Indexed OCR Text

Pages 541-560

عن وهب بن منبه قال : قالت قريش للنى صلى الله عليه وسلم : إن
سرك أن ندخل فى دينك عاماً وتدخل فى ديننا عاماً ، فنزلت ( قُلّ
يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ) حتى ختمها . وعن ابن عباس، قالت قريش: يا محمد!
لو استلمت آلهتنا لعبدنا إلهك ، فنزلت السورة . وعن قتادة قال :
أمره الله أن ينادي الكفار فنادام بقوله (يَأَيّا).
وروى ابن أبى حاتم عن وهب بن منبه : قال كفار قريش ،
فذكره . وقال عكرمة: برأه الله بهذه السورة من عبدة جميع الأوثان
ودين جميع الكفار ، وقال قتادة : أمر الله نبيه أن يتبرأ من المشركين
فتبرأ منهم .
وروى قتادة عن زرارة بن أوفى: كانت تسمى ((المقشقشة)).
يقال : قشقش فلان ، إذا برئ من مرضه ، فهي تبرئ صاحبها
من الشرك .
وبهذا نعتها النبى صلى الله عليه وسلم في الحديث المعروف فى المسند
والترمذي من حديث إسرائيل ، عن أبى إسحاق ، عن فروة بن نوفل
عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ((مجيء ما جاء بك؟))
قال : جئت ، يا رسول اللّه! لتعلمني شيئاً أقوله عند منامي . قال :
((إذا أخذت مضجعك فاقراً (قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ). ثم ثم على
٥٤١

خاتمتها ، فإنها براءة من الشرك)).
رواه غير واحد عن أبى إسحاق ، وكان تارة يسنده، وتارة يرسله
رواه عنه زهير ، وإسرائيل مسنداً؛ ورواه عنه شعبة ولم يذكر عن
أبيه وقال ((عن أبى إسحاق، عن رجل، عن فروة بن نوفل))، ولم
يقل ((عن أبيه)). قال الترمذي: وحديث زهير أشبه وأصح من
حديث شعبة . قال : وقد روى هذا الحديث من غير هذا الوجه ،
فرواه عبد الرحمن بن نوفل ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم
وعبد الرحمن بن نوفل هو أخو فروة بن نوفل .
قلت : وقد رواه عن أبى إسحاق ، إسماعيل بن أبى خالد ، قال :
جاء رجل من أشجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول
الله! علمني كلاما أقوله عند منامي. قال: ((إنك لنا ظئر، اقرأ (قُلْ
يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ) عند منامك، فإنها براءة من الشرك)).
فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم واحداً من المسلمين أن
يقرأها ، وأخبره أنها براءة من الشرك . فلو كان الخطاب لمن يموت على
الشرك كانت براءة من دين أولئك فقط ، لم تكن براءة من الشرك
الذي يسلم صاحبه فيما بعد . ومعلوم أن المقصود منها أن تكون براءة من
كل شرك ـ اعتقادي وعملي .
٥٤٢

(لَكُمْدِئُكُمْوَلِ دِينِ ) خطاب لكل كافر وإن أسلم فيما
وقوله :
بعد . فدينه قبل الإسلام له كان والمؤمنون بريئون منه ، وإن غفره الله
له بالتوبة منه ، كما قال لنبيه (فَإِنْ عَصَوَكَ فَقُلْ إِى بَرِىٌّ مِّمَّ تَعْمَلُونَ) فإنه بريء
من معاصي أصحابه وإن تابوا منها. وهذا كقوله: ( وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِيِ عَمَلِى
وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمُ بِعُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنْبَرِىٌّمُمَّا تَعْمَلُونَ).
وروى ابن أبا حاتم ، حدثنا أبى تنا محمد بن موسى الجرشي ، تنا
أبو خلف عبد الله بن عيسى ، ثنا داود بن أبى هند، عن عكرمة ، عن
ابن عباس أن قريشا دعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن
يعطوه مالا فيكون أغنى رجل فيهم ، ويزوجوه ما أراد من النساء ،
ويطأوا عقبه - أي بسودوه - فقالوا : هذا لك عندنا ، يا محمد !
وكف عن شتم آلهتنا ، فلا تذكرها بسوء . فإن لم تفعل فإنا نعرض
عليك خصلة واحدة، وهي لك ولنا فيها صلاح. قال: ((ما هي؟)).
قالوا : تعبد آلهتنا سنة - اللات والعزى - ونعبد إلهك سنة . قال
((حتى أنظر ما يأتيني من ربى)). فجاءه الوحي من الله من اللوح
المحفوظ (قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ) إلى آخرها، وأنزل اللّه عليه (قُلْ
أَفَغَيْرَ اَللَّهِ تَأْمُرُوَنَّ أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَهِلُونَ * وَلَقَدْ أُوحِىَ إِلَيَكَ وَ إِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَبِنْ
أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَّكُنْ مِنَ الشَّكِرِينَ).
٥٤٣

وقوله (قُلْ أَفَغَيْرَ اَللَّهِ تَأْمُرُوَنَّ أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَهِلُونَ ) خطاب لكل من
عبد غير الله وإن كان قد قدر له أن يتوب فيما بعد. وكذلك كل
مؤمن يخاطب بهذا من عبد غير الله .
وقوله فى هذا الحديث (( حتى أنظر ما يأتيني من ربى )) قد يقول
هذا من يقصد به دفع الظالمين بالتي هي أحسن ليجعل حجته أن الذي
عليه طاعته قد منع من ذلك ، فيؤخر الجواب حتى يستأمره ، وإن كان
هو يعلم أن هذا القول الذي قالوه لا سبيل إليه .
وقد تخطب إلى الرجل ابنته فيقول : حتى أشاور أمها ، وهو
يريد أن لا يزوجها بذلك ، ويعلم أن أمها لا تشير به . وكذلك قد
يقول النائب : حتى أشاور السلطان .
فليس فى مثل هذا الجواب تردد ولا تجويز منه أن الله يبيح له ذلك
وقد كان جماعة من قريش من الذين بأمرونه وأصحابه أن يعبدوا
غير الله، ويقاتلونهم، ويعادونهم عداوة عظيمة على ذلك، ثم تابوا
وأسلموا وقرأوا هذه السورة .
ومن النقلة من يعين ناسا غير الذين عينهم غيره . منهم من يذكر
أبا جهل وطائفة ، ومنهم من يذكر عتبة بن ربيعة وطائفة ، ومنهم من
٥٤٤

يذكر الوليد بن المغيرة وطائفة . ومنهم من يقول : طلبوا أن يعبدوا
الله معه عاما ويعبد آلهتهم معهم عاما. ومنهم من يقول : طلبوا أن
يستلم آلهتهم .
ومنهم من يقول: طلبوا الاشتراك ، كما روى ابن أبى حاتم وغيره
عن ابن إسحاق قال : حدثني سعيد بن ميناء مولى أبى البختري قال
لقى الوليد بن المغيرة ، والعاص بن وائل ، والأسود بن المطلب ، وأمية
ابن خلف ، رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا : هلم فلنعبد ما تعبد
وتعبد ما نعبد ، ولنشترك نحن وأنت فى أمرنا كله . فإن كان الذي
جئت به خيراً مما بأيدينا كنا قد شركناك فيه وأخذنا بحظنا منه .
وإن كان الذي بأيدينا خيراً مما بيدك كنت قد شركتنا فى أمرنا وأخذت
بحظك منه . فأنزل الله السورة .
وهذا منقول عن عبيد بن عمير ، وفيه أن القائل له عتبة ، وأمية.
فهذه الروايات متطابقة على معنى واحد ، وهو أنهم طلبوا منه أن
يدخل فى شيء من دينهم ، ويدخلوا في شيء من دينه ، ثم إن كانت
كلها صحيحة فقد طلب منه تارة هذا وتارة هذا ، وقوم هذا وقوم هذا.
وعلى كل تقدير فالخطاب للمشركين كلهم ــ من مضى ، ومن
يأتى إلى يوم القيامة .
٥٤٥

وقد أمره الله بالبراءة من كل معبود سواه . وهذه ملة إبراهيم
الخليل ، وهو مبعوث بملته. قال الله تعالى: (وَإِذْقَالَ إِبْرَهِيْمُ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ:
إِنَّنِى بَرَآءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِى فَطَرَبِ فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةٌ بَقِيَّةً فِ
عَقِبِهِ ).
وقال الخليل أيضا: (يَقَوْمِ إِنِى بَرِىٌّ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِ وَجَّهْتُ وَجْهِىَ
لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَآ أَنْمِنَ الْمُشْرِكِينَ).
وقال ( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ فِ إِّزْهِيمَ وَاُلَّذِينَ مَعَهُ إِذْقَالُوْلِقَوْمِهِمْ إِنَّابُرَءَ وَأْمِنْكُمْ
وَمِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُرْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُالْعَدَوَةُ وَاَلْبَغْضَآءُ أَبَدًّا حَتَّى تُؤْمِنُواْ بِاللّهِ
وَحْدَهُ) .
وقال لنبيه: ( وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُل ◌ِ عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بِعُونَ مِمَّاأَعْمَلُ وَأَنَاْ
بَرِىٌّمِّمَا تَعْمَلُونَ). فقد أمره الله أن يتبرأ من عمل كل من كذبه.
وتبريه هذا يتناول المشركين وأهل الكتاب .
وقد ذكر المهدوي هذا القول ، وذكر معه قولين آخرين . فقال :
الألف واللام ترجع إلى معهود وإن كانت للجنس حيث كانت صفة ،
لأن لامها مخاطبة لمن سبق فى على الله أن يموت كافراً. فهي من الخصوص
الذي جاء بلفظ العموم .
وتكرير ماكرر فيها ليس بتكرير فى المعنى ، ولا في اللفظ ، سوى
٥٤٦

موضع واحد منها . فإنه تكرير في اللفظ دون المعنى. بل معنى (لَا أَعْبُدُ
مَا تَعْبُدُونَ) فى الحال، (وَلَآ أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ) فى الحال ، (وَلَآ أَنَاْ
عَائِدٌ مَّا عَبَدُ) فى الاستقبال، (وَلَ أَنْتُمْ عَيِدُونَ مَا أَعْبُدُ) فى الاستقبال .
قال: فقد اختلف اللفظ والمعنى فى قوله (لَآ أَعْبُدُ ) ، وما بعده
(وَلَآَ أَنَّأْ ). وتكرر (وَلَآ أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَا أَعْبُدُ ) في اللفظ دون المعنى.
قال : وقيل إن معنى الأول : ولا أنتم عابدون ما عبدت ، ومعنى
الثاني: ولا أنتم عابدون ما أعبد. فعدل عن لفظ ((عبدتُ)) للإشعار
بأن ما عبد في الماضي هو الذي يعبد في المستقبل - قد يقع أحدهما
موقع الآخر . وأكثر ما يأتي ذلك فى أخبار الله تعالى.
ويجوز أن تكون ((ما)) والفعل مصدراً، وقيل إن معنى الآيات
وتقديرها : قل يا أيها الكافرون ! لا أعبد الأصنام . الذي تعبدون
ولا أنتم عابدون الذي أعبده ، لإ شراككم به واتخاذكم معه الأصنام .
فإن زعمتم أنكم تعبدونه فأنتم كاذبون ، لأنكم تعبدونه مشركين به .
فأنا لا أعبد ما عبدتم ، أي مثل عبادتكم . فهو في الثاني مصدر .
وكذلك: (وَلَا أَنْتُمْ عَيِدُونَ مَا أَعْبُدُ) هو فى الثانى مصدر أيضاً ، معناه
ولا أنتم عابدون مثل عبادتى التى هي توحيد .
٥٤٧

قلت : القول الثالث هو في معنى الثانى ، لكن جعل قوله: (وَلَآ أَنْتُمْ
عَنِدُونَ مَآ أَعْبُدُ) معنيين: أحدهما بمعنى ((ما عبدت))، والآخر بمعنى
(( ما أعبد)) ليطابق قوله لهم (لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) (وَلَا أَنْعَابِدٌ
مَّاعَبَدُ ) .
فلما تبرأ من أن يعبد في الحال والاستقبال ما يعبدونه فى الماضي
والحال ، كذلك برأم من عبادة ما يعبد فى الحال والاستقبال . لكن
العبارة عنهم وقعت بلفظ الماضي . قال هؤلاء : وإنما لم يقل فى حقه:
(((ما عبدت)) للإشعار بأن ما أعبده في الماضي هو الذي أعبده فى المستقبل.
قلت : أصحاب هذا القول أرادوا المطابقة كما تقدم .
لكن إذا أريد بقوله: (مَّا عَبَدُمْ) [ ما أريد] بقوله: (مَا أَعْبُدُ )
- فى أحد الموضعين الماضي - كان التقدير على ما ذكروه : لا أنا
عابد فى المستقبل ما عبدتم فى الماضى . فيكون قد نفى عن نفسه في
المستقبل عبادة ما عبدوه فى الماضى دون ما يعبدونه في المستقبل .
وكذلك إذا قيل: ( وَلَا أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ )، أي في الماضي ،
فسواء أريد بما يعبدون الحال أو الاستقبال إنما نفى عبادة ما عبدوه فى
الماضي . وهذا أنقص لمعنى الآية . وكيف يتبرأ فى المستقبل من عبادة
ما عبدوه فى الماضي فقط ؟ وكذلك م ؟
٥٤٨

وإن قيل : فى المستقبل قد يعبدون الله بالانتقال عن الكفر ، فهو
فى الحال والاستقبال لا يعبد ما عبدوه ، قيل : فعلى هذا لا يقال لهؤلاء
ولا أنتم عابدون في المستقبل ما عبدت في الماضي ، بل قد يعبدون فى
المستقبل - إذا انتقلوا - ربه الذي عبده فيما مضى.
وإن قيل: قول هؤلاء هو القول الثاني - لا أعبد فى الحال
ما تعبدون فى الحال ، ولا أعبد فى المستقبل ما تعبدون فى المستقبل ،
قيل: ولفظ الآية ( وَلَا أَنْعَائِدٌ مَّا عَبَدُم)، ليس لفظها ((ولا أنا
عابد ما تعبدون)). فقوله: (مَّاعَبَدُ) إن أريد به الماضي الذي
أراده هؤلاء فسد المعنى ، وإن أريد به المستقبل بطل ما ذكروه من
أن المضارع بمعنى الماضي فى قوله: (وَلَا أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَا أَعْبُدُ ) ، فإن
الماضي هنا بمعنى المضارع . فإذا كان المضارع مطابقاً له بقي مضارعاً
- لم ينقل إلى الماضي - فيكون عكس المقصود .
والقول الرابع الذي ذكره، قول من جعل ((ما)) مصدرية في
الجملة الثانية دون الأخرى . وهذا أيضاً ليس فى الكلام ما يدل على
الفرق بينهما . وإذا جعلت فى الجمل كلها مصدرية كان أقرب إلى الصواب
مع أن هذا المعنى الذي تدل عليه ((ما)) المصدرية حاصل بقوله ((ما)).
فإنه لم يقل ((ولا أنتم عابدون من أعبد))، بل قال (مَآأَعْبُدُ ).
٥٤٩

ولفظ ((ما)) يدل على الصفة بخلاف ((من)). فإنه يدل على
العين، كقوله: ( فَتَكِحُوْ مَاطَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ ) ، أي الطيب.
( وَالسَّمَاءِ وَمَابَلَهَا ) أي وبانيها. ونظيره قوله: ( إِذْقَالَ لَِنِيهِمَا
تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِى قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ ءَابَآئِكَ )، ولم يقل " من
تعبدون من بعدي)).
وهذا نظير [قوله] (وَلَ أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَا أَعْبُدُ ) سواء . فالمعنى:
لا أعبد معبودكم، ولا أنتم عابدون معبودي .
فقوله: ( وَلَآَ أَنْتُمْ عَِدُونَ مَا أَعْبُدُ ) يتناول شركهم، فإنه ليس
بعبادة لله، فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه فإذا
أشركوا به لم يكونوا عابدين له وإن دعوه وصلوا له .
وأيضاً فما عبدوا ما يعبده ، وهو الموصوف بأنه معبود له على
جهة الاختصاص . بل هذا يتناول عبادته وحده ، ويتناول الرب الذي
أخبر به بما له من الأسماء والصفات. فمن كذب به فى بعض ما أخبر به
عنه فما عبد ما يعبده من كل وجه .
وأيضاً فالشرائح قد تتنوع فى العبادات، فيكون المعبود واحداً وإن
لم تكن العبادة مثل العبادة. وهؤلاء لا يتبرأ منهم. فكل من عبد الله
٥٥٠

مخلصا له الدين فهو مسلم فى كل وقت ، ولكن عبادته لا تكون إلا بما
شرعه . فلو قال : لا أعبد عبادتكم ولا تعبدون عبادتي ، فقد يظن أنه
تدخل فيه البراءة من كل عبادة تخالف صورتها صورة عبادته . وإنما
البراءة من المعبود وعبادته .
فصل
إذا تبين هذا فنقول : القرآن تنزيل من حكيم حميد ، وهو كتاب
أحكمت آياته ثم فصلت .
ولو أن رجلا من بني آدم له علم، أو حكمة ، أو خطبة ، أو
قصيدة ، أو مصنف ، فهذب ألفاظ ذلك وأتى فيه بمثل هذا التغاير العلم
أنه قصد فى ذلك حكمة ، وأنه لم يخالف بين الألفاظ مع اتحاد المعنى
سدى. فكيف بكلام رب العالمين، وأحكم الحاكمين ، لا سيما وقد قال
فيه ( قُل لَّيِنِ اجْتَمَعَتِ آلْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُواْبِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ
. (
كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيْرًا
فنقول : الفعل المضارع هو في اللغة يتناول الزمن الدائم سوى
الماضي ، فيعم الحاضر والمستقبل ، كما قال سيبويه: وبنوه لما مضى من
٥٥١

الزمان ، ولما هو دائم لم ينقطع ، ولما لم يأت ــ بمعنى الماضى، والمضارع
وفعل الأمر . فجعل المضارع لما هو من الزمان دائما لم ينقطع ، وقد
يتناول الحاضر والمستقبل.
فقوله ( لَآ أَعْبُدُ ) يتناول نفي عبادته لمعبودهم فى الزمان الحاضر
والزمان المستقبل، وقوله (مَا تَعْبُدُونَ ) يتناول ما يعبدونه في الحاضر
والمستقبل ، كلاهما مضارع .
) - فلم
وقال في الجملة الثانية عن نفسه (وَلَآَ أَنْ عَاِدٌ مَّا عَبَدْتُمْ
يقل («لا أعبد))، بل قال (وَلَآ أَنْعَائِدٌ). ولم يقل ((ما
تعبدون))، بل قال (مَّا عَبَدُّم) . فاللفظ فى فعله وفعلهم مغاير للفظ
فى الجملة الأولى .
والنفى بهذه الجملة الثانية أعم من النفي بالأولى. فإنه قال (وَلَآ أَنَا
عَائِدٌ مَّا عَبَدُ ) بصيغة الماضى. فهو يتناول ما عبدوه في الزمن الماضي،
لأن المشركين يعبدون آلهة شتى . وليس معبودم فى كل وقت هو
المعبود في الوقت الآخر ، كما أن كل طائفة لها معبود سوى معبود
الطائفة الأخرى .
فقوله ( لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ) براءة من كل ما عبدوه فى الأزمنة
٥٥٢

الماضية ، كما تبرأ أولا مما عبدوه فى الحال والاستقبال . فتضمنت
الجملتان البراءة من كل ما يعبده المشركون والكافرون فى كل زمان -
ماض، وحاضر، ومستقبل. وقوله أولا: (لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ) لا
يتناول هذا كله .
وقوله ( وَلَآَ أَنَأْ عَابِدٌ ) اسم فاعل قد عمل عمل الفعل ، ليس
مضافا، فهو يتناول الحال والاستقبال أيضاً . لكنه جملة اسمية ، والنفى
بما بعد الفعل فيه زيادة معنى ، كما تقول : ما أفعل هذا، وما
أنا بفاعله .
وقولك («ما هو بفاعل هذا أبداً» أبلغ من قولك («ما يفعله
أبداً)) . فإنه نفى عن الذات صدور هذا الفعل عنها، بخلاف قولك ((ما
يفعل هذا)) ، فإنه لا ينفي إمكانه وجوازه منه . ولا يدل على أنه لا
يصلح له، ولا ينبغي له؛ بخلاف قوله ((ما هو فاعلا، وما هو بفاعل))،
(
كما فى قوله (فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُواْبِآدِى رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ
وقوله (مَّاأَنَأْ بِمُصْرِحِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِىٌّ) وقوله (وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ
عَمَّا تَعْمَلُونَ)، ( وَمَا أَنْتَ بِهَدِى الْعُمْىِ)، ( وَمَآ أَنْتَ بِمُسْمِعِ مَّن
فِي الْقُبُورِ )، ( وَمَاهُمْ بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّ بِإِذْنِ اللَّهِّ ).
ولا يقال : الجملة الاسمية ترك الثبوت ، ونفى ذلك لا يقتضي نفي
٥٥٣

العارض. فإن هذه الجملة فى معنى الفعلية نفى ، لكونها عملت عمل الفعل .
لكنها دلت على اتصاف الذات بهذا، فنفت عن الذات أن يعرض لها
هذا الفعل تنزيهاً للذات ونفياً لقبولها لذلك . فالأول نفي الفعل
فى الماضي والمستقبل ، والثاني نفى قبوله فى الماضي مع الحاضر والمستقبل .
فقوله ( وَلَ أَتَأْعَابٌِ مَّا عَبَدُم)، أي نفسي لا تقبل ولا يصلح
لها أن تعبد ما عبدتموه قط ولو كنتم عبد تموه فى الماضي فقط.
فأي معبود عبدتموه في وقت فأنا لا أقبل أن أعبده فى وقت
من الأوقات .
ففي هذا من عموم عبادتهم فى الماضي والمستقبل ، ومن قوة براءته
وامتناعه، وعدم قبوله لهذه العبادة فى جميع الأزمان ما ليس فى الجملة
الأولى . تلك تضمنت نفي الفعل فى الزمان غير الماضي ، وهذه تضمنت
تفي إمكانه وقبوله لما كان معبوداً لهم ولو فى بعض الزمان الماضي فقط .
والتقدير : ما عبد تموه ولو فى بعض الأزمان الماضية فأنا لا يمكننى ولا
يسوغ لي أن أعبده أبداً .
ولكن لم ينف إلا ما يكون منه فى الحاضر والمستقبل، لأن المقصود
براءته هو فى الحال والاستقبال . وهذه السورة يؤمر بها كل مسلم وإن
كان قد أشرك بالله قبل قراءتها .
٥٥٤

فهو يتبرأ فى الحاضر والمستقبل مما يعبده المشركون فى أي زمان
كان ، وينفى جواز عبادته لمعبودم ، ويبين أن مثل هذا لا يكون ولا
يصلح ولا يسوغ ، فهو ينفى جوازه شرعا ووقوعا . فإن مثل هذا
الكلام لا يقال إلا فيما يستقبح من الأفعال ، كمن دعي إلى ظلم أو
فاحشة فقال: ((أنا أفعل هذا؟ ما أنا بفاعل هذا أبداً)). فهو أبلغ
من قوله ((لا أفعله أبداً)). وهذا كقوله ( وَمَا أَنْتَ بِتَابِعِ قِبْلَنَهُمْ
. (
وَمَابَعْضُهُم ◌ِتَابِع قِبْلَةً بَعْضٍ
فهو يتضمن نفى الفعل بغضاً فيه وكراهة له، بخلاف قوله ((لا
أفعل)). فقد يتركه الإنسان وهو يحبه لغرض آخر. فإذا قال (( ما أنا
عابد ما عبدتم)) دل على البغض والكراهة والمقت لمعبودم ولعبادتهم إياه.
وهذه هى البراءة .
ولهذا تستعمل فى ضد الولاية فيقال : تول فلانا ، وتبرأ من
فلان. كما قال تعالى (إِذْقَالُوْلِقَوْمِهِمْ إِنَّابُرَ وَّامِنْكُمْوَمِمَا تَعْبُدُونَ مِندُونِ
اُللَّهِ) - الآية.
وأما قوله عن الكفار: (وَلَآَ أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ ؛، فهو خطاب
لجنس الكفار وإن أسلموا فيما بعد ، فهو خطاب لهم ما داموا كفاراً.
فإذا أسلموا لم يتناولهم ذلك . فإنهم حينئذ مؤمنون ، لا كافرون .
٥٥٥

وإن كانوا منافقين فهم كافرون فى الباطن، فيتناولهم الخطاب .
وهذا كما يقال : قل يا أيها المحاربون ، والمخاصمون ، والمقاتلون،
والمعادون . فهو خطاب لهم ما داموا متصفين بهذه الصفة .
وما دام الكافر كافراً فإنه لا يعبد الله، وإنما يعبد الشيطان ؛ سواء
كان متظاهراً ، أو غير متظاهر به كاليهود .
فإن اليهود لا يعبدون الله ، وإنما يعبدون الشيطان، لأن عبادة الله
إنما تكون بما شرع وأمر ، وهم وإن زعموا أنهم يعبدونه فتلك
الأعمال المبدلة والمنهى عنها هو يكرهها ويبغضها وينهى منها ،
فليست عبادة.
فكل كافر بمحمد لا يعبد ما يعبده محمد ما دام كافراً . والفعل
المضارع يتناول ما هو دائم لا ينقطع . فهو ما دام كافراً لا يعبد معبود
محمد صلى الله عليه وسلم - لا في الحاضر ولا فى المستقبل.
ولم يقل عنهم (ولا تعبدون ما أعبد))، بل ذكر الجملة الاسمية
ليبين أن نفس نفوسكم الخبيثة الكافرة بريئة من عبادة إله محمد ، لا
يمكن أن تعبده ما دامت كافرة . إذ لا تكون عابدته إلا بأن تعبده
٥٥٦

وحده بما أمر به على لسان محمد . ومن كان كافراً بمحمد لا يكون
عمله عبادة لله قط.
وتبرئتهم من عبادة الله جاءت بلفظ واحد بجملة اسمية تقتضي براءة
ذواتهم من عبادة اللّه، لم تقتصر على نفي الفعل.
ولم يحتج أن يقول فيهم ((ولا أنتم عابدون ما عبدت)) كما قال فى
نفسه ( وَلَ أَنْعَائِدٌ مَّا عَبَدُّم ) لوجهين .
أحدهما : أن كل مؤمن فهو مأمور بقراءة هذه السورة ، ومنهم من
كان معبوده غير اللّه. فلو قال ((ولا أنتم عابدون ما عبدت)) لقالوا:
بل نحن نعبد ماكنت تعبد لماكنت مشركا، بخلاف ما إذا قال (( ولا
أنتم عابدون ما أعبده فى هذا الوقت)). ولم يقل ((ما أنا عابد له))
إذ نفسه قد لا تكون عابدة له مطلقاً . وقد يجوز أن يعبد الواحد من
الناس غير الله فى المستقبل، فلا يكون من لم يعبد ما يعبده فى المستقبل مذموماً،
بخلاف المؤمن الذي يخاطب بهذه السورة غيره، فإنه حين يقولها ما يعبد إلا
الله. فهو يقول للكفار ((ولا أنتم عابدون ما أعبده الآن)). وذكر النفي عن
الكفار فى الجملتين لتقارب كل جملة جملة. فلما قال (لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ )
فنفى الفعل ، قال ( وَلَا أَنْتُمْ عَيِدُونَ مَا أَعْبُدُ ).
٥٥٧

ثم لما زاد النفي بنفي جواز ذلك وبراءة النفس منه ــ ذكر ما يدل
على كراهته له وقبحه ، ونفى أن يعبد شيئاً مما عبدوه ولو فى بعض
الزمان - قال (وَلَا أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَا أَعْبُدُ ) ، بل أنتم بريئون من
عبادة ما أعبده. فليس لبراءتى ، وكمال براءتى وبعدي من معبودكم ،
وكمال قربى إلى الله فى عبادتى له وحده لا شريك له ، يكون لكم
نصيب من هذه العبادة . بل أنتم أيضاً فى هذه الحال لا تعبدون ما أعبد
- لا فى الحال الأولى ، ولا في الثانية .
ولو اقتصر فى تبريهم من عبادة الله على الجملة الأولى لم يكن فيها
تبرئة لهم فى هذه الحال الثانية . فبرأم من معبوده حين البراءة الأولى
الخاصة ، وحين البراءة الثانية العامة القاطعة .
وهم لم يختلف حالهم فى الحالين ، بل م فيها لا يعبدون ما يعبد.
فلم يكن فى تغيير العبارة فائدة ، وإنما غيرت العبارة فى حقه وحق
المؤمنين لتغيير المعنيين.
والإنسان يقوى يقينه، وإخلاصه ، وتوحيده ، وبراءته من الشرك
وأهله ، وبغضه لما يعبدون ولعبادتهم ، فرفع درجته فى ذلك . وهو فى
ذلك يقول للكفار: ((لا تعبدون ما أعبد)) في هذه الحال - سواء كانوا
ثم قد زاد كفرم وبغضهم له أو لم يزد .
٥٥٨

فالمقصود بالسورة أن المؤمن يتبرأ منهم ، ويخبرهم أنهم برآء منه .
وتبريه منهم إنشاء ينشئه ، كما ينشئ المتكلم بالشهادتين . وهذا يزيد
وينقص . ويقوى ويضعف .
وأما م فهو يخبر ببراءتهم منه فى هذه الحال ، لا ينشئ شيئاً لم
يكن فيهم . خطاب المؤمن عن حالهم خبر عن حالهم، والخبر مطابق
للمخبر عنه ، فلم يتغير لفظ خبره عنهم ، إذا كانوا فى كل وقت من
أوقات عبادته لله لا يعبدون ما يعبد. فهذا اللفظ الخبري مطابق لحالهم في
جميع الأوقات - زادوا أو نقصوا .
ولا يجوز للمؤمن أن ينشئ زيادة فى كفرم ، فإن ذلك محرم .
بل هو مأمور بدعائهم إلى الإيمان . وليس له أن ينقصهم فى خبره عما
ثم متصفون به . فلم يكن فى الإخبار عن حالهم زيادة فيماهم عليه ولا
نقص . فلم يغير لفظ الخبر في الحالين بلفظ واحد . وأما المؤمن نفسه
فهو مأمور بأن ينشئ قوة الإخلاص لله وحده وعبادته وحده ،
والبراءة من كل معبود سواه وعبادته ، وبراءته منه ومن عابديه . وقوله :
(لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ) وإن كان لفظها خبراً ففيها معنى الإنشاء ،
كسائر ألفاظ الإنشاءات، كقوله ((أشهد أن لا إله إلا الله))، وقوله
) وقوله ( إِنِى بَرِىٌّمِّمَّا
إِنَّنِى بَرَءُمِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِى فَطَرَبِ
)
تُشْرِكُونَ ) فكل هذه الأقوال فيها معنى الإنشاء لها ينشئه المؤمن في
٥٥٩

نفسه من زيادة البراءة من الشرك وهي المقشقشة التى تقشقش من
الشرك ، كما يقشقش المريض من المرض . فإن الشرك والكفر أعظم
أمراض القلوب . فأمر المؤمن بقول يوجب فى قلبه من البراءة من
الشرك ما لم يكن في قلبه قبل ذلك . وكلما قاله ازداد براءة من الشرك،
وقلبه شفاء من المرض ، وإن كان الكفرة المخاطبون لا يزدادون
بالإخبار عنهم إلا كفراً . فالجمل الخبرية تطابق المخبر عنه، والإنشاء
يوجب إحداث ما لم يكن. فقيل (قُلْ يَكَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ * لَآ أَعْبُدُ
مَا تَعْبُدُونَ)، أي أنا ممتنع من هذا، تارك له، ثم قال (وَلَا أَنْ عَابِدٌ
مَّاعَبَدُم) أي أنا برىء من هذا، متنزه عنه. مزك لنفسي منه.
فإن الشرك أعظم ما تنجس به النفس ، وأعظم تزكية النفس
وتطهيرها تزكيتها منه وتطهيرها منه. فما أنا عابد قط ما عبدتم فى
وقت من الأوقات .
وأنتم مع ذلك ما أنتم عابدون ما أعبد ، بل أنتم بريئون مما
أعبد . وأنا برىء مما تعبدون ، مأمور بالبراءة منه، وطالب زيادة
البراءة منه ، ومجتهد فى ذلك .
وأنا أخبر عنكم بأنكم بريئون مما أعبد ، إما لكونكم تأمرون بذلك
وإما لكونكم تعبدونه ، فلا أخبر به ، فإنه كذب . وإما لكونكم تجتهدون
فى البراءة وتبالغون فيها، فيها تختلف فيه أحوالكم .
٥٦٠