Indexed OCR Text
Pages 41-60
وقال رحم اللّه فصل فى قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُلِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمٌّ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) والكلام عليها من وجهين : («أحدهما)) فى الاستغفار الدافع للعذاب . و ((الثاني)) في العذاب المدفوع بالاستغفار . أما ((الأول )) : فإن العذاب إنما يكون على الذنوب ، والاستغفار يوجب مغفرة الذنوب التى هي سبب العذاب فيندفع العذاب ، كما قال تعالى: (الّرَكِنَبِ أُحْكِمَتْءَ اَنُهُ ثُمَ فُصِّلَتْ مِن لَُّنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أََّتَعْبُدُوا إِلَّ اللَّهَ إِنَِّىِ ج لَكُ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ * وَنِ أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْثُمَ نُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَنِّعَكُمْ مَّنَعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلِ مُسَنَّى وَيُؤْتِ كُلَّذِى فَضْلٍ فَضْلَهُ ) فبين سبحانه أنهم إذا فعلوا ذلك متعوا متاعاً حسناً إلى أجل مسمى ثم إن كان لهم فضل أوتوا الفضل . ٤١ وقال تعالى [ عن ] نوح: (قَالَ يَقَوْمِ إِى لَكُمْنَذِيْرُبِينُ * أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُرُ مِنْ ذُنُوبِكُمْوَيُؤَخِرَّكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى ) إلى قوله: (اسْتَغْفِرُ واْرَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا ) الآية وقال تعالى: ( أُسْتَغْفِرُ واْرَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم وذلك أنه قد قال تعالى : مِّدْرَارًا وَيَزِدْ كُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ ) (وَمَا أَصَبَكُمْ مِّن قُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ ) وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَنُ بِبَعْضِ (أَوَلَمَّا أَصَبَتَّكُمْ مُصِيبَةٌ وقال تعالى : مَا كَسَبُواْ ) وقال تعالى : قَدْأَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَ هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ ) ( وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيِهِمْ ) وقال تعالى: (مَآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍفَمِن نَّفْسِكَ ) . وأما العذاب المدفوع فهو يعم العذاب السماوي ، ويعم ما يكون من العباد ، وذلك أن الجميع قد سماه الله عذاباً، كما قال تعالى في النوع الثانى: (وَإِذْ نَجَّنَكُمْ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِحُونَ أَبْنَاءَ كُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ) (فَتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ وقال تعالى : بِأَيْدِ يكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَصْرَّكُمْ عَلَيْهِمْ) وكذلك: (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَئِنِّ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِندِهٍِ أَوْيِأَيَدِينَا ) إذ التقدير بعذاب من عنده أو بعذاب بأيدينا ، كما قال تعالى: (قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبُهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِ يكُمْ). ٤٢ وعلى هذا فيكون العذاب بفعل العباد ، وقد يقال : التقدير : أو يصيبكم (وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُاللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ ) بأيدينا ؛ لكن الأول هو الأوجه ؛ لأن الإصابة بأيدي المؤمنين لا تدل على أنها إصابة بسوء ؛ إذ قد يقال : أصابه بخير ، وأصابه بشر . قال تعالى: (وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآَ لِفَضْلِهٍ، يُصِيبُ بِهِ، مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ) ( فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُ مِنْ خِلَلِهِ، فَإِذَا أَصَابَ بِهِ، مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ: وقال تعالى : ( وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا وقال تعالى : إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ). لِيُوسُفَ فِى الْأَرْضِ يَتَبَوَ أُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَآءُ) ولأنه لو كان لفظ الإصابة يدل على الإصابة بالشر لاكتفى بذلك فى قوله: (أَنْ يُصِيبَكُمُاللَّهُ). وقد قال تعالى أيضاً : (وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَ إِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ، مِنْ عِندِ لَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ فَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا * مَّاأَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَنَ اللَّهِوَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَينِ نَّفْسِكَ ) . ومن ذلك قوله تعالى: ( الزَّانِيَّةُ وَلَِّى فَاجْلِدُ واْكُلَّ وَجِدٍ مِنْهُمَا مِاْتَ جَلْدَةٍ ) وقوله تعالى : إلى قوله : (وَلَيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَابِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ) ( فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى اُلْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ ). ٤٣ ومن ذلك أنه يقال فى بلال ونحوه : كانوا من المعذبين فى الله ، ويقال إن أبا بكر اشترى سبعة من المعذبين فى الله. وقال صلى الله عليه وسلم: ((السفر قطعة من العذاب)). وإذا كان كذلك فقوله تعالى: (قُلْ هُوَ اُلْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِّكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْيَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِبِقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ) مع ما قد ثبت فى الصحيحين عن جابر عن النبى صلى الله عليه وسلم : (( أنه لما نزل قوله: (قُلْ هُوَ اُلْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ) قال: أعوذ بوجهك ( أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ) قال: أعوذ بوجهك ( أَوْيَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ) قال: هاتان أهون)» يقتضى أن لبسنا شيعا وإذاقة بعضنا بأس بعض هو من العذاب الذي يندفع بالاستغفار ، كما قال: (وَاتَّقُواْفِتْنَةً وإنما تنفى الفتنة بالاستغفار من لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْكُمْ خَاصَّةً ) الذنوب والعمل الصالح . وقوله تعالى: (إِلََّنَفِرُ واْيُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ) قد يكون العذاب من عنده، وقد يكون بأيدي العباد ، فإذا ترك الناس الجهاد فى سبيل الله فقد يبتليهم بأن يوقع بينهم العداوة حتى تقع بينهم الفتنة كما هو الواقع ؛ فإن الناس إذا اشتغلوا بالجهاد فى سبيل الله جمع الله قلوبهم وألف بينهم، وجعل بأسهم على عدو الله وعدوم، ٤٤ وإذا لم ينفروا فى سبيل الله عذبهم الله بأن يلبسهم شيعاً ويذيق بعضهم بأس بعض . وكذلك قوله: (وَلَنُذِيقَتَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ ◌َعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) يدخل فى العذاب الأدنى ما يكون بأيدي العباد ، كما قد فسر بوقعة بدر بعض ما وعد الله به المشركين من العذاب . ٤٥ سورة التوبة وقال : قد يستدل بقوله: (لَا تَتَّخِذُوَأْءَابَاءَكُمْ وَإِخْوَنَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ آَسْتَحَبُّواْ اُلْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَنِ ) على أن الولد يكون مؤمناً بإيمان والده ؛ لأنه لم يذكر الولد في استحبابه الكفر على الإيمان ، مع أنه أولى بالذكر ، وماذاك إلا أن حكمه مخالف لحكم الأب والأخ. وهو الفرق بين المحجور عليه لصغره وجنونه ، وبين المستقل ، كما استدل سفيان بن عيينة وغيره بقوله: (وَلَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُواْ مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْبُيُوتِ ءَابَابِكُمْ) أن بيت الولد مندرج فى بيوتكم ؛ لأنه وماله لأبيه . ويستدل بقوله: ( وَمَا لَكُمْلَا نُقَائِلُونَ فِى سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَنِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِالْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا ) على أن إسلام الوليد صحيح ؛ لأنه جعله من جملة القائلين قول من يطلب الهجرة ، وطلب الهجرة لا يصح إلا بعد الإيمان، وإذا كان له قول فى ذلك معتبر كان أصلا في ذلك ، ولم يكن تابعاً ،بخلاف الطفل الذي لا تمييز له ؛ فإنه تابع لاقول له . ٤٦ سئل رحمه الله عن قوله تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌّابْنُ اللَّهِ) كلهم قالوا ذلك أم بعضهم ؟ وقول النبى صلى الله عليه وسلم يؤتى باليهود يوم القيامة فيقال لهم (( ما كنتم تعبدون ؟ فيقولون العزير)) الحديث . هل الخطاب عام أم لا؟ فأحاب: الحمد لله. المراد باليهود جنس اليهود ، كقوله تعالى: لم يقل ( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَّكُمْ ) جميع الناس، ولا قال : إن جميع الناس قد جمعوا لكم ؛ بل المراد به الجنس . وهذا كما يقال الطائفة الفلانية تفعل كذا ، وأهل الفلانى يفعلون كذا ، وإذا قال بعضهم فسكت الباقون ولم ينكروا ذلك فيشتركون في إثم القول . والله أعلى. ٤٧ وقال فى الكلام على قوله: (قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَتِهِ، وَرَسُولِهِ، كُنْتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ) تدل على أن الاستهزاء بالله كفر ، وبالرسول كفر من جهة الاستهزاء بالله وحده كفر بالضرورة ، فلم يكن ذكر الآيات والرسول شرطاً ؛ فعلى أن الاستهزاء بالرسول كفر ، وإلا لم يكن لذكره فائدة ، وكذلك الآيات . و ((أيضاً)) فالاستهزاء بهذه الأمور متلازم ، والضالون مستخفون بتوحيد الله تعالى يعظمون دعاء غيره من الأموات، وإذا أمروا بالتوحيد ونهوا عن الشرك استخفوا به، كما قال تعالى: ( وَإِذَارَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّهُزُوًّا) الآية. فاستهزأوا بالرسول صلى الله عليه وسلم لما نهام عن الشرك ، وما زال المشركون يسبون الأنبياء ويصفونهم بالسفاهة والضلال والجنون إذا دعوم إلى التوحيد ؛ لما فى أنفسهم من عظيم الشرك . وهكذا تجد من فيه شبه منهم إذا رأى من يدعو إلى التوحيد استهزأُ بذلك ؛ لما عنده من الشرك ، قال الله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ ٤٨ فمن أحب مخلوقا مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادَا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبّ اللَّهِ) مثل ما يحب الله فهو مشرك، ويجب الفرق بين الحب في الله والحب مع الله . فهؤلاء الذين اتخذوا القبور أو ثاناً تجدم يستهزئون بما هو من توحيد الله وعبادته، ويعظمون ما اتخذوه من دون الله شفعاء، ويحلف أحدم اليمين الغموس كاذبا ، ولا يجترئ أن يحلف بشيخه كاذبا . وكثير من طوائف متعددة ترى أحدهم يرى أن استغاثته بالشيخ إما عند قبره أو غير قبره أنفع له من أن يدعو الله فى المسجد عند السحر ، ويستهزئ بمن يعدل عن طريقته إلى التوحيد، وكثير منهم يخربون المساجد ويعمرون المشاهد ، فهل هذا إلا من استخفافهم باللّه وبآياته ورسوله ؟ ! وتعظيمهم للشرك. وإذا كان لهذا وقف ولهذا وقف كان وقف الشرك أعظم عندهم؛ مضاهات لمشركى العرب ، الذين ذكرم الله فى قوله: (وَجَعَلُواْلَّهِ مِمَّاذَرَاَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَمِ نَصِيبًا) الآية . فيفضلون ما يجعل لغير الله على ما يجعل الله، ويقولون: اللّه غني وآلهتنا فقيرة. وهؤلاء إذا قصد أحدثم القبر الذي يعظمه يبكي عنده ويخشع ٤٩ ويتضرع مالا يحصل له مثله فى الجمعة ، والصلوات الخمس، وقيام الليل، فهل هذا إلا من حال المشركين لا الموحدين ، ومثل هذا أنه إذا سمع أحدم سماع الأبيات حصل له من الخشوع والحضور مالا يحصل له عند الآيات ؛ بل يستثقلونها ويستهزئون بها ، وبمن يقرؤها مما يحصل لهم به أعظم نصيب من قوله: ( قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَتِهِ، وَرَسُولِهِ، كُنْتُمُ تَسْتَهْزِءُونَ ) . والذين يجعلون دعاء الموتى أفضل من دعاء الله: منهم من يحكي أن بعض المريدين استغاث بالله فلم يغثه ، واستغاث بشيخه فأغاته ، وأن بعض المأسورين دعا الله فلم يخرجه، فدعا بعض الموتى؛ فجاءه فأخرجه إلى بلاد الإسلام . وآخر قال : قبر فلان الترياق المجرب . ومنهم من إذا نزل به شدة لا يدعو إلا شيخه قد لهج به كما يلبج الصبى بذكر أمه . وقد قال تعالى للموحدين : (فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَآءَ كُمْ أَوْأَشْذَ ذِكْرًا ) وقد قال شعيب: ( يَقَوْمِ أَرَهْطِىّ أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ) وقال تعالى: (لَأَنْتُمْ أَشَدُّرَهْبَةً فِ صُدُورِهِم ◌ِّنَ اْلَّهِ ). ٥٠ سئل شيخ الإسلام عن معنى قوله تعالى: (لَقَدْتَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَجِينَ وَاُلْأَنْصَارِ) الآية . والتوبة إنما تكون عن شيء يصدر من العبد ، والنبى صلى الله عليه وسلم معصوم من الكبائر والصغائر. فأجاب شيخ الإسلام ابن تيمية : الحمد لله. الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم معصومون من الإقرار على الذنوب ، كبارها وصغارها ، وهم بما أخبر الله به عنهم من التوبة يرفع درجاتهم ، ويعظم حسناتهم ، فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ، وليست التوبة نقصا ؛ بل هي من أفضل الكمالات، وهي واجبة على جميع الخلق كما قال تعالى : ( وَحَلَهَا الْإِنْسَنُّ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومَا جَهُولًا * لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكِتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ ) فغاية كل مؤمن هي التوبة ثم التوبة تتنوع كما يقال : حسنات الأبرار سيئات المقربين . والله تعالى قد أخبر عن عامة الأنبياء بالتوبة والاستغفار : عن آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى وغيرهم. فقال آدم: ( رَبَّنَا طَلَمْنَا أَنْفُسَنَا ٥١ وقال نوح : ( رَبِّ إِنِِّ وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ) أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْتَلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِ، عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِ وَتَرْحَمْنِىّ أَكُن مِّنَ الْخَسِرِينَ) وقال الخليل : (رَبََّا أَغْفِرْلِ وَلِوَلِدَنَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ) وقال هو وإسماعيل: ( رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَتِنَآ أُمَّةَّ مُسْلِمَةٌ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُّبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) وقال موسى: ( أَنْتَ وَلِيُّنَا فَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَفِينَ * وَأَكْتُبْ لَنَا فِى هَذِهِالدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ) وقال تعالى: (فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ). وقد ذكر الله سبحانه توبة داود وسليمان وغيرهما من الأنبياء ، والله تعالى ( يُحِبُّ التَّوَّبِينَ وَيُحِبُّالْمُتَطَهِّرِينَ ) وفى أواخر ما أنزل الله على نبيه : ( إِذَاجَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْ خُلُونَ فِى دِينِ اللَّهِ أَفْوَجًا * فَسَيِّحْ بِحَمْدِرَبِّكَ وَأَسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَابًا). وفي الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول فى افتتاح الصلاة: ((اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب ، اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والبرد والماء البارد » وفي الصحيح أنه كان يقول فى دعاء الاستفتاح: ((اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ٥٢ أنت ربى وأنا عبدك ظلمت نفسي ، واعترفت بذنى ، فاغفر لي ذنوبي جميعا إنه لايغفر الذنوب إلا أنت )) وفي الصحيح أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: ((اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله ، علانيته وسره ، أوله وآخره )) وفى الصحيحين منه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: ((اللهم اغفر لى خطيئتي وجهلي وإسرافى فى أمري، وما أنت أعلم به منى ، اللهم اغفر لي هزلي وجدي ، وخطئي وعمدي ، وكل ذلك عندي . اللهم اغفرلي ما قدمت وما أخرت ، وما أسررت وما أعلنت ، وما أسرفت ، وما أنت أعلم به منى، أنت المقدم، وأنت المؤخر ، لا إله إلا أنت)) . ومثل هذا كثير فى الكتاب والسنة. وقد قال الله تعالى: (وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ ) فتوبة المؤمنين واستغفارم هو من أعظم حسناتهم ، وأكبر طاعاتهم . وأجل عباداتهم التى ينالون بها أجل الثواب ، ويندفع بها عنهم ما يدفعه من العقاب . فإذا قال القائل : أي حاجة بالأنبياء إلى العبادات والطاعات ؟ كان جاهلا ؛ لأنهم إنما نالوا مانالوه بعبادتهم وطاعتهم ، فكيف يقال : إنهم لا يحتاجون إليها ، فهي أفضل عبادتهم وطاعتهم . وإذا قال القائل : فالتوبة لا تكون إلا عن ذنب، والاستغفار كذلك، ٥٣ قيل له : الذنب الذي يضر صاحبه هو مالم يحصل منه توبة ، فأما ما حصل منه توبة فقد يكون صاحبه بعد التوبة أفضل منه قبل الخطيئة، كما قال بعض السلف : كان داود بعد التوبة أحسن منه حالا قبل الخطيئة ، ولو كانت التوبة من الكفر والكبائر ؛ فإن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار م خيار الخليقة بعد الأنبياء ، وإنما صاروا كذلك بتوبتهم مما كانوا عليه من الكفر والذنوب ، ولم يكن ما تقدم قبل التوبة نقصاً ولا عيباً؛ بل لما تابوا من ذلك وعملوا الصالحات كانوا أعظم إيمانا ، وأقوى عبادة وطاعة ممن جاء بعدهم ؛ فلم يعرف الجاهلية كما عرفوها . ولهذا قال عمر بن الخطاب: إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة ، إذا نشأ فى الإسلام من لم يعرف الجاهلية . وقد قال الله تعالى : ( وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَاءَ اخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَِّي حَرَّمَ اللَّهُإِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْفِيهِ، مُهَانًا إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَلِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم (( أن الله يحاسب عبده يوم القيامة ، فيعرض عليه صغار الذنوب ويخبأ عنه كبارها فيقول : فعلت يوم كذا كذا وكذا ؟ فيقول : نعم يارب ! وهو مشفق ٥٤ من كبارها أن تظهر ، فيقول إني قد غفرتها لك ، وأبدلتك مكان كل سيئة حسنة ، فهنالك يقول رب إن لي سيئات ما أراها بعد )) فالعبد المؤمن إذا تاب وبدل الله سيئاته حسنات انقلب ما كان يضره من السيئات بسبب توبته حسنات ينفعه الله بها ، فلم تبق الذنوب بعد التوبة مضرة له ؛ بل كانت توبته منها من أنفع الأمور له، والاعتبار بكال النهاية لا بنقص البداية ، فمن نسي القرآن ثم حفظه خير من حفظه الأول لم يضره النسيان ، ومن مرض ثم صح وقوي لم يضره المرض العارض . واللّه تعالى يبتلي عبده المؤمن بما يتوب منه؛ ليحصل له بذلك من تكميل العبودية والتضرع ، والخشوع لله والإنابة إليه، وكمال الحذر فى المستقبل والاجتهاد فى العبادة ما لم يحصل بدون التوبة كمن ذاق الجوع والعطش ، والمرض والفقر والخوف ، ثم ذاق الشبع والري والعافية والغنى والأمن ، فإنه يحصل له من المحبة لذلك وحلاوته ولذته ، والرغبة فيه وشكر نعمة اللّه عليه، والحذر أن يقع فيما حصل أولا ما لم يحصل بدون ذلك . وقد بسط الكلام على هذا فى غير هذا الموضع . وينبغي أن يعرف أن التوبة لا بد منها لكل مؤمن ، ولا يكمل أحد ويحصل له كمال القرب من الله، ويزول عنه كل ما يكره إلا بها. ٥٥ ومحمد صلى الله عليه وسلم أكمل الخلق وأكرمهم على الله، وهو المقدم على جميع الخلق في أنواع الطاعات ؛ فهو أفضل المحبين الله وأفضل المتوكلين على الله، وأفضل العابدين له، وأفضل العارفين به وأفضل التائبين إليه ، وتوبته أكمل من توبة غيره ؛ ولهذا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر . وبهذه المغفرة نال الشفاعة يوم القيامة. كما ثبت في الصحيح: ((أن الناس يوم القيامة يطلبون الشفاعة من آدم ، فيقول : إني نهيت عن الأكل من الشجرة فأكلت منها ، نفسي ، نفسي ، نفسى . ويطلبونها من نوح فيقول : إنى دعوت على أهل الأرض دعوة لم أومر بها . نفسي ، نفسي ، نفسي . ويطلبونها من الخليل ، ثم من موسى ، ثم من المسيح فيقول : اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر . قال: فيأتوني ، فأنطلق ، فإذا رأيت ربى خررت له ساجداً ، فأحمد ربي بمحامد يفتحها على لا أحسنها الآن ، فيقول : أي محمد! ارفع رأسك ، وقل تسمع ، وسل تعط ، واشفع تشفع ، فأقول : أي رب أمتى ! فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة )) . فالمسيح - صلوات الله عليه وسلامه - دلهم على محمد صلى الله عليه وسلم، وأخبر بكال عبوديته لله، وكمال مغفرة الله له، إذ ليس بين المخلوقين والخالق نسب إلا محض العبودية والافتقار من العبد ، ٥٦ ومحض الجود والإحسان من الرب عز وجل . وقد ثبت في الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله)) قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ((ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل)) وثبت عنه فى الصحيح أنه كان يقول: (( يا أيها الناس توبوا إلى ربكم ، فوالذي نفسي بيده إنى لأستغفر الله وأتوب إليه فى اليوم أكثر من سبعين مرة)) وثبت عنه في الصحيح أنه قال: « إنه ليغان على قلى، وإنى لأستغفر الله فى اليوم مائة مرة)) فهو صلى الله عليه وسلم لكال عبوديته لله . وكمال محبته له ، وافتقاره إليه ، وكمال توبته واستغفاره: صار أفضل الخلق عند الله، فإن الخير كله من الله ، وليس للمخلوق من نفسه شيء ، بل هو فقير من كل وجه ، والله غني عنه من كل وجه ، محسن إليه من كل وجه ، فكلما ازداد العبد تواضعاً وعبودية ازداد إلى الله قرباً ورفعة؛ ومن ذلك توبته واستغفاره. وفي الحديث عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((كل بنى آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)) رواه ابن ماجه والترمذي . ٥٧ سورة يونس وقال شيخ الإسلام رحمه الله ـصـل قوله: (هُوَالَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءُ وَالْقَمَرَنُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْعَدَدَ السّنِينَ وَاُلْحِسَابَ) وقوله: (وَجَعَلَ اَلَّيْلَ سَكَنَّا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا) وقوله: ( الشَمْسُ وَالْقَمَرُ بُحُسْبَانٍ) وقوله (وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرُجُونِ الْقَدِيمِ ) وقوله: (يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَمِلَّةِّ قُلْ هِىَ مَوَقِيْثُ لِلنَّاسِ وَالْحَجّ ) دليل على توقيت ما فيها من التوقيت للسنين والحساب ، فقوله: ( لِنَعْلَمُواْعَدَدَ السّنِينَ وَاَلْحِسَابَ ) إن علق بقوله : (وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ) كان الحكم مختصاً بالقمر ، وإن أعيد إلى أول الكلام تعلق بها ، ويشهد الأول قوله فى الأهلة فإنه موافق لذلك ، ولأن كون الشمس ضياء والقمر نوراً لا يوجب على عدد السنين والحساب ، بخلاف تقدير القمر منازل ، فإنه هو الذي ٥٨ يقتضي علم عدد السنين والحساب ، ولم يذكر انتقال الشمس في البروج . ويؤيد ذلك قوله: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِأَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَبِ الآية فإنه نص على أن السنة هلالية، وقوله: ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ اللَّهِ ) مَّعْلُومَاتٌ ) يؤيد ذلك ، لكن يدل على الآخر قوله: ( وَجَعَلْنَا الَّيْلَ وَالنَّهَارَ ءَايَنَيْنِّ فَمَحَوْنَآءَايَةَ الَيْلِ وَجَعَلْنَآءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السّنِينَ وَالْحِسَابَ ). وهذا والله أعلم لمعنى تظهر به حكمة ما فى الكتاب ، وما جاءت به الشريعة من اعتبار الشهر والعام الهلالي دون الشمسي ، أن كل ماحد من الشهر والعام ينقسم في اصطلاح الأمم إلى عددي وطبيعي ، فأما الشهر الهلالي فهو طبيعي ، وسنته عددية . وأما الشهر الشمسي : فعددي ، وسنته طبيعية ، فأما جعل شهرنا هلالياً فحكمته ظاهرة ، لأنه طبيعي وإنما علق بالهلال دون الاجتماع ، لأنه أمر مضبوط بالحس لا يدخله خلل ، ولا يفتقر إلى حساب ، بخلاف الاجتماع ، فإنه أمر خفي يفتقر إلى حساب ، وبخلاف الشهر الشمسي لو ضبط . وأما السنة الشمسية فإنها وإن كانت طبيعية ، فهي من جنس ٥٩ الاجتماع ليس أمراً ظاهراً للحس ، بل يفتقر إلى حساب سير الشمس فى المنازل ، وإنما الذي يدركه الحس تقريب ذلك ، فإن انقضاء الشتاء ودخول الفصل الذي تسميه العرب الصيف ويسميه غيرها الربيع أمر ظاهر ، بخلاف محاذاة الشمس لجزء من أجزاء الفلك يسمى برج كذا ، أو محاذاتها لإحدى نقطتى الرأس ، أو الذنب ، فإنه يفتقر إلى حساب . ولما كانت البروج اثنى عشر فمتى تكرر الهلال اثنى عشر فقد انتقل فيها كلها ، فصار ذلك سنة كاملة تعلقت به أحكام ديننا من المؤقتات شرعا ، أو شرطاً ، إما بأصل الشرع كالصيام والحج . وإما بسبب من العبد كالعدة ومدة الإيلاء ، وصوم الكفارة والنذر . وإما بالشرط كالأجل في الدين والخيار ، والإيمان وغير ذلك . ٦٠