Indexed OCR Text

Pages 201-220

فالصدقة من تمام طهرة الصوم . وكلاهما تزك متقدم على صلاة العيد.
فجمعت هاتان الكلمتان الترغيب فيما أمر الله به من الإيمان
والعمل الصالح. وفى قوله: (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَوَةَ الذُّنْيَاَ * وَاُلْآَخِرَةُ خَيَّرٌ
وَأَبْقَىَ ) الإيمان باليوم الآخر .
وهذه الأصول المذكورة فى قوله: (إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُوا
وَالنَّصَرَى وَالصَِّينَ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِ وَعَمِلَ صَلِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ
رَبِّهِمْ وَلَاخَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ ).
وقال: (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى* صُحُفٍ إَِّهِيمَ وَمُوسَى).
وقال: أيضاً (أَفَرَءَيْتَ الَّذِى تَوَلَّى * وَأَعْطَى قَلِلًا وَأَكْدَى * أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ
يَرَّ * أَ لَمْ يُكَتَّأَبِمَا فِ صُحُفٍ مُوسَى * وَإِبْرَهِيمَ اُلَّذِى وَقَّ * أَلَّانَزُِّ وَازِرَةٌ وِزْرَأُ خْرَى
وَأَن ◌َّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلََّ مَاسَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّيُجْزَنُهُ الْجَزَآءَ
اُلْأَوْنَی )
وأيضاً ، فإن إبراهيم صاحب الملة وإمام الأمة . قال الله تعالى:
( ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَِّعْ مِلَّةَ إِبْزَهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ )
وقال: (وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إِبْرَهِمَ إِلََّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ). وقال: (وَمَنْ
أَحْسَنُ دِينًاً مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ، لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَأَتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفًا)
٢٠١

وقال: (إِنَّإِثْزَهِيوَ كَانَ أُمَّةً قَانِتَالِلّهِ حَنِيفًا ) وقال (إِنِى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ
إِمَامًا )
وموسى صاحب الكتاب والكلام والشريعة ، الذي لم ينزل من
السماء كتاب أهدى منه ومن القرآن .
ولهذا قرن بينهما في مواضع، كقوله: (قُلْ مَنْ أَنزَلَ اُلْكِتَبَ الَّذِى جَآءَ
بِهِ مُوسَى فُورًا - إلى قوله - وَهَذَا كِتَبُّ أَنَزَلْنَهُ مُبَارَكٌ)
وقوله (قَالُواْسِحْرَانِ - إلى قوله - قُلْ فَأَنُواْبِكِنَبٍ مِنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ
وقول الجن : (إِنَّا سَمِعْنَا كِتَبَا أَنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى
أَهْدَىِمِنْهُمَاأَتَّبِعْهُ )
وقوله : ( قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ،
مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيِّهِ )،
- وقول
وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِىِّ إِسْرَّهِيلَ عَلَى مِثْلِهِ )
النجاشى (( إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة)).
وقيل في موسى: (وَكَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) وفي إبراهيم (وَأَنَّخَذَ
اُللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) وأصل الخلة عبادة الله وحده، والعبادة غاية الحب
والذل . وموسى صاحب الكتاب والكلام .
ولهذا كان الكفار بالرسل ينكرون حقيقة خلة إبراهيم
وتكليم موسى .
ولما نبغت البدع الشركية في هذه الأمة أنكر ذلك الجعد بن درم
٢٠٢

فقتله المسلمون لما ضحى به أمير العراق خالد بن عبد الله وقال: ((ضحوا
تقبل الله ضحاياكم ! فإنى مضح بالجمد بن دريم - إنه زعم أن الله لم
يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما)). ثم نزل فذبحه .
ولما بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم بعثه إلى أهل الأرض. وهم
فى الأصل صنفان - أميون وكتابيون . والأميون كانوا ينتسبون إلى
إبراهيم ، فإنهم ذريته ، وخزان بيته ، وعلى بقايا من شعائره .
والكتابيون أصلهم كتاب موسى . وكلا الطائفتين قد بدلت وغيرت .
فأقام ملة إبراهيم بعد اعوجاجها ، وجاء بالكتاب المهيمن ،
المصدق لما بين يديه ، المبين لما اختلف فيه وما حرف وكتم من
الكتاب الأول .
فصل
وإبراهيم وموسى قاما بأصل الدين - الذي هو الإقرار بالله،
وعبادته وحده لا شريك له ، ومخاصمة من كفر بالله.
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِى حَاجَّ إِبْرَهِمَ فِ رَبِّهِ»
فأما إبراهيم فقال الله فيه :
٢٠٣

أَنْ ءَاتَنُهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْقَالَ إِنْرَهِمُ رَبِ الَّذِى يُحِ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَاْ أُحِىءٌ وَأُمِيتٌ قَالَ
إِنْرَهِمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِ بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُّهِتَ الَّذِى كَفَرُ وَاَللَّهُ
لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)
وذكر الله عنه أنه طلب منه إرادة إحياء الموتى، فأمره الله
بأخذ أربعة من الطير .
فقرر أمر الخلق والبعث - المبدأ والمعاد - الإيمان بالله
واليوم الآخر .
وهما اللذان يكفر بهما - أو بأحدهما - كفار الصابئة والمشركين
من الفلاسفة ونحوهم الذين بعث الخليل إلى نوعهم .
فإن منهم من ينكر وجود الصانع ؛ وفيهم من ينكر صفاته ؛ وفيهم
من ينكر خلقه ويقول: إنه علة، وأكثرهم ينكرون إحياء الموتى. وهم
مشركون يعبدون الكواكب العلوية والأصنام السفلية .
والخليل صلوات الله عليه رد هذا جميعه. فقرر ربوبية ربه كما فى
هذه الآية . وقرر الإخلاص له ونفى الشرك كما في سورة الأنعام
وغيرها . وقرر البعث بعد الموت .
واستقر فى ملته محبته لله ومحبة الله له، باتخاذ الله له خليلا .
٢٠٤

ثم إنه ناظر المشركين بعبادة من لا يوصف بصفات الكمال . فقال
لأبيه: ( يَأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُمَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنْكَ شَيْئًا).
وقال لأبيه وقومه: ( مَاتَعْبُدُونَ * قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَامَا فَنَظَلُّ لَهَا عَكِّفِينَ * قَالَ
هَلْ يَسْمَعُونَكُمْإِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنفَعُونَّكُمْ أَوْ يَضُرُونَ - إلى قوله -
فَهُمْ عَدُوٌّلِلََّرَبَّ الْعَلَمِينَ * الَّذِىِ خَلَقَِ فَهُوَ يَِّينِ * وَالَّذِىِهُوَيُطْعِمُنِ وَسْقِنِ
* وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِى يُسِتُنِ ثُمَّ يُحْبِينٍ )
إلى آخر الكلام .
وقال: (إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًاوَمَآ
أَنْمِنَ الْمُشْرِكِينَ) وقال: (إِنَّنِى بَرَءُمِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِى فَطَرَنِ فَإِنَّهُ.
سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةٌ بَاقِيَةً فِىِ عَقِهِ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)
فإبراهيم دعا إلى الفطرة . وهو عبادة الله وحده لا شريك له .
وهو الإسلام العام ، والإقرار بصفات الكمال لله ، والرد على من
عبد من سلبها .
فلما عابهم بعبادة من لا علم له ولا يسمح ولا يبصر قال: (رَبَّنَآَ
إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنٌ وَمَا يَخْفَى عَلَى اَللَّهِ مِن شَىْءٍ فِ الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ * الْحَمْدُ
لِلَّهِ الَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِ لَسَمِيعُالدُّعَامِ )
ج
٢٠٥

ولما عابهم بعبادة من لا يغنى شيئاً فلا ينفع ولا يضر قال:
﴿ الَّذِى خَلَقَتِ فَهُوَ يَدِينِ * وَالَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِ وَيَسْفِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ *
وَالَّذِى يُمِنُنِ ثُمَّ يُحْبِينٍ * وَالَّذِىّ أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِ خَطِيِّئَتِى يَوْمَ الِدِينِ )
فإن الإنسان يحتاج إلى جلب المنفعة لقلبه وجسمه ، ودفع المضرة
عن ذلك. وهو أمر الدين والدنيا .
فمنفعة الدين الهدى ؛ ومضرته الذنوب ، ودفع المضرة المغفرة .
ولهذا جمع بين التوحيد والاستغفار في مواضع متعددة .
ومنفعة الجسد الطعام والشراب ؛ ومضرته المرض ، ودفع
المضرة الشفاء .
وأخبر أن ربه يحيي ويميت ، وأنه فطر السموات والأرض .
وإحياؤه فوق كماله بأنه حي .
وأنه فطر السموات والأرض يقتضى إمساكها وقيامها الذى هو
فوق كماله بأنه قائم بنفسه، حيث قال عن النجوم (لَا أُحِبُّ الْآَفِينَ)
فإن الآفل هو الذى يغيب تارة ويظهر تارة ، فليس هو قائماً على
٢٠٦

عبده فى كل وقت . والذين يعبدون ما سوى الله من الكواكب
ونحوها ويتخذونها أو ثاناً يكونون في وقت البزوغ طالبين سائلين ،
وفي وقت الأفول لا يحصل مقصودهم ولا مرادم . فلا يحتلبون منفعة
ولا يدفعون مضرة ، ولا ينتفعون إذ ذاك بعبادة .
فبين ما في الآلهة التى تعبد من دون الله من النقص ، وبين ما
لربه فاطر السموات والأرض من الكمال بأنه الخالق ، الفاطر ، العليم،
السميع ، البصير ، الهادى ، الرازق ، المحيى ، المميت .
وسمى ربه بالأسماء الحسنى الدالة على نعوت كماله ، فقال: ( يَتْلُوأ
عَلَيْهِمْ ءَايَتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكْبِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَنِزُ الْحَكِيمُ)
وقال: (فَنْ تَبِّعَنِى فَإِنَّهُ مِنِى وَ مَنْ عَصَانِ فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)
وقال :
فوصف ربه بالحكمة والرحمة
( سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِىِ إِنَّهُ كَانَ بِىِ حَفِيًّا )
المناسب لمعنى الخلة، كما قال (إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيًّا )
وموسى عليه السلام خاصم فرعون الذى جحد الربوبية والرسالة
وقال: (أَثَارَتُّكُم ◌ْأَ) و (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِى ) . وقصته
فى القرآن مثناة مبسوطة لا يحتاج هذا الموضع إلى بسطها .
وقرر أيضاً أمر الربوبية وصفات الكمال لله ونفى الشرك .
٢٠٧

ولما اتخذ قومه العجل بين الله لهم صفات النقص التى تنافى الألوهية
فقال: (وَأَتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِمِنْ خُلِيِّهِمْ عِجْلَا جَسَدًا لَّهُ خُوَارَ أَلَمْيَرَوْ أَنَّهُ لَا
ج
يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ).
وقال: (فَقَالُواْ هَذَآ إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِىَ * أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَجِعُ إِلَيْهِرْ قَوْلاً وَلَا
يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرَّاوَلَانَفْعًا * وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَرُونُ مِن قَبْلُ يَقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمِيِّ وَإِنَّ رَبَّكُمُ
الرَّحْمَنُ )
فوصفه بأنه وإن كان قد صوت صوتًا هو خوار فإنه لا يكلمهم ،
ولا يرجع إليهم قولا، وأنه لا يهديهم سبيلا، ولا يملك لهم ضراً
ولا نفعاً .
وكذلك ذكر الله سبحانه على لسان محمد فى الشرك عموماً
وخصوصاً ، فقال :
(أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُم ◌ُخْلَقُونَ * وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ
وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْسَوَهُ عَلَيْكُمْأَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَمِتُونَ * إِنَّ
الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادُ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُمْ
صَدِقِينَ * أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُصِرُونَ
◌ِهَا أَمْ لَهُمْ ءَذَاتٌ يَسْمَعُونَ بِهَاْ قُلِ آدْعُواْ شُرَّكَآءَ كُمْ تُمَّكِيدُونِ فَلَا تُظِرُونِ )
٢٠٨

واستفهم استفهام إنكار وجحود لطرق الإدراك التام وهو السمع
والبصر . والعمل التام وهو اليد والرجل ، كما أنه سبحانه لما أخبر
فيما روى عنه رسوله عن أحبابه المتقربين إليه بالنوافل فقال: (( ولا
يزال عبدى يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه
الذى يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، وبده التى يبطش بها ،
ورجله التي يمشي بها )).
فصل
وأهل السنة والجماعة المتبعون لإبراهيم وموسى ومحمد - صلوات
الله وسلامه عليهم أجمعين - يثبتون ما أثبتوه من تكليم الله، ومحبته،
ورحمته، وسائر ما له من الأسماء الحسنى والمثل الأعلى .
وينزهونه عن مشابهة الأجساد التى لا حياة فيها . فإن الله قال:
وقال: (وَمَاجَعَلْنَهُمْ جَسَدًا لَّا
( وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ، جَسَدًا ثُمَأَنَبَ )
يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ). وقال: (عِجْلَا جَسَدُ الَُّ خُوَارُ) ، فوصف الجسد
بعدم الحياة ، فإن الموتان لا يسمع ، ولا يبصر ، ولا ينطق، ولا
يغنى شيئاً .
وأما أهل البدع والضلالة من الجهمية ونحوهم ، فإنهم سلكوا
٢٠٩

سبيل أعداء إبراهيم وموسى ومحمد ، الذين أنكروا أن يكون الله كلم
موسى تكليما وانخذ إبراهيم خليلا. وقد كلم الله محمداً، واتخذه
خليلا كما انخذ إبراهيم خليلا ، ورفعه فوق ذلك درجات :
وتابعوا فرعون الذى قال: (يَهَمَنُّ أَبْنِ لِ صَرْحًا لَّعَلِّى أَبْلُغُ الْأَسْبَبَ *
أَسْبَبَ السَّمَوَتِ فَأَطَّلِعَ إِلَ إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَذِبًا)
(وَإِذَاقِيلَ لَهُمُ أَسْجُدُ واْلِلَّحْمَنِ قَالُواْوَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا
وتابعوا المشركين الذين
تَأْمُرُنَا ) واتبعوا الذين ألحدوا فى أسماء الله .
فهم يجحدون حقيقة كونه الرحمن ، أو أنه يرحم ، أو يكلم ،
أو يود عباده أو يودونه، أو أنه فوق السموات . ويزعمون أن من
أثبت له هذه الصفات فقد شبه بالأجسام الحسية ، وهي الحيوان كالإنسان
وأن هذا تشبيه لله بخلقه .
فهم قد شبهوه بالأجساد الميتة فيما هو نقص وعيب ، وتشبيه دلت
الكتب الإلهية والفطرة العقلية أنه عيب ونقص ، بل يقتضي عدمه .
وأما أهل الإثبات فلو فرض أن فيما قالوه تشبيها ما فليس هو
تشبيها بمنقوص معيب ، ولا هو فى صفة نقص أو عيب ، بل فى غاية
ما يعلم أنه الكمال ، وأن لصاحبه الجلال والإكرام .
٢١٠

فصار أهل السنة يصفونه بالوجود وكمال الوجود ، وأولئك يصفونه
بعدم كمال الوجود ، أو بعدم الوجود بالكلية . فهم ممثلة معطلة - ممثلة
فى العقل والشرع ، معطلة في العقل والشرع .
أما فى العقل فلأنهم مثلوه بالعدم والأجساد الموتان .
وأما فى الشرع فإنهم مثلوا ما جاءت به الرسل من صفاته بنفس
صفات المخلوقات ، وإن كان هذا التمثيل الذي ادعوا أنه معنى النصوص
أقل تمثيلا من تمثيلهم الذى ادعوه .
وأما تعطيلهم فى العقل فإنه تعطيل للصفات - تعطيل مستلزم
لعدم الذات . ولهذا ألجئ كثير منهم إلى نفى الذات بالكلية ،
وصاروا على طريقة فرعون - لا يقرون إلا بوجود المخلوقات،
وإن كانوا قد ينافقون فيقرون بألفاظ لا معنى لها ، أو بعبادات لا
معبود لها .
وأما تعطيلهم للشرع فإنهم جحدوا ما في كتب الله من المعانى
وحرفوا الكلم عن مواضعه، أو قالوا : نحن كالأميين لا نعلم الكتاب
إلا أماني ، أو : قلوبنا غلف .
وقالوا لما جاء به الرسول من الكتاب والسنة نظير ما قالته الكفار
٢١١

(قُلُوبُنَا فِىَ أَكِنَّةٍ مِّمَّاتَدْعُوْنَا إِلَيْهِ وَفِيّءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حَجَابٌ) و
( قَالُواْ يَشُعَيْبُ مَانَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ ) .
وهكذا قال هؤلاء: لا نفقه كثيراً مما يقول الرسول ، وقالوا كما
قال الذين يستمعون للرسول، فإذا خرجوا من عنده (قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْءَ
مَاذَا قَالَ ءَانِقًا ).
( وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ
وصاروا کالذین قیل فيهم :
لَ يُؤْمِنُونَ بِلْآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا * وَحَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةَ أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِّمَاذَانِهِمْ وَقْرَأْ
وَإِذَا ذَّكَرْتَ رَبَّكَ فِ الْقُرْءَانِ وَحْدَهُ، وَلَّوْ عَلَى أَدْبَرِهِمْ نُفُورًا ).
فتدبر ما ذكره الله عن أعداء الرسل من نفي فقههم وتكذيبهم تجد
بعض ذلك فيمن أعرض عن ذكر الله وعن تدبر كتابه ، واتبع ما
تتلوه الشياطين وما توحيه إلى أوليائها، والله يهدينا
صراطا مستقيما.
ولهذا كانت هذه الجهمية المعطلة المشابهون الكفار والمشركين من
الصابئة وغيرهم ، الجاحدة لوجود الصانع أو صفاته، ترمي أهل العلم
والإيمان والكتاب والسنة . تارة بأنهم يشبهون اليهود لما فى التوراة
٢١٢

وكتب الأنبياء من الصفات ، ولما ابتدعه بعض اليهود من التشبيه المنفى
عن اللّه؛ وتارة بأنهم يشبهون النصارى لما أثبته النصارى من صفة
الحياة والعلم ، ولما ابتدعته من أن الأقانيم جواهر ، وأن أقنوم الكلمة
اتحد بالناسوت .
وهذا الرمي موجود فى كلامهم قبل الإمام أحمد بن حنبل وفى
زمنه ، وهو موجود فى كلامه وكلام أصحابه - حكاية ذلك . ذكره
فى كتاب ((الرد على الجهمية والزنادقة))، وأنهم قالوا ((إذا أثبتم
الصفات فقد قلتم بقول النصارى))، ورد ذلك. وفى ((مسائله)) :
أن طائفة قالوا له: من قال ((القرآن غير مخلوق، أو هو فى الصدور))
فقد قال بقول النصارى .
وهكذا الجهمية ترمي الصفاتية بأنهم يهود هذه الأمة. وهذا
موجود فى كلام متقدمي الجهمية ومتأخريهم ، مثل ما ذكره أبو عبد
الله محمد بن عمر الرازي الجهمي الجبري ، وإن كان قد يخرج إلى
حقيقة الشرك وعبادة الكواكب والأوثان في بعض الأوقات . وصنف
فى ذلك كتابه المعروف فى السحر وعبادة الكواكب والأوثان . مع أنه
كثيراً ما يحرم ذلك وينهى عنه متبعاً للمسلمين وأهل
الكتب والرسالة .
وينصر الإسلام وأهله في مواضع كثيرة ، كما يشكك أهله ويشكك غير
٢١٣

أهله فى أكثر المواضع . وقد ينصر غير أهله فى بعض المواضع . فإن
الغالب عليه التشكيك والحيرة، أكثر من الجزم والبيان .
وهؤلاء لهم أجوبة .
أحدها : أن مشابهة اليهود والنصارى ليست محذوراً إلا فيما
خالف دين الإسلام ، ونصوص الكتاب والسنة، والإجماع . وإلا
فمعلوم أن دين المرسلين واحد ، وأن التوراة والقرآن خرجا من
مشكاة واحدة .
وقد استشهد الله بأهل الكتاب فى غير موضع ، حتى قال :
( قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ، وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِّ إِسْرَِّيلَ عَلَى مِثْلِهِ،فَشَامَنَ
وَأُسْتَكْبَرْتٌ ) .
فإذا أشهد أهل الكتاب على مثل قول المسلمين كان هذا حجة
ودليلا ، وهو من حكمة إقرارهم بالجزية . فيفرح بموافقة المقالة المأخوذة
من الكتاب والسنة لما يأثره أهل الكتاب عن المرسلين قبلهم . ويكون
هذا من أعلام النبوة ، ومن حجج الرسالة ، ومن الدليل على
اتفاق الرسل .
الثاني : أن المشابهة التى بدعونها ليست صحيحة . فإن أهل السنة
٢١٤

لا يوافقون اليهود والنصارى فيما ابتدعوه من الدين والاعتقاد. ولهذا
قلت فى بيان فساد قول ابن الخطيب: إنه لم يفهم مقالة أهل الحديث
والسنة من الحنبلية وغيرهم ، ولم يفهم مقالة النصارى . وأوضحت ذلك
في موضعه ، كما بين الإمام أحمد الفرق بين مقالة أهل السنة وبين مقالة
النصارى المبتدعة، وكما يبين الفرق بين مقالة أهل السنة ومقالة
اليهود المبتدعة .
الثالث : أنه إذا فرض مشابهة أهل الإثبات لليهود أو النصارى
فأهل النفى والتعطيل مشابهون الكفار والمشركين من النصارى وغيرهم.
ومعلوم قطعاً أن مشابهة أهل الكتابين خير من مشابهة من ليس من
أهل الكتاب - من الكفار بالربوبية والنبوات ونحوم . ولهذا قيل :
المشبه أعشى ، والمعطل أعمى .
ولهذا فرح المؤمنون على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بانتصار
النصارى على المجوس ، كما فرح المشركون بانتصار المجوس على النصارى .
فتدبر هذا ، فإنه نافع فى مواضع، والله أعلم.
ولهذا كان المعتزلة ونحوم من القدرية مجوس هذه الأمة .
وثم يجعلون الصفاتية نصارى الأمة ويميلون إلى اليهود لموافقتهم
٢١٥

لهم فى أمور كثيرة أكثر من النصارى ، كما يميل طائفة من المتصوفة
والمتفقرة إلى النصارى أكثر من اليهود .
فإذا كان الصفاتية إلى النصارى أقرب وضدهم إلى المجوس والمشركين
أقرب تبين أن الصفاتية أتباع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين
فرحوا بانتصار الروم - النصارى - على فارس المجوس ، وأن
المعطلة ثم إلى المشركين أقرب - الذين فرحوا بانتصار المجوس
على النصارى .
٢١٦

سورة الغاشية
شيخ الإسلام
وقال
فصل
قوله: (هَلْ أَتَئِكَ حَدِيثُ الْغَشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَصِبَةٌ*
تَصْلَى نَارَ احَامِيَةٌ * تُشْقَى مِنْ عَيْنٍّءَانِيَةٍ ) فيها قولان :
أحدهما أن المعنى وجوه في الدنيا خاشعة عاملة ناصبة ، تصلى يوم
القيامة ناراً حامية ، ويعنى بها عباد الكفار كالرهبان ، وعباد البدود ،
وربما تؤولت في أهل البدع كالخوارج .
و ((القول الثاني)) أن المعنى أنها يوم القيامة تخشع أي تذل
وتعمل وتنصب ، قلت هذا هو الحق لوجوه :
((أحدها)) أنه على هذا التقدير يتعلق الظرف بما يليه ، أي :
وجوه يوم الغاشية خاشعة عاملة ناصبة صالية . وعلى الأول لا يتعلق إلا
٢١٧

بقوله ( تصلى ) ويكون قوله ( خاشعة ) صفة للوجوه قد فصل بين
الصفة والموصوف بأجنبى متعلق بصفة أخرى متأخرة ، والتقدير :
وجوه خاشعة عاملة ناصبة يومئذ تصلى ناراً حامية . والتقديم والتأخير على
خلاف الأصل ؛ فالأصل إقرار الكلام على نظمه وترتيبه لا
تغيير ترتيبه .
ثم إنما يجوز فيه التقديم والتأخير مع القرينة أما مع اللبس فلا
يجوز ؛ لأنه يلتبس على المخاطب ، ومعلوم أنه ليس هنا قرينة تدل على
التقديم والتأخير ؛ بل القرينة تدل على خلاف ذلك فإرادة التقديم
والتأخير بمثل هذا الخطاب خلاف البيان ، وأمر المخاطب بفهمه تكليف
لما لا يطاق .
((الوجه الثاني)) أن الله قد ذكر وجوه الأشقياء ووجوه السعدا.
(وُجُوهٌ يُؤَّمَبِذٍ نَّاعِمَةٌ* لِّسَعْبِهَا رَاضِيَةٌ *
في السورة ، فقال بعد ذلك :
فِي جَّةٍ عَالِيَةٍ ) ومعلوم أنه إنما وصفها بالنعمة يوم القيامة لا فى الدنيا ؛
إذ هذا ليس بملح ، فالواجب تشابه الكلام وتناظر القسمين
لا اختلافهما، وحينئذ فيكون الأشقياء وصفت وجوههم بحالها
في الآخرة .
(وُجُورٌ يُؤَمَيِذٍ نَاضِرَةً*
((الثالث)) أن نظير هذا التقسيم قوله :
٢١٨

إِلَى رَبِّهَانَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَيِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ )
وقوله: ( وُجُورٌيُؤَمَيِّذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَؤَمَيِذٍ عَلَيْهَ غَبَرَةٌ *
تَرْهَقُّهَا قَتَرَةُ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ) وهذا كله وصف للوجوه لحالها فى
الآخرة لا فى الدنيا .
((الرابع)) أن وصف الوجوه بالأعمال ليس فى القرآن وإنما فى
القرآن ذكر العلامة، كقوله: (سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِم) وقوله: (وَلَوْ
نَشَآءُ لَأَرَيْنَكَهُمْ فَلَعَرَ فْنَهُمْ بِسِيمَهُمْ) وقوله: (تَعْرِفُ فِ وُجُوهِ الَّذِينَ
كَفَرُواْالْمُنكَرْ بَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ ءَايَئِنَا﴾
وذلك لأن العمل والنصب ليس قائما بالوجوه فقط ؛ بخلاف
السيا والعلامة.
((الخامس) أن قوله: (خَشِعَةُ * عَامِلَةٌ نَصِبَةٌ) لو جعل صفة لهم
فى الدنيا لم يكن فى هذا اللفظ ذم ، فإن هذا إلى المدح أقرب ، وغايته
أنه وصف مشترك بين عباد المؤمنين وعباد الكفار ، والم لا يكون
بالوصف المشترك ، ولو أريد المختص لقيل خاشعة للأوثان مثلا، عاملة
لغير الله ، ناصبة فى طاعة الشيطان ، وليس فى الكلام ما يقتضي كون
هذا الوصف مختصاً بالكفار ، ولا كونه مذموما. وليس فى القرآن نم
لهذا الوصف مطلقاً ، ولا وعيد عليه ، فحمله على هذا المعنى خروج عن
الخطاب المعروف فى القرآن .
٢١٩

((السادس)) أن هذا الوصف مختص ببعض الكفار ولا موجب
للتخصيص ، فإن الذين لا يتعبدون من الكفار أكثر ، وعقوبة فساقهم
فى دينهم أشد فى الدنيا والآخرة ، فإن من كف منهم عن المحرمات المتفق
عليها وأدى الواجبات المتفق عليها لم تكن عقوبته كعقوبة الذين يدعون
مع اللّه إلها آخر، ويقتلون النفس التى حرم الله [ إلا ] بالحق ويزنون .
فإذا كان الكفر والعذاب على هذا التقدير فى القسم المتروك أكثر
وأكبر كان هذا التخصيص عكس الواجب .
((السابع)) أن هذا الخطاب فيه تنفير عن العبادة والنسك ابتداء،
ثم إذا قيد ذلك بعبادة الكفار والمبتدعة وليس فى الخطاب تقييد كان
هذا سعياً فى إصلاح الخطاب بما لم يذكر فيه ؛
٢٢٠