Indexed OCR Text

Pages 261-280

يعلمها المستدل . والمقصود بيان دلالة الناس وهدايتهم ، وهم كلهم يعلمون
أن الناس يخلقون من العلق .
فأما خلق آدم من طين فذاك إنما علم بخبر الأنبياء ، أو بدلائل
أخر . ولهذا ينكره طائفة من الكفار - الدهرية وغيرهم - الذين
لا يقرون بالنبوات.
وهذا بخلاف ذكر خلقه فى غير هذه السورة . فإن ذاك ذكره
لما يثبت النبوة ، وهذه السورة أول ما نزل ، وبها تثبت النبوة فلم
يذكر فيها ما علم بالخبر ، بل ذكر فيها الدليل المعلوم بالعقل والمشاهدة،
والأخبار المتواترة لمن لم ير العلق .
وذكر سبحانه خلق الإنسان من العلق - وهو جمع «علقة))،
وهي القطعة الصغيرة من الدم - لأن ما قبل ذلك كان نطفة ، والنطفة
قد تسقط في غير الرحم كما يحتلم الإنسان ، وقد تسقط في الرحم ثم
يرميها الرحم قبل أن تصير علقة . فقد صار مبدأ لخلق الإنسان ،
وعلم أنها صارت علقة ليخلق منها الإنسان .
(أَلَتَيَكُ
وقد قال فى سورة القيامة
نُطْفَّةً مِّن مَّنِ يُمْنَى * ثُمَ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * ◌َعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْنَ * أَلَيْسَ ذَلِكَبِقَدِرٍ
٢٦١

- فهنا ذكر هذا على إمكان النشأة الثانية
عَلَى أَنْ يُجْعِىَ المؤَّنَى)
( يَأَيُّهَا
التى تكون من التراب . ولهذا قال في موضع آخر
النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِ رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَكُمْمِنِ تُرَابٍ ثُمَّمِن نُطَفَةٍ
ففي القيامة استدل بخلقه من نطفة ، فإنه معلوم لجميع الخلق، وفي الحج
ذكر خلقه من تراب ، فإنه قد على بالأدلة القطعية . وذكر أول الخلق أدل
على إمكان الإعادة .
وأما هنا فالمقصود ذكر ما يدل على الخالق تعالى ابتداء فذكر
أنه خلق الإنسان من علق ، وهو من العلقة - الدم ، يصير مضغة ،
وهو قطعة لحم كاللحم الذي يمضغ بالفم ، ثم تخلق فتصور ، كما قال
تعالى ( ثُمَّمِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرٍ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ ) - فإن الرحم قد
يقذفها غير مخلقة . فبين للناس مبدأ خلقهم ، ويرون ذلك بأعينهم .
وهذا الدليل - وهو خلق الإنسان من علق - يشترك فيه جميع
الناس . فإن الناس م المستدلون ، وهم أنفسهم الدليل والبرهان والآية.
فالإنسان هو الدليل وهو المستدل، كما قال تعالى (وَفِ أَنْفُسِكُمْأَفَلاَ
تُبْصِرُونَ ) - وقال (سَنُرِيهِمْ ءَايَتِنَا فِ آَلَّفَاقِ وَفِى أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَّبَّنَ
لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ). وهذا كما قال فى آية أخرى (أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْشَىْءٍ أَتَّهُمُ
اُلْخَلِقُونَ)
٢٦٢

وهو دليل يعلمه الإنسان من نفسه ، ويذكره كما تذكر فى نفسه
وفيمن يراه من بني جنسه . فيستدل به على المبدأ والمعاد ، كما قال
تعالى: ( وَيَقُولُ اَلْإِنسَانُ أَءِ ذَا مَامِتُّ ◌َسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا * أَوَلَا يَذْكُرُ اُلْإِنسَنُ
أَنَّا خَلَقْتَهُ مِن قَبْلُ وَلَغْيَكُ شَيْئًا ) وقال تعالى (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ,
قَالَ مَن يُحِ الْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْبِيَهَا الَّذِى أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ
عَلِيمٌ )
وكذلك قال زكريا لما تعجب من حصول ولد على الكبر فقال
أَنَّى يَكُونُ لِ غُلَمٌ وَكَانَتِ آَمْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِعِنِيًّا*
)
قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّهَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَوْتَكُ شَيْئًا) ولم يقل
((إنه أهون عليه)) كما قال في المبدأ والمعاد (وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأْخَلْقَ
ثُمَّيُعِيدُهُ، وَهُوَ أَهْوَثُ عَلَيْهِ )
وقال سبحانه ( خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ) بعد أن قال (الَّذِى خَلَقَ ).
فأطلق الخلق الذي يتناول كل مخلوق ، ثم عين خلق الإنسان فكان
كل ما يعلم حدوثه داخلا فى قوله ( الَّذِى خَلَقَ )
وذكر بعد الخلق التعليم - الذي هو التعليم بالقلم ، وتعليم الإنسان
ما لم يعلم . خص هذا التعليم الذي يستدل به على إمكان النبوة .
ولم يقل هنا ((هدى))، فيذكر الهدى العام المتناول للإنسان
٢٦٣

( سَبِّحِ أَسْوَ
وسائر الحيوان ، كما قال في موضع آخر
رَبِّكَ اُلْأَعْلَى * الَّذِى خَلَقَ فَسَوََّى * وَالَّذِى قَذَّرَفَهَدَى) وكما قال موسى (رَبُّنَالَّذِىّ
لأن هذا التعليم الخاص يستلزم
أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّهَدَى )
الهدى العام ، ولا ينعكس . وهذا أقرب إلى إثبات النبوة ، فإن النبوة
نوع من التعليم .
وليس جعل الإنسان نبياً بأعظم من جعله العلقة إنساناً، حياً،
عالماً ، ناطقاً ، سميعاً ، بصيراً ، متكلما ، قد علم أنواع المعارف ؛ كما أنه
ليس أول الخلق بأهون عليه من إعادته . والقادر على المبدأ كيف لا
يقدر على المعاد ؟ والقادر على هذا التعليم كيف لا يقدر على ذاك التعليم
وهو بكل شيء عليم ، ولا يحيط أحد من علمه إلا بما شاء ؟
وقال سبحانه أولا (عَلَّ بِالْقَلَمِ )، فأطلق التعليم والمعلم، فلم يخص
نوعاً من المعلمين . فيتناول تعليم الملائكة وغيرهم من الإنس والجن ،
كما تناول الخلق لهم كلهم .
وذكر التعليم بالقلم لأنه يقتضي تعليم الخط ، والخط يطابق اللفظ
وهو البيان والكلام . ثم اللفظ يدل على المعانى المعقولة التى فى القلب
فيدخل فيه كل علم فى القلوب .
وكل شيء له حقيقة في نفسه ثابتة فى الخارج عن الذهن ، ثم
٢٦٤

يتصوره الذهن والقلب ، ثم يعبر عنه اللسان، ثم يخطه القلم . فله
وجود عيني ، وذهني ، ولفظي ، ورسمي - وجود في الأعيان ،
والأذهان ، واللسان ، والبنان . لكن الأول هو هو ، وأما الثلاث فإنها
مثال مطابق له . فالأول هو المخلوق ، والثلاثة معلمة . فذكر الخلق
(أَقْرَأْبِأَسِّ
والتعليم ليتناول المراتب الأربع ، فقال
رَبِكَ الَّذِى خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ * آقْوَرُّكَ الْأَكْرِمُ * الَّذِى عَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّم ◌َلْإِنْسَنَ
مَا لَمْ )
وقد تنازع الناس في الماهيات هل هي مجعولة أم لا ؟ وهل ماهية
كل شيء زائدة على وجوده ؟ كما قد بسط هذا فى غير هذا الموضع
وبين الصواب فى ذلك ، وأنه ليس إلا ما يتصور فى الذهن ، ويوجد
في الخارج .
فإن أريد بالماهية ما يتصور فى الذهن . وبالوجود ما في الخارج ،
أو بالعكس ، فالماهية غير الوجود إذا كان ما فى الأعيان مغايراً لما
فى الأذهان .
وإن أريد بالماهية ما فى الذهن ، أو الخارج ، أو كلاهما، وكذلك
بالوجود ، فالذي فى الخارج من الوجود هو الماهية الموجودة فى الخارج
وكذلك ما في الذهن من هذا هو هذا ، ليس في الخارج شيئان .
٢٦٥

وهو سبحانه علم ما فى الأذهان وخلق ما فى الأعيان ، وكلاهما
مجعول له . لكن الذي فى الخارج جعله جعلا خلقياً . والذي فى الذهن
جعله جعلا تعليمياً . فهو الذى ( خَلَقَ * خَلَقَ اُلْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ ) ، وهو
( الْأَكْرُ * الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عََّ الْإِنسَانَ مَا لَعَ ).
وقوله (عَلَّمَبِالْقَمِ ) يدخل فيه تعليم الملائكة الكاتبين، ويدخل
فيه تعليم كتب الكتب المنزلة . فعلم بالقلم أن يكتب كلامه الذى أزله
كالتوراة والقرآن ، بل هو كتب التوراة لموسى .
وكون محمد كان نبياً أمياً هو من تمام كون ما أتى به معجزاً
خارقا للعادة ، ومن تمام بيان أن تعليمه أعظم من كل تعليم ، كما قال
تعالى ( وَمَا كُنْتَ نَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ، مِنْ كِتَبٍ وَلَا تَمْعُهُ بِعِنِكَ إِذَا لََّرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ)
فغيره يعلم ما كتبه غيره ، وهو علم الناس ما يكتبونه ، وعلمه الله
ذلك بما أوحاه إليه.
وهذا الكلام الذى أنزل عليه هو آية وبرهان على نبوته ، فانه
( قُل لَِّنِ أَجْتَمَعَتِ الْإِنسُ
لا يقدر عليه الإنس والجن .
وَالْجِنُّ عَ أَنْ يَأْتُواْبِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْكَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا )
( أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَةٌ قُلْ فَأْتُواْبِسُورَةٍ مِثْلِهِ، وَأَدْعُواْ مَنِ أَسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللهِإِن كُ صَدِقِينَ)
وفي الآية الأخرى (فَأْتُواْبِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ، مُفْتَرَيَتٍ وَأَدْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن
٢٦٦

دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ * فَإِلَّْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُوْ اْأَنَّمَا أَنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْلََّ إِلَهَ
إِلَّهُوَّ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ)
فصل
وقد بسطنا في غير هذا الموضع طرق الناس في إثبات الصانع
والنبوة [و] أن كل طريق تتضمن ما يخالف السنة فإنها باطلة فى العقل كما
هي مخالفة للشرع .
والطريق المشهورة عند المتكلمين هو الاستدلال بحدوث الأعراض
على حدوث الأجسام .
وقد بينا الكلام على هذه في غير موضع ، وأنها مخالفة للشرع
والعقل . وكثير من الناس يعلم أنها بدعة فى الشرع ، لكن لا يعلم
فسادها فى العقل . وبعضهم يظن أنها صحيحة فى العقل والشرع ،
وأنها طريقة إبراهيم الخليل عليه السلام . وقد بين فساد هذا فى
غير موضع .
والمقصود هنا أن طائفة من النظار - مثبتة الصفات ــ أرادوا
٢٦٧

سلوك سبيل السنة ولم يكن عنده إلا هذه الطريق .
فاستدلوا بخلق الإنسان ، لكن لم يجعلوا خلقه دليلا كما في الآية ؛
بل جعلوه مستدلا عليه . وظنوا أنه يعرف بالبديهة والحس حدوث
أعراض النطفة . وأما جواهرها فاعتقدوا أن الأجسام كلها مركبة من
الجواهر المنفردة ، وأن خلق الإنسان وغيره إنما هو إحداث أعراض
فى تلك الجواهر بجمعها وتفريقها ، ليس هو إحداث عين .
فصاروا يريدون أن يستدلوا على أن الإنسان مخلوق . ثم إذا
ثبت أنه مخلوق قالوا : إن له خالقاً .
واستدلوا على أنه مخلوق بدليل الأعراض ، وأن النطفة والعلقة
والمضغة لا تنفك من أعراض حادثة . إذ كان عندهم جواهر تجمع تارة
وتفرق أخرى ، فلا تخلو عن اجتماع وافتراق ، وهما حادثان . فلم يخل
الإنسان عن الحوادث ، وما لم يخل من الحوادث فهو حادث لامتناع
حوادث لا أول لها .
وهذه هي الطريقة التى سلكها الأشعري فى ((اللمع فى الرد على أهل
البدع))، وشرحه أصحابه شروحا كثيرة. وكذلك فى ((رسالته إلى
أهل الثغر )). وذكر قوله تعالى ( أَقََّيْتُم مَّاتُمْنُونَ * ◌َأَنتُمْتَخْلُقُونَهُوَ أَمْ نَحْنُ
٢٦٨

اْخَلِقُونَ ) فاستدل على أن الإنسان مخلوق بأنه مركب من
الجواهر التى لا تخلو من اجتماع وافتراق ، فلم تخل من الحوادث ،
فهى حادثة .
وهذه الطريقة هي مقتضية من كون الأجسام كلها كذلك .
وتلك هي الطريقة المشهورة التى يسلكها الجهمية ، والمعتزلة ، ومن
اتبعهم من المتأخرين المنتسبين إلى المذاهب الأربعة وغيرهم من أصحاب
أبى حنيفة ، ومالك ، والشافعى ، وأحمد، كما ذكرها القاضي ، وابن
عقيل، وغيرهما. وذكرها أبو المعالي الجوينى، وصاحب ((التتمة))،
وغيرهما . وذكرها أبو الوليد الباجى ، وأبو بكر بن العربى ، وغيرهما.
وذكرها أبو منصور الماتريدي، والصابونى . وغيرهما .
لكن هؤلاء الذين استدلوا بخلق الإنسان فرضوا ذلك فى الإنسان
ظناً أن هذه طريقة القرآن . وطولوا في ذلك ودققوا حتى استدلوا على
كون عين الإنسان وجواهره مخلوقة ، لظنهم أن المعلوم بالحس وبديهة
العقل إنما هو حدوث أعراض ، لا حدوث جواهر . وزعموا أن
كل ما يحدثه الله من السحاب ، والمطر، والزرع، والثمر ، والإنسان
والحيوان ، فإنما يحدث فيه أعراضاً ، وهي جمع الجواهر التى كانت
موجودة وتفريقها .
٢٦٩

وزعموا أن أحداً لا يعلم حدوث غيره من الأعيان بالمشاهدة ، ولا
بضرورة العقل ، وإنما يعلم ذلك إذا استدل كما استدلوا . فقالوا : هذه
أعراض حادثة في جواهر ، وتلك الجواهر لم يخل من الأعراض لامتناع
خلو الجواهر من الأعراض .
ثم قالوا : وما لم يخل من الحوادث فهو حادث .
وهذا بنوه على أن الأجسام مركبة من الجواهر المنفردة التى لا تقبل
القسمة ، وقالوا : إن الأجسام لا يستحيل بعضها إلى بعض .
وجمهور العقلاء من السلف، وأنواع العلماء، وأكثر النظار ،
يخالفون هؤلاء فيما يثبتون من الجوهر الفرد ، ويثبتون استحالة الأجسام
بعضها إلى بعض ، ويقولون بأن الرب لا يزال يحدث الأعيان ، كما دل
على ذلك القرآن .
ولهذا كانت هذه الطريق باطلة عقلا وشرعاً ، وهي مكابرة للعقل.
فإن كون الإنسان مخلوقاً محدثاً كائناً بعد أن لم يكن أمر معلوم بالضرورة
لجميع الناس . وكل أحد يعلم أنه حدث فى بطن أمه بعد أن لم يكن،
وأن عينه حدثت كما قال تعالى (وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَوْتَكُ شَيْئًا)
( أَوَّلَا يَذْكُرُ اَلْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَهُ مِن قَبْلُ وَلَغْيَكُ شَيْئًا)
وقال تعالى
٢٧٠

ليس هذا مما يستدل عليه ، فإنه أبين وأوضح مما يستدل به عليه لو
كان صحيحاً . فكيف إذا كان باطلا .
وقولهم : إن الحادث أعراض فقط ، وإنه مركب من الجواهر
الفردة ، قولان باطلان لا يعلم صحتها . بل يعلم بطلانهما .
ويعلم حدوث جوهر الإنسان وغيره من المادة التى خلق منها ،
وهي العلق كما قال ( خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ ).
وكونه مركباً من جواهر فردة ليس صحيحاً. ولو كان صحيحاً لم
يكن معلوماً إلا بأدلة دقيقة لا تكون هي أصل الدين الذي هو
مقدمات أولية . فإن تلك المقدمات يجب أن تكون بينة أولية ،
معلومة بالبديهة .
فطريقهم تضمن جحد المعلوم ، وهو حدوث الأعيان الحادثة ،
وهذا معلوم للخلق ؛ وإثبات ما ليس بمعلوم ، بل هو باطل ؛ وأن
الإحداث لها إنما [هو ] جمع وتفريق للجواهر ، وأنه إحداث
أعراض فقط .
ولهذا كان استدلالهم بطريقة الجواهر والأعراض على هذا الوجه
مما أنكره عليهم أئمة الدين ، وبينوا أنهم مبتدعون فى ذلك ، بل
٢٧١

بينوا ضلالهم شرعاً وعقلا ، كما بسط كلام السلف والأئمة عليهم في غير
هذا الموضع ، إذ هو كثير .
( خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ
فالقرآن استدل بما هو معلوم للخلق من أنه
عَلَقٍ ). وهؤلاء جاءوا إلى هذا المعلوم فزعموا أنه غير معلوم ، بل
هو مشكوك فيه . ثم زعموا أنهم يذكرون الدليل الذي به بصير
معلوماً . فذكروا دليلا باطلا لا يدل على حدوثه ، بل يظن أنه
دليل وهو شبهة ، ولها لوازم فاسدة .
فأنكروا المعلوم بالعقل ، ثم الشرع ، وادعوا طريقاً معلومة بالعقل
وهي باطلة فى العقل ، والشرع . فضاهوا الذين قال الله فيهم ( لَوْ
كُنَانَسْمَعُ أَوْنَعْقِلُ مَكَِّ أَسْخَبِ السَّعِيرِ ).
وكذلك في إثبات النبوات وإمكانها ، وفى إثبات المعاد وإمكانه،
عدلوا عن الطريق الهادية - التى توجب العلم اليقيني التى هدى الله بها
عباده - إلى طريق تورث الشك والشبهة والحيرة . ولهذا قيل : غاية
المتكلمين المبتدعين الشك ، وغاية الصوفية المبتدعين الشطح .
ثم لها لوازم باطلة مخالفة للعقل والشرع ، فألزموا لوازمها التى
أوجبت لهم السفسطة فى العقليات ، والقرمطة فى السمعيات . وتكلموا
٢٧٢

فى دلائل النبوة والمعاد ، ودلائل الربوبية بأمور، وزعموا أنها أدلة
وهي عند التحقيق ليست بأدلة . ولهذا يطعن بعضهم فى أدلة بعض .
وإذا استدلوا بدليل صحيح فهو مطابق لما جاء به الرسول وإن
تنوعت العبارات .
ولهذا قد يستدل بعضهم بدليل - إما صحيح وإما غير صحيح -
فيطعن فيه آخر ، ويزعم أنه يذكر ما هو خير منه ، ويكون الذي
بذكره دون ما ذكره ذاك . وهذا يصيهم كثيراً فى الحدود - يطعن
هؤلاء فى حد هؤلاء ، ويذكرون حداً مثله أو دونه .
وتكون الحدود كلها من جنس واحد ، وهي صحيحة إذا أريد بها
التمييز بين المحدود وغيره . وأما من قال : إن الحدود تفيد تصوير
ماهية المحدود ، كما يقوله أهل المنطق ، فهولاء غالطون ضالون ، كما
قد بسط هذا في غير هذا الموضع . وإنما الحد معرف للمحدود ،
ودليل عليه ، بمنزلة الاسم ، لكنه يفصل ما دل عليه الاسم بالإجمال .
فهو نوع من الأدلة ، كما قد بسط هذا في غير هذا الموضع .
إذ المقصود هنا التنبيه على الفرق بين الطريق المفيد للعلم واليقين
- كالتى بينها القرآن - وبين ما ليس كذلك من طرق أهل البدع الباطلة
شرعاً وعقلا .
٢٧٣

فصل
وهؤلاء الذين بنوا أصل دينهم على طريقة الأعراض والاستدلال
بها على حدوث الأجسام اضطربوا كثيراً ، كما قد بسط في مواضع .
ولا بد لكل منهم مع مخالفته للشرع المنزل من السماء إلى أن يخالف
أيضاً صريح العقل ويكابر ، فيكون ممن لا يسمع ولا يعقل .
فإن القول له لوازم ، فإذا كان باطلا فقد يستلزم أموراً باطلة
ظاهرة البطلان ، وصاحبه يريد إثبات تلك اللوازم ، فيظهر مخالفته
للحس والعقل.
كالذين أثبتوا الجواهر المنفردة وقالوا إن الحركات في نفسها لاتنقسم
إلى سريع وبطيء ، إذ كانت الحركة عنده منقسمة كانقسام المتحرك ،
وكذلك الزمان وأجزاء الزمان . والحركة والمتحرك عندهم واحد لا ينقسم
فإذا كان المتحركان سواء وحركة أحدهما أسرع قالوا : إنما ذلك لتخلل
السكنات . وادعوا أن الرحا والدولاب وكل مستدير إذا محرك فإن
زمان حركة المحيط والطوق الصغير واحد مع كثرة أجزاء المحيط، فيجب
أن تكون حركتها أكثر، فيكون زمانها أكثر ، وليس هو بأكثر؛
٢٧٤

فادعوا أنها تنفك ثم تتصل . وهذه مكابرة من جنس ((طفرة النظام)).
وكذلك الذين قالوا بأن العرض لا يبقى زمانين خالفوا الحس وما
يعلمه العقلاء بضرورة عقولهم . فإن كل أحد يعلم أن لون جسده الذي
كان لحظة هو هذا اللون. وكذلك لون السماء ، والجبال ، والخشب
والورق ، وغير ذلك .
ومما ألجأهم إلى هذا ظنهم أنها لو كانا باقيين لم يمكن إعدامها .
فإنهم حاروا فى إفناء اللّه الأشياء إذا أراد أن يفنيها، كما حاروا فى
إحداثها . وحيرتهم فى الإفناء أظهر . هذا يقول : يخلق فناء لا في
محل ، فيكون ضداً لها ، فتفى بضدها . وهذا يقول : يقطع عنها
الأعراض مطلقاً ، أو البقاء الذي لا تبقى إلا به ، فيكون فناؤها
لفوات شرطها .
ومن أسباب ذلك ظنهم، أو ظن من ظن منهم ، أن الحوادث
لا تحتاج إلى الله إلا حال إحداثها، لا حال بقائها، وقد قالوا إنه قادر
على إفنائها . فتكلفوا هذه الأقوال الباطلة .
وهؤلاء لا يحتجون على بقاء الرب بافتقار العالم إليه ، بل بأنه
قديم ، وما وجب قدمه امتنع عدمه . وإلا فالباقي حال بقائه لا يحتاج
إلى الرب عنده .
٢٧٥
٠

وهؤلاء شر من الذين سألوا موسى : هل ينام ربك ؟ فضرب الله
لهم المثل بالقارورتين لما أرق موسى ليالي ، ثم أمره بإمساك القارورنين
فلما أمسكها غلبه النوم فتكسرنا . فبين الله له لو أخذته سنة أو نوم
لتدكدك العالم .
وعلى رأي هؤلاء لو أخذته سنة أو نوم لم يعدم الباقى . لكن منهم
من يقول : هو محتاج إلى إحداث الأعراض متوالية ، لأن العرض عنده
لا يبقى زمانين . فمن هذا الوجه يقول : إذ لو أخذته سنة أو نوم لم
تحدث الأعراض التي تبقى بها الأجسام ، لا لأن الأجسام في نفسها
مفتقرة إليه فى حال بقائها عنده .
وكذلك يقولون: إن الإرادة لا تتعلق بالقديم ، ولا بالباقي .
وكذلك القدرة عندم لا تتعلق بالباقي ، ولا العجز يصح أن يكون عجزاً
عن الباقى والقديم عندم . لأن العجز عندم إنما يكون عجزاً عما نصح
القدرة عليه .
وهؤلاء يقولون : علة الافتقار إلى الخالق مجرد الحدوث . وآخرون
من المتفلسفة يقولون : هو مجرد الإمكان ، ويدعون أن القديم الأزلي
الذي لم يزل ولا يزال هو مفتقر إلى الصانع . فهذا يدعى أن الباقي
المحدث لا يفتقر ، وهذا يدعي أن الباقي القديم يفتقر . وكلا القولين
٢٧٦

فاسد ، كما قد بسط في مواضع .
والحق أن كل ما سوى الله حادث، وهو مفتقر إليه دائماً . وهو
يبقيه ويعدمه ، كما ينشئه ويحدثه ، كما يحدث الحوادث من التراب وغيره
ثم يفنيها ويحيلها إلى التراب وغيره.
وهؤلاء ادعى كثير منهم أن كل ما سوى الله يعدم ثم يعاد.
وبعضهم قال : هذا ممكن ، لكنه موقوف على الخبر، والخبر لم يتعرض
لذلك بنفي ولا إثبات . وهذا هو المعاد عندم .
وهذا لم يأت به كتاب ولا سنة ، ولا دل عليه عقل . بل الكتاب
والسنة يبين أن اللّه يحيل العالم من حال إلى حال ، كما يشق السماء،
ويجعل الجيال كالعهن، ويكور الشمس، إلى غير ذلك مما أخبر الله
في كتابه - لم يخبر أن جميع الأشياء تعدم ثم تعاد .
ثم منهم من يقول : إنها تعدم بعد ذلك لامتناع وجود حوادث
لا آخر لها ، كما تقوله الجهمية. وهذا مما أنكره عليهم السلف والأئمة،
كما قد ذكر في غير هذا الموضع .
وهؤلاء إنما قالوا هذا طرداً لقولهم بامتناع دوام جنس الحوادث ،
وقالوا : ماوجب أن يكون له ابتداء وجب أن يكون له انتهاء ، كما قد
بسط هذا وبين فساد هذا الأصل .
٢٧٧

فصل
وهو سبحانه تارة يذكر خلق الإنسان مجملا ، ونارة يذكره
مفصلا، كقوله ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنِ سُلَلَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَهُ نُطْفَةً فِى
قَرَارِمَّكِينٍ
ثُزَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ
عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَمَ لَحْمَا تُوَّأَ نشَأْنَهُ خَلْقَا ءَاخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِفِينَ ). ثم
ذكر المعادين الأصغر والأكبر، فقال (ثُمَّإِنَّكُم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَنْتُونَ * ثُمَّ
إِنَّكُمْيَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ ) .
ومن الناس من يقول : لم دخلت لام التوكيد فى الموت وهو
مشاهد ، ولم تدخل فى البعث وهو غيب فيحتاج إلى التوكيد ؟ وذلك
- والله أعلم - أن المقصود بذكر الموت والبعث هو الإخبار بالجزاء
والمعاد ، وأول ذلك هو الموت . فنبه على الإيمان بالمعاد ، والاستعداد
لما بعد الموت .
وهو إنما قال «تبعثون)) فقط، ولم يقل ((تجازون))، لكن قد
على أن البعث للجزاء .
وأيضا ، ففيه تنبيه على قهر الإنسان وإذلاله . يقول : بعد هذا
٢٧٨

كله إنك تموت ، فترد إلى أسفل سافلين ، إلا الذين آمنوا وعملوا
الصالحات، كما قال ( لَقَدْ خَلَقْنَا ◌ْإِنْسَنَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّرَدَدْتَهُ أَسْفَلَ سَفِلِينَ
: إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرٌمَنُونٍ).
وهذا الرد هو بالموت . فإنه يصير فى أسفل سافلين ، إلا الذين
آمنوا وعملوا الصالحات، كما قال (كَلََّ إِنَّكِتَبَ الْفُجَّارِلَفِينٍ ) وقال
( إِنَّكِتَبَ اْأَبْرَارِ لَفِىِ عِلِّينَ ).
وفى قوله ( أَسْفَلَ سَفِلِينَ ) قولان . قيل : الهرم . وقيل:
العذاب بعد الموت ، وهذا هو الذي دلت عليه الآية قطعا . فإنه جعله
فى أسفل سافلين إلا المؤمنين . والناس نوعان : فالكافر بعد الموت
يعذب في أسفل سافلين ، والمؤمن فى عليين .
وأما القول الأول ففيه نظر . فإنه ليس كل من سوى المؤمنين
يهرم فيرد إلى أسفل سافلين . بل كثير من الكفار يموت قبل الهرم،
وكثير من المؤمنين يهرم ، وإن كان حال المؤمن فى الهرم أحسن حالا
من الكافر ، فكذلك فى الشباب حال المؤمن أحسن من حال الكافر
فجعل الرد إلى أسفل سافلين في آخر العمر وتخصيصه بالكفار ضعيف.
ولهذا قال بعضهم إن الاستثناء منقطع على هذا القول ، وهو أيضا
٢٧٩

ضعيف . فإن المنقطع لا يكون فى الموجب ، ولو جاز هذا لجاز لكل
أحد أن يدعى فى أي استثناء شاء أنه منقطع . وأيضا فالمنقطع لا يكون
الثاني منه بعض الأول ، والمؤمنون بعض نوع الإنسان .
وقد فسر ذلك بعضهم ـ على القول الأول - بأن المؤمن يكتب
له ما كان يعمله إذا عجز. قال إبراهيم النخعي : إذا بلغ المؤمن من
الكبر ما يعجز عن العمل كتب الله له ما كان يعمل ، وهو قوله
( فَلَهُمْ أَجْرٌ غَ مَنُونٍ ). وقال ابن قتيبة: المعنى ( إِلَّا الَّذِينَءَامَنُواْ)
في وقت القوة والقدرة فإنهم فى حال الكبر غير منقوصين وإن عجزوا
عن الطاعات . فإن الله يعلم لو لم يسلبهم القوة لم ينقطعوا عن أفعال الخير
فهو يجري لهم أجر ذلك .
فيقال : وهذا أيضاً ثابت فى حال الشباب إذا عجز الشاب لمرض
أو سفر ، كما فى الصحيحين عن أبى موسى ، عن النبى صلى الله عليه
وسلم قال: (( إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له من العمل ما كان
يعمل وهو صحيح مقيم)).
وفسره بعضهم بما روى عن ابن عباس أنه قال : من قرأ القرآن
فإنه لا يرد إلى أرذل العمر . فيقال: هذا مخصوص بقارئ القرآن ،
والآية استثنت الذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء قرأوا القرآن أو لم
٢٨٠