Indexed OCR Text

Pages 141-160

فإن قيل : فقد قال يوسف أولا: (إِنَّهُ رَبِ أَحْسَنَ مَثْوَىِّ إِنَّمْلَا يُفْلِحُ
الظَّالِمُونَ).
قيل : إن كان مراده بذلك سيده : فالمعنى أنه أحسن إلي ،
وأكرمني ، فلا يحل لي أن أخونه فى أهله ، فإنى أكون ظالما ولا
يفلح الظالم ؛ فترك خيانته فى أهله خوفا من الله لا ليعلم
هو بذلك .
فإن قيل : مراده تأتى إظهار براءتى ليعلم العزيز أنى لم أخته بالغيب،
فالمعلل إظهار براءته لانفس عفافه .
قيل : لم يكن مراده بإظهار براءته مجرد علم واحد ؛ بل مراده
علم الملك وغيره . ولهذا قال للرسول: (ارْجِعْ إِلَى رَيِّكَ فَسْئَلَهُ مَابَالُ
ولو كان هذا من قول يوسف
النِّسْوَةِ الَّتِى قَطَّعْنَ أَيَدِيَهُنَّ)
لقال: ذلك ليعلموا أنى بريء وأنى مظلوم .
ثم هذا لا يليق أن يذكر عن يوسف ؛ لأنه قد ظهرت براءته ،
وحصل مطلوبه ، فلا يحتاج أن يقول ذلك لتحصيل ذلك . وم قد
علموا أنه إنما تأخر لتظهر براءته، فلا يحتاج مثل هذا أن
ينطق به .
١٤١

((الوجه الثامن)) أن الناس عادتهم فى مثل هذا يعرفون بما عملوه
من لذلك عنده قدر ، وهذا يناسب لو كان العزيز غيوراً ، وللعفة
عنده جزاء كثير ، والعزيز قد ظهر عنه من قلة الغيرة وتمكين امرأته
من حبسه مع الظالمين مع ظهور براءته ما يقتضى أن مثل هذا ينبغي
فى عادة الطباع أن يقابل على ذلك بمواقعة أهله . فإن النفس الأمارة
تقول فى مثل هذا : هذا لم يعرف قدر إحسانى إليه ، وصونى لأهله .
وكف نفسي عن ذلك ؛ بل سلطها ومكنها .
فكثير من النفوس لو لم يكن فى نفسها الفاحشة إذا رأت من حاله
هذا تفعل الفاحشة ، إما نكاية فيه ومجازاة له على ظلمه ، وإما إهمالا
له لعدم غيرته وظهور ديانته ، ولا بصبر فى مثل هذا المقام عن الفاحشة
إلا من يعمل لله خائفاً منه ، وراجياً لثوابه ، لا من يريد تعريف
الخلق بعمله .
((الوجه التاسع)) أن الخيانة ضد الأمانة ، وهما من جنس الصدق
والكذب . ولهذا يقال : الصادق الأمين ، ويقال الكاذب الخائن .
وهذا حال امرأة العزيز ؛ فإنها لو كذبت على يوسف فى مغيبه وقالت
راودنى لكانت كاذبة وخائنة ، فلما اعترفت بأنها هي المراودة كانت
صادقة فى هذا الخبر أمينة فيه؛ ولهذا قالت: (وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّدِقِينَ)
فأخبرت بأنه صادق فى تبرئته نفسه دونها .
١٤٢

فأما فعل الفاحشة فليس من باب الخيانة والأمانة ؛ ولكن هو
باب الظلم والسوء والفحشاء ، كما وصفها الله بذلك فى قوله تعالى عن
يوسف : (مَعَاذَاللَّهِ إِنَّهُ رَبِّ أَحْسَنَ مَثْوَاِىٌّ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) ولم يقل
هنا الخائنين . ثم قال تعالى: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَآءَ إِنَّهُ.
مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) ولم يقل لنصرف عنه الخيانة؛ فليتدبر اللبيب
هذه الدقائق فى كتاب الله تعالى.
((الوجه العاشر)) أن فى الكلام المحكى الذي أقره الله تعالى:
وهذا يدل على أنه
(إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلََّ مَارَحِمَ رَبِّ )
ليس كل نفس أمارة بالسوء ؛ بل ما رحم ربى ليس فيه النفس
الأمارة بالسوء .
وقد ذكر طائفة من الناس أن النفس لها ثلاثة أحوال : تكون
أمارة بالسوء ، ثم تكون لوامة ، أي تفعل الذنب ثم تلوم عليه ، أو
تتلوم فتتردد بين الذنب والتوبة . ثم تصير مطمئنة .
و ((المقصود هنا)) أن ما رحم ربى من النفوس ليست بأمارة ،
وإذا كانت النفوس منقسمة إلى مرحومة وأمارة فقد علمنا قطعاً أن
نفس امرأة العزيز من النفوس الأمارة بالسوء ؛ لأنها أمرت بذلك مرة
بعد مرة، وراودت وافترت ، واستعانت بالنسوة وسجنت ، وهذا من
١٤٣

أعظم ما يكون من الأمر بالسوء .
وأما يوسف عليه الصلاة والسلام فإن لم تكن نفسه من النفوس
المرحومة عن أن تكون أمارة فما في الأنفس مرحوم ؛ فإن من تدبر قصة
يوسف علم أن الذي رحم به وصرف عنه من السوء والفحشاء من
أعظم مايكون، ولولا ذلك لما ذكره الله في القرآن وجعله عبرة، وما من
أحد من الصالحين الكبار والصغار إلا ونفسه إذا ابتليت بمثل هذه
الدواعى أبعد عن أن تكون مرحومة من نفس يوسف . وعلى هذا
التقدير : فإن لم تكن نفس يوسف مرحومة : فما فى النفوس مرحومة ،
فإذا كل النفوس أمارة بالسوء، وهو خلاف مافى القرآن .
ولا يلتفت إلى الحكاية المذكورة عن مسلم بن يسار ؛ أن أعرابية
دمته إلى نفسها، وهما فى البادية ؛ فامتنع وبكى، وجاء أخوه وهو
يبكى فبكى وبكت المرأة، وذهبت فنام فرأى يوسف في منامه ، وقال:
أنا يوسف الذى هممت ، وأنت مسلم الذي لم تهم ، فقد
يظن من يسمع هذه الحكاية أن حال مسلم كان أكمل . وهذا
جهل لوجهين :
((أحدهما)) أن مسلما لم يكن تحت حكم المرأة المراودة ولا لها
عليه حكم، ولا لها عليه قدرة أن تكذب عليه، وتستعين بالنسوة
١٤٤

وتحبسه . وزوجها لا يعينه ولا أحد غير زوجها بعينه على العصمة ؛
بل مسلم لما بكى ذهبت تلك المرأة ، ولو استعصمت لكان صراخه
منها أو خوفها من الناس يصرفها عنه . وأين هذا مما ابتلى به يوسف
عليه الصلاة والسلام ؟ ! .
((الثاني)) أن الهم من يوسف لما تركه لله كان له به حسنة ، ولا نقص
عليه. وثبت فى الصحيحين من حديث السبعة الذين ((يظلهم الله فى ظله
يوم لا ظل إلا ظله : رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال ، فقال :
إني أخاف الله رب العالمين)) وهذا لمجرد الدعوة ، فكيف بالمراودة
والاستعانة والحبس ؟
ومعلوم أنها كانت ذات منصب ، وقد ذكر أنها كانت ذات جمال
وهذا هو الظاهر ، فإن امرأة عزيز مصر يشبه أن تكون جميلة . وأما
البدوية الداعية لمسلم فلا ريب أنها دون ذلك ، ورؤياه فى المنام وقوله :
أنا يوسف الذي هممت وأنت مسلم الذي لم تهم غايته أن يكون بمنزلة
أن يقول ذلك له يوسف في اليقظة، وإذا قال هذا : كان هذا خيراً له
ومدحاً وثناء ، وتواضعا من يوسف، وإذا تواضع الكبير مع من دونه
لم تسقط منزلته .
((الوجه الحادي عشر)) أن هذا الكلام فيه - مع الاعتراف
١٤٥

بالذنب - الاعتذار بذكر سببه، فإن قولها: (أَنَأرَوَدَتُّهُ عَن نَّفْسِهِ، وَإِنَّهُ.
لَمِنَ الصَّدِقِينَ) فيه اعتراف بالذنب ، وقولها: (وَمَا أُبَرُِّ نَفْسِىَّإِنَّالنَّفْسَ
لَأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ) إشارة تطابق لقولها: (أَنَارَوَدتُّهُ) أي أنا مقرة بالذنب
ما أنا مبرئة لنفسى . ثم بينت السبب فقالت: (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ).
فنفسي من هذا الباب ، فلا ينكر صدور هذا مني . ثم ذكرت ما
يقتضى طلب المغفرة والرحمة ، فقالت : إن ربي غفور رحيم .
فإن قيل: فهذا كلام من يقر بأن الزنا ذنب ، وأن الله قد
يغفر لصاحبه .
قلت : نعم . والقرآن قد دل على ذلك ، حيث قال زوجها :
فأمره لها بالاستغفار
( يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَأَسْتَغْفِرِى لِذَنِكِ )
لذنبها دليل أنهم كانوا يرون ذلك ذنباً ويستغفرون منه ، وإن كانوا مع
ذلك مشركين ، فقد كانت العرب مشركين وم يحرمون الفواحش ،
ويستغفرون اللّه منها ، حتى إن النبى صلى الله عليه وسلم لما بايع هند
بنت عتبة بن ربيعة بيعة النساء على أن لا تشرك بالله شيئا، ولا تسرق
ولا تزنى. قالت : أو تزني الحرة؟ وكان الزنا معروفا عندهم في الإماء.
ولهذا غلب على لغتهم أن يجعلوا الحرية فى مقابلة الرق ، وأصل
١٤٦

اللفظ هو العفة ؛ ولكن العفة عادة من ليست أمة ؛ بل قد ذكر البخاري
فى صحيحه عن أبى رجاء العطاردي ، أنه رأى في الجاهلية قرداً يزنى
بقردة ، فاجتمعت القرود عليه حتى رجمته .
وقد حدثني بعض الشيوخ الصادقين ، أنه رأى فى جامع نوعا
من الطير قد باض ، فأخذ الناس بيضة ، وجاء ببيض جنس آخر من
الطير ، فلما انفقس البيض خرجت الفراخ من غير الجنس . فجعل
الذكر يطلب جنسه ، حتى اجتمع منهن عدد فما زالوا بالأنثى حتى قتلوها
ومثل هذا معروف فى عادة البهائم .
والفواحش مما اتفق أهل الأرض على استقباحها وكراهتها ،
وأولئك القوم كانوا يقرون بالصانع مع شركهم ؛ ولهذا قال لهم يوسف :
(يَصَحِتَى السّجْنِ ءَ أَرْبَابٌ مُتَفَرِّفُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ اَلْقَهَارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِن
دُونِهِ إِلَّ أَسْمَآءَ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَآؤُ كُمْ مَّا أَنْزَلَ اَللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ
ج
إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُ وَأَإِلََّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّأَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ).
((الوجه الثاني عشر)) أن يقال: إن الله سبحانه وتعالى لم يذكر
عن نبي من الأنبياء ذنباً إلا ذكر توبته منه ؛ ولهذا كان الناس في
عصمة الأنبياء على قولين : إما أن يقولوا بالعصمة من فعلها ، وإما
١٤٧

أن يقولوا بالعصمة من الإقرار عليها ؛ لاسيما فيما يتعلق بتبليغ الرسالة ،
فإن الأمة متفقة على أن ذلك معصوم أن يقر فيه على خطأ ، فإن ذلك
يناقض مقصود الرسالة ، ومدلول المعجزة .
وليس هذا موضع بسط الكلام فى ذلك ، ولكن المقصود هنا أن
الله لم يذكر في كتابه عن نبي من الأنبياء ذنباً إلا ذكر توبته منه،
كما ذكر فى قصة آدم وموسى ، وداود وغيرهم من الأنبياء .
وبهذا يجيب من ينصر قول الجمهور الذين يقولون بالعصمة من
الإقرار على من ينفي الذنوب مطلقاً ، فإن هؤلاء من أعظم حججهم
ما اعتمده القاضى عياض وغيره ، حيث قالوا : نحن مأمورون بالتأسى
بهم فى الأفعال ، وتجويز ذلك يقدح في التأسي ؛ فأجيبوا بأن التأسي
إنما هو فيما أقروا عليه ، كما أن النسخ جائز فيما يبلغونه من الأمر
والنهي ، وليس تجويز ذلك مانعاً من وجوب الطاعة ، لأن الطاعة
تجب فيما لم ينسخ ، فعدم النسخ يقرر الحكم، وعدم الإنكار يقرر
الفعل ، والأصل عدم كل منها .
ويوسف عليه الصلاة والسلام لم يذكر الله تعالى عنه فى القرآن
أنه فعل مع المرأة ما يتوب منه ، أو يستغفر منه أصلا. وقد اتفق
الناس على أنه لم تقع منه الفاحشة ، ولكن بعض الناس يذكر أنه وقع
١٤٨

منه بعض مقدماتها ، مثل ما يذكرون أنه حل السراويل ، وقعد منها
مقعد الخائن ونحو هذا ، وما ينقلونه فى ذلك ليس هو عن النبى صلى
اللّه عليه وسلم، ولا مستند لهم فيه إلا النقل عن بعض أهل الكتاب
وقد عرف كلام اليهود فى الأنبياء وغضهم منهم ، كما قالوا فى سليمان
ما قالوا ، وفي داود ما قالوا ، فلو لم يكن معنا ما يرد نقلهم لم
نصدقهم فيما لم نعلم صدقهم فيه ، فكيف نصدقهم فيما قددل القرآن
على خلافه .
والقرآن قد أخبر عن يوسف من الاستعصام والتقوى والصبر فى
هذه القضية ما لم يذكر عن أحد نظيره ، فلو كان يوسف قد أذنب
لكان إما مصراً وإما نائباً ، والإصرار ممتنع ، فتعين أن يكون تائباً .
والله لم يذكر عنه توبة فى هذا ولا استغفاراً كما ذكر عن غيره من
الأنبياء ؛ فدل ذلك على أن ما فعله يوسف كان من الحسنات المبرورة،
والمساعي المشكورة ، كما أخبر اللّه عنه بقوله تعالى: (إِنَّهُ،مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ
فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ).
وإذا كان الأمر فى يوسف كذلك ؛ كان ما ذكر من قوله : ( إِنَّ
إنما يناسب حال امرأة العزيز
النَّفْسَ لَأَمَارَةٌ بِالسُّوءِ إِلََّ مَارَحِمَ رَقٍِّ)
لا يناسب حال يوسف ، فإضافة الذنوب إلى يوسف في هذه القضية
فرية على الكتاب والرسول ، وفيه تحريف للكلم عن مواضعه ، وفيه
١٤٩

الاغتياب لنبي كريم ، وقول الباطل فيه بلا دليل ، ونسبته إلى مانزهه
اللّه منه ، وغير مستبعد أن يكون أصل هذا من اليهود أهل البهت ،
الذين كانوا يرمون موسى بما برأه الله منه، فكيف بغيره من الأنبياء؟
وقد تلقى نقلهم من أحسن به الظن ، وجعل تفسير القرآن تابعاً
لهذا الاعتقاد .
واعلم أن المنحرفين في مسألة العصمة على طرفي نقيض، كلاهما
مخالف لكتاب الله من بعض الوجوه : قوم أفرطوا في دعوى امتناع
الذنوب ، حتى حرفوا نصوص القرآن المخبرة بما وقع منهم من التوبة
من الذنوب ، ومغفرة الله لهم، ورفع درجاتهم بذلك . وقوم أفرطوا
في أن ذكروا عنهم ما دل القرآن على براءتهم منه ، وأضافوا إليهم
ذنوباً وعيوباً نزههم الله عنها . وهؤلاء مخالفون للقرآن وهؤلاء مخالفون
للقرآن ، ومن اتبع القرآن على ما هو عليه من غير تحريف كان من
الأمة الوسط ، مهتديا إلى الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعم الله
عليهم من النبيين والصديقين ، والشهداء والصالحين .
قال النبى صلى الله عليه وسلم: (( اليهود مغضوب عليهم،
والنصارى ضالون)) وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم
أنه قال: ((لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة ، حتى لو
دخلوا جحر ضب لدخلتموه )) قالوا : يا رسول الله ! اليهود والنصارى ؟
١٥٠

قال: ((فمن؟)) وفى الحديث الآخر الذي في الصحيح: ((لنأخذن
أمتى مأخذ الأمم قبلها ، شبراً بشبر ، وذراعا بذراع )) قالوا يارسول
الله! فارس والروم؟ قال: ((ومن الناس إلا هؤلاء؟))
ولا ريب أنه صار عند كثير من الناس من على أهل الكتاب ومن
فارس والروم ما أدخلوه فى علم المسلمين ودينهم وهم لا يشعرون ، كما
دخل كثير من أقوال المشركين من أهل الهند واليونان وغيرهم .
والمجوس والفرس والصابئين من اليونان وغيرهم في كثير من المتأخرين
لا سيما في جنس المتفلسفة والمتكلمة .
ودخل كثير من أقوال أهل الكتاب اليهود والنصارى فى طائفة
ثم أمثل من هؤلاء ، إذ أهل الكتاب كانوا خيراً من غيرهم .
ولما فتح المسلمون البلاد كانت الشام ومصر ونحوهما مملوءة من
أهل الكتاب ، النصارى واليهود ، فكانوا يحدثونهم عن أهل الكتاب
بما بعضه حق وبعضه باطل ؛ فكان من أكثرم حديثا عن أهل
الكتاب كعب الأحبار . وقد قال معاوية - رضي الله عنه - مارأينا
فى هؤلاء الذين يحدثونا عن أهل الكتاب أصدق من كعب ، وإن
كنا لنبلو عليه الكذب أحياناً .
ومعلوم أن عامة ما عند كعب أن ينقل ما وجده فى كتبهم ، ولو
١٥١

نقل ناقل ما وجده فى الكتب عن نبينا صلى الله عليه وسلم لكان فيه
كذب كثير ، فكيف بما في كتب أهل الكتاب مع طول المدة، وتبديل
الدين ، وتفرق أهله ، وكثرة أهل الباطل فيه .
وهذا باب ينبغى للمسلم أن يعتني به ، وينظر ما كان عليه أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين هم أعلم الناس بما جاء به، وأعلم
الناس بما يخالف ذلك من دين أهل الكتاب والمشركين والمجوس
والصابئين . فإن هذا أصل عظيم .
ولهذا قال الأئمة - كأحمد بن حنبل وغيره - أصول السنة هي التمسك
بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن تأمل هذا الباب وجد كثيراً من البدع أحدثت بآثار أصلها
عنهم ، مثل ما يروى في فضائل بقاع فى الشام ، من الجبال والغيران ،
ومقامات الأنبياء ونحو ذلك . مثل ما يذكر فى جبل قاسيون ، ومقامات
الأنبياء التى فيه ، وما في إتيان ذلك من الفضيلة حتى إن بعض
المفترين من الشيوخ جعل زيارة مغارة فيه ثلاث مرات تعدل حجة ،
ويسمونها مقامات الأنبياء .
والآثار التى تروى فى ذلك لا تصل إلى الصحابة ، وإنما هي عمن
١٥٢

دونهم ممن أخذها عن أهل الكتاب ، وإلا فلو كان لهذا أصل لكان
هذا عند أكثر الصحابة الذين قدموا الشام ، مثل بلال بن رباح ،
ومعاذ بن جبل ، وعبادة بن الصامت ؛ بل ومثل أبي عبيدة بن الجراح
أمين الأمة وأمثالهم . فقد دخل الشام من أكابر الصحابة أفضل ممن
دخل بقية الأمصار غير الحجاز ، فلم ينقل عن أحد منهم اتباع شيء
من آثار الأنبياء ، لا مقارهم ولا مقاماتهم ، فلم يتخذوها مساجد ، ولا
كانوا يتحرون الصلاة فيها ، والدعاء عندها ؛ بل قد ثبت عن عمر بن
الخطاب - رضي الله عنه - أنه كان فى سفر، فرأى قوماً ينتابون
مكاناً يصلون فيه ، فقال : ما هذا ؟ قالوا : هذا مكان صلى فيه رسول
الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ومكان صلى فيه رسول الله صلى
الله عليه وسلم؟! أتريدون أن تتخذوا آثار أنبياتكم مساجد؟ إنما هلك
من كان قبلكم بهذا . من أدركته الصلاة فيه فليصل ، وإلا فليمض .
ولما دخل البيت المقدس وأراد أن يبنى مصلى المسلمين : قال
لكعب ؟ أين أبنيه ؟ قال ابنه خلف الصخرة . قال : خالطتك يهودية
يا ابن اليهودية ؛ بل أبنيه أمامها ، ولهذا كان عبد الله بن عمر إذا دخل
بيت المقدس صلى فى قبليه ، ولم يذهب إلى الصخرة .
وكانوا يكذبون ما ينقله كعب : أن الله قال لها : أنت عرشى
الأدنى ، ويقولون : من وسع كرسيه السموات والأرض كيف تكون
١٥٣

الصخرة عرشه الأدنى ؟! ولم تكن الصحابة يعظمونها ، وقالوا : إنما
بنى القبة عليها عبد الملك بن مروان لما كان محاربا لابن الزبير ، وكان
الناس يذهبون إلى الحج فيجتمعون به عظم الصخرة ؛ ليشتغلوا بزيارتها
عن جهة ابن الزبير، وإلا فلا موجب فى شريعتنا لتعظيم الصخرة ، وبناء
القبة عليها وسترها بالأنطاع والجوخ . ولو كان هذا من شريعتنا :
لكان عمر وعثمان ومعاوية رضي الله عنهم أحق بذلك ممن بعده ؛
فإن هؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعلم بسنته، وأتبع
لها ممن بعدهم.
وكذلك الصحابة لم يكونوا ينتابون قبر الخليل صلى الله عليه وسلم ؛
بل ولا فتحوه ؛ بل ولا بنوا على قبر أحد من الأنبياء مسجداً ؛ فإنهم
كانوا يعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن من كان
قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد
فإنى أنهاكم عن ذلك)) .
ولما ظهر قبر دانيال بتستر كتب فيه أبو موسى إلى عمر بن الخطاب
- رضي الله عنه - فكتب إليه عمر، إذا كان بالنهار فاحفر ثلاثة
عشر قبراً ثم ادفنه بالليل فى واحد منها ، وعفر قبره لئلا يفتتن به
الناس ، وقد تأملت الآثار التى تروى فى قصد هذه المقامات ، والدعاء
١٥٤

عندها أو الصلاة ، فلم أجد لها عن الصحابة أصلا، بل أصلها عمن
أخذ عن أهل الكتاب .
فمن أصول الإسلام أن تميز ما بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم
من الكتاب والحكمة ، ولا تخلطه بغيره ، ولا تلبس الحق بالباطل ،
كفعل أهل الكتاب . فإن الله سبحانه أكمل لنا الدين ، وأتم علينا
النعمة ، ورضي لنا الإسلام دينا .
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (( تركتكم على البيضاء ليلها
كنهارها ، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك )) وقال عبد الله بن مسعود
رضي الله عنه: « خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا، وخط
خطوطا عن يمينه وشماله ، ثم قال : هذا سبيل الله ، وهذه السبل على
كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم قرأ قوله تعالى: (وَأَنَّ هَذَاصِرَاطِى
مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ))).
وجماع ذلك بحفظ أصلين :
((أحدهما)) تحقيق ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا
يخلط بما ليس منه من المنقولات الضعيفة ، والتفسيرات الباطلة ، بل
يعطى حقه من معرفة نقله ، ودلالته .
١٥٥

و (( الثانى)) أن لا يعارض ذلك بالشهات لا رأياً ولا رواية . قال
الله تعالى فيما يأمر به بني إسرائيل ، وهو عبرة لنا: (وَءَامِنُواْبِمَآً
أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِةٍ، وَلَا تَشْتَرُوأَِابَتِى ثَمَنَا قَلِيلًا وَإِنَىَ فَاتَّقُونِ
وَلَا تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَطِلِ وَتَكْثُمُواْ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ )
فلا يكتم الحق الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يلبس
بغيره من الباطل ، ولا يعارض بغيره.
(أَتَّبِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَنَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءُ
قال الله تعالى:
(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ اُفْتَرَىُ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْقَالَ
وقال تعالى :
قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ )
أُوْجِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ )
وهؤلاء الأقسام الثلاثة م أعداء الرسل . فإن أحدم إذا أتى بما
يخالفه ، إما أن يقول : إن الله أنزله علي فيكون قد افترى على الله،
أو يقول: أوحي إليه ولم يسم من أوحاه ، أو يقول: أنا أنشأته ،
وأنا أنزل مثل ما أنزل الله، فإما أن يضيفه إلى الله أو إلى نفسه
أو لا يضيفه إلى أحد .
وهذه الأقسام الثلاثة م من شياطين الإنس والجن ، الذين يوحي
بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً . قال الله تعالى: (وَقَالَ
الرَّسُولُ يَرَبِّ إِنَّ قَوْمِى أَّخَذُ واْ هَذَا الْقُرْءَانَ مَهْجُورًا * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِّ عَدُوًّا مِنَ
والله أعلم، والحمد لله.
الْمُجْرِمِنِّ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا )
١٥٦

سئل رضي اللّه عنه
(قُلْ هَذِهِ، سَبِيلِيَّ أَدْعُواْإِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ
عن قوله تعالى :
وَمَنِ اتَّبَعَنِى ) ؟ وهل الدعوة عامة تتعين في حق كل مسلم ومسلمة
أم لا ؟ وهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر داخل فى هذه الدعوة
أم لا وإذا كانا داخلين أو لم يكونا فهل هما من الواجبات على كل
فرد من أفراد المسلمين كما تقدم أم لا ؟ وإذا كانا واجبين فهل يجبان
مطلقاً مع وجود المشقة بسببها أم لا ؟ وهل للآمر بالمعروف والناهي
عن المنكر أن يقتص من الجاني عليه إذا آذاه فى ذلك لئلا يؤدي إلى
طمع منه فى جانب الحق أم لا ؟ وإذا كان له ذلك فهل تركه أولى
مطلقاً أم لا ؟؟.
فأجاب - رضى الله عنه وأرضاه - الحمد لله رب العالمين.
الدعوة إلى الله هي الدعوة إلى الإيمان به ، وبما جاءت به رسله ،
بتصديقهم فيما أخبروا به ، وطاعتهم فيما أمروا ، وذلك يتضمن الدعوة
إلى الشهادتين ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج
البيت ، والدعوة إلى الإيمان بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ،
١٥٧

والبعث بعد الموت ، والإيمان بالقدر خيره وشره ، والدعوة إلى أن
يعبد العبد ربه كأنه يراه.
فإن هذه الدرجات الثلاث التى هي ((الإسلام)) و ((الإيمان))
و((الإحسان)) داخلة في الدين ، كما قال فى الحديث الصحيح :
((هذا جبريل جاءكم بعلمكم دينكم)» بعد أن أجابه عن هذه الثلاث. فيين
أنها كلها من ديننا .
و ((الدين)) مصدر، والمصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول ، يقال
دان فلان فلاناً إذا عبده وأطاعه ، كما يقال دانه إذا أذله . فالعبد
يدين الله أي يعبده ويطيعه ، فإذا أضيف الدين إلى العبد فلأنه العابد
المطيع، وإذا أضيف إلى الله فلأنه المعبود المطاع ، كما قال تعالى :
( وَقَئِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ) .
فالدعوة إلى الله تكون بدعوة العبد إلى دينه، وأصل ذلك عبادته
وحده لا شريك له، كما بعث الله بذلك رسله، وأنزل به كتبه . قال
تعالى : ( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَيْنَابِهِ:
إِبْرَهِيَمَ وَمُوسَى وَعِيسَىّ أَنْ أَقِيمُواْالَّذِينَ وَلَا نَشَفَرَّقُواْفِيهِ )
(وَسْتَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ
وقال تعالى :
ءَالِهَةً يُعْبَدُونَ )
وقال تعالى :
( وَلَقَدْ بَعَثْنَا
١٥٨

فِ كُلّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْالطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ
وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَلَةُ ) وقال تعالى: (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ
مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ أَنَهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا أَنْ فَاعْبُدُونِ ) .
وقد ثبت فى الصحيح عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم أنه قال: (( إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد ؛ الأنبياء إخوة
لعلات ، وإن أولى الناس بابن مريم لأنا، إنه ليس بينى وبينه نى))
فالدين واحد وإنما تنوعت شرائعهم ومناهجهم، كما قال تعالى: (لِكُلِّ
جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ).
فالرسل متفقون في الدين الجامع للأصول الاعتقادية والعملية ،
فالاعتقادية كالإيمان بالله وبرسله وباليوم الآخر ، والعملية كالأعمال العامة
المذكورة فى الأنعام والأعراف ، وسورة بنى إسرائيل ، كقوله تعالى :
﴿قُلْ تَعَالَوْ أَتْلُ مَاحَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) إلى آخر الآيَات الثلاث. وقوله :
إلى آخر الوصايا. وقوله: (قُلْ
(وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُ وَأْ إِلَّ إِيَّاهُ )
أَمَرَرَبِى بِالْقِسْطٌ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَكُلِّ مَسْجِدٍ وَأَدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)
وقوله: ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبَِّ الْفَوَاحِشَ مَاظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَآلْإِثْمَ وَالْبَغْىَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ
تُشْرِكُوْبِاللَّهِ مَا لَمْ يَزِّلْ بِهِ، سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَ نَعْلَمُونَ ) .
١٥٩

فهذه الأمور هي من الدين الذي اتفقت عليه الشرائح ، كعامة
ما فى السور المكية ، فإن السور المكية تضمنت الأصول التى اتفقت
عليها رسل الله؛ إذ كان الخطاب فيها يتضمن الدعوة لمن لا يقر بأصل
الرسالة ، وأما السور المدنية ففيها الخطاب لمن يقر بأصل الرسالة ، كأهل
الكتاب الذين آمنوا ببعض وكفروا ببعض ، وكالمؤمنين الذين آمنوا
بكتب الله ورسله؛ ولهذا قرر فيها الشرائح التى أكمل الله بها الدين:
كالقبلة، والحج ، والصيام ، والاعتكاف، والجهاد، وأحكام المناكح
ونحوها ؛ وأحكام الأموال بالعدل كالبيع ، والإحسان كالصدقة ، والظلم
كالربا ، وغير ذلك مما هو من تمام الدين .
ولهذا كان الخطاب فى السور المكية: (يَأَيُّهَا النَّاسُ ) لعموم
الدعوة إلى الأصول ؛ إذ لا يدعى إلى الفرع من لا يقر بالأصل ، فلما
هاجر النبى صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وعزبها أهل الإيمان ، وكان
بها أهل الكتاب ، خوطب هؤلاء وهؤلاء؛ فهؤلاء: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ ) وهؤلاء (يَأَهْلَ الْكِتَبِ) أو (يَبَنِىِّ إِسْرَِّيلَ ) ولم ينزل
بمكة شيء من هذا؛ ولكن فى السور المدنية خطاب: (يَأَيُّهَا النَّاسُ )
كما في سورة النساء وسورة الحج وهما مدنيتان ، وكذا فى البقرة .
وهذا يعكر على قول الخبر ابن عباس ؛ لأن الحكم المذكور يشمل
جنس الناس ، والدعوة بالاسم الخاص لا تنافى الدعوة بالاسم العام ،
١٦٠