Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَجْوَ فَتَاوى
شيخ الإسلام أحمَد بن تيميّة
((قَدَّسَ اللَّهَ رُوحَهُ))
جَمْعْ وَتَرَتِيبُ
عَبَدِ الرَّحمن بنْمُحَمَّدُ بُرْقَاسْم «رَحَهُاله)
وَسَاعَدَهُ أَبْنُهُ مُحَمَّد ((وَفْقَهُ اللّه))
المجلّد السّابع عشر
طُبعَ بِأمْر
خَادِ مِ الجَمَيْ الشَّرِفَيْ الملِكِ فَهُّد بْ عَبْلِ الْعَزِيزُ السُعُود
أجْزَل اللَّه مَتُوبِتَه

طبعَت هذه الفتَاوى في
مُجَمِعْ لَلِ فَهَلِ لِظُبَّاعَةِ المُصَّحِفِ الشَّرِيفِ
في المدينَةِ المنوّرة
تحت إشراف
وَزَارَة الشُُّؤُوْنِ الإِسْلَامِيَّةِ وَالأَوْقَافَةِ وَاللَّجْوَةٌ وَالأَرْشَادِ
بالمملَكَةِ العَرَبيَّةِ السُّعُوديّةِ
عام ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤م
٤ مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ١٤١٥ هـ.
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية
ابن تيميه ، أحمد بن عبدالحليم
فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيميه .
٥٥٢ ص ؛ ١٧ × ٢٤ سم
ردمك ٦-٢٠-٧٧٠-٩٩٦٠ ( مجموعة)
٠-٣٧ -٧٧٠-٩٩٦٠ ( ج ١٧ )
أ - العنوان
١ - الفتاوى الإسلامية ٢- الفقه الحنبلي
١٥/٢٠٠٩
ديوي ٢٥٨,٤
رقم الإيداع : ١٥/٢٠٠٩
ردمك : ٦-٢٠ -٧٧٠ -٩٩٦٠ (مجموعة)
٠-٣٧-٧٧٠-٩٩٦٠ ( ج ١٧ )

کئاب
التفسير
الجزء الرابع
تفسير سورة الإخلاص والمعوذتين

بِسْمِالهِلَِّ الرَّحَّةِ
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده .
سورة الإخلاص
سئل شيخ الإسلام
تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية رضي الله عنه
عما ورد في سورة (قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ ) أنها تعدل ثلث القرآن (١)
وكذلك ورد فى سورة (الزلزلة) و (قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ)
و (الفاتحة ) ، هل ما ورد فى هذه المعادلة ثابت فى المجموع ، أم فى
البعض ؟ ومن روى ذلك ؟ وما ثبت من ذلك ؟ وما معنى هذه المعادلة
وكلام الله واحد بالنسبة إليه عز وجل ؟ وهل هذه المفاضلة ــ بتقدير
(١) تسمى ((جواب أهل العلم والايمان أن (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ) تعدل ثلث القرآن)).
٥

ثبوتها - متعدية إلى الأسماء والصفات ، أم لا ؟ والصفات القديمة
والأسماء القديمة هل يجوز المفاضلة بينها ، مع أنها قديمة ؟ ومن القائل
بذلك ، وفى أي كتبه قال ذلك ، ووجه الترجيح فى ذلك بما يمكن من
دليل عقلي ونقلي ؟
فأجاب رضي اللّه عنه
الحمد لله. أما الذي أخرجه أصحاب الصحيح - كالبخاري ومسلم -
فأخرجوا فضل (قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدَّ ) ، وروى عن الدارقطني أنه قال :
لم يصح فى فضل سورة أكثر مماصح فى فضلها . وكذلك أخرجوا فضل
( فاتحة الكتاب )، قال صلى الله عليه وسلم فيها «إنه لم ينزل فى التوراة
ولا فى الإنجيل ولا فى القرآن مثلها )) لم يذكر فيها أنها تعدل جزءاً
من القرآن كما قال فى (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ) ((إنها تعدل ثلث القرآن))
ففي صحيح البخاري عن الضحاك المشرقى عن أبى سعيد الخدري قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ((أيعجز أحدكم أن يقرأ
بثلث القرآن فى ليلة؟ )) فشق ذلك عليهم وقالوا : أنا يطيق ذلك
يا رسول الله؟ قال «الله الواحد الصمد ثلث القرآن)). وفى صحيح
مسلم عن معدان بن أبى طلحة عن أبى الدرداء عن النبي صلى الله
عليه وسلم قال (( أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن؟))
٦

قالوا: وكيف بقرأ ثلث القرآن؟ قال ((قل هو الله أحد تعدل
ثلث القرآن)) .
وروى مسلم أيضاً عن أبى الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: ((إن الله جزأ القرآن ثلاثة أجزاء ، فجعل قل هو الله أحد
جزءاً من أجزاء القرآن)) . وفي صحيح البخاري عن عبد الرحمن بن
عبد الله بن أبي صعصعة عن أبي سعيد أن رجلا سمع رجلا يقرأ (قُلْ
هُوَ اللَّهُأَحَدُّ) يرددها، فلما أصبح جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم
فذكر ذلك له ، وكان الرجل يتقالها ، فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم ((والذي نفسي بيده، إنها لتعدل ثلث القرآن)). وأخرج عن
أبى سعيد قال : أخبرني أخي قتادة بن النعمان أن رجلا قام فى زمن
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ من السحر (قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ ) لا يزيد
عليها .. الحديث)) بنحوه . وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم ((احشدوا، فإنى سأقرأ عليكم ثلث
القرآن)) قال: فيشد من حشد ، ثم خرج نبى الله صلى الله عليه وسلم
فقرأ (قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدُّ ) ثم دخل ، فقال بعضنا لبعض : إنى أرى
هذا خبراً جاءه من السماء ، فذاك الذي أدخله . ثم خرج نبي الله
صلى الله عليه وسلم فقال « إني قلت لكم سأقرأ عليكم ثلث القرآن ،
ألا إنها تعدل ثلث القرآن)» وفي لفظ له قال : خرج علينا رسول الله
٧

صلى الله عليه وسلم فقال ((أقرأ عليكم ثلث القرآن)) فقرأ (قُلْ هُوَاللهُ
أَحَدُّ * اللَّهُ الصَّمَدُ ) حتى ختمها .
وأما حديث ((الزلزلة)) و (قُلْ يَأَيُهَا الْكَفِرُونَ) فروى
الترمذي عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
((من قرأ إذا زلزلت، عدلت له نصف القرآن . ومن قرأ قل يا أيها
الكافرون عدلت له ربع القرآن )) . وعن ابن عباس قال : قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم ((إذا زلزلت تعدل نصف القرآن، وقل
يا أيها الكافرون تعدل ربع القرآن)) رواهما الترمذي وقال عن كل
منها : غريب .
وأما حديث ( الفاتحة ) فروى البخاري فى صحيحه عن أبي سعيد
ابن المعلى قال : كنت أصلي في المسجد، فدعاني رسول الله صلى الله
عليه وسلم فلم أجبه ، فقلت: يا رسول الله ، إنى كنت أصلي . قال
((ألم يقل الله: (أُسْتَجِيبُوْلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ) ثم قال ((لأعلمتك
سورة هي أعظم سورة فى القرآن)) قال (الْحَمْدُ لِلَّهِرَبِ الْعَلَمِينَ) هي
السبع المثانى والقرآن العظيم)). وفى السنن والمسانيد من حديث
العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال لأبى بن كعب (( ألا أعلمك سورة ما أنزل فى التوراة ولا
في الإنجيل ولا في الزبور ولا فى الفرقان مثلها - قال - فإنى أرجو
٨

أن لا تخرج من هذا الباب حتى تعلمها)) وقال فيه ((كيف تقرأ فى
الصلاة؟ )) فقرأت عليه أم القرآن، فقال (( والذي نفسي بيده ،
ما أنزل فى التوراة ولا في الإنجيل ولا فى الزبور ولا فى القرآن
مثلها، إنها السبع المثانى والقرآن العظيم الذي أعطيته)). ورواه مالك
فى الموطا عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبى سعيد مولى عامر بن
كريز مرسلا. وفى صحيح مسلم عن عقبة بن عامر قال : قال رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم: ((ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن
قط، (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ)، و(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ) . وفى لفظ :
قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أنزل على آيات لم ير مثلهن
قط ، المعوذتان))، فقد أخبر فى هذا الحديث الصحيح أنه لم ير مثل
المعوذتين ، كما أخبر أنه لم ينزل فى التوراة ولا في الإنجيل ولا فى الزبور ولا في
القرآن مثل الفاتحة ، وهذا مما يبين فضل بعض القرآن على بعض .
فصل
وأما السؤال عن معنى هذه المعادلة مع الاشتراك فى كون الجميع
كلام الله ، فهذا السؤال بتضمن شيئين :
أحدهما : أن كلام اللّه هل بعضه أفضل من بعض أم لا ؟
والثانى: ما معنى كون (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدَّ) تعدل ثلث القرآن؟
وما سبب ذلك ؟
٩

فنقول :
أما الأول فهو ((مسألة كبيرة)) والناس متنازعون فيها نزاعا منتشراً
فطوائف يقولون : بعض كلام اللّه أفضل من بعض ، كما نطقت به
النصوص النبوية : حيث أخبر عن ( الفاتحة ) أنه لم ينزل فى الكتب
الثلاثة مثلها . وأخبر عن سورة ( الإخلاص ) أنها تعدل ثلث القرآن
وعدلها لثلثه يمنع مساواتها لمقدارها في الحروف . وجعل ( آية الكرسي)
أعظم آية فى القرآن كما ثبت ذلك فى الصحيح أيضاً وكما ثبت ذلك
فى صحيح مسلم أن النى صلى الله عليه وسلم قال لأبى بن كعب (( يا أبا
المنذر ، أندري أي آية في كتاب الله معك أعظم ) ؟ قال : قلت :
الله ورسوله أعلم. قال: ((يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله
قال :
أعظم؟ )) قال: فقلت: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّهُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ)
فضرب في صدري وقال: ((ليهنك العلم أبا المنذر)). ورواه ابن أبى
شيبة فى مسنده بإسناد مسلم، وزاد فيه ((والذي نفسي بيده ! إن
لهذه الآية لساناً وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش)). وروي أنها
سيدة آي القرآن. وقال فى المعوذتين: (( لم ير مثلهن قط))
وقد قال تعالى (مَانَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْنُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا )
فأخبر أنه يأتي بخير منها أو مثلها . وهذا بيان من الله لكون
تلك الآية قد يأتي بمثلها تارة أو خير منها أخرى ، فدل ذلك على أن
١٠

الآيات تتماثل تارة وتتفاضل أخرى. وأيضاً فالتوراة والإنجيل والقرآن
جميعها كلام اللّه مع علم المسلمين بأن القرآن أفضل الكتب الثلاثة.
قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَبِ
وَمُهَيْمِنَا عَلَيْهِ ). وقال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّالَهُ لَفِظُونَ)
وقال تعالى: (قُل لَّيِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُواْبِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ
وقال تعالى :
بِمِثْلِهِ، وَلَوْكَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا)
( اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِنَبًا مُّتَشَبِهَا مَثَانِىَ نَقْشَعِرُ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ
ثُمَّتَكِيْنُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ) .
فاخبر أنه
أحسن الحديث ، فدل على أنه أحسن من سائر الأحاديث المنزلة من عند
(وَلَقَدْءَانَيْنَكَ سَبْعً مِّنَ الْمَثَانِىِ وَالْقُرْءَانَ
الله وغير المنزلة . وقال تعالى
اَلْعَظِيمَ ) . وسواء كان المراد بذلك الفاتحة أو القرآن كله فإنه يدل
على أن القرآن العظيم له اختصاص بهذا الوصف على ما ليس كذلك .
وقد سمى الله القرآن كله مجيداً وكريماً وعزيزاً. وقد تحدى
الخلق بأن يأتوا بمثله ، أو بمثل عشر سور منه ، أو بمثل سورة منه
فقال: (فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِن كَانُوَأْ صَدِقِينَ ) . وقال (فَأْتُواْ بِعَشْرِ
سُوَرِمِثْلِهِ، مُفْتَرَيَتٍ ) . وقال: ( فَأْتُواْبِسُورَةٍمِّن مِّثْلِهِ )
وخصه بأنه لا يقرأ في الصلاة إلا هو ، فليس لأحد أن يقرأ غيره
مع قراءته ولا بدون قراءته ، ولا يصلي بلا قرآن ، فلا يقوم غيره
١١

مقامه مع القدرة عليه . وكذلك لا يقوم غير الفاتحة مقامها من كل
وجه باتفاق المسلمين ، سواء قيل بأنها فرض تعاد الصلاة بتركها ، أو
قيل بأنها واجبة يأثم تاركها ولا إعادة عليه، أو قيل إنها سنة ، فلم
يقل أحد إن قراءة غيرها مساو لقراءتها من كل وجه .
وخص القرآن بأنه لا يمس مصحفه إلا طاهر ، كما ثبت ذلك عن
الصحابة - مثل سعد وسلمان وابن عمر - وجماهير السلف والخلف
الفقهاء الأربعة وغيرهم . ومضت به سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم
فى كتابه الذي كتبه لعمرو بن حزم الذي لاريب فى أنه كتبه له، ودل
على ذلك كتاب الله. وكذلك لا يقرأ الجنب القرآن عند جماهير العلماء
الفقهاء الأربعة وغيرهم كما دلت على ذلك السنة .
وتفضيل أحد الكلامين بأحكام توجب تشريفه يدل على أنه
أفضل في نفسه ، وإن كان ذلك ترجيحاً لأحد المتماثلين بلا مرجح ،
وهذا خلاف ما علم من سنة الرب تعالى فى شرعه بل وفى خلقه ،
وخلاف ما تدل عليه الدلائل العقلية مع الشرعية .
وأيضاً فقد قال تعالى: (وَأَتَّبِعُواْأَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُم )
(فَبَشِرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ )
وقال تعالى :
( فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأَمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُ واْبِأَحْسَنِهَا ) . فدل على
وقال تعالى :
١٢

أن فيما أنزل حسن وأحسن، سواء كان الأحسن هو الناسخ الذي
يجب الأخذ به دون المنسوخ ، إذ كان لا ينسخ آية إلا بأتي بخير منها
أو مثلها ، أو كان غير ذلك .
والقول بأن كلام الله بعضه أفضل من بعض هو القول المأثور عن
السلف ، وهو الذي عليه أئمة الفقهاء من الطوائف الأربعة وغيرهم ،
وكلام القائلين بذلك كثير منتشر فى كتب كثيرة ، مثل ما سيأتي ذكره
عن أبى العباس ابن سريج في تفسيره لهذا الحديث بأن الله أنزل
القرآن على ثلاثة أقسام : ثلث منه أحكام ، وثلث منه وعد ووعيد ،
وثلث منه الأسماء والصفات . وهذه السورة جمعت الأسماء والصفات .
ومثل ما ذكره أصحاب الشافعي وأحمد في مسألة تعيين الفاتحة فى
الصلاة ، قال أبو المظفر منصور بن محمد السمعاني الشافعي فى كتابه
((الاصطلام)) وأما قولهم: إن سائر الأحكام المتعلقة بالقرآن لا تختص
بالفاتحة ، قلت : سائر الأحكام قد تعلقت بالقرآن على العموم ، وهذا
على الخصوص ، بدليل أن عندنا قراءة الفاتحة على التعيين مشروعة على
الوجوب وعندكم على السنة . قال : وقد قال أصحابنا إن قراءة الفاتحة
لما وجبت فى الصلاة وجب أن تتعين الفاتحة ، لأن القرآن امتاز عن
غيره بالإعجاز ، وأقل ما يحصل به الإعجاز سورة ، وهذه السورة أشرف
السور لأنها السبع المثاني ، ولأنها تصلح عوضاً عن جميع السور ولا
١٣

تصلح جميع السور عوضاً عنها ، ولأنها تشتمل على ما لا تشتمل سورة ما
على قدرها من الآيات ، وذلك من الثناء والتحميد للرب والاستعانة
والاستعاذة والدعاء من العبد . فإذا صارت هذه السورة أشرف السور ،
وكانت الصلاة أشرف الحالات ، فتعينت أشرف السور فى أشرف
الحالات . هذا لفظه ، فقد نقل عن أصحاب الشافعي أن هذه السورة
أشرف السور ، كما أن الصلاة أشرف الحالات ، وبينوا من شرفها على
غيرها ما ذكروه .
وكذلك ذكر ذلك من ذكره من أصحاب أحمد ، كالقاضى أبي
يعلى بن القاضي أبي حازم بن القاضي أبي يعلى بن الفراء ، قال فى
تعليقه - ومن خطه نقلت - قال في مسألة كون قراءة الفاتحة ركنا
في الصلاة : أما الطريق المعتمد فى المسألة فهو أنا نقول : الصلاة
أشرف العبادات وجبت فيها القراءة ، فوجب أن يتعين لها أشرف
السور، والفاتحة أشرف السور، فوجب أن تتعين . قال : واعلم أنا
تحتاج فى تمهيد هذه الطريقة إلى شيئين: أحدهما: أن الصلاة أشرف
العبادات ، والثانى: أن الحمد أشرف السور. واستدل على ذلك بما
ذكره قال: وأما الدليل على أن فاتحة الكتاب أشرف ، فالنص ،
والمغنى ، والحكم :
أما النص فما تقدم من أنها عوض من غيرها . وعن أبى سعيد
١٤

الخدري عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((فاتحة الكتاب شفاء من
السم ». وقال الحسن البصري: أنزل الله مائة كتاب وأربعة كتب من
السماء أودع علومها أربعة منها: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ، ثم
أودع علوم هذه الأربعة الفرقان ، ثم أودع علوم القرآن المفصل ، ثم
أودع علوم المفصل فاتحة الكتاب . فمن على تفسيرها كان كمن على تفسير
جميع كتب الله المنزلة ، ومن قرأها فكأنما قرأ التوراة والإنجيل
والزبور والقرآن .
وأما المعنى فهو أن اللّه قابلها بجميع القرآن فقال: (وَلَقَدْءَانْتَكَ
سَبْعَامِنَ الْمَثَانِ وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ ). وهذه حقيقة لا بدانيها غيرها فيها
قلت : هذا على قول من جعلها هي السبع المثانى وجعل القرآن العظيم
جميع القرآن. قال: ولأنها تسمى ((أم القرآن)) وأم الشيء أصله
ومادته، ولهذا سمى الله مكة ((أم القرى)) لشرفها عليهن. ولأنها
السبع المثانى، ولأنها تشتمل على مالا تشتمل عليه سورة من
الثناء والتحميد للرب تعالى والاستعانة به والاستعاذة والدعاء من العبد
على ما قال النبى صلى الله عليه وسلم ((يقول الله تعالى: قسمت الصلاة
بيني وبين عبدي )) الحديث المشهور. قال : ولأنه لم ينزل مثلها فى
التوراة ولا فى الإنجيل ولا في الزبور ولا في شيء من الكتب ، بدل
عليه أنها تيسر قراءتها على كل أحد مالا يتيسر غيرها من القرآن .
١٥

وتضرب بها الأمثال ، ولهذا يقال : فلان يحفظ الشيء مثل الفاتحة .
وإذا كانت بهذه المثابة فغيرها لا يساويها في هذا ، فاختصت بالشرف .
ولأنها السبع المثانى ، قال أهل التفسير : معنى ذلك أنها تثنى قراءتها
في كل ركعة . قال بعضهم : تني نزولها على النبي صلى الله عليه وسلم
قلت : وفيه أقوال أخر .
قال: وأما الحكم فلأنه تستحب قراءتها في كل ركعة ، ويكره
الإخلال بها ، ولولا أنها أشرف لما اختصت بهذا المعنى ، يدل
عليه أن عند المنازعين - يعنى أصحاب أبي حنيفة - أن من أخل
بقراءتها وجب عليه سجود السهو. فنقول : لا يخلو إما أن تكون
ركنا أو ليست بركن ، فإن كانت ركنا وجب أن لا تجبر بالسجود ،
وإن لم تكن ركنا وجب أن لا يجب عليه سجود . قلت : يعني بذلك
أن السجود لا يجب إلا بترك واجب في حال العمد ، فإذا سها عنه
وجب له السجود ، وما كان واجباً فاذا تعمد تركه وجب أن تبطل
صلاته ، لأنه لم يفعل ما أمر به ، بخلاف من سها عن بعض الواجبات
فإن هذا يمكن أن يجبر ما تركه بسجود السهو . ومذهب مالك وأحمد
وأبى حنيفة أن سجود السهو واجب ، لأن من الواجبات عندم ما إذا
تركه سهواً لم تبطل الصلاة . كما لا تبطل بالزيادة سهواً باتفاق العلماء ،
ولو زاد عمداً لبطلت الصلاة. لكن مالكا وأحمد فى المشهور عنهما يقولان:
١٦

ما كان واجباً إذا تركه عمداً بطلت صلاته ، وإذا تركه سهواً فمنه ما
يبطل الصلاة ومنه ما ينجبر بسجود السهو ، فترك الركوع والسجود
والقراءة ببطل الصلاة مطلقاً ، وترك القشهد الأول عندهما يبطل الصلاة
عمده، ويجب السجود لسهوه . وأما أبو حنيفة فيقول : الواجب الذي
ليس بفرض - كالفاتحة - إذا تركه كان مسيئا ولا يبطل الصلاة.
والشافعي لا يفرق فى الصلاة بين الركن والواجب . ولكن فرق بينهما
فى الحج هو وسائر الأئمّة .
والمقصود هنا ذكر بعض من قال إن الفاتحة أشرف من غيرها .
وقال أبو عمر بن عبد البر: وأما قول النبى صلى اللّه عليه وسلم
لأبي. « هل تعلم سورة ما أنزل الله فى التوراة ولا فى الإنجيل ولا
فى الزبور ولا فى القرآن مثلها ؟)) فمعناه مثلها في جمعها لمعانى الخير ،
لأن فيها الثناء على الله عز وجل بما هو أهله، وما يستحقه من الحمد
الذي هو له حقيقة لا لغيره ، لأن كل نعمة وخير منه لا من سواه .
فهو الخالق الرازق لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع ، وهو
محمود على ذلك ، وإن حمد غيره فإليه يعود الحمد . وفيها التعظيم له
وأنه الرب للعالم أجمع ومالك الدنيا والآخرة ، وهو المعبود والمستعان .
وفيها تعليم الدعاء والهدى ، ومجانبة طريق من ضل وغوى . والدعاء
لباب العبادة ، فهى أجمع سورة للخير ليس فى الكتب مثلها على هذه
١٧

الوجوه . قال : وقد قيل إن معنى ذلك أنها تجزئ الصلاة بها دون
غيرها ولا يجزئ غيرها عنها . وليس هذا بتأويل مجتمع عليه . قلت : يغنى
بذلك أن فى هذا زاما بين العلماء ، وهو كون الصلاة لا يجزئ إلا بها،
وهذا يدل على أن الوصف الأول متفق عليه بين العلماء وهو أنها
أفضل السور .
ومن هذا الباب ما فى الكتاب والسنة من تفضيل القرآن على غيره
من كلام اللّه التوراة والإنجيل وسائر الكتب، وأن السلف كلهم كانوا
مقرين بذلك ليس فيهم من يقول الجميع كلام الله فلا يفضل القرآن
على غيره ، قال الله تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِنَبًا مُتَشَبِهَا مَّثَانِىَ)
فأخبر أنه أحسن الحديث ، وقال تعالى: ( نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ اَلْقَصَصِ
بِمَا أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ، لَمِنَ اْلْغَفِلِينَ ).
((وأحسن القصص)) قيل إنه مصدر ، وقيل إنه مفعول به . قيل :
المعنى نحن نقص عليك أحسن الاقتصاص، كما يقال نكلمك أحسن
التكليم ونبين لك أحسن البيان . قال الزجاج : نحن نبين لك أحسن
البيان . والقاص الذي يأتى بالقصة على حقيقتها . قال وقوله: ( بِمَآ
أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ ) أي بوحينا إليك هذا القرآن ، ومن قال هذا
قال بما أوحينا إليك هذا القرآن ، وعلى هذا القول فهو كقوله : نقرأ
١٨

عليك أحسن القراءة ، ونتلوا عليك أحسن التلاوة . والثانى أن المعنى
نقص عليك أحسن ما يقص، أي أحسن الأخبار المقصوصات . كما قال
فى السورة الأخرى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ ) وقال: (وَمَنْ أَصْدَقُ
مِنَ اللَّهِقِيلًا ). ويدل على ذلك قوله فى قصة موسى: (فَلَمَّاجَآءَهُ وَقَصَّ
عَلَيْهِ الْقَصَصَ )، وقوله: ( لَقَدْ كَانَ فِ قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِ الْأَلْبَبِ )
المراد خبرهم ونبأم وحديثهم ، ليس المراد مجرد المصدر .
والقولان متلازمان فى المعنى كما سنبينه ، ولهذا يجوز أن يكون
هذا المنصوب قد جمع معنى المصدر ومعنى المفعول به لأن فيه كلا المعنيين،
بخلاف المواضع التى يباين فيها الفعل المفعول به فإنه إذا انتصب بهذا
المعنى امتنع المعنى الآخر .
ومن رجح الأول من النحاة - كالزجاج وغيره - قالوا :
القصص مصدر ، يقال قص أثره بقصه قصصاً ومنه قوله تعالى :
(فَارْتَدًا عَلَءَا ثَارِهِمَا قَصَصًا). وكذلك اقتص أثره ونقصص، وقد
اقتصصت الحديث : رويته على وجهه ، وقد اقتص عليه الخبر قصصاً .
وليس القصص بالفتح جمع قصة كما يظنه بعض العامة . فإن ذلك يقال
فى قصص بالكسر واحده قصة، والقصة هي الأمر والحديث الذي
يقص ، فعلة بمعنى مفعول وجمعه قصص بالكسر . وقوله: (نَحْنُ نَقُضُ
عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ) بالفتح لم يقل أحسن القصص بالكسر ، ولكن
١٩

بعض الناس ظنوا أن المراد أحسن القصص بالكسر ، وأن تلك القصة
قصة يوسف ، وذكر هذا طائفة من المفسرين .
ثم ذكروا : لم سميت أحسن القصص ؟ فقيل : لأنه ليس فى
القرآن قصة تتضمن من العبر والحكم والنكت ما تتضمن هذه القصة .
وقيل : لامتداد الأوقات بين مبتداها ومنتهاها . وقيل لحسن محاورة
يوسف وإخوته ، وصبره على أذاهم ، وإغضائه عن ذكر ما تعاطوه عند
اللقاء، وكرمه في العفو . وقيل لأن فيها ذكر الأنبياء والصالحين
والملائكة والشياطين والإنس والجن والأنعام والطير وسير الملوك والماليك
والتجار والعلماء والجمال والرجال والنساء ومكرهن وحيلهن، وفيها أيضاً ذكر
التوحيد والفقه والسير وتعبير الرؤيا والسياسة والمعاشرة وتدبير المعاش ،
فصارت أحسن القصص لما فيها من المعانى والفوائد التى تصلح للدين
والدنيا . وقيل فيها ذكر الحبيب والمحبوب. وقيل ((أحسن))
بمعنى أعجب .
والذين يجعلون قصة يوسف أحسن القصص منهم من يعلم أن
((القصص)) بالفتح هو النبأ والخبر، ويقولون هي أحسن الأخبار والأنباء،
وكثير منهم يظن أن المراد أحسن القصص بالكسر ، وهؤلاء جهال بالعربية ،
وكلا القولين خطأ، وليس المراد بقوله: (أَحْسَنَ الْقَصَصِ ) قصة
يوسف وحدها ، بل هي مما قصه الله ، ومما يدخل فى أحسن القصص ،
٢٠