Indexed OCR Text

Pages 121-140

والمقصود أن هذا الذي ذكره فى (قُلْ هُوَ اللَّهُأَحَدُّ) أحسن
من قول كثير من الناس فيها ، وهو أقرب إلى القول الذي ذكرناه عن
ابن سريج ونصرناه ؛ لكن ذلك القول هو الصواب بلا ريب ، فإن
النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأن الله جزأ القرآن ثلاثة أجزاء . فجعل
(قُلْ هُوَ الَّهُأَحَدَّ) جزءاً من أجزاء القرآن، وهذا يقتضي أن مجموع
القرآن ثلاثة أجزاء ، ليس هو ستة : ثلاثة أصول وثلاثة فروع .
وكذلك أخبر أن (قُلْ هُوَاللَّهُ أَحَدَّ ) تعدل ثلث القرآن، لم يقل
ثلث المهم منه، ولا ثلث أكثره، ولا أصوله ، فوجب أن يكون القرآن
كله ثلاثة أصناف ، وعلى ما ذكره أبو حامد هو ستة : ثلاثة مهمة
وثلاثة توابع ، والسورة أحد الثلاثة المهمة ، وهذا خلاف الحديث .
وأيضاً فإن تقسيم القرآن إلى ثلاثة أقسام تقسيم بالدليل ، فإن القرآن
كلام ، والكلام إما إخبار وإما إنشاء ، والإخبار إما عن الخالق وإما
عن المخلوق ، فهذا تقسيم بين . وأما جعل علم الفقه خارجا عن الصراط
المستقيم والعمل الصالح ، وجعل علم الأدلة والحجج خارجا
عن الإيمان والمعرفة بالله واليوم الآخر ، فهذا مردود عند جماهير
السلف والخلف .
وأبو حامد إنما ذكر هذا لأنه يقول إنما يعرف معانى ذلك بطريق
التصفية فقط ، لا بطريق الخبر النبوي ، ولا بطريق النظر الاستدلالي ،
١٢١

فلا يعرف ذلك بالسمع ولا بالعقل . وهذا مما أنكره عليه الناس وصنفوا
كتبا فى رد ذلك كما فعل جماعات من العلماء . ولكن عذر أبى حامد
أنه لم يجد فيما علمه من طريق الفلاسفة وأهل الكلام ما يبين الحق في
ذلك ، ولم يعلم طرقا عقلية غير ذلك ، فنفى أن يعلم بطريق النظر فيه .
وأما الطرق الخبرية النبوية فلم يكن له خبرة بما صح من ألفاظ الرسول،
وبطريق دلالة ألفاظه على مقاصده ، وظن - بما شارك به بعض أهل
الكلام والفلسفة - أن الرسول لم يبين مراده بألفاظه ، فتركب من
هذا وهذا سد باب الطريق العقلي والسمعي ، وظن أن المطلوب يحصل
له بطريق التصفية والعمل ، فسلك ذلك ، فلم يحصل له المقصود أيضاً ،
فرجع فى آخر عمره إلى قراءة البخاري ومسلم .
وقد ذكر القاضي عياض أقوالا في كون (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)
تعدل ثلث القرآن ، وكذلك المازري قبله ، قال : قال الإمام - يعنى أبا
عبد الله المازري - قيل معنى ذلك: أن القرآن على ثلاثة أنحاء : قصص
وأحكام؛ وأوصاف اللّه جلت قدرته. و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ) تشتمل
على ذكر الصفات فكانت ثلثاً من هذه الجهة ، قال : وربما أسعد
هذا التأويل ظاهر الحديث الذي ذكر أن اللّه جزا القرآن . قلت :
هذا هو قول ابن سريج - وهو الذي نصرنا - ذكره المازري فى
كلام ابن بطال كما سيأتى. قال : وقيل معنى ثلث القرآن لشخص
١٢٢

بعينه قصده رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذكره ابن بطال أيضاً،
قال : وقيل معناه إن الله يتفضل بتضعيف الثواب لقارئها ويكون منتهى
التضعيف إلى مقدار ثلث ما يستحق من الأجر على قراءة القرآن من
دون تضعيف أجر ، قال : وفى بعض روايات هذا الحديث أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم حشد الناس وقال: سأقرأ عليكم ثلث القرآن
فقرأ ( قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ ) . قال المازري : وهذه الرواية تقدح فى تأويل
من جعل ذلك لشخص بعينه .
( الركِتَب
ج
قال القاضي عياض : قال بعضهم قال الله تعالى :
أُخْكِمَتْءَايَتُهُ ثُمَ فُصِّلَتْ مِن ◌َّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ )
ثم بين التفصيل فقال
(أَلَّاتَبُوْلِلَّ اللَّهَ) فهذا فصل الألوهية، ثم قال (إِنَِّلَكُ
وهذا فصل النبوة، ثم قال: (وَأَنِ أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْثُمَّ
مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ)
فهذا فصل التكليف ، وما وراءه من الوعد والوعيد
تُوبُواْ إِلَيْهِ )
وعامة أجزاء القرآن مما فيه من القصص فمن فصل النبوة ، لأنها من
من أدلتها وفهمها أيضاً، وهذا يدل على أن (قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ )
جمعت الفصل الأول .
قلت : مضمون هذا القول أن معانى القرآن ثلاثة أصناف :
الإلهيات ، والنبوات ، والشرائح. وأن هذه السورة منها الإلهيات ،
وجعل صاحب هذا القول الوعد والوعيد والقصص من قسم
١٢٣

النبوة؛ لأن ذلك مما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم أو مما يدل على
نبوته . وهذا القول ضعيف أيضاً، فإنه يقال: والأمر والنهي أيضاً مما
جاء به النبي ، كما جاء بالوعد والوعيد .
ويقال أيضاً : القصص تدل على الأمر والنهي كما تدل على النبوة
فإنها تدل على إكرامه لمن أطاعه وعقوبته لمن عصاه ، وهذا تقرير
للأمر والنهي كما تقدم .
وأيضاً فإن مقصود النبوة هو الإخبار بما أمر الله به وبما أخبر به،
وما دل على إثبات النبوة من القصص يدل على إثبات ما جاء به النبي ،
وما دل على إثبات ما جاء به النبي يدل على الأمر والنهى الذي جاء به
النبى ، فهما متلازمان .
ثم الإلهيات أيضاً هي مما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فبين
الدلائل العقلية على ما يمكن أن يعرف بالعقل ، وأخبر عن الغيب المطلق
الذي تعجز العقول عن معرفته . فلا معنى لجعل القصص داخلة فى النبوة
دون الإلهيات ، فإنه إن عنى أن القصص تدل على نبوته فهي تدل من
جهة إخباره بها كإخباره بغيرها من الغيب، وفيما أخبر به من الإلهيات
والأمور المستقبلات ما هو كالقصص في ذلك وأبلغ . وإن عنى أن
تعذيب المكذبين يدل على النبوة فهي تدل على جنس النبوة، وعلى
١٢٤

نبوة من عذب قومه ؛ لا تدل على نبوة المتأخر ، إلا أن يكون ما
أخبر به من جنس ما أخبر به الأول . وهذه الأمور كلها موجودة فى
الإلهيات وزيادة ، فإنه قد أخبر فيها بمثل ما أخبرت به الأنبياء قبله ،
قد ذكر الله ذلك فى غير موضع كقوله: (وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ
مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِءَالِهَةَّ يُعْبَدُونَ ) وقوله :
(وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّ أَنَاْفَاعْبُدُونِ)
(وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنْ أَعْبُدُ واْاللَّهَ وَأَجْتَنِبُواْ
وقوله :
الطَّاغُوتَ )
وقد أخبر الله عن الأنبياء الذين قص أخبارهم كنوح وهود وصالح وشعيب
صلوات الله عليهم أجمعين أن كلا منهم يقول لقومه: (يَقَوْمِ اعْبُدُوا
اللَّهَ مَالَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ )؛ بل يفتتح دعوته بذلك. وذكر تعالى عن
الأنبياء وأمهم من نوح إلى الحواربين أنهم كانوا مسلمين كما قد بسط
فى غير موضع .
وأيضاً فالإلهيات التى تعلم منها قدرة الرب وإرادته وحكمته وأفعاله:
منها يعلم النبى من المتنبىء ، ومنها يعلم صدق النبى ، فهي أدل على صدق
النبى من مجرد القصص، وما في القصص من الدلالة على صدقه إنما
يدل مع الإلهيات ، وإلا فلو مجرد لم يدل على شيء ، فالنبوة مرتبطة
بالإلهيات أعظم من ارتباطها بغيرها ، والأنبياء إنما بعثوا بالدعوة إلى الله
١٢٥

وحده ، وقد يذكرون المعاد مجملا ومفصلا ، والقصص قد يذكر
بعضهم بعضها مجملا. وأما الإلهيات فهي الأصل ، ولا بد من تفصيل
الأمر بعبادة الله وحده دون ما سواه ، فلا بد لكل نى من الأصول
الثلاثة : الإيمان بالله ، واليوم الآخر ، والعمل الصالح . والأصول
الكلية التى يشترك فيها الأنبياء يذكرها الله في السور المكية مثل
الأنعام والأعراف وذوات ( الّر) و(طسّمّ) و (حمّ)، وأكثر
المفصل ، ونحو ذلك. والمدنيات تتضمن خطاب من آمن بجنس الرسل
من أهل الكتاب من المؤمنين بالشرائح التى بعث بها خاتم الرسل .
وأما قول من قال : إن هذا فى شخص بعينه ، ففي غاية الفساد
لفظاً ومعنى . ثم إن الله إنما يخص الشيء المعين بحكم يخصه لمعنى يختص
به كما قال لأبي بردة بن نيار - وكان قد ذبح فى العيد قبل الصلاة -
قبل أن يشرع لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن الذبح يكون بعد
الصلاة ، فلما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أول ما نبدأ به فى
يومنا هذا أن نصلي ثم نذبح ، فمن ذبح قبل الصلاة فليعد ، فإنما هي
شاة لحم قدمها لأهله)) ذكر له أبو بردة أنه ذبح قبل الصلاة، ولم
يكن يعرف أن ذلك لا يجوز ، وذكر له أن عنده عناقاً خيراً من جذعة
فقال: ((تجزى عنك ولا تجزى عن أحد بعدك))، فحصه بهذا الحكم
لأنه كان معذوراً فى ذبحه قبل الصلاة؛ إذ فعل ذلك قبل شرع الحكم
١٢٦

فلم يكن ذلك الذيج منهياً عنه بعد ، مع أنه لم يكن عنده إلا هذا السن
وأما أمره لامرأة أبى حذيفة بن عتبة أن ترضع سالما مولاه خمس
رضعات ليصير لها محرما فهذا مما تنازع فيه السلف : هل هو مختص ، أو
مشترك؟ وإذا قيل هذا لمن يحتاج إلى ذلك - كما احتاجت هي إليه -
كان في ذلك جمع بين الأدلة .
وبالجملة فالشارع حكيم ، لا يفرق بين متماثلين إلا لاختصاص
أحدهما بما يوجب الاختصاص ، ولا يسوى بين مختلفين غير متساويين
بل قد أنكر سبحانه على من نسبه إلى ذلك وقبح من يحكم بذلك
فقال تعالى : (أَمْتَجْعَلُ الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِ الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ
الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَارِ )، وقال تعالى:
( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ أَجْتَرَحُواْ السَّيِّئَاتِ أَنْ تَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَّالِحَتِ سَوَآءَ
تَحْيَاهُمْ وَمَمَانُهُمّ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ)، وقال تعالى: (أَفَتَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ
كَلْتُجْرِمِينَ * مَالَكُمْكَيْفَ تَّحْكُمُونَ)، وقال تعالى: (أَكُفَّارُ كُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَبِكُمْأَوْلَكُ
بَرَآءَةٌ فِ الزُّبْرِ ) ، وقال تعالى :
وإنما
( يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيَدِيهِمْ وَأَيْدِى الْمُؤْمِنِينَ فَأَعْتَبِرُ واِيَأُوْلِ الْأَبْصَرِ ).
يكون الاعتبار إذا سوى بين المتماثلين ، وأما إذا قيل : ليس الواقع
كذلك فلا اعتبار .
وقد تنازع الناس في هذا الأصل ، وهو أنه هل يخص بالأمر
١٢٧

والنهي ما يخصه لا لسبب ولا لحكمة قط، بل مجرد تخصيص أحد
المتماثلين على الآخر ؟ فقال بذلك جهم بن صفوان ومن وافقه من
الجبرية ، ووافقهم كثير من المتكلمين المثبتين للقدر. وأما السلف وأئمة
الفقه والحديث والتصوف وأكثر طوائف الكلام المثبتين للقدر
كالكرامية وغيرهم ونفاته كالمعتزلة وغيرهم فلا يقولون بهذا الأصل ، بل
يقولون : هو سبحانه يخص ما يخص من خلقه وأمره لأسباب ولحكمة
له في التخصيص ، كما بسط الكلام على هذا الأصل فى مواضع .
وكذلك قول من قال : يضعف لقارئها مقدار ما يعطاه قارئ
ثلث القرآن بلا تضعيف : قول لا يدل عليه الحديث ، ولا فى العقل
ما يدل عليه ، وليس فيه مناسبة ولا حكمة ، فإن النص أخبر أن
قراءتها تعدل ثلث القرآن ، وأن من قرأها فكأنما قرأ ثلث القرآن
فان كان فى هذا تضعيف ففي هذا تضعيف . وإن لم يكن فى هذا
تضعيف لم يكن في الآخر ، فتخصيص أحدهما بالتضعيف تحكم. ثم
جعل التضعيف بقدر ثلث القرآن إنما هو لما اختصت به السورة من
الفضل ، وحينئذ ففضلها هو سبب هذا التقدير من غير حاجة إلى
نقص ثواب سائر القرآن ، وأيضاً فهذا تحكم محض لا دليل عليه
ولا سبب يقتضيه ولا حكمة فيه . والناس كثيراً ما يغلطون من جهة
نقص علمهم وإيمانهم بكلام الله ورسوله وقدر ذلك وما اشتمل عليه
١٢٨

ذلك من العلم الذي يفوق علم الأولين والآخرين .
ومن علم أن الرسول أعلم الخلق بالحق وأفصح الخلق فى البيان
وأنصح الخلق للخلق على أنه قد اجتمع في حقه كمال العلم بالحق وكمال
القدرة على بيانه وكمال الإرادة له ، ومع كمال العلم والقدرة والإرادة يجب
وجود المطلوب على أكمل وجه، فيعلم أن كلامه أبلغ ما يكون، وأتم ما يكون،
وأعظم ما يكون بيانا لما بينه في الدين من أمور الإلهية وغير ذلك ،
فمن وقر هذا فى قلبه لم يقدر على تحريف النصوص بمثل هذه التأويلات
التى إذا تدبرت وجد من أرادها بذلك القول من أبعد الناس عما يجب
اتصاف الرسول به ، وعلم أن من سلك هذا المسلك فإنما هو لنقص ما
(يَرْفَعَ اللهُالَّذِينَ ءَامَنُواْ
أونيه من العلم والإيمان ، وقد قال تعالى :
مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ) .
فنسأل الله أن يجعلنا وإخواننا
ممن رفع درجاته من أهل العلم والإيمان .
وإذ قد تبين ضعف هذه الأقوال - غير القول الأول الذي
نصرناه وهو قول ابن سريج وغيره كالمهلب والأصيلي وغيرهما -
فنقول: قد علم أن تفاضل القرآن وغيره من كلام اللّه ليس باعتبار نسبته إلى
المتكلم ، فإنه سبحانه واحد ، ولكن باعتبار معانيه التى يتكلم بها ،
وباعتبار ألفاظه المبينة لمعانيه . والذي قد صح عن النبى صلى الله عليه
وسلم أنه فضل من السور سورة الفاتحة وقال: ((إنه لم ينزل فى
١٢٩

التوراة ولا فى الإنجيل ولا في القرآن مثلها ، والأحكام الشرعية تدل
على ذلك ، وقد بسط الكلام على معانيها فى غير هذا الموضع .
وفضل من الآيات آية الكرسي . وقال فى الحديث الصحيح لأبي بن
كعب ((أندري أي آية فى كتاب الله معك أعظم؟)) قال: (اللَّهُلاَّ إِلَهَ
إِلَّا هُوَ الْحَىُّالْقَيُّومُ)، فضرب بيده فى صدره وقال (( ليهنك العلم أبا
المنذر!)). وليس في القرآن آية واحدة تضمنت ما تضمنته آبة
الكرسي، وإنما ذكر الله فى أول سورة الحديد وآخر سورة الحشر
عدة آيات لا آية واحدة .
وسنبين إن شاء الله أنه إذا كانت (قُلُ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ) تعدل
ثلث القرآن لم يلزم من ذلك أنها أفضل من الفاتحة ، ولا أنها يكتفى
بتلاوتها ثلاث مرات عن تلاوة القرآن ، بل قدكره السلف أن تقرأ
إذا قرئ القرآن كله إلا مرة واحدة كما كتبت في المصحف ، فإن
القرآن يقرأ كما كتب فى المصحف، لا يزاد على ذلك ولا ينقص منه .
والتكبير المأثور عن ابن كثير ليس هو مسنداً عن النبى صلى الله
عليه وسلم، ولم يسنده أحد إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا البزي ،
وخالف بذلك سائر من نقله فإنهم إنما نقلوه اختياراً ممن هو دون
النبي صلى الله عليه وسلم وانفرد هو برفعه، وضعفه نقلة أهل العلم
بالحديث والرجال من علماء القراءة وعلماء الحديث، كما ذكر ذلك غير
١٣٠

واحد من العلماء . فالمقصود أن من السنة فى القرآن أن يقرأ كما فى
المصاحف، ولكن إذا قرئت (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ) مفردة تقرأ ثلاث
مرات وأكثر من ذلك ، ومن قرأها فله من الأجر ما يعدل ثلث أجر
القرآن ، لكن عدل الشيء - بالفتح - يكون من غير جنسه كما
سنذكره إن شاء الله.
والثواب أجناس مختلفة ، كما أن الأموال أجناس مختلفة : من مطعوم
ومشروب وملبوس ومسكون ونقد وغير ذلك ، وإذا ملك الرجل من
أحد أجناس المال ما يعدل ألف دينار مثلا لم يلزم من ذلك أن يستغنى
عن سائر أجناس المال ، بل إذا كان عنده مال وهو طعام فهو محتاج
إلى لباس ومسكن وغير ذلك ، وكذلك إن كان من جنس غير النقد
فهو محتاج إلى غيره ، وإن لم يكن معه إلا النقد فهو محتاج إلى جميع
الأنواع التى يحتاج إلى أنواعها ومنافعها . والفاتحة فيها من المنافع ثناء
ودعاء مما يحتاج الناس إليه ما لا تقوم (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدَّ ) مقامه في
ذلك ، وإن كان أجرها عظيما فذلك الأجر العظيم إنما ينتفع به صاحبه
مع أجر فاتحة الكتاب، ولهذا لو صلى بها وحدها بدون الفاتحة لم تصح
صلاته، ولو قدر أنه قرأ القرآن كله إلا الفاتحة لم تصح صلاته ، لأن
معاني الفاتحة فيها الحوائج الأصلية التى لا بد للعباد منها ، وقد بسط
الكلام عليها فى غير هذا الموضع ، وبين أن ما في الفاتحة من الثناء
١٣١

والدعاء وهو قول: (أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَطَ الَّذِيْنِ أَنْعَنْتَ عَلَيْهِمْ
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ ) هو أفضل دعاء دعا به العبد
ربه ، وهو أوجب دعاء دعا به العبد ربه، وأنفع دعاء دعا به العبد ربه،
فإنه يجمع مصالح الدين والدنيا والآخرة ، والعبد دائما محتاج إليه لا يقوم
غيره مقامه ، فلو حصل له أجر تسعة أعشار القرآن - دع ثلثه - ولم
يحصل له مقصود هذا الدعاء لم يقم مقامه ولم يسد مسده .
وهذا كما لو قدر أن الرجل تصدق بصدقات عظيمة وجاهد جهاداً
عظيما يكون أفضل من قراءة القرآن مرات وهو لم يصل ذلك اليوم
الصلوات الخمس لم يقم ثواب هذه الأعمال مقام هذه ، كما لو كان عند
الرجل من الذهب والفضة والرقيق والحيوان والعقار أموال عظيمة
وليس عنده ما يتغدى به ويتعشى من الطعام فإنه يكون جائعاً متألماً
فاسد الحال، ولا يقوم مقام الطعام الذي يحتاج إليه تلك الأموال العظيمة
ولهذا قال الشيخ أبو مدين رحمه الله : أشرف العلوم علم التوحيد ،
وأنفع العلم أحكام العبيد . فليس الأفضل الأشرف هو الذي ينفع في
وقت ، بل الأنفع فى كل وقت ما يحتاج إليه العبد فى ذلك الوقت ،
وهو فعل ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه، ولهذا يقال: المفضول
فى مكانه وزمانه أفضل من الفاضل ، إذ دل الشرع على أن الصلاة
أفضل من القراءة ، والقراءة أفضل من الذكر، والذكر أفضل من
١٣٢

الدعاء ، فهذا أمر مطلق .
وقد تحرم الصلاة فى أوقات فتكون القراءة أفضل منها فى ذلك
الوقت . والتسبيح فى الركوع والسجود هو المأمور به، والقراءة منهى
عنها. ونظائر هذا كثيرة. فهكذا يعلم الأمر فى فضل (قُلْ هُوَ اَللَّهُ
أَحَدُّ) وغيرها ، فقراءة الفاتحة فى أول الصلاة أفضل من قراءتها ،
بل هو الواجب ، والاجتزاء بها وحدها لا يمكن ، بل تبطل معه
الصلاة . ولهذا وجب التقرب بالفرائض ، قبل النوافل ، والتقرب بالنوافل
إنما يكون تقربا إذا فعلت الفرائض لا كما ظنه بعض الاتحادية كصاحب
((الفتوحات المكية)) ونحوه، من أن قرب الفرائض تكون بعد قرب النوافل!
والنوافل تجعل الحق غطاءه وتلك نجعل الحق عينه . فهذا بناء على
أصله الفاسد من الاتحاد ، كما بين .
وبين أن الحديث يناقض مذهبه من وجوه ، كما رواه البخاري
فى صحيحه عن أبي هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم ((يقول الله:
من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة ، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء
ما افترضت عليه . ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ،
فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، وبده
التى يبطش بها ، ورجله التى يمشي بها . فى يسمع ، وبى يبصر ،
وبى يبطش ، وبى يمشى . ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذنى لأعيذنه
١٣٣

وما ترددت عن شىء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدى المؤمن
يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه)).
وقد بين فى هذا الحديث أن المتقرب ليس هو المتقرب إليه ؛ بل
هو غيره . وأنه ما تقرب إليه عبده بمثل أداء المفروض ، وأنه لايزال
بعد ذلك يتقرب بالنوافل حتى يصير محبوبا لله ، فيسمع به ويبصر به
ويبطش به ويمشي به. ثم قال (( ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذنى
لأعيذنه )) ففرق بين السائل والمسؤل والمستعيذ والمستعاذ به ، وجعل
العبد سائلا لربه مستعيداً به . وهذا حديث شريف جامع لمقاصد
عظيمة ليس هذا موضعها ، بل المقصود هنا الكلام على ( قُلْ هُوَ
اللَّهُ أَحَدَّ).
وقد بينا أن أحسن الوجوه أن معانى القرآن ثلاثة أنواع: توحيد ،
وقصص ، وأحكام . وهذه السورة صفة الرحمن فيها التوحيد وحده،
وذلك لأن القرآن كلام الله. والكلام نوعان: إما إنشاء ، وإما إخبار
والإخبار إما خبر عن الخالق ، وإما خبر عن المخلوق . فالإنشاء هو
الأحكام كالأمر والنهي . والخبر عن المخلوق هو القصص. والخبر عن
الخالق هو ذكر أسمائه وصفاته . وليس فى القرآن سورة هي وصف
الرحمن محضاً إلا هذه السورة . وفى الصحيحين عن عائشة رضي الله
تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلا على سرية ،
١٣٤
,

فكان يقرأ لأصحابه فى صلاتهم فيختم بقل هو الله أحد ، فلما رجعوا
ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال «سلوه: لأي شيء
يصنع ذلك)) فسألوه ، فقال: لأنها صفة الرحمن ، فأنا أحب أن
أقرأ بها. فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ((أخبروه أن الله
يحبه)). وقال البخاري فى ( باب الجمع بين السورتين في ركعة ):
وقال عبيد الله عن ثابت عن أنس : كان رجل من الأنصار يؤمهم فى
مسجد قباء ، فكان كلما افتتح سورة يقرأ لهم بها فى الصلاة مما يقرأ
به افتتح ب (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ) حتى يفرغ منها ثم يقرأ بسورة أخرى
معها ، فكان يصنع ذلك في كل ركعة ، فكلمه أصحابه وقالوا : إنك
تفتتح بهذه السورة ثم لا ترى أنها تجزيك حتى تقرأ بأخرى، فإما
أن تقرأ بها وإما أن تدعها وتقرأ بأخرى، فقال: ما أنا بتاركها ،
إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعات ، وإن كرهتم ذلك تركتكم. وكانوا
يرون أنه من أفضلهم ، وكرهوا أن يؤمهم غيره . فلما أتام النبى صلى
الله عليه وسلم أخبروه الخبر، فقال: ((يا فلان ما يمنعك أن تفعل
ما بأمرك به أصحابك ، وما يحملك على لزوم هذه السورة فى كل
ركعة)). قال: إنى أحبها. قال ((حبك إياها أدخلك الجنة)). وقول
النبى صلى الله عليه وسلم ((إنها تعدل ثلث القرآن)) حق كما أخبر به،
فإنه صلى الله عليه وسلم الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى لم
يخرج من بين شفتيه إلا حق .
١٣٥

والذين أشكل عليهم هذا القول لهم مأخذان :
أحدهما منح تفاضل كلام الله بعضه على بعض ، وقد تبين ضعفه .
الثانى اعتقادهم أن الأجر يتبع كثرة الحروف ، فما كثرت حروفه من
الكلام يكون أجره أعظم . قالوا : لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات. أما إنى لاأقول (المـ)
حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)). قال الترمذي
حديث صحيح. قالوا ومعلوم أن ثلث القرآن حروفه أكثر بكثير
فتكون حسناته أكثر .
فيقال لهم : هذا حق كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم،
ولكن الحسنات فيها كبار وصغار ، والنبى صلى الله عليه وسلم مقصوده
أن الله يعطى العبد بكل حسنة عشر أمثالها، كما قال تعالى: (مَن
فإذا قرأ حرفا كان ذلك حسنة فيعطيه
جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ) ،
بقدر تلك الحسنة عشر مرات ، لكن لم يقل : إن الحسنات في الحروف
متماثلة . كما أن من تصدق بدينار يعطى بتلك الحسنة عشر أمثالها .
والواحد من بعد السابقين الأولين لو أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد
أحدهم ولا نصيفه ، كما ثبت ذلك فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه
وسلم ، فهو إذا أنفق مداً كان له بهذه الحسنة عشر أمثالها . ولكن
١٣٦

لا تكون تلك الحسنة بقدر حسنة من أنفق مداً من الصحابة السابقين.
ونظائر هذا كثيرة . فكذلك حروف القرآن تتفاضل لتفاضل المعانى
وغير ذلك ، فحروف الفاتحة له بكل حرف منها حسنة أعظم من حسنات
حروف من (تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ ) وإذا كان الشيء يعدل غيره فعدل
الشيء - بالفتح - هو مساويه ، وإن كان من غير جنسه . كما قال
تعالى: (أَوْعَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا ) والصيام ليس من جنس الطعام والجزاء
ولكنه يعادله فى القدر. وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم ((لا يقبل
اللّه منه صرفا ولا عدلا))، وقوله تعالى: (وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ ) أي
فدية ، والفدية ما يعدل بالمفدى وإن كان من غير جنسه: (ثُمَّ الَّذِينَ
كَفَرُ واْبِرَتِهِمْ يَعْدِلُونَ ) أي يجعلون له عدلا أي نداً فى الإلهية ، وإن
كانوا يعلمون أنه ليس من جنس الرب سبحانه .
ولو كان لرجل أموال من أصناف متنوعة، ولآخر ذهب بقدر ذلك
لكان مال هذا يعدل مال هذا وإن لم يكن من جنسه ؛ ولهذا قد
يكون عند الرجل من الذهب وغيره من الأموال ما يعدل شيئاً عظيما ،
وإذا احتاج إلى دواء أو مركب أو مسكن أو نحو ذلك ولم يكن قادراً
على اشترائه لم تنفعه تلك الأموال العظيمة . فالقرآن يحتاج الناس إلى
ما فيه من الأمر والنهي والقصص . وإن كان التوحيد أعظم من ذلك.
وإذا احتاج الإنسان إلى معرفة ما أمر به وما نهى عنه من الأفعال ، أو
١٣٧

احتاج إلى ما يؤمر به ويعتبر به من القصص والوعد والوعيد لم يسد
غيره مسده، فلا يسد التوحيد مسد هذا ، ولا تسد القصص مسد
الأمر والنهي ، ولا الأمر والنهي مسد القصص. بل كل ما أنزل الله
ينتفع به الناس ويحتاجون إليه .
فإذا قرأ الإنسان (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ) حصل له ثواب بقدر ثواب
ثلث القرآن ؛ لكن لا يجب أن يكون الثواب من جنس الثواب الحاصل
ببقية القرآن ، بل قد يحتاج إلى جنس الثواب الحاصل بالأمر والنهى
والقصص، فلا تسد (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ) مسد ذلك ، ولا تقوم مقامه
فلهذا لو لم يقرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ) فإنه وإن حصل له أجر عظيم
لكن جنس الأجر الذي يحصل بقراءة غيرها لا يحصل له بقراءتها ،
بل يبقى فقيراً محتاجا إلى ما يتم به إيمانه من معرفة الأمر والنهي والوعد
والوعيد ولو قام بالواجب عليه . فالمعارف التى تحصل بقراءة سائر القرآن
لا تحصل بمجرد قراءة هذه السورة ، فيكون من قرأ القرآن كله أفضل
ممن قرأها ثلاث مرات من هذه الجهة لتنوع الثواب ، وإن كان قارئ
( قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ ) ثلاثاً يحصل له ثواب بقدر ذلك الثواب ، لكنه
جنس واحد ليس فيه الأنواع التى يحتاج إليها العبد ، كمن معه ثلاثة
آلاف دينار وآخر معه طعام ولباس ومساكن ونقد يعدل ثلاثة آلاف
دينار ؛ فإن هذا معه ما ينتفع به في جميع أموره ، وذاك محتاج إلى
ما مع هذا، وإن كان ما معه يعدل ما مع هذا . وكذلك لو كان معه
١٣٨

طعام من أشرف الطعام يساوي ثلاثة آلاف دينار فإنه محتاج إلى لباس
ومساكن، وما يدفع به الضرر من السلاح والأدوية وغير ذلك مما
·لا يحصل بمجرد الطعام .
ومما ينبغي أن يعلم أن فضل القراءة والذكر والدعاء والصلاة وغير
ذلك قد يختلف باختلاف حال الرجل ، فالقراءة بتدبر أفضل من القراءة
بلا تدبر ، والصلاة بخشوع وحضور قلب أفضل من الصلاة بدون ذلك.
وفى الأثر: ((إن الرجلين ليكون مقامها فى الصف واحداً وبين
صلانيها كما بين السماء والأرض )). وكان بعض الشيوخ يرقى بـ (قُلّ
هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ) وكان لها بركة عظيمة ، فيرقى بها غيره فلا يحصل ذلك
فيقول: ليس ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ) من كل أحد تنفع كل أحد .
وإذا عرف ذلك فقد يكون تسبيح بعض الناس أفضل من قراءة
غيره ، ويكون قراءة بعض السور من بعض الناس أفضل من قراءة
غيره لـ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ) وغيرها . والإنسان الواحد يختلف أيضاً
حاله . فقد يفعل العمل المفضول على وجه كامل فيكون به أفضل من
سائر أعماله الفاضلة ، وقد غفر الله لبغى لسقيها الكلب ، كما ثبت ذلك
فى الصحيحين ، وهذا لما حصل لها فى ذلك العمل من الأعمال القلبية
وغيرها . وقد ينفق الرجل أضعاف ذلك فلا يغفر له ، لعدم الأسباب
المزكية للعمل ، فإن الله إنما يتقبل من المتقين ، وقد قال النى صلى الله
١٣٩

عليه وسلم فى الحديث الصحيح: ((لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا
ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)) يقوله عن أصحابه السابقين الأولين
رضي الله عنهم .
فإذا قيل: إن (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدَّ) يعدل ثوابها تواب ثلث
القرآن فلا بد من اعتبار التماثل فى سائر الصفات ، وإلا فإذا اعتبر قراءة
غيرها مع التدبر والخشوع بقراءتها مع الغفلة والجمل لم يكن الأمر
كذلك؛ بل قد يكون قول العبد: ((سبحان الله والحمد لله ولا إله
إلا الله والله أكبر)) مع حضور القلب والصافه بمعانيها أفضل من
قراءة هذه السورة مع الجهل والغفلة ، والناس متفاضلون في فهم
هذه السورة، وما اشتملت عليه ، كما أنهم متفاضلون فى فهم سائر القرآن.
فصل
وأصل هذه المسألة أن يعلم أن التفاضل والتماثل إنما يقع بين شيئين
فصاعداً ، إذ الواحد من كل وجه لا يعقل فيه شيء أفضل من شيء ،
فالتفاضل فى صفاته تعالى إنما يعقل إذا أثبت له صفات متعددة ،
كالعلم، والقدرة ، والإرادة ، والمحبة ، والبغض ، والرضا ، والغضب .
وكانبات أسماء له متعددة تدل على معان متعددة ، وأثبت له كمات متعددة
١٤٠