عندك أمران وجوديان يفضل أحدهما الآخر ، إذ الخلق على قولك
لا يزيد على المخلوق فلم يبق إلا العدم المحض، فكيف يعقل في المعدومين
من كل وجه أن يكون أحدهما أفضل من صاحبه إذا لم يكن هناك
وجود يحصل فيه التفاضل ؟ وكذلك إذا قيل : نفي الجهل والعجز عن
بعض الأشياء مثل نفي ذلك عن بعض الأشياء كان هذا مكابرة ، وإن
قال : بل نفي الجهل العام أكمل من نفي الجهل الخاص ، قيل له : إذا
١٤١

لم يلزم من نفي الجهل ثبوت علم بشيء من الأشياء ، بل كان النفيان
عدمين محضين فكيف يعقل التفاضل فى الشيء الواحد من كل وجه ؟
فإنه لا يعقل في العدم المحض والنفي الصرف ، فإن ذلك ليس بشيء
أصلا، ولا حقيقة له فى الوجود ولا فيه كمال ولا مدح ، وإنما يكون
التفاضل بصفات الكمال ، والكمال لا بد أن يكون وجوداً قائماً بنفسه
أو صفة موجودة قائمة بغيرها . فأما العدم المحض فلا كمال فيه أصلا .
ولهذا إنما يصف الله نفسه بصفات التنزيه ، لا السلبية العدمية ،
لتضمنها أموراً وجودية تكون كمالا يتمدح سبحانه بها ، كما قد بسط فى
غير هذا الموضع، كقوله تعالى: (اللّهُ لَا إِلَهَ إِلَّهُوَ الْحَىُّ الْقَيُوُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ
فنفى ذلك يتضمن كمال الحياة والقيومية ، وكذلك قوله
وَلَا نَوْمٌ )
(مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ)
يتضمن كمال الملك والربوبية
وانفراده بذلك، ونفس انفراده بالملك والهداية والتعليم وسائر صفات الكمال
هو من صفات الكمال . ولهذا كانت السورة فيها الاسمان الأحد الصمد ، وكل
منهما يدل على الكمال. فقوله (أحد ) يدل على نفى النظير، وقوله (الصمد )
بالتعريف يدل على اختصاصه بالصمدية .
ولهذا جاء التعريف فى اسمه الصمد دون الأحد لأن أحداً لايوصف
به فى الإثبات غيره ، بخلاف الصمد فإن العرب تسمى السيد صمداً .
قال يحيى بن أبى كثير : الملائكة تسمى صمداً والآدمي أجوف ، فقوله
١٤٢

((الصمد)) بيان لاختصاصه بكال الصمدية . وقد ذكرنا تفسير الصمد
واشتماله على جميع صفات الكمال، كما رواه العلماء من تفسير ابن أبي طلحة عن
ابن عباس ، وقد ذكره ابن جرير وابن أبى حاتم والبيهقى وغيرهم فى
قوله : ( الصمد ) يقول: السيد الذي قد كمل فى سؤدده ، والشريف
الذي قد كمل في شرفه ، والعظيم الذي قد كمل فى عظمته ، والحكيم
الذي قد كمل في حكمته، والعليم الذي قد كمل فى علمه، والحليم الذي قد كمل
في حلمه، وهو الذي قد كمل فى أنواع الشرف والسؤدد ، وهو سبحانه هذه
صفته لا تنبغي إلا له، ليس له كفؤ وليس كمثله شيء ، سبحانه الواحد القهار .
وكذلك قد ثبت من حديث الأعمش عن أبى وائل ، وقد ذكره
البخاري فى صحيحه ، ورواء كثير من أهل العلم في كتبهم قال : الصمد
السيد الذي انتهى سؤدده . وقد قال غير واحد من السلف كابن
مسعود وابن عباس وغيرهما : الصمد الذي لا جوف له . وكلا القولين
حق موافق للغة، كما قد بسط في موضعه . أما كون الصمد هو السيد
فهذا مشهور ، وأما الآخر فهو أيضاً معروف فى اللغة. وقد ذكر
الجوهري وغيره أن الصمد لغة في الصمت ، وليس هذا من
إبدال الدال بالتاء كما ظنه بعضهم ، بل لفظ صمد يصمد صمداً يدل
على ذلك .
والمقصود هنا أن صفات الكمال إنما هي فى الأمور الموجودة ،
١٤٣

والصفات السلبية إنما تكون كمالا إذا تضمنت أموراً وجودية ؛ ولهذا
كان تسبيح الرب يتضمن تنزيهه وتعظيمه جميعاً، فقول العبد: ((سبحان
الله)) يتضمن تنزيه الله وبراءته من السوء ، وهذا المعنى يتضمن عظمته
فى نفسه، ليس هو عدما محضا لا يتضمن وجوداً ، فإن هذا لا مدح
فيه ولا تعظيم . وكذلك سائر ما تنزه الرب عنه من الشركاء ، والأولاد
وغير ذلك ، كقوله تعالى: (أَفَأَ صْفَتَكُمْرَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَئِكَةِ إِنَّأَ
إِنَّكُمْلَنَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا - إلى قوله - إِذَا لَّأَ بْنَغَوْإلَى ◌ِىالْعِشِسَبِيلًا
ج
تُسَبِعُ لَهُ السَّمَوَتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِن
*
سُبْحَتَهُ، وَتَعَلَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوا كَبِيرًا
مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحْدِهِ، وَلَكِن لَّانَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ).
وقوله تعالى :
وَسَلَمُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ وغير
( سُبْحَنَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ
ذلك .
فنفى العيوب والنقائص يستلزم ثبوت الكمال ، ونفي الشركاء يقتضي
الوحدانية، وهو من تمام الكمال ، فإن ماله نظير قد انقسمت صفات
الكمال وأفعال الكمال فيه وفي نظيره ، فحصل له بعض صفات الكمال
لا كلها . فالمنفرد بجميع صفات الكمال أكمل ممن له شريك يقاسمه
إياها. ولهذا كان أهل التوحيد والإخلاص أكمل حباً لله من المشركين
الذين يحبون غيره، الذين اتخذوا من دونه أنداداً يحبونهم كبه. قال
١٤٤

(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبّ اللَّهِ وَالَّذِينَ
تعالی :
وهذا مبسوط فى غير هذا
ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبَّالِلَّهِ)
الموضع ، قد بين فيه أن هذا من الشرك الأكبر الذي لا يغفره
اللّه تعالى .
وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال : قلت يا رسول أي الذنب
أعظم؟ قال ((أن تجعل لله نداً وهو خلقك)). قلت ثم أي ؟ قال:
(( أن نقتل ولدك خشية أن يطعم معك)). قلت ثم أي؟ قال ((أن
نزاني بحليلة جارك)). وأنزل الله تعالى تصديق ذلك: (وَاُلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ
مَعَاللَّهِ إِلَهَاءَ اخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَِّى حَرَّمَ اللَّهُإِلَّ بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ) الآية .
فمن جعل الله نداً يحبه كب الله فهو ممن دعا مع اللّه إلهاً آخر، وهذا
من الشرك الأكبر .
والمقصود هنا أن الشيء إذا انقسم ووقعت فيه الشركة نقص ما
يحصل لكل واحد ، فإذا كان جميعه لواحد كان أكمل ، فلهذا كان
حب المؤمنين الموحدين المخلصين لله أكمل. وكذلك سأر ما نهوا عنه
من كبائر الإثم والفواحش يوجب كمال الأمور الوجودية فى عبادتهم
وطاعتهم ومعرفتهم ومحبتهم، وذلك من زكام ؛ كما أن الزرع كما نقى
عنه الدغل كان أزكى له وأكمل لصفات الكمال الوجودية فيه ، قال
تعالى: (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ ) وأصل الزكاة التوحيد
١٤٥

والإخلاص، كما فسرها بذلك أكبر السلف . وقال تعالى: ( قُل
لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ وَيَحْفَظُ وافُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزَكَى لَهُمْ)
وهذا كله
( خُذْمِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكْبِهِم بِهَا ) .
وقال :
مبسوط في غير هذا الموضع .
والمقصود هنا: أن من نفى عن الله النقائص؛ كالموت والجهل والعجز
والصمم والعمى والبكم ، ولم يثبت له صفات وجودية؛ كالحياة والعلم
والقدرة والسمع والبصر والكلام ؛ بل زعم أن صفاته ليست إلا
عدمية محضة ، وأنه لا يوصف بأمر وجودى ، فهذا لم يثبت له صفة
كمال أصلا ، فضلا عن أن يقال أي الصفتين أفضل ؟ فإن التفضيل
بين الشيئين فرع كون كل منهما له كمال ما ، ثم ينظر أيهما
أكمل ، فأما إذا قدر أن كلا منها عدم محض فلا كمال ولا فضيلة
هناك أصلا.
وكذلك من أثبت له الأسماء دون الصفات فقال إنه حي عليم قدير
سميع بصير عزيز حكيم - ولكن هذه الأسماء لا تتضمن الصافه بحياة
ولا علم ولا قدرة ولا سمع ولا بصر ولا عزة ولا حكمة - فإذا قيل
له : أي الاسمين أفضل ؟ لم يجب بجواب صحيح ، فإنه إن قال : العليم
أعظم من السميع لعموم تعلقه مثلا، أو قال : العزيز أكمل من القدير
لأنه مستلزم للقدرة من غير عكس ، قيل: إذا لم يكن للأسماء عندك
١٤٦

معان موجودة تقوم به لم يكن هناك لا علم ولا سمع ولا بصر ولا عزة
ولا قدرة ، ليس إلا ذات مجردة عن صفات ومخلوقات ، والذات المجردة
ليس فيها ما يمكن أن يقع فيه تفاضل ولا تماثل . والمخلوقات لم يكن
السؤال عن تفضيل بعضها على بعض ، فإن ذلك مما يعلمه كل واحد
ولا يشتبه على عاقل .
وكذلك من جعل بعض صفاته بعضاً ، أو جعل الصفة هي الموصوف ،
مثل من قال : العلم هو القدرة، والعلم والقدرة هما العالم القادر ، كما
يقول ذلك من يقوله من جهمية الفلاسفة وبحوم .
أو قال : كلامه كله هو معنى واحد قائم بذاته ، هو الأمر بكل
مأمور والخبر عن كل مخبر به ، إن عبر عنه بالعربية كان قرآناً ، وإن عبر عنه
بالعبرية كان توراة ، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلا ، وإن معنى آية
الكرسي وآية الدين واحد ، وإن الأمر والنهي صفات نسبية للكلام
ليست أنواعا ؛ بل ذات الكلام الذي هو أمر هو ذات الكلام الذي
هو نهي ، وإنما تنوعت الإضافة . فهذا الكلام الذي تقوله الكلابية
وإن كان جمهور العقلاء يقولون إن مجرد تصوره كاف فى العلم بفساده ،
فلا يمكن على هذا القول الجواب بتفضيل كلام الله بعضه على بعض ،
ولا مماثلة بعضه لبعض ؛ لأن الكلام على قولهم شيء واحد بالعين لا
١٤٧

يتعدد ولا يتبعض ، فكيف يمكن أن يقال : هل بعضه أفضل من بعض .
أم بعضه مثل بعض ولا بعض له عنده؟. وإن قالوا : التماثل والتفاضل
يقع في العبارة الدالة عليه ، قيل : تلك ليست كلاما لله على أصله ،
ولا عند أئمتهم ، بل هي مخلوق من مخلوقاته ، والتفاضل فى المخلوقات لا
إشكال فيه .
ومن قال من أتباعهم: إنها نسمى كلام اللّه حقيقة. وإن اسم
الكلام يقع عليها وعلى معنى ذلك المعنى القائم بالنفس بالاشتراك اللفظي،
فإنه لم يعقل حقيقة قولهم ، بل قوله هذا يفسد أصلهم . لأن أصل
قولهم : إن الكلام لا يقوم إلا بالمتكلم لا يقوم بغيره ، إذ لو جاز قيام
الكلام بغير المتكلم لجاز أن يكون كلام الله مخلوقا قائماً بغيره مع كونه
كلام الله . وهذا أصل الجهمية المحضة والمعتزلة الذي خالفهم فيه الكلابية
وسائر المثبتة، وقالوا : إن المتكلم لا يكون متكلما حتى يقوم به الكلام،
وكذلك فى سائر الصفات قالوا : لا يكون العالم عالماً حتى يقوم به العلم،
ولا يكون المريد مريداً حتى تقوم به الإرادة ، فلو جوزوا أن يكون
الله ما هو كلام له وهو مخلوق منفصل عنه بطل هذا الأصل.
وأصل النفاة المعطلة من الجهمية والمعتزلة: أنهم بصفون الله بما لم
يقم به ، بل بما قام بغيره ، أو بما لم يوجد ، ويقولون : هذه إضافات
لا صفات، فيقولون: هو رحيم ويرحم، والرحمة لا تقوم به بل هي
١٤٨

مخلوقة ، وهي نعمته . ويقولون : هو يرضى ويغضب والرضا والغضب
لا يقوم به ؛ بل هو مخلوق وهو ثوابه وعقابه ، ويقولون : هو متكلم
ويتكلم ، والكلام لا يقوم به بل هو مخلوق قائم بغيره. وقد يقولون:
هو مريد ويريد ثم قد يقولون ليست الإرادة شيئاً موجوداً ، وقد
يقولون : إنها هي المخلوقات والأمر المخلوق . وقد يقولون أحدث إرادة
لا فى محل .
وهذا الأصل الباطل الذي أصله نفاة الصفات الجهمية المحضة من
المعتزلة وغيرهم هو الذي فارقهم به جميع المثبتة للصفات : من السلف
والأئمة وأهل الفقه والحديث والتصوف والتفسير وأصناف نظار المثبتة :
كالكلابية ومن اتبعهم من الأشعرية وغيرهم ، وكالهشامية والكرامية
وغيرهما من طوائف النظار المثبتة للصفات ، وعلى هذا أئمة المسلمين
المشهورون بالإمامة وأئمة الفقهاء من أتباعهم من أصحاب مالك والشافعي
وأحمد وأبى حنيفة وغيرم .
فقول من قال : إن الكلام بقع حقيقة على العبارة وهي مع ذلك
مخلوقة ، يناقض الأصل الفارق بين المثبتة والمعطلة ، إلا أن يسمى متعلق الصفة
باسم الصفة ، كما يسمى المأمور به أمراً ، والمرحوم به رحمة ، والمخلوق خلقاً ،
والقدر(١) قدرة، والمعلوم علماً؛ لكن يقال له : هذا كله ليس هو الحقيقة
عند الإطلاق .
(١) هكذا وردت في المطبوع ولعل الصواب (والمقدور)
١٤٩

وأيضاً فهذه الأمور أعيان قائمة بأنفسها، فإذا أضيفت إلى الله علم
أنها إضافة ملك لا إضافة وصف ؛ بخلاف العبارة فإنها لا تقوم بنفسها
كما لا يقوم المعنى بنفسه ، وهذا هو الأصل الفارق بين إضافة الصفات
وإضافة المخلوقات ، فإن المعطلة النفاة من الصابئة والفلاسفة والمعتزلة
وغيرهم من الجهمية ومن اتبعهم: كابن عقيل وابن الجوزي وغيرهما فى
بعض مصفاتها - وإن كانا فى موضع آخر يقولان بخلاف ذلك -
يقولون: ليس في النصوص إلا إضافة هذه الأمور إلى الله ، وهذه الأمور
تسمى نصوص الإضافات لا نصوص الصفات . ويقولون : نصوص
الإضافات وأحاديث الإضافات، لا آيات الصفات وأحاديث الصفات .
والإضافة تكون إضافة مخلوق، لاختصاصه ببعض الوجوه كإضافة البيت
والناقة والروح فى قوله: (وَطَهِّرُبَيْتِىَ )، وقوله: (نَاقَةَ اللَّهِ )،
وقوله: (فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَارُ وحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرَاسَوِيًّا ).
وقالت الحلولية من النصارى ، وغلاة الشيعة ، والصوفية ومن
اتبعهم ممن يقول بقدم الروح - أرواح العباد - وينتسب إلى أئمة
المسلمين كالشافعي وأحمد وغيرهما مثل طائفة من أهل جيلان وغيرهم -
بل إضافة الروح إلى الله كإضافة الكلام والقدرة ، والكلام والقدرة
(فَإِذَا سَوَيْتُهُ،وَنَفَخْتُفِيهِمِن
صفاته فكذلك الروح . وقالوا فى قوله :
رُوحِى ) دليل على أن روح العبد صفة الله قديمة. وقالت النصارى :
١٥٠

عيسى كلمة الله ، وكلام الله غير مخلوق ، فعيسى غير مخلوق . وقالت
الصابئة والجهمية : عيسى كلمة اللّه وهو مخلوق، والقرآن كلام الله فهو
أيضاً مخلوق .
وهذه المواضع اشتبهت على كثير من الناس ، وقد تكلم فيها الأمة
كأحمد بن حنبل وغيره، وتكلموا في إضافة الكلام والروح ومناظرة
الجهمية والنصارى . وقد سئلت عن ذلك من جهة الحلولية تارة ومن
جهة المعطلة تارة ، والسائلون تارة من أهل القبلة وتارة من غير أهلها ،
وقد بسط جواب ذلك فى غير موضع ، لكن المقصود هنا أن الفارق
بين المضافين : أن المضاف إن كان شيئاً قائما بنفسه أو حالا فى ذلك القائم
بنفسه فهذا لا يكون صفة لله؛ لأن الصفة قائمة بالموصوف . فالأعيان التى
خلقها الله قائمة بأنفسها، وصفاتها القائمة بها تمتنع أن تكون صفات الله،
فإضافتها إليه تتضمن كونها مخلوقة مملوكة ، لكن أضيفت لنوع من
الاختصاص المقتضى للإضافة لا لكونها صفة ، والروح الذي هو جبريل
من هذا الباب ، كما أن الكعبة والناقة من هذا الباب ، ومال الله من
هذا الباب ، وروح بنى آدم من هذا ، وذلك كقوله (فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا
(فَإِذَا سَوَيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى)
رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرَّاسَوِيًّا )،
(وَطَهِّرْبَيْتِىَ )، ( نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَهَا)، (مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ
اُلْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ) .
١٥١

وأما إن كان المضاف إليه لا يقوم بنفسه ؛ بل لا يكون إلا صفة
كالعلم والقدرة والكلام والرضا والغضب فهذا لا يكون إلا إضافة
صفة إليه فتكون قائمة به سبحانه ، فإذا قيل : أستخيرك بعلمك
وأستقدرك بقدرتك ، فعلمه صفة قائمة به وقدرته صفة قائمة به ، وكذلك
إذا قيل: ((أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك)) فرضاه
وسخطه قائم به ، وكذلك عفوه وعقوبته .
وأما أثر ذلك وهو ما يحصل للعبد من النعمة واندفاع النقمة فذاك
مخلوق منفصل عنه ليس صفة له ، وقد يسمى هذا باسم ذاك كما فى
الحديث الصحيح (( يقول الله للجنة: أنت رحمتى أرحم بك من أشاء
من عبادى )) فالرحمة هنا عين قائمة بنفسها لا يمكن أن تكون صفة
لغيرها . فهذا هو الفارق بين ما يضاف إضافة وصف وإضافة ملك .
وإذا قيل ((المسيح كلمة الله)) فمعناه أنه مخلوق بالكلمة ، إذ المسيح
نفسه ليس كلاما . وهذا بخلاف القرآن فإنه نفسه كلام ، والكلام
لا يقوم بنفسه إلا بالمتكلم ، فإضافته إلى المتكلم إضافة صفة إلى موصوفها
وإن كان يتكلم بقدرته ومشيئته ، وإن سمى فعلا بهذا الاعتبار فهو صفة
باعتبار قيامه بالمتكلم .
وإذا كان كذلك فمن قال : إن الكلام معنى واحد قائم بذات
المتكلم ، لم يمكنه أن يجيب عن هذه المسألة بجواب صحيح . فإذا قيل
١٥٢

له : كلام الله هل بعضه أفضل من بعض ؟ امتنع الجواب على أصله
بنعم أو لا، لامتناع تبعضه عنده، ولكون العبارة، ليست كلاما؛ لله
لكن إذا أريد بالكلام العبارة ، أو قيل له : هل بعض القرآن
أفضل من بعض - وأريد بالقرآن الكلام العربي الذي نزل به جبريل
فهو عنده مخلوق لم يتكلم الله به، بل هو عنده إنشاء جبريل أو غيره؛
أو قيل : هل بعض كتب الله أفضل من بعض - وكتاب الله عنده
هو القرآن العربي المخلوق عنده - فهذا السؤال يتوجه على قوله فى
الظاهر ، وأما فى نفس الأمر فكلاهما ممتنع على قوله ، لأن العبارة
تدل على المعاني فإن المعاني القائمة فى النفس تدل عليها العبارات، وقد علم أن
العبارات تدل على معان متنوعة ، وعلى أصله ليس المعنى إلا واحداً ،
فيمتنع بالضرورة العقلية أن يكون القرآن العربي كله والتوراة والإنجيل
وسائر ما يضاف إلى الله من العبارات ، إنما يدل على معنى واحد لا يتعدد
ولا يتبعض ، وحينئذ فتبعض العبارات الدالة على المعاني بدون تبعض
تلك المعاني ممتنع .
ولهذا قيل لهم : موسى عليه السلام لما سمع كلام الله أسمعه كله ،
أم سمع بعضه؟ إن قلتم: ((كله)) فقد على كل ما أخبر الله به وما
أمر به، وقد ثبت فى الصحيح أن الخضر قال له (( ما نقص علمي
وعلمك من على الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر)) وقد
١٥٣

قال تعالى: (قُل لَّوْكَانَ الْبَحْرُ مِدَادًالِكَلِمَتِ رَبٍِّ لَنَفِدَالْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ نَنْفَدَ كَلِمَتُ رَبِ وَلَوْجِثْنَا
بِمِثْلِهِ، مَدَدًا).
وإن قلتم ((سمع بعضه)) فقد
تبعض ، وعندكم لا يتبعض . وأيضا فقد فرق الله بين تكليمه لموسى
عليه الصلاة والسلام وبين إيحائه إلى غيره من النبيين ، وفرق بين
الإيحاء وبين التكليم من وراء حجاب ، فلو كان المعنى واحداً لكان
الجميع إيحاء ولم يكن هناك تكليم يتميز على ذلك. ولا يمتنع أن يكون
الرب تعالى مناديا لأحد ، إذ المعنى القائم بالنفس لا يكون نداء ، وقد
أخبر الله تعالى بندائه فى القرآن في عدة مواضع .
وعلى هذا فمن قال من هؤلاء : إن كلام الله لا يفضل بعضه بعضاً
فحقيقة قوله أن هذه المسألة ممتنعة ، فليس هناك أمران حتى يقال إن
أحدهما يكون مثل الآخر أو أفضل منه . والتماثل والتفاضل إنما يعقل
بين اثنين فصاعداً . وهكذا عند هؤلاء في إرادته وعلمه وسمعه وبصره،
فكل من جعل الصفة واحدة بالعين امتنع - على قوله - أن يقال: هل
بعضها أفضل من بعض أم لا ؟ إذ لا بعض لها عنده . وكذلك من
وافق هؤلاء على وحدة هذه الصفات بالعين وقال : إن كلام الله
حروف قديمة الأعيان ، أو حروف وأصوات قديمة الأعيان ، سواء قال
مع ذلك إنها أعيان الأصوات المسموعة من القراء ، أو قال إنها بعض
الأصوات المسموعة من القراء . وإن كان فساد ذلك معلوما بالاضطرار
١٥٤

وقال ان هذه الأصوات غير تلك .
فمن قال بأن الكلام حروف أو حروف وأصوات مقترن بعضها
ببعض أزلا وأبداً وهي مع ذلك شيء واحد فقوله معلوم الفساد عند
جمهور العقلاء ، كما أن من جعلها قولا واحداً فقوله معلوم الفساد عند
جمهور العقلاء على كل تقدير ، فيمتنع مع القول بوحدة شيء أن يقال:
هل بعضه أفضل من بعض أم لا ؟ وأما من أثبت ما يتعدد من المعاني
والحروف أو أحدهما فهذا يعقل على قوله: السؤال عن التماثل والتفاضل .
ثم حينئذ يقع السؤال : هل يتفاضل كلام الله وصفاته وأسماؤه ، أم لا
يقع التفاضل إلا فى المخلوق ؟ .
وعلى هذا فما ذكره ابن بطال فى شرح البخاري لما تكلم على
هذا الحديث حيث قال : قال المهلب - وحكاه عن الأصيلي -
ومذهب الأشعري وأبى بكر بن الطيب وابن أبي زيد والداودي وأبى
الحسن القابسى وجماعة علماء السنة أن القرآن لا يفضل بعضه بعضاً ، إذ
كله كلام الله تعالى وصفته، وهو غير مخلوق، ولا يجوز التفاضل إلا فى
المخلوقات ، هو نقل لأقوال هؤلاء بحسب ما ظنه لازماً لهم حيث اعتقد
أن التفاضل لا يكون إلا في المخلوق، والقرآن عند هؤلاء ليس
بمخلوق . لكن قدمنا أن السلف الذين قالوا إنه غير مخلوق لم ينقل
عن أحد منهم أنه قال ليس بعضه أفضل من بعض ، بل المنقول عنهم
١٥٥

خلاف ذلك . وأما نقل هذا القول عن الأشعري وموافقيه فغلط عليهم ؛
إذ كلام الله عندم ليس له كل ولا بعض ، ولا يجوز أن يقال : هل
يفضل بعضه بعضاً أو لا يفضل ، فامتناع التفاضل فيه عنده كامتناع
التماثل، ولا يجوز أن يقال إنه متماثل ولا متفاضل ، إذ ذلك
لا يكون إلا بين شيئين .
ولكن هذا السؤال يتصور عنده في الصفات المتعددة كالعلم والقدرة
فيقال : أيها أفضل ؟ فإن كان قال : إن صفات الرب لا تتفاضل ؛ لأن
مقتضى الأفضل نقص المفضول عنه فإنما يستقيم هذا الجواب فى هذه
الصفات المتعددة لا فى نفس الكلام ، مع أن هذا النقل عن الأشعري
فى نفي تفاضل الصفات غير محرر ، فإن الأشعري لم يقل : إن الصفات
لا تتفاضل ، بل هذا خطأ عليه ، ولكن هو يقول : إن الكلام
لا يدخله التفاضل كما لا يدخله التماثل ، لأنه واحد عنده ، لا لما ذكر.
وأما الصفات المتعددة فإنه قد صرح بأنها ليست متماثلة ، ومذهبه أن
الذات ليست مثل الصفات ، ولاكل صفة مثل الأخرى ، فهو لا يثبت
تماثل المعانى القديمة عنده فكيف يقال - على أصله - ما يوجب
تماثلها ، وإذا امتنع من إطلاق التفاضل فهو كامتناعه من إطلاق لفظ
التماثل ، وكامتناعه من إطلاق لفظ التغاير .
وفى الجملة فمن نقل عنه أنه نفى التفاضل وأثبت التماثل فقد أخطأ
١٥٦

لكن قد لا يطلق لفظ التفاضل كما لا يطلق لفظ التماثل ، لا لأن
الصفات متماثلة عنده ؛ بل هو ينفي التماثل لعدم التعدد، ولعدم إطلاق
التغاير ، كما يقال : هل يقال الصفات مختلفة أم لا ؟ وهل هي متغايرة
أم لا ؟ وهل يقال فى كل صفة إنها الذات أو غيرها ، أو لا يجمع
بين نفيهما ، وإنما يفرد كل نفي منهما ، أو لا يطلق شيء من ذلك ؟
فهذه الأمور لا اختصاص لها بهذه المسألة مسألة التفضيل .
ولا ريب أن التماثل أو التفاضل لا يعقل إلا مع التعدد ، وتعدد
أسماء الله وصفاته وكلماته هو القول الذي عليه جمهور المسلمين، وهو
الذي كان عليه سلف الأمة وأئمتها ، وهو الموافق لفطرة الله التي فطر
عليها عباده ، فلهذا كان الناس يتخاطبون بموجب الفطرة والشرعة ،
وإن كانت لبعضهم أقوال أخر تنافى الفطرة والشرعة، وتستلزم بطلان
ما يقوله بمقتضى الفطرة والشرعة ، فإن القرآن والسنة قد دلا على تعدد
كلمات اللّه في غير موضع، وقد قال تعالى: (قُل لَّوْكَانَ الْبَحْرُ مِدَادُالْكَلِمَتِ
رَِ لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَثُ رَبِ وَلَوْجِثْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا)
وقال تعالى: (وَلَوْ أَنَّمَا فِى الْأَرْضِ مِن شَجَرَةِ أَقْلَهٌ وَالْبَحْرُ يَمُذُّهُ مِنْ بَعْدِهِ، سَبْعَةُ
أَنْجُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَتُ اللَّهِ )
وقد ذكرنا فى غير هذا الموضع قول السلف وأنهم كانوا يثبتون
الله كلمات لا نهاية لها ؛ وبينا النزاع فى تعدد العلوم والإرادات ، وأن
١٥٧

كثيراً من أهل الكلام يقول ما عليه جمهور الناس من تعدد ذلك ،
وأن الذين قالوا يريد جميع المرادات بإرادة واحدة إنما أخذوه عن ابن
كلاب ، وجمهور العقلاء قالوا : هذا معلوم الفساد بالضرورة ، حتى إن
من فضلاء النظار من ينكر أن يذهب إلى هذا عاقل من الناس ، لأنه
رآه ظاهر الفساد فى العقل ، ولم يعلم أنه قاله طائفة من النظار .
وكذلك من جعل نفس إرادته هي رحمته وهي غضبه يكون قوله
صلى الله عليه وسلم ((أعوذ برضاك من سخطك)) معناه يكون مستعيداً
عنده بنفس الإرادة من نفس الإرادة ، وهذا ممتنع ، فإنه ليس عنده
للإرادة صفة ثبوتية يستعاذ بها من أحد الوجهين باعتبار ذلك الوجه
منها باعتبار الوجه الآخر . بل الإرادة عنده لها مجرد تعلق بالمخلوقات
والتعلق أمر عدمي . وهذا بخلاف الاستعاذة به منه ، لأن له سبحانه
صفات متنوعة فيستعاذ به باعتبار ، ومنه باعتبار . ومن قال : إنه ذات
لا صفة لها ، أو موجود مطلق لا يتصف بصفة ثبوتية فهذا يمتنع محققه
فى الخارج، وإنما يمكن تقدير هذا فى الذهن كما تقدر الممتنعات ، فضلا
عن أن يكون ربا خالقاً للمخلوقات ، كما قد بسط في موضعه .
وهؤلاء ألجأم إلى هذه الأمور مضايقات الجهمية والمعتزلة لهم فى
مسائل الصفات ، فإنهم صاروا يقولون لهم: كلام اللّه هو اللّه أو غير
اللّه؟ إن قلتم هو غيره فما كان غير الله فهو مخلوق ، وإن قلتم هو
١٥٨

هو فهو مكابرة . وهذا أول ما احتجوا به على الإمام أحمد فى المحنة ،
فإن المعتصم لما قال لهم : ناظروه ، قال له عبد الرحمن بن إسحق :
يا أبا عبد الله! ما نقول فى القرآن - أو قال فى كلام الله - يعنى
أهو الله أو غيره ؟ فقال له أحمد : ما تقول فى على الله أهو الله أو
غيره ؟ فعارضه أحمد بالعلم ، فسكت عبد الرحمن . وهذا من حسن
معرفة أبى عبد الله بالمناظرة رحمه الله ، فإن المبتدع الذي بنى مذهبه على
أصل فاسد متى ذكرت له الحق الذي عندك ابتداء أخذ يعارضك فيه؛
لما قام في نفسه من الشبهة ، فينبغي إذا كان المناظر مدعياً أن الحق معه
أن يبدأ بهدم ما عنده ، فإذا انكسر وطلب الحق فأعطه إياه ، وإلا فما
دام معتقداً نقيض الحق لم يدخل الحق إلى قلبه ، كاللوح الذي كتب
فيه كلام باطل امحه أولا، ثم اكتب فيه الحق . وهؤلاء كان قصدهم
الاحتجاج لبدعتهم ، فذكر لهم الإمام أحمد رحمه الله من المعارضة
والنقض ما يبطلها .
وقد تكلم الإمام أحمد فى رده على الجهمية فى جواب هذا ، وبين
أن لفظ ((الغير)) لم ينطق به الشرع لا نفياً ولا إثباتاً، وحينئذ فلا
يلزم أن يكون داخلا لفظ ((الغير )) فى كلام الشارع ولا غير داخل،
فلا يقوم دليل شرعى على أنه مخلوق . وأيضاً فهو لفظ مجمل : يراد
بالغير ما هو منفصل عن الشيء ، ويراد بالغير ما ليس هو الشيء ،
١٥٩

فلهذا لا يطلق القول بأن كلام اللّه وعلى الله ونحو ذلك هو هو ، لأن
هذا باطل . ولا يطلق أنه غيره ، لئلا يفهم أنه بائن عنه منفصل عنه .
وهذا الذي ذكره الإمام أحمد عليه الحذاق من أئمة السنة ، فهؤلاء
لا يطلقون أنه هو ، ولا يطلقون أنه غيره ، ولا يقولون ليس هو هو
ولا غيره . فإن هذا أيضاً إثبات قسم ثالث وهو خطأ، ففرق بين
ترك إطلاق اللفظين لما فى ذلك من الإجمال ، وبين نفى مسمى اللفظين
مطلقاً وإثبات معنى ثالث خارج عن مسمى اللفظين .
فجاء بعد هؤلاء ((أبو الحسن)) وكان أحذق ممن بعده فقال :
تنفي مفرداً لا مجموعا ، فنقول مفرداً: ليست الصفة هي الموصوف ،
ونقول مفرداً : ليست غيره ، ولا يجمع بينهما فيقال : لا هي هو
ولا هي غيره ، لأن الجمع بين النفي فيه من الإيهام ما ليس فى التفريق .
وجاء بعده أقوام فقالوا : بل تنفي مجموعا فنقول : لا هي هو ولا هي
غيره . ثم كثير من هؤلاء إذا بحثوا يقولون هذا المعنى ، أما أن يكون
غيره فيتناقضون .
وسبب ذلك أن لفظ ((الغير)) مجمل : يراد بالغير: المباين المنفصل،
ويراد بالغير: ماليس هو عين الشيء . وقد يعبر عن الأول بأن الغيرين
ما جاز وجود أحدهما وعدمه ، أو ما جاز مفارقة أحدهما الآخر بزمان
أو مكان أو وجود ، ويعبر عن الثانى بأنه ما جاز العلم بأحدهما مع عدم
١٦٠