Indexed OCR Text

Pages 381-400

والنظر إلى العورات حرام داخل فى قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَاحَرَّمَ
رَبِ الْفَوَحِشَ) وفى قوله: (وَلَا تَقْرَبُواْالْفَوَاحِشَ) فإن الفواحش
وإن كانت ظاهرة في المباشرة بالفرج أو الدبر وما يتبع ذلك من الملامسة
والنظر وغير ذلك، وكما فى قصة لوط: (أَتَأْتُونَ الْفَحِشَةَ مَاسَبَقَكُمْ
بِهَا مِنْ أَحَدٍمِنَ الْعَلَمِينَ)، ( أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ) وقوله :
فالفاحشة أيضاً تتناول كشف
(وَلَا نَقْرَبُواْ الزِّنَ إِنَّهُ،كَانَ فَاحِشَةً ).
العورة وإن لم يكن فى ذلك مباشرة، كما قال تعالى: (وَإِذَا فَعَلُواْ
فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَاءَابَاءَنَا) وهذه الفاحشة هي طوافهم بالبيت
عراة . وكانوا يقولون لا نطوف بثياب عصينا الله فيها ؛ إلا الخمس فإنهم
كانوا يطوفون في ثيابهم ، وغيرهم إن حصل له ثياب من الخمس طاف
فيها وإلا طاف عرياناً ، وإن طاف بثيابه حرمت عليه فألقاها ، فكانت
تسمى لقاء ، وكذلك المرأة إذا لم يحصل لها ثياب جعلت يدها على فرجها
وبدها الأخرى على دبرها وطافت وتقول :
اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله
وقد سمى الله ذلك فاحشة، وقوله فى سياق ذلك: (قُلْ إِنَّمَا
يتناول كشف العورة أيضاً
حَرَّمَ رَبِىَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَمِنْهَا وَمَا بَطَنَ )
وإبداءها ، ويؤكد ذلك أن إبداء فعل النكاح باللفظ الصريح يسمى
فحشاء وتفحشاً . فكشف الأعضاء والفعل للبصر ككشف ذلك للسمع .
٣٨١

وكل واحد من الكشفين يسمى وصفاً، كما قال عليه السلام: (( لاتنعت
المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر إليها )) ويقال : فلان يصف فلاناً،
وثوب يصف البشرة. ثم إن كل واحد من إظهار ذلك السمع والبصر
يباح للحاجة ؛ بل يستحب إذا لم يحصل المستحب أو الواجب إلا
بذلك، كقول النبي صلى الله عليه وسلم لما عن: ((أنكتها)) وكقوله
(( من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا)).
والمقصود أن الفاحشة تتناول الفعل القبيح وتتناول إظهار الفعل
وأعضاءه ، وهذا كما أن ذلك يتناول ما خش وإن كان بعقد نكاح كقوله
تعالى: (وَلَا تَنْكِحُواْ مَانَكَحَ ءَبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّ مَاقَدْ سَلَفَ إِنَّهُ,
كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَآءَ سَبِيلًا ) فأخبر أن هذا النكاح فاحشة .
وقد قيل إن هذا من الفواحش الباطنة ، فظهر أن الفاحشة تتناول
العقود الفاحشة ، كما تتناول المباشرة بالفاحشة؛ فإن قوله : (وَلَا تَنْكِحُواْ
مَانَكَحَ ءَبَا ؤُكُمْ مِّنَ الْنِسَآءِ ) بتناول العقد والوطء . وفي قوله : ( مَا
ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) عموم لأنواع كثيرة من الأقوال والأفعال، وأمر
تعالى يحفظ الفرج مطلقاً بقوله: ( وَيَحْفَظُواْفُرُوجَهُمْ ) وبقوله:
(وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ خَفِظُونَ * إِلََّ عَلَ أَزْوَجِهِمْ أَوْمَا مَلَكَتْ أَيْمَهُهُمْ)
الآيات. وقال: (وَالْحَفِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَفِظَتِ) محفظ الفرج مثل
قوله: ( وَالْحَفِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ) وحفظها هو صرفها عما لا يحل.
٣٨٢

وأما الأبصار فلا بد من فتحها والنظر بها . وقد يفجأ الإنسان
ما ينظر إليه بغير قصد ، فلا يمكن غضها مطلقاً ، ولهذا أمر تعالى
عباده بالغض منها ، كما أمر لقمان ابنه بالغض من صوته . وأما قوله
الآية فإنه مدحهم
(إِنَّالَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَتَهُمْ عِندَ رَسُولِاللَّهِ )
تعالى :
على غض الصوت عند رسوله مطلقاً ، فهم مأمورون بذلك فى مثل ذلك
ينهون عن رفع الصوت عنده صلى الله عليه وسلم ، وأما غض الصوت
مطلقاً عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو غض خاص ممدوح
ويمكن العبد أن يغض صوته مطلقاً فى كل حال . ولم يؤمر العبد به ؛
بل يؤمر برفع الصوت فى مواضع: إما أمر إيجاب أو استحباب فلهذا
قال: (وَأَغْضُضْ مِن صَوْتِكَ )؛ فإن الغض فى الصوت والبصر جماع
ما يدخل إلى القلب ويخرج منه ، فبالسمع يدخل القلب ، وبالصوت
(أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيِّنَيْنِ * وَلِسَانًا
يخرج منه ، كما جمع العضوين فى قوله :
وَشَفَتَيْنِ) فبالعين والنظر يعرف القلب الأمور، واللسان والصوت
يخرجان من عند القلب الأمور ، هذا رائد القلب وصاحب خبره
وجاسوسه ، وهذا ترجمانه .
ثم قال تعالى: (ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَظْهَرُ) وقال: (خُذْمِنْ
أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِهِمٍبِهَا) وقال: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ
عَنكُمُ الْرِّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) وقال فى آية الاستئذان :
٣٨٣

(وَإِن قِيلَ لَكُمْ أَرْجِعُوافَارْجِعُواْ هُوَأَزَكَى لَكُمْ )
(فَسْئَلُوهُنَّ
وقال :
( فَقَدِّمُواْبَيْنَ
وقال :
مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَظْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ )
وقال النبى صلى الله عليه
يَدَىْ نَجْوَ نَّكُمْ صَدَقَّةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَظْهَرُ ) .
وسلم: ((اللهم طهر قلبي من خطاياي بالماء والثلج والبرد )) وقال فى
دعاء الجنازة: ((واغسله بماء وثلج وبرد، ونقه من خطاياه كما ينقى الثوب
الأبيض من الدنس)) .
فالطهارة - والله أعلم - هي من الذنوب التى هي رجس ،
والزكاة تتضمن معنى الطهارة التى هي عدم الذنوب . ومعنى النماء بالأعمال
الصالحة : مثل المغفرة والرحمة . ومثل النجاة من العذاب والفوز بالثواب
ومثل عدم الشر وحصول الخير ؛ فإن الطهارة تكون من الأرجاس
والانجاس وقد قال تعالى: ( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسُ) وقال: (فَأَجْتَذِبُواْ
الرّحْسَ مِنَ الْأَوْثَنِ) وقال: (إِنَّمَا الْخَفُرُ وَالْمَيْسِرُ وَاْلْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ
(فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ
: وقال عن المنافقين :
مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ )
إِنَّهُمْ رِجْسُُ ) .
(وَنَجَيْنَهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَتْ تَعْمَلُ
وقال عن قوم لوط :
اٌلْخَبِثَ ) وقال اللوطية عن لوط وأهله: ( أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ
أُنَاسُ يَنَطَهَّرُونَ ) قال مجاهد: عن أدبار الرجال . ويقال في دخول
الغائط ((أعوذ بك من الخبث والخبائث)). ومن الرجس النجس الخبيث
٣٨٤

المخبث ، وهذه النجاسة تكون من الشرك والنفاق والفواحش والظلم
ونحوها ، وهي لا تزول إلا بالتوبة عن ترك الفاحشة وغيرها ، فمن
تاب منها فقد تطهر ، وإلا فهو متنجس وإن اغتسل بالماء من الجنابة
فذاك الغسل يرفع حدث الجنابة ، ولا يرفع عنه بجاسة الفاحشة التى قد
تنجس بها قلبه وباطنه ؛ فإن تلك نجاسة لا يرفعها الاغتسال بالماء ، وإنما
يرفعها الاغتسال بماء التوبة النصوح المستمرة إلى المات .
وهذا معنى ما رواه ابن أبى الدنيا وغيره : تنا سويد بن سعيد
تنا مسلم بن خالد ، عن إسماعيل بن كثير ، عن مجاهد ، قال : لو أن
الذي يعمل - يعني عمل قوم لوط - اغتسل بكل قطرة فى السماء
وكل قطرة فى الأرض لم يزل نجسا . ورواه ابن الجوزي ، وروى
القاسم بن خلف في (( كتاب ذم اللواط )) بإسناده عن الفضيل بن
عياض أنه قال : لو أن لوطياً اغتسل بكل قطرة نزلت من السماء لاقي
الله غير طاهر . وقد روى أبو محمد الخلال عن العباس الهاشمي ذلك
مرفوعاً . وحديث إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود : اللوطيان لو
اغتسلا بماء البحر لم يجزهما إلا أن يتوبا ، ورفع مثل هذا الكلام
منكر ؛ وإنما هو معروف من كلام السلف .
وكذلك روى عن أبي هريرة وابن عباس قالا: خطبنا رسول الله
صلى الله عليه وسلم، فقال فى خطبته: ((من نكح امرأة فى دبرها
٣٨٥

أو غلاماً ، أو رجلا : حشر يوم القيامة أنتن من الجيفة يتأذى به
الناس حتى يدخله الله نار جهنم ، ويحبط اللّه عمله ، ولا يقبل منه
صرفا ولا عدلا ، ويجعل في تابوت من نار ، ويسمر عليه بمسامير من
حديد ، فتشك تلك المسامير في وجهه وجسده )) قال أبو هريرة : هذا
لمن لم يتب، وذلك أن تارك اللواط متطهر كما دل عليه القرآن ، ففاعله
غير متطهر من ذلك فيكون متنجساً ؛ فإن ضد الطهارة النجاسة ؛ لكن
النجاسة أنواع مختلفة : تختلف أحكامها .
ومن ههنا غلط بعض الناس من الفقهاء ؛ فإنهم لما رأوا ما دل
عليه القرآن من طلب طهارة الجنب بقوله: (وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَرُواْ )
قالوا : فيكون الجنب نجساً ، وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي
هريرة: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن المؤمن لاينجس))
لما اتخنس منه وهو جنب ، وكره أن يجالسه ، فهذه النجاسة التى نفاها
النبى صلى الله عليه وسلم هي نجاسة الطهارة بالماء التى ظنها أبو هريرة ،
والجنابة تمنع الملائكة أن تدخل بيتاً فيه جذب ، وقال أحمد : إذا وضع
الجنب بده فى ماء قليل أنجس الماء ، فظن بعض أصحابه أنه أراد النجاسة
الحسية ، وإنما أراد الحكمية ، فإن الفرع لا يكون أقوى من الأصل ،
ولا يكون الماء أعظم من البدن ؛ بل غايته أن يقوم به المانع الذي قام
بالبدن ، والجذب ظاهره ممنوع من الصلاة ، فيكون الماء كذلك طاهراً
لا يتوضأ به للصلاة .
٣٨٦

وأما الزكاة فهى متضمنة الماء والزيادة كالزرع، وإن كانت الطهارة
قد تدخل فى معناها ؛ فإن الشىء إذا تنظف مما يفسده زكى ونما وصلح
وزاد فى نفسه ، كالزرع ينفى من الدغل ، قال الله تعالى: ( وَلَوْلَا
فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا ذَكَ مِنكُمِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَّكِي مَن يَشَآءُ)
( قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّنْهَا )
وقال :
(قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسَا زَّكِيَّةٌ بِغَيْرِنَفْسٍ )
فإن الرجوع عمل
(فَأَرْجِعُوأَ هُوَ أَزَكَى لَكُمْ )
وقال :
صالح يزيد المؤمن زكاة وطهارة، وقال: (ذَلِكُمْ أَظْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ)
فإن ذلك مجانبة لأسباب الريبة ، وذلك من نوع مجانبة الذنوب والبعد
عنها ومباعدتها ، فأخبر أن ذلك أطهر لقلوب الطائفتين .
(قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ
وأما الآية التى نحن فيها وهي قوله :
فالغض من البصر وحفظ
أَبْصَرِهِمْ وَيَحْفَظُ وافُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزَّكَى لَمُمْ)
الفرج يتضمن البعد عن نجاسة الذنوب ، ويتضمن الأعمال الصالحة التى
يزكو بها الإنسان ، وهو أزكى ، والزكاة تتضمن الطهارة ؛ فإن فيها
معنى ترك السيئات ومعنى فعل الحسنات ، ولهذا تفسر تارة بالطهارة
وتارة بالزيادة والنماء ، ومعناها يتضمن الأمرين ، وإن كان قرن الطهارة
معها فى الذكر مثل قوله: (خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكْبِهِم بِهَا)
فالصدقة توجب الطهارة من الذنوب ، وتوجب الزكاة التى هي
العمل الصالح ، كما أن الغض من البصر وحفظ الفرج هو أزكى لهم .
٣٨٧

وهما يكونان باجتناب الذنوب وحفظ الجوارح ، ويكونان بالتوبة والصدقة
التى هي الإحسان، وهذان هما التقوى والإحسان و (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ
أَنَّقَوْ قَالَّذِينَ هُمْ تُحْسِنُونَ ) .
وقد روى الترمذى وصححه « أن النبى صلى الله عليه وسلم سئل
ما أكثر ما يدخل الناس النار ؟ فقال : الأجوفان : الفم والفرج ،
وسئل عن أكثر ما يدخل الناس الجنة ؟ فقال: تقوى الله وحسن الخلق))
فيدخل فى تقوى الله حفظ الفرج وغض البصر، ويدخل فى حسن
الخلق الإحسان إلى الخلق والامتناع من إيذائهم ، وذلك يحتاج إلى
الصبر ، والإحسان إلى الخلق يكون عن الرحمة ، والله تعالى يقول :
(وَتَوَاصَوْ بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْ بِالْمَرْحَمَةِ ).
وهو سبحانه ذكر الزكاة هنا ، كما قدمها فى قوله :
فإن اجتناب الذنوب
( وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ,مَازَكَ مِنْكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًّا )
يوجب الزكاة التى هي زوال الشر وحصول الخير ، والمفلحون هم الذين
أدوا الواجبات وتركوا المحرمات ، كما وصفهم فى أول سورة البقرة فقال :
الآيات : وقال : ( قَدْ
(الَّ * ذَلِكَ الْكِتَبُ لَرَيْبَ فِيهِ هُدَى لِلْثَّقِينَ)
أَفْلَحَ مَن زَكَّنْهَا ) فإذا كان قد أخبر أن هؤلاء مفلحون ، وأخبر أن
( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَمَارَزَقْهُمْ
المفلحين م المتقون :
، وأخبر أن من زكى نفسه فهو مفلح : دل ذلك على
يُنفِقُونَ )
٣٨٨

أن الزكاة تنتظم الأمور المذكورة في أول سورة البقرة .
وقوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُونَ أَنفُسَهُم) وقوله: (فَلَا تُزَّكُوَأْ
فالتزكية من العباد لأنفسهم هي إخبارهم عن
أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ آَتَّفَى )
أنفسهم بكونها زاكية واعتقاد ذلك ؛ لأنفس جعلها زاكية ، وقال تعالى
عن إبراهيم: (رَبَّنَا وَأَبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ
وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكَبِهِمْ ) وقال: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)
الآية ، فامتن
الآية، وقال: (هُوَالَّذِى بَعَثَ فِ الْأُمِّبِّعِنَ رَسُولًا مِّنْهُمْ)
سبحانه على العباد بإرساله فى عدة مواضع ، فهذه أربعة أمور أرسله
بها : تلاوة آياته عليهم، وتزكيتهم ، وتعليمهم الكتاب والحكمة .
وقد أفرد تعليمه الكتاب والحكمة بالذكر مثل قوله: (وَمَآ أَنْزَّلَ
عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِنَبِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمبِهِ ). وقوله: ( وَاذْكُرْنَ مَايُتْلَىفِى
بُيُوتِ كُنَّمِنْ ءَايَتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ) وذلك أن التلاوة عليهم وتزكيتهم أمر
عام لجميع المؤمنين ؛ فإن التلاوة هي تبليغ كلامه تعالى إليهم وهذا لا بد
منه لكل مؤمن ، وتزكيتهم هو جعل أنفسهم زكية بالعمل الصالح
الناشئ عن الآيات التى سمعوها وتليت عليهم ، فالأول سمعهم ، والثانى
طاعتهم ، والمؤمنون يقولون سمعنا وأطعنا . الأول علمهم والثاني عملهم ،
والإيمان قول وعمل ، فإذا سمعوا آيات الله وعوها بقلوبهم وأحبوها
وعملوا بها، ولم يكونوا كمن قال فيهم: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِى
٣٨٩

يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّدُعَاءَ وَنِدَآءَ صٌُّ بُكُمّ ◌ُعُمْىٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ)
وإذا عملوا بها زكوا بذلك وكانوا من المفلحين المؤمنين ،
والله قال: ( يَرْفَعِ اللَّهُالَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَحَتٍ )
وقال في ضدهم: (الْأَعْرَبُ أَشَدُّكُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَ لَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَمَآ
فأخبر أنهم أعظم كفراً ونفاقاً وجهلا
أَنزَلَ اَللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ )
وذلك ضد الإيمان والعلم، فاستماع آيات الله والتزكي بها أمر واجب
على كل أحد ، فإنه لا بد لكل عبد من سماع رسالة سيده التى أرسل
بها رسوله إليه ، وهذا هو السماع الواجب الذي هو أصل الإيمان ،
ولا بد من التزكي بفعل المأمور وترك المحظور ، فهذان لا بد منها .
وأما العلم بالكتاب والحكمة فهو فرض على الكفاية ؛ لا يجب على
كل أحد بعينه أن يكون عالماً بالكتاب : لفظه ومعناه ، عالما بالحكمة
جميعها: بل المؤمنون كلهم مخاطبون بذلك وهو واجب عليهم. كما م
مخاطبون بالجهاد ، بل وجوب ذلك أسبق وأوكد من وجوب الجهاد ؛
فإنه أصل الجهاد ، ولولاه لم يعرفوا علام يقاتلون، ولهذا كان قيام
الرسول والمؤمنين بذلك قبل قيامهم بالجهاد ، فالجهاد سنام الدين ،
وفرعه وتمامه ، وهذا أصله وأساسه وعموده ورأسه ، ومقصود الرسالة
فعل الواجبات والمستحبات جميعاً، ولا ريب أن استماع كتاب الله والإيمان
به. وتحريم حرامه وتحليل حلاله . والعمل بمحكمه والإيمان بمتشابهه واجب
٣٩٠

على كل أحد ، وهذا هو التلاوة المذكورة في: ( الَّذِينَءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ
فأخبر عن الذين بتلونه حق
يَتْلُونَهُ، حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ) .
تلاوته أنهم يؤمنون به وبه قال سلف الأمة من الصحابة والتابعين وغيرهم ،
وقوله: ( حَقَّ تِلَاوَتِهِ ) كقوله (وَجَهِدُواْ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ) (أَتَّقُواْ
اُللَّهَ حَقَّ تُقَّائِهِ ) .
وأما حفظ جميع القرآن وفهم جميع معانيه ومعرفة جميع السنة
فلا يجب على كل أحد ؛ لكن يجب على العبد أن يحفظ من القرآن
ويعلم معانيه ويعرف من السنة ما يحتاج إليه ، وهل يجب عليه أن يسمع
جميع القرآن ؟ فيه خلاف ، ولكن هذه المعرفة الحكمية التى تجب على
كل عبد ليس هو علم الكتاب والحكمة التى علمها النبى صلى الله عليه
وسلم أصحابه وأمته ؛ بل ذلك لا يكون إلا بمعرفة حدود ما أنزل الله
على رسوله من الألفاظ والمعاني والأفعال والمقاصد ، ولا يجب هذا
على كل أحد .
وقوله تعالى: (فَلاَتُزَّكُوَ أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَ) دليل على أن
الزكاة هي النقوى ، والتقوى تنتظم الأمرين جميعا ؛ بل ترك السيئات
مستلزم لفعل الحسنات ، إذ الإنسان حارث همام، ولا بدع إرادة السيئات
وفعلها إلا بإرادة الحسنات وفعلها : إذ النفس لا تخلو عن الإرادتين جميعاً؛
بل الإنسان بالطبع مريد فعال ، وهذا دليل على أن هذا يكون سببه
٣٩١

الزكاة والتقوى التى بها يستحق الإنسان الجنة ، كما فى صحيح البخاري
عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( من تكفل لي بحفظ ما بين
لحيه ورجليه أتكفل له بالجنة )) .
ومن تزكى فقد أفلح فيدخل الجنة، والزكاة متضمنة حصول الخير وزوال
الشر، فإذا حصل الخير وزال الشر - من العلم والعمل - حصل له
نور وهدى ومعرفة وغير ذلك ، والعمل يحصل له محبة وإنابة وخشية
وغير ذلك . هذا لمن ترك هذه المحظورات وأتى بالمأمورات ويحصل له
ذلك أيضاً قدرة وسلطانا ، وهذه صفات الكمال : العلم ، والعمل ،
والقدرة ، وحسن الإرادة ، وقد جاءت الآثار بذلك ، وأنه يحصل لمن
غض بصره نور في قلبه ومحبة ، كما جرب ذلك العالمون العاملون .
وفى مسند أحمد حدثنا عتاب عن عبد الله - وهو ابن المبارك - أنا
يحيى بن أيوب ، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن
القاسم، عن أبى أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( قال ما من
مسلم ينظر إلى محاسن امرأة ثم يغض بصره إلا أخلف الله له عبادة
يجد حلاوتها)).
ورواه أبو بكر بن الأنباري في أماليه من حديث ابن أبى حريم
ء
عن يحيى بن أيوب به، ولفظه: ((من نظر إلى امرأة فغض بصره عند
أول دفعة رزقه الله عبادة يجد حلاوتها)). وقد رواه أبو نعيم في الحلية:
٣٩٢

حدثنا أبى ، حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن ، حدثنا محمد بن يعقوب :
قال : حدثنا أبو اليمان، حدثنا أبو مهدي سعيد بن سنان، عن أبى الزاهرية ،
عن كثير بن مرة، عن ابن عمر : قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
((النظرة الأولى خطأ، والثانية عمد، والثالثة تدبر، نظر المؤمن إلى محاسن المرأة
سهم مسموم من سهام إبليس، من تركه خشية الله ورجاء ما عنده أثابه الله
تعالى بذلك عبادة تبلغه لذتها)) رواه أبو جعفر الخرائطى فى ((كتاب اعتلال
القلوب )) ثنا على بن حرب ، ثنا إسحق بن عبد الواحد ، ثنا هشيم ،
ثنا عبد الرحمن بن إسحق ، عن محارب بن دثار، عن جبلة عن حذيفة
ابن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((النظر إلى
المرأة سهم مسموم من سهام إبليس ، من تركه خوفا من الله أثابه الله
إيمانا يجد حلاوته فى قلبه)).
وقد رواه أبو محمد الخلال من حديث عبد الرحمن بن إسحق ،
عن النعمان بن سعد ، عن علي، وفيه ذكر السهم . ورواه أبو نعيم :
ثنا عبد الله بن محمد هو أبو الشيخ ، تنا ابن عفير ، قال تنا شعيب بن
سلمة ، ثنا عصمة بن محمد ، عن موسى يعنى ابن عقبة ، عن القاسم بن
محمد، عن عائشة : قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما من
عبد يكف بصره عن محاسن امرأة ولو شاء أن ينظر إليها لنظر إلا
أدخل الله قلبه عبادة يجد حلاوتها)) وروى ابن أبى الفوارس من طريق
٣٩٣

ابن الجوزي، عن محمد بن المسيب، ثنا عبد الله، قال حدثنى
الحسن عن مجاهد قال: (( غض البصر عن محارم الله يورث حب الله))
وقد روى مسلم فى صحيحه من حديث يونس بن عبيد ، عن عمرو بن
سعيد ، عن أبى زرعة بن عمرو بن جرير ، عن جده جرير بن عبد الله
البجلي : (( قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة
فأمرنى أن أصرف بصري)) ورواه الإمام أحمد عن هشيم عن يونس به
ورواه أبو داود والترمذي والنسائى من حديثه أيضاً ، وقال : الترمذي
حسن صحيح. وفي رواية قال: ((أطرق بصرك)) أي انظر إلى
الأرض ، والصرف أعم، فإنه قد يكون إلى الأرض أو إلى
جهة أخرى .
وقال أبو داود : حدثنا إسماعيل بن موسى الفزارى ، حدثنا شريك،
عن ربيعة الأيادي، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: ((قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم لعلي: يا علي لاتتبع النظرة النظرة. فإن لك
الأولى وليست لك الأخرى )) ورواه الترمذي من حديث شريك ، وقال
غريب لا نعرفه إلا من حديثه ، وفى الصحيح عن أبى سعيد قال قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إياكم والجلوس على الطرقات،
قالوا: يا رسول الله! ما لنا بد من مجالسنا نقعد فيها، فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم : إن أبيتم فأعطوا الطريق حقه ، قالوا وما حق الطريق
٣٩٤

يارسول الله ؟ قال : غض البصر، وكف الأذى ، ورد السلام والأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر)) وروى أبو القاسم البغوي عن أبي أمامة
(( قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اكفلوا لي ستا
أكفل لكم الجنة: إذا حدث أحدكم فلا يكذب ، وإذا اؤتمن فلا يخن ،
وإذا وعد فلا يخلف : غضوا أبصاركم ، وكفوا أيديكم ،
واحفظوا فروجكم)).
فالنظر داعية إلى فساد القلب . قال بعض السلف : النظر سهم سم
إلى القلب فلهذا أمر الله بحفظ الفروج، كما أمر بغض الأبصار التى هي
بواعث إلى ذلك ، وفى الطبرانى من طريق عبيد الله بن يزيد عن القاسم عن
أبي أمامة مرفوعا: ((لتعضن أبصاركم، ولتحفظن فروجكم، ولتقيمن وجوهكم،
أو لتكسفن وجوهكم)) وقال الطبراني حدثنا أحمد بن زهير التستري ،
قال قرأنا على محمد بن حفص بن عمر الضرير ، المقري: حدثنا يحيى بن
أبي كثير ، حدثنا هزيم بن سفيان ، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن
القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن ابن مسعود قال: (( قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: إن النظر سهم من سهام إبليس مسموم، فمن
تركه من مخافة الله أبدله الله إيماناً يجد حلاوته فى قلبه)) وفى حديث
أبي هريرة الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((زنا العينين النظر))
وذكر الحديث رواه البخاري تعليقاً ومسلم مسنداً ، وقد كانوا ينهون
٣٩٥

أن يحد الرجل بصره إلى المردان ، وكانوا يتهمون من فعل ذلك
فی دينه .
وقد ذهب كثير من العلماء إلى أنه لا يجوز للمرأة أن تنظر إلى
الأجانب من الرجال بشهوة ولا بغير شهوة أصلا .
قال شيخ الإسلام : وأما النور والعلم والحكمة فقد دل عليه قوله
( وَلَمَّابَلَغَ أَشُدَّهُ ءَاتَيْنَهُ حُكْمَا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْرِى
تعالى فى قصة يوسف :
فهي لكل محسن . وفي هذه السورة ذكر آية النور
اٌلْمُحْسِنِينَ)
بعد غض البصر وحفظ الفرج ، وأمره بالتوبة مما لا بد منه أن يدرك
ابن آدم من ذلك . وقال أبو عبد الرحمن السلمي : سمعت أبا الحسين
الوراق يقول : من غض بصره عن محرم أورثه الله بذلك حكمة على لسانه
يهتدي بها ، ويهدي بها إلى طريق مرضاته. وهذا لأن الجزاء من جنس
العمل ؛ فإذا كان النظر إلى محبوب فتركه لله عوضه الله ما هو أحب إليه
منه، وإذا كان النظر بنور العين مكروها أو إلى مكروه فتركه لله أعطاه
الله نوراً في قلبه وبصراً يبصر به الحق . قال شاه الكرماني : من غض
بصره عن المحارم ، وعمر باطنه بدوام المراقبة ، وظاهره باتباع السنة ،
وعود نفسه أكل الحلال ، وكف نفسه عن الشهوات : لم يخطئ له
فراسة ، وإذا صلح على الرجل فعرف الحق وعمله واتبع الحق : صار
زكياً تقياً مستوجباً للجنة .
٣٩٦

ويؤيد ذلك حديث أبى أمامة المشهور من رواية البغوي : حدثنا
طالوت بن عباد ، حدثنا فضالة بن جبير ، سمعت أبا أمامة يقول :
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((اكفلوا لي بست
أكفل لكم الجنة: إذا حدث أحدكم فلا يكذب، وإذااؤتمن فلا يخن، وإذا
وعد فلا يخلف، غضوا أبصاركم وكفوا أيديكم واحفظوا فروجكم)). فقد
كفل بالجنة لمن أتى بهذه الست خصال ، فالثلاثة الأولى تبرئة من النفاق
والثلاثة الأخرى تبرئة من الفسوق ، والمخاطبون مسلمون ، فإذا لم يكن
منافقاً كان مؤمناً، وإذا لم يكن فاسقاً كان تقياً فيستحق الجنة . ويوافق
ذلك ما روه ابن أبي الدنيا : حدثنا أبو سعيد المدنى ، حدثني عمر بن
سهل المازني ، قال حدثني عمر بن محمد بن صهبان ، حدثني صفوان بن
سليم ، عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((كل
عين باكية يوم القيامة إلا عين غضت عن محارم الله ، وعين
سهرت فى سبيل الله، وعين يخرج منها مثل رأس الذباب من
خشية الله)).
(وَلَا تَمُدَنَّ عَيْنَيَّكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَابِهِ= أَزْوَجَامِّنْهُمْ زَهْرَةَ
وقوله سبحانه :
يتناول النظر إلى الأموال واللباس والصور
اُلْحَيَوْقُالذُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ )
وغير ذلك من متاع الدنيا : أما اللباس والصور فها اللذان لا ينظر الله
إليها . كما فى صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال:
٣٩٧

(( إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم
( وَكََ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْذٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَشَّاً
وأعمالكم )، وقد قال تعالى:
وَرِهْيَا ) وذلك أن اللّه يمتع بالصور كما يمتع بالأموال، وكلاهما من زهرة
الحياة الدنيا ، وكلاهما يفتن أهله وأصحابه ، وربما أفضى به إلى الهلاك
دنيا وأخرى .
والهلكى رجلان . فمستطيع وعاجز، فالعاجز مفتون بالنظر ومد
العين إليه ، والمستطيع مفتون فيما أوتي منه ، غارق قد أحاط به مالا
يستطيع إنقاذ نفسه منه . وهذا المنظور قد يعجب المؤمن وإن كان
المنظور منافقاً أو فاسقاً كما يعجبه المسموع منهم . قال تعالى: ( وَإِذَا
رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمَّ وَإِن يَقُولُواْتَسْمَعْ لِقَوْلِمْ كَنْهُمْ خُشُرٌ مُسَنَدَةٌ يُحْسَبُونَ كُلَّ
فهذا تحذير
صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُ الْعَدُوُفَاحْذَرْهُمْ قَتَهُمُاللّه)
من الله تعالى من النظر إليهم واستماع قولهم، فلا ينظر إليهم ولا يسمع
قولهم ، فإن الله سبحانه قد أخبر أن رؤيام تعجب الناظرين إليهم، وأن
قولهم يعجب السامعين.
ثم أخبر عن فساد قلوبهم وأعمالهم بقوله: (كَأَنَهُمْخُشُبُ مُسَنَّدَةٌ .
فهذا مثل قلوبهم وأعمالهم ، وقال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ
قَوْلُهُ فِى الْحَيَوَةِ الذُّنْيَا) الآية: وقد قال تعالى فى قصة قوم لوط: (إِنَّ
فِي ذَلِكَ لَتِ لِلْمُتَوَسّمِينَ ) . والتوسم من السمة ، وهي العلامة. فأخبر
٣٩٨

سبحانه أنه جعل عقوبات المعتدين آيات للمتوسمين . وفى الترمذي عن
النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((اتقوا فراسة المؤمن ، فإنه ينظر بنور
الله )) ثم قرأ: (إِنَّفِ ذَلِكَ لَيَتِ لِلْمُتَوَسِّمِينَ) فدل ذلك على
أن من اعتبر بما عاقب الله به غيره من أهل الفواحش كان
من المتوسمين .
وأخبر تعالى عن اللوطية أنه طمس أبصارم ، فكانت عقوبة أهل
الفواحش طمس الأبصار ، كما قد عرف ذلك فيهم وشوهد منهم .
وكان ثواب المعتبرين بهم التاركين لأفعالهم إعطاء الأنوار ، وهذا
مناسب لذكر آية النور عقيب غض الأبصار . وأما القدرة والقوة
التى يعطيها الله لمن انقاه وخالف هواه فذلك حاصل معروف ، كما جاء
((إن الذي يترك هواه يفرق الشيطان من ظله)) وفى الصحيح أن النبى
صلى الله عليه وسلم قال: ((ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك
نفسه عند الغضب)) وفى رواية: ((إنه حر بقوم يخذفون حجراً، فقال:
ليس الشدة فى هذا ، وإنما الشدة فى أن يمتلئ أحدكم غيظاً ثم يكظمه
لله)» أو كما قال .
وهذا ذكره في الغضب ؛ لأنه معتاد لبني آدم كثيراً ، ويظهر
للناس . وسلطان الشهوة يكون في الغالب مستوراً عن أعين الناس ،
وشيطانها خاف ، ويمكن فى كثير من الأوقات الاعتياض بالحلال عن
٣٩٩

الحرام ، وإلا فالشهوة إذا اشتعلت واستوات قد تكون أقوى من
الغضب، وقد قال تعالى: (وَخُلِقَ الْإِنسَنُ ضَعِيفًا ) أي ضعيفاً عن
النساء لا يصبر عنهن، وفى قوله: (رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَابِهِ )
ذكروا منه العشق ، والعشق يفضي بأهله إلى الأمراض والإهلاك ،
وإن كان الغضب قد يبلغ ذلك أيضاً ، وقد دل القرآن على أن القوة
والعزة لأهل الطاعة التائبين إلى الله في مواضع كثيرة ، كقوله فى سورة
هود: ( وَيَقَوْمِ أَسْتَغْفِرُ واْرَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَارًا
وَيَزِدُ كُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَتِكُمْ) وقوله: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ)
(وَلَاتَهِنُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُتُمْ مُؤْ مِنِينَ ) .
وإذا كان الذي قد يهجر السيئات يغض بصره ويحفظ فرجه وغير
ذلك مما نهى الله عنه يجعل الله له من النور والعلم والقوة والعزة ومحبة
الله ورسوله ، فما ظنك بالذي لم يحم حول السيئات ولم يعرها طرفه
قط ولم تحدثه نفسه بها؟!بل هو يجاهد فى سبيل الله أهلها ليتركوا
السيئات ؟ فهل هذا وذاك سواء ؛ بل هذا له من النور والإيمان والعزة
والقوة والمحبة والسلطان والنجاة فى الدنيا والآخرة أضعاف أضعاف
ذاك ، وحاله أعظم وأعلى، ونوره أتم وأقوى ، فإن السيئات تهواها
النفوس ، ويزينها الشيطان ، فتجتمع فيها الشبهات والشهوات .
فإذا كان المؤمن قد حبب الله إليه الإيمان وزينه فى قلبه، وكره
٤٠٠