Indexed OCR Text
Pages 401-420
قال : روى عن سفيان الثوري ، والأوزاعي ، والليث بن سعد ، وسفيان بن عيينة ، وعبد الله بن المبارك ، وغيرهم من علماء السنة فى هذه الآيات التى جاءت فى الصفات المتشابهة : أمروها كما جاءت بلاكيف . وقال فى قوله ( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ): الأولى فى هذه الآية وفيما شاكلها أن يؤمن الإنسان بظاهرها ، وبكل علمها إلى الله ، ويعتقد أن الله منزه عن سمات الحدث . على ذلك مضت أئمة السلف، وعلماء السنة . قال الكلبي : هذا من المكتوم الذي لا يفسر . ( قلت ): وقد حكى عنه أنه قال في تفسير قوله ( ثُمَّأَسْتَوَى ): استقر . ففسر ذاك ، وجعل هذا من المكتوم الذي لا يفسر . لأن ذاك فيه وصفه بأنه فوق العرش ، وهذا فيه إتيانه فى ظلل من الغمام . قال البغوي : وكان مكحول ، والزهرى ، والأوزاعى ، ومالك ، وعبد الله بن المبارك، وسفيان الثوري ، والليث بن سعد، وأحمد ، وإسحاق ، يقولون فيه وفى أمثاله: أمروها كما جاءت بلا كيف . قال سفيان بن عيينة: كل ما وصف الله به نفسه فى كتابه فتفسيره قراءته والسكوت عنه ؛ ليس لأحد أن يفسره إلا الله ورسوله. ٤٠١ وهذه الآية أغمض من آية الاستواء . ولهذا كان أبو الفرج يميل إلى تأويل هذا، وينكر قول من تأول الاستواء بالاستيلاء. قال فى تفسيره، قال الخليل بن أحمد: ((العرش)) السرير ، وكل سرير الملك يسمى ((عرشاً)) وقلما يجمع العرش إلا فى الاضطرار . ( قلت ) : وقد روى ابن أبى حاتم عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: يسمى ((عرشاً)) لارتفاعه. ( قلت ) : والاشتقاق يشهد لهذا، كقوله (وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ)، وقوله (مَّعْرُوشَتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَتٍ ) ؛ وقول سعد: وهذا كافر بالعرش . ومقعد الملك يكون أعلى من غيره . فهذا بالنسبة إلى غيره عال عليه ، وبالنسبة إلى ما فوقه هو دونه . وفى الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا سألتم اللّه فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، وسقفه عرش الرحمن)) . فدل على أن العرش أعلى المخلوقات ، كما بسط فى مواضع أخر . قال أبو الفرج : واعلم أن ذكر العرش مشهور عند العرب فى الجاهلية والإسلام. قال أمية بن أبى الصلت : ربنا في السماء أمسى كبيراً مجدوا الله، فهو للمجد أهل ٤٠٢ بالبناء الأعلى الذي سبق الناس، وسوى فوق السماء سريراً شرجعا لا يناله بصر العيـ ن ، ترى دونه الملائك صورا قلت : يريد أنه ذكره من العرب من لم يكن مسلماً - أخذه عن أهل الكتاب . فإن أمية ونحوه إنما أخذ هذا عن أهل الكتاب ، وإلا فالمشركون لم يكونوا يعرفون هذا . قال أبو الفرج ابن الجوزي ، وقال كعب: إن السموات في العرش كقنديل معلق بين السماء والأرض . قال: وإجماع السلف منعقد على أن لا يزيدوا على قراءة الآية . وقد شذ قوم فقالوا : العرش بمعنى الملك ، وهو عدول عن الحقيقة إلى التجوز مع مخالفة الأثر. ألم يسمعوا قوله (وَكَانَ عَرْشُهُ, عَلَى الْمَآءِ) أفتراه كان الملك على الماء؟ . قال ، وبعضهم يقول : استوى بمعنى استولى ، ويستدل بقول الشاعر : (١) حتى استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق وقال الشاعر أيضاً : (١) هكذا وردت في المطبوع ولعل الصواب ( قد ) ٤٠٣ ماً على عرش الملوك بغير زور قد قلما استويا بفضلها جميـ قال : وهو منكر عند اللغويين. قال ابن الأعرابى: إن العرب لا تعلم استوى بمعنى استولى، ومن قال ذلك فقد أعظم . قال: وإنما يقال (( استولى فلان على كذا)) إذا كان بعيداً عنه غير متمكن، ثم تمكن منه، والله سبحانه وتعالى لم يزل مستولياً على الأشياء . والبيتان لا يعرف قائلها ، كذا قال ابن فارس اللغوي . ولو صحا لم [ يكن ] حجة فيها لما بينا من استيلاء من لم يكن مستولياً - نعوذ بالله من تعطيل الملحدة، وتشبيه المجسمة ! . قلت: فقد تأول قوله ( ثُمَّأُسْتَوَىَ إِلَى السَّمَآءِ). وأنكر تأويل ( ثُمَّأُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ). وهو في لفظ ((الإتيان)) قد ذكر القولين . فقال: قوله (أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِ ظُكَلٍ ) ، كان جماعة من السلف يمسكون عن مثل هذا. وقد ذكر القاضي أبو يعلى عن أحمد أنه قال : المراد به قدرته وأمره . قال : وقد بينه فى قوله ( أَوْيَأْتِىَ أَمْرُرَيِّكَ . ( ( قلت ) : هذا الذي ذكره القاضي وغيره أن حنبلا نقله عن ٤٠٤ أحمد في كتاب ((المحنة ، أنه قال ذلك فى المناظرة لهم يوم المحنة لما احتجوا عليه بقوله ((تجىء البقرة وآل عمران))، قالوا: والمجيء لا يكون إلا المخلوق. فعارضهم أحمد بقوله (وَجَاءَرَبُّكَ)، ( أَوْيَأْتِىَ رَبُّكَ ) ، وقال: المراد بقوله ((مجىء البقرة وآل عمران)): توابهما، كما فى قوله (وَجَآءَ رَبُّكَ ) : أمره وقدرته . وقد اختلف أصحاب أحمد فيما نقله حنبل . فإنه لا ريب أنه خلاف النصوص المتواترة عن أحمد فى منعه من تأويل هذا ، وتأويل النزول ، والاستواء ، ونحو ذلك من الأفعال . ولهم ثلاثة أقوال . قيل : إن هذا غلط من حنبل - انفرد به دون الذين ذكروا عنه المناظرة ، مثل صالح، وعبد الله، والمروذي ، وغيرهم . فإنهم لم يذكروا هذا، وحنبل ينفرد بروايات يغلطه فيها طائفة ، كالخلال وصاحبه . قال أبو إسحاق ابن شاقلا : هذا غلط من حنبل لا شك فيه . وكذلك نقل عن مالك رواية أنه تأول «ينزل إلى السماء الدنيا)» أنه ينزل أمره . لكن هذا من رواية حبيب كاتبه وهو كذاب باتفاقهم . وقد رويت من وجه آخر لكن الإسناد مجهول . والقول الثانى: قال طائفة من أصحاب أحمد : هذا قاله إلزاما للخصم ٤٠٥ على مذهبه لأنهم فى يوم المحنة لما احتجوا عليه بقوله ((تأتى البقرة وآل عمران)) أجابهم بأن معناه: يأتى ثواب البقرة وآل عمران، كقوله ( أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ) أى أمره وقدرته، على تأويلهم، لا أنه يقول بذلك. فإن مذهبه ترك التأويل . والقول الثالث : أنهم جعلوا هذا رواية عن أحمد ، وقد يختلف كلام الأئمة فى مسائل مثل هذه، لكن الصحيح المشهور عنه رد التأويل. وقد ذكر الروايتين ابن الزاغونى وغيره، وذكر أن ترك التأويل هي الرواية المشهورة المعمول عليها عند عامة المشايخ من أصحابنا . ورواية التأويل فسر ذلك بالعمد والقصد، لم يفسره بالأمر والقدرة كما فسروا ( ثُمَّاسْتَوَىَّ إِلَى السَّمَاءِ). فعلى هذا فى تأويل ذلك - إذا قيل به - وجهان . وابن الزاغونى ، والقاضى أبو يعلى، ونحوهما ، وإن كانوا يقولون بإحرار المجيء والإتيان على ظاهره ، فقولهم فى ذلك من جنس قول ابن كلاب ، والأشعرى . فإنه أيضاً يمنع تأويل النزول والإتيان والمجيء ، ويجعله من الصفات الخبربة ، ويقول : إن هذه الأفعال لا تستلزم الأجسام ، بل يوصف بها غير الأجسام. وكلام ابن الزاغونى فى ٤٠٦ هذا النوع، وفي استواء الرب على العرش هو موافق لقول أبى الحسن نفسه . هذا قولهم فى الصفات الخبرية الواردة فى هذه الأفعال . وأما علو الرب نفسه فوق العالم فعند ابن كلاب أنه معلوم بالعقل، كقول أكثر المثبتة، كما ذكر ذلك الخطابى ، وابن عبد البر ، وغيرهما. وهو قول ابن الزاغونى، وهو آخر قولي القاضي أبي يعلى، وكان القاضي أولا يقول بقول الأشعرى : إنه من الصفات الخبرية. وهذا قول القاضي أبى بكر ، والبيهقي ، ونحوهما . وأما أبو المعالي الجوينى وأتباعه فهؤلاء خالفوا الأشعرى وقدماء أصحابه في الصفات الخبرية ، فلم يثبتوها . لكن منهم من نفاها فتأول الاستواء بالاستيلاء ، وهذا أول قولي أبى المعالي؛ ومنهم من توقف فى إثباتها ونفيها، كالرازى، والآمدى. وآخر قولي أبى المعالي المنح من تأويل الصفات الخبرية ، وذكر أن هذا إجماع السلف ، وأن التأويل لو كان مسوغاً، أو محتوما لكان اهتمامهم به أعظم من اهتمامهم بغيره. فاستدل بإجماعهم على أنه لا يجوز التأويل ، وجعل الوقف التام على ٤٠٧ ) . ذكر ذلك فى ((النظامية فى قوله (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ: إِلَّا اللَّهُ الأركان الإسلامية)). وهذه طريقة عامة المنتسبين إلى السنة - يرون التأويل مخالفاً لطريقة السلف . وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع، وذكر لفظ ((التأويل)) وما فيه من الإجمال، والكلام على قوله (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ: إِلَّا اللّهُ ) ، وأن كلا القولين حق . فمن قال: لا يعلم تأويله إلا اللّه، فأراد به ما يؤول إليه الكلام من الحقائق التى لا يعلمها إلا الله . ومن قال: إن الراسخين فى العلم يعلمون التأويل ، فالمراد به تفسير القرآن الذي بينه الرسول والصحابة . وإنما الخلاف فى لفظ ((التأويل)) على المعنى المرجوح، وأنه حمل اللفظ على الاحتمال المرجوح دون الراجح لدليل يقترن به . فهذا اصطلاح متأخر ، وهو التأويل الذي أنكره السلف والأئمة - تأويلات أهل البدع . وكذلك يقول أحمد فى ((رده على الجهمية)) : الذين تأولوا القرآن على غير تأويله . وقد تكلم أحمد على متشابه القرآن وفسره كله . ٤٠٨ ومنه تفسير متفق عليه عند السلف ، ومنه تفسير مختلف فيه . وقد ذكر الجد أبو عبد الله فى تفسيره من جنس ما ذكره البغوي ، لا من جنس ما ذكره ابن الجوزي، فقال : أما الإتيان المنسوب إلى الله فلا يختلف قول أئمة السلف، كمكحول والزهري . والأوزاعى، وابن المبارك، وسفيان الثوري، والليث ابن سعد ، ومالك بن أنس ، والشافعي، وأحمد ، وأتباعهم، أنه يمر كما جاء . وكذلك ما شاكل ذلك مما جاء فى القرآن ، أو وردت به السنة، كأحاديث النزول ، ونحوها . وهي طريقة السلامة ومنهج أهل السنة والجماعة - يؤمنون بظاهرها، ويكلون علمها إلى الله، ويعتقدون أن الله منزه عن سمات الحدث . على ذلك مضت الأئمة خلفاً بعد سلف ، كما قال تعالى (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ: إِلَّ اللَّهُ وَالرَّسِخُونَ فِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ). وقال ابن السائب في قوله ( أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ ) : هذا من المكتوم الذي لا يفسر ، وذكر ما يشبه كلام الخطابى فى هذا. فإن قيل ((كيف يقع الإيمان بما لا يحيط من يدعى الإيمان به علما بحقيقته؟))، فالجواب: كما يصح الإيمان بالله، ٤٠٩ وملائكته، وكتبه ، ورسله، واليوم الآخر، والنار والجنة ومعلوم أنا لا نحيط علما بكل شيء من ذلك على جهة التفصيل ، وإنما كلفنا الإيمان بذلك فى الجملة . ألا ترى أنا لا نعرف عدة من الأنبياء وكثيراً من الملائكة ، ولا نحيط بصفاتهم ، ثم لا يقدح ذلك فى إيماننا بهم؟ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فى صفة الجنة: يقول الله تعالى ((أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر )) . ( قلت ) : لا ريب أنه يجب الإيمان بكل ما أخبر به الرسول وتصديقه فيما أخبر به ، وإن كان الشخص لم يفقه بالعربية ما قال ولا فهم من الكلام شيئاً، فضلا عن العرب . فلا يشترط فى الإيمان المجمل العلم بمعنى كل ما أخبر به ؛ هذا لا ريب فيه . فكل من اشتبه عليه آية من القرآن ولم يعرف معناها وجب عليه الإيمان بها، وأن يكل علمها إلى الله فيقول ((الله أعلم)). وهذا متفق عليه بين السلف والخلف. فما زال كثير من الصحابة يمر بآية ولفظ لا يفهمه فيؤمن به وإن لم يفهم معناه . لكن هل يكون فى القرآن مالا يفهمه أحد من الناس . بل ولا الرسول ، عند من يجعل التأويل هو ((معنى الآية)) ويقول : إنه لا ٤١٠ يعلمه إلا الله ؟ فيلزم أن يكون في القرآن كلام لا يفهمه لا الرسول ، ولا أحد من الأمة، بل ولا جبريل . هذا هو الذي يلزم على قول من يجعل معانى هذه الآيات لا يفهمه أحد من الناس . وليس هذا بمنزلة ما ذكر فى الملائكة ، والنبيين ، والجنة . فانا قد فهمنا الكلام الذي خوطبنا به ، وأنه يدل على أن هناك نعيماً لا نعلمه . وهذا خطاب مفهوم ، وفيه إخبارنا أن من المخلوقات ما لا نعلمه . وهذا حق ، کقوله ) ، وقوله لما ( وَمَا يَعْلَمُ جُودَ رَيِّكَ إِلَّهُوَ سألوه عن الروح (وَمَا أُوتِتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ) . فهذا فيه إخبارنا بأن الله مخلوقات لا نعلمها، أو نعلم جنسهم ولا نعلم قدرم، أو نعلم بعض صفاتهم دون بعض . وكل هذا حق ، لكن ليس فيه أن الخطاب المنزل الذي أمرنا بتدبره لا يفقه ولا يفهم معناه لا الرسول ولا المؤمنون . فهذا هو المنكر الذي أنكره العلماء. فإن اللّه قال (إِنَّا جَعَلْتَهُ قُرْءَ نَّا عَرَبِيًا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)، وقال ( أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) وقال ( أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْالْقَوْلَ)، وقال (خََّ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُوا ◌ْلِلَّذِينَ . ( أُوتُواْلِلَْ مَاذَا قَالَ مَائِقً أُوْلَكَ الَّذِينَ طَبَعَاَلَّهُ عَلَى قُلُوِمْ وفرق بين ما لم يخبر به أو أخبرنا ببعض صفاته دون بعض ــ فما ٤١١ لم يخبر به لا يضرنا أن لا نعلمه - وبين ما أخبرنا به. وهو الكلام العربي الذي جعل هدى وشفاء للناس . وقال الحسن : ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم فيما أنزلت وما عنى بها . فكيف يكون فى مثل هذا الكلام ما لا يفهمه أحد قط ؟. وفرق بين أن يقال (( الرب هو الذي يأتي إتياناً يليق بجلاله)) أو يقال (( ما ندري، هل هو الذي يأتي أو أمره)). فكثير من لا يجزم بأحدهما ، بل يقول: اسكت ، فالسكوت أسلم . ولا ريب أنه من لم يعلم فالسكوت له أسلم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)). لكن هو يقول : إن الرسول وجميع الأمة كانوا كذلك ــ لايدرون هل المراد به هذا أو هذا ، ولا الرسول كان يعرف ذلك . فقائل هذا مبطل متكلم بما لا علم له به . وكان يسعه أن يسكت عن هذا - لا يجزم بأن الرسول والأئمة كلهم جهال يجب عليهم السكوت كما يجب عليه . ثم إن هذا خلاف الواقع . فأحاديث النبى صلى الله عليه وسلم وكلام السلف فى معنى هذه الآية ونظائرها كثير مشهور . لكن قال علي رضي الله عنه: (( حدثوا الناس بما يعرفون ، ودعوا ما ينكرون. أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟)). وقال ابن مسعود: ((ما من ٤١٢ رجل يحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم». وإذا قال : بل كان [ من ] السلف من يجزم بأن المراد هو إتيانه نفسه ، فهذا جزم بأنهم عرفوا معناها وبطلان القول الآخر - لم يكونوا ساكتين حيارى . ولا ريب أن مقدوره ومأموره مما يأتي أيضاً ، ولكن هو يأتي كما أخبر عن نفسه إتياناً يليق بجلاله. فإذا قيل : لا نعلم كيفية الاستواء ، كان هذا صحيحاً . وإذا كان الخطاب والكلام مما لا يفهم أحد معناه - لا الرسول ، ولا جبريل، ولا المؤمنون - لم يكن مما يتدبر ويعقل . بل مثل هذا عبث ، والله منزه عن العبث. ثم هذا يلزمهم فى الأحاديث، مثل قوله: (( ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء )) . أفكان الرسول يقول هذا الحديث ونحوه وهو لا يفقه ما يقول ولا يفهم له معنى ؟ سبحان الله! هذا بهتان عظيم، وقدح فى الرسول ، وتسليط للملحدين . إذا قيل إن نفس الكلام الذي جاء به قد كان لا يفهم معناه قالوا : فغيره من العلوم العقلية أولى أن لا يفهم معناه . والكلام إنما هو في صفات الرب ، فإذا قيل إن ما أنزل عليه من ٤١٣ صفات الرب لم يكن هو ولا غيره يفهمه ، وهو كلام أمي عربي ينزل عليه ، قيل : فالمعاني المعقولة في الأمور الإلهية أولى أن لايكون يفهمها. وحينئذ فهذا الباب لم يكن موجوداً في رسالته ، ولا يؤخذ من جهته - لا من جهة السمع، ولا من جهة العقل . قالت الملاحدة : فيؤخذ من طريق غيره . فإذا قال لهم هؤلاء : هذا غير ممكن لأحد ، منعوا ذلك وقالوا : إنما في القرآن أن ذلك الخطاب لا يعلم معناه إلا الله . لكن من أين لكم أن الأمور الإلهية لا تعلم بالأدلة العقلية التى يقصر عنها البيان بمجرد الخطاب والخبر؟ والملاحدة يقولون : إن الرسل خاطبت بالتخييل ، وأهل الكلام يقولون : بالتأويل ، وهؤلاء الظاهرية يقولون : بالتجهيل . وقد بسط الكلام على خطأ الطوائف الثلاث ، وبين أن الرسول قد أتى بغاية العلم والبيان الذي لا يمكن أحداً من البشر أن يأتي بأكمل مما جاء به - صلى الله عليه وسلم تسليما. فأكمل ما جاء به القرآن ، والناس متفاوتون فى فهم القرآن تفاوتاً عظيما . وقول ابن السائب : إن هذا من المكتوم الذي لا يفسر ، يقتضي أن له تفسيراً يعلمه العلماء ويكتمونه . ٤١٤ وهذا على وجهين . إما أن يريد أنه يكتم شيء مما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم عن جميع الناس فهذا من الكتمان المجرد الذي نم اللّه عليه. وهذه حال أهل الكتاب . وعاب الذين يكتمون ما بينه للناس من البينات والهدى من بعد ما بينه للناس فى الكتاب . وقال (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن كَتَمَ شَهَدَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ ). وهذه حال أهل الكتاب فى كتمان ما فى كتابهم من الألفاظ يتأولها بعضهم، ويجعلها بعضهم متشابها . وهي دلائل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك . فإن ألفاظ التوراة والإنجيل وسائر كتب الأنبياء - وهي بضع وعشرون كتابا عند أهل الكتاب - لا يمكنهم جحد ألفاظها ، لكن يحرفونها بالتأويل الباطل ، ويكتمون معانيها الصحيحة عن عامتهم ، كما قال تعالى (وَمِنْهُمْ أُمُِّّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ إِلَّ أَمَانِىَّ). فمن جعل أهل القرآن كذلك ، وأحرم أن يكونوا فيه أميين لا يعلمون الكتاب إلا تلاوة ، فقد أمرم بنظير ما ذم اللّه عليه أهل الكتاب . وصبيغ بن عسل التميمي إنما ضربه عمر لأنه قصد باتباع المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله. وهؤلاء الذين عابهم الله فى كتابه لأهم ٤١٥ جمعوا شيئين - سوء القصد، والجهل . فهم لا يفهمون معناه ويريدون أن يضربوا كتاب الله بعضه ببعض ليوقعوا بذلك الشبهة والشك. وفي الصحيح عن عائشة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سماع الله فاحذروم)). فهذا فعل من يعارض النصوص بعضها ببعض ليوقع الفتنة . وهي الشك والريب - في القلوب، كما روى أنه خرج على القوم وم يتجادلون في القدر ، هؤلاء يقولون: ألم يقل الله كذا ؟، وهؤلاء يقولون: ألم يقل الله كذا ؟ فكأنما فقى فى وجهه حب الرمان ، ثم قال: ((أبهذا أمرتم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟ انظروا ما أمرتم به فافعلوه )). فكل من اتبع المتشابه على هذا الوجه فهو مذموم . وهو حال من يريد أن يشكك الناس فيما علموه لكونه وإيامٍ لم يفهموا ماتوهموا أنه يعارضه . هذا أصل الفتنة - أن يترك المعلوم لغير معلوم، كالسفسطة التى تورث شبها يقدح بها فيما علم وتيقن . فهذه حال من يفسد قلوب الناس وعقولهم بإفساد ما فيها من العلم والعمل - أصل الهدى ، فإذا شككهم فيما علموه بقوا حيارى . والرسول صلى الله عليه وسلم قد أتى بالآيات البينات الدالة على ٤١٦ صدقه ، والقرآن فيه الآيات المحكمات اللاتى هي أم الكتاب قد على معناها وعلم أنها حق ، وبذلك يهتدي الخلق وينتفعون . فمن اتبع المتشابه ابتغى الفتنة وابتغى تأويله ـ والأول قصدم فيه فاسد ، والثانى ليسوا من أهله ، بل يتكلمون فى تأويله بما يفسد معناه إذ كانوا ليسوا من الراسخين فى العلم . وإنما الراسخ فى العلم الذي رسخ في العلم بمعنى المحكم ، وصار ثابتا فيه لا يشك ولا يرتاب فيه بما يعارضه من المتشابه ، بل هو مؤمن به ، قد يعلم تأويل المتشابه . وأما من لم يرسخ فى ذلك بل إذا عارضه المتشابه شك فيه فهذا يجوز أن يراد بالمنشابه ما يناقض الحكم، فلا يعلم معنى المتشابه ، إذ لم يرسخ في العلم بالحكم . وهو يبتغي الفتنة فى هذا وهذا . فهذا يعاقب عقوبة تردعه ، كما فعل عمر بصبيخ . وأما من قصده الهدى والحق فليس من هؤلاء . وقد كان عمر يسأل ويسأل عن معانى الآيات الدقيقة ، وقد سأل أصحابه عن قوله (إِذَاجَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ)، فذكروا ظاهر لفظها . ولما فسرها ابن عباس بأنها إعلام النبي صلى الله عليه وسلم بقرب وفاته قال: ما أعلم منها إلا ما تعلم . ٤١٧ وهذا باطن الآية الموافق لظاهرها . فإنه لما أمر بالاستغفار عند ظهور الدين ، والاستغفار يؤمر به عند ختام الأعمال ، وبظهور الدين حصل مقصود الرسالة ، علموا أنه إعلام بقرب الأجل مع أمور أخر ، وفوق كل ذي علم عليم . والاستدلال على الشىء بملزوماته . والشىء قد يكون له لازم، وللازمه لازم ، وهلم جرا . فمن الناس من يكون أفطن بمعرفة اللوازم من غيره يستدل بالملزوم على اللازم . ومن الناس من لا يتصور اللازم، ولو تصوره لم يعرف الملزوم ، بل يقول : يجوز أن يلزم ، ويجوز أن لا يلزم ؛ ويحتمل، ويحتمل . وتردد الاحتمال هو من عدم العلم ، وإلا فالواقع هو أحد أمرين . حيث كان احتمال بلا ترجيح كان لعدم العلم بالواقع وخفاء دليله ، وغيره قد يعلم ذلك ويعلم دليله . ومن ظن أن ما لا يعلمه هو لا يعلمه غيره كان من جهله . فلا ينفي عن الناس إلا ما علم انتفاؤه عنهم، وفوق كل ذي علم عليم أعلم منه، حتى ينتهى الأمر إلى الله تعالى. وهذا قد بسط فى مواضع . ثم إنهم يقولون : المأثور عن السلف هو السكوت عن الخوض فى ٤١٨ تأويل ذلك ، والمصير إلى الإيمان بظاهره ، والوقوف عن تفسيره ، لأنا قدنهينا أن نقول فى كتاب الله برأينا، ولم ينبهنا الله ورسوله على حقيقة معنى ذلك . فيقال : أماكون الرجل يسكت عما لا يعلم فهذا مما يؤمر به كل أحد . لكن هذا الكلام يقتضى أنهم لم يعلموا معنى الآية وتفسيرها وتأويلها . وإذا كان لم يتبين لهم فمضمونه عدم علمهم بذلك ، وهو كلام شاك لا يعلم ما أريد بالآية . ثم إذا ذكر لهم بعض التأويلات كتأويل من يفسره بإتيان أمره وقدرته أبطلوا ذلك بأن هذا يسقط فائدة التخصيص . وهذا نفي للتأويل وإبطال له . فإذا قالوا مع ذلك ( وَمَايَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّ اللَّهُ ) أثبتوا تأويلا لا يعلمه إلا الله وهم ينفون جنس التأويل . ونقول ما الحامل على هذا التأويل البعيد؟ وقد أمكن بدونه أن ثبت إتيانا ومجيئاً لا يعقل كما يليق به ، كما أثبتنا ذاتاً لها حقيقة لا تعقل وصفات من سمع وبصر وغير ذلك لا تعقل. ولأنه إذا جاز تأويل هذا وأن نقدر مضراً محذوفا من قدرة أو عذاب ونحو ذلك ، فما منعكم من تأويل قوله (( ترون ربكم، كذلك ؟ . ٤١٩ وهذا كلام فى إبطال التأويل وحمل للفظ على ما دل عليه ظاهره على ما يليق بجلال الله . فإذا قيل مع هذا: إن له تأويلا لا يعلمه إلا الله وأريد بالتأويل هذا الجنس كان تناقضاً . كيف ينفي جنس التأويل ويثبت له تأويل لا يعلمه إلا الله . فعلم أن التأويل الذي لا يعلمه إلا الله لا يناقض حمله على ما دل عليه اللفظ ، بل هو أمر آخر يحقق هذا ويوافقه لا يناقضه ويخالفه كما قال مالك : الاستواء معلوم والكيف مجهول . وإذا كان كذلك أمكن أن من العلماء من يعلم من معنى الآية ما يوافق القرآن لم يعلمه غيره ، ويكون ذلك من تفسيرها . وهو من التأويل الذي يعلمه الراسخون في العلم ، كمن يعلم أن المراد بالآية مجيء الله قطعاً لاشك فى ذلك لكثرة مادل عنده على ذلك. ويعلم مع ذلك أنه العلى الأعلى يأتى إنياناً تكون المخلوقات محيطة به وهو تحتها . فإن هذا مناقض لكونه العلي الأعلى . والجد الأعلى أبو عبد الله- رحمه الله - قد جرى فى تفسيره على ما ذكر من الطريقة . وهذه عادته وعادات غيره . ٤٢٠