Indexed OCR Text

Pages 1-20

جْوَ فَتَاوى
شيخ الإسلام أحمَد بن تميّة
((قَدَّسَ الله رُوحَهُ))
جَمْعْ وَتَرَتیبُ
عَبَدِ الرَّمِن ◌ْ مُحَمَّدَ بْقَاسْم ((رحمَهُ اله)
وَسَاعَدَهُ أَبْنُهُ مُحَمَّد ((وَفَقَهُ اللَّه))
المجلّد الخامس عشر.
طُبعَ بِأمْر
خَادِمْ الجزّهَيْنِ الشَّرِفَيْ الملِكِ فَهَتْدِرْ عَبْدِ الْعَز ◌َلُون
أَجْزَل اللَّه مَتُوُبتَه

طبعَت هذه الفتَاوى في
مُجَمِعْ لِلَلِ فَهَدِ لِطْبَّائَةِ المُصُنَّحِفِالْتَرِيف
في المدينَةِ المنوّرة
تحت إشراف
وَزَارَة الشُُّؤُوْنِ الإِسْلامِيَّةِ وَالأَوْقَافَةِ وَاللَّهُوَةُ وَالْأَرْشَاذِ
بالمملَكَةِ العَرَبيَّةِ السُّعُوديّةِ
عام ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤م
٤ مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ١٤١٥ هـ.
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية
ابن تيميه ، أحمد بن عبدالحليم
فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيميه .
٤٧٢ ص ؛ ١٧ × ٢٤ سم
ردمك ٦-٢٠-٧٧٠ -٩٩٦٠ (مجموعة )
٤-٣٥ -٧٧٠ -٩٩٦٠ ( ج ١٥)
١ - الفتاوى الإسلامية ٢- الفقه الحنبلي أ - العنوان
١٥/٢٠٠٩
دیوي ٢٥٨٫٤
رقم الإيداع : ١٥/٢٠٠٩
ردمك : ٦-٢٠ -٧٧٠ -٩٩٦٠ (مجموعة)
٤-٣٥ -٧٧٠ -٩٩٦٠ (ج ١٥)

كتاب
التفسير
الجزء الثاني
من سورة الأعراف إلى سورة الزمر
!

مِائَِّ الرَّهِالرَّحْمِ
نـ
سورة الأعراف
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى
فصل
حجة إبليس في قوله : ( أَنَأْخَيْرٌمِنْهُ خَقْتَنِ مِن نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ )
هي باطلة ، لأنه عارض النص بالقياس . ولهذا قال بعض السلف :
أول من قاس إبليس ، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس . ويظهر
فسادها بالعقل من وجوه خمسة .
(أحدها)) أنه ادعى أن النار خير من الطين ، وهذا قد يمنع ،
فإن الطين فيه السكينة والوقار ، والاستقرار ، والثبات والإمساك
ونحو ذلك ، وفى النار الخفة والحدة والطيش، والطين فيه الماء والتراب .
((الثاني)) أنه وإن كانت النار خيرا من الطين فلا يجب أن يكون
٥

المخلوق من الأفضل أفضل ، فإن الفرع قد يختص بمالا يكون فى أصله،
وهذا التراب يخلق منه من الحيوان والمعادن والنبات ماهو خير منه ،
والاحتجاج على فضل الإنسان على غيره بفضل أصله على أصله حجة
فاسدة احتج بها إبليس ، وهي حجة الذين يفخرون بأنسابهم ، وقد
قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((من قصر به عمله لم يبلغ به نسبه)).
((الثالث)» أنه وإن كان مخلوقا من طين فقد حصل له بنفخ
الروح المقدسة فيه ما شرف به ، فلهذا قال: (فَإِذَا سَوَيْتُهُ وَنَفَخْتُ
فعلق السجود بأن ينفخ فيه من
فِيهِ مِن رُوحِى فَقَعُواْ لَهُ سَجِدِينَ)
روحه، فالموجب للتفضيل هذا المعنى الشريف الذي ليس لإبليس مثله .
((الرابع)) أنه مخلوق بيدي الله تعالى، كما قال تعالى: (مَامَنَعَكَ
وهو كالأثر المروى من النبى صلى الله
أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَ)
عليه وسلم مرسلا ، وعن عبد الله بن عمرو فى تفضيله على الملائكة
حيث قالت الملائكة: (( يارب! قد خلقت لبني آدم الدنيا يأكلون فيها
ويشربون ويلبسون وينكجون ؛ فاجعل لنا الآخرة كما جعلت لهم الدنيا
فقال : لا أفعل . ثم أعادوا . فقال: لا أفعل ثم أعادوا فقال: وعزتى
لا أجعل صالح من خلقت بيدي كمن قلت له : كن فكان)) .
((الخامس)) أنه لو فرض أنه أفضل فقد يقال : إكرام الأفضل
للمفضول ليس بمستنكر.
٦

سئل الشيخ - م/ الله
عن: قوله تعالى: ( إِنَّهُ يَرَكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَانَرَوْنَهُمْ)
الآية الكريمة. هل ذلك عام لا يراه أحد أم يراه بعض الناس دون
بعض ؟ وهل الجن والشياطين جنس واحد ولد إبليس أم جنسين :
ولد إبليس وغير ولده ؟؟.
فأجاب شيخ الإسلام ، أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله ورضي
عنه آمين . فقال :
الحمد لله : الذي في القرآن أنهم يرون الإنس من حيث لا يرام
الإنس ، وهذا حق يقتضى أنهم يرون الإنس في حال لا يرام الإنس
فيها ، وليس فيه أنهم لا يرام أحد من الإنس بحال ؛ بل قد يرام
الصالحون وغير الصالحين أيضاً : لكن لا يرونهم في كل حال، والشياطين
ثم مردة الإنس والجن ، وجميع الجن ولد إبليس . والله أعلم .
٧

وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه.
قوله: (وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيَّهَاَ ءَ ابَآءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَأْقُلْ إِنَّ اللَّهَ
لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)
والفاحشة أريد بها كشف السوءات ، فيستدل به على أن في الأفعال
السيئة من الصفات ما يمنع أمر الشرع بها ، فإنه أخبر عن نفسه في
سياق الإنكار عليهم أنه لا يأمر بالفحشاء ، فدل ذلك على أنه منزه عنه،
فلو كان جدًّا عليه لم يتنزه عنه .
فعلم أنه لا يجوز عليه الأمر بالفحشاء ؛ وذلك لا يكون إلا إذا كان
الفعل فى نفسه سيئاً ، فعلم أن كما كان فى نفسه فاحشة فإن الله لا يجوز
عليه الأمر به ، وهذا قول من يثبت للأفعال فى نفسها صفات الحسن
والسوء، كما يقوله أكثر العلماء كالتميميين وأبي الخطاب ؛ خلاف قول
من يقول : إن ذلك لا يثبت قط إلا بخطاب .
وكذلك قوله: (وَلَا نَقْرَبُواْالزِّنَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا )
علل النهي عنه بما اشتمل عليه من أنه فاحشة، وأنه ساء سبيلا، فلو
٨

كان إنما صار فاحشة وساء سبيلا بالنهي لما صح ذلك ؛ لأن العلة تسبق
المعلول لا تتبعه ، ومثل ذلك كثير فى القرآن .
وأما فى الأمر فقوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَّكُزْهُ لَّكُمْ وَعَسَمَّ أَنْ
تَكْرَهُوا شَيْئًاوَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرِّلَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ
دليل على أنه أمر به ؛ لأنه خير لنا ؛ ولأن
لَا تَعْلَمُونَ)
الله علم فيه مالم نعلمه.
ومثله قوله فى آية الطهور (وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّنِعْمَتَهُعَلَيْكُمْ
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) دليل على أنه أمر بالطهور؛ لما فيه من
الصلاح لنا وهذا أيضاً فى القرآن كثير .
٩

وقال الشيخ تقي الدين أحمد بن تيمية
على قول الله عز وجل: (ادْعُواْرَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ
ج
الْمُعْتَدِينَ * وَلَا تُفْسِدُ واْ فِى الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَأَدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعَاً إِنَّ
رَحْمَنَ اْللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ ): هاتان الآيتان مشتملتان على
آداب نوعى الدعاء : دعاء العبادة ، ودعاء المسألة ؛ فإن الدعاء فى القرآن
يراد به هذا تارة وهذا تارة ، ويراد به مجموعها ؛ وهما متلازمان . فإن
دعاء المسألة هو طلب ما ينفع الداعى ، وطلب كشف ما يضره ودفعه.
وكل من يملك الضر والنفع فإنه هو المعبود ، لا بد أن يكون مالكا
للنفع والضر .
ولهذا أنكر تعالى على من عبد من دونه مالا يملك ضراً ولا
نفعاً . وذلك كثير فى القرآن كقوله تعالى: ( وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ
وَلَ يَضُرُّكَ ) وقال: (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ)
فنفى سبحانه عن هؤلاء المعبودين الضر والنفع القاصر والمتعدى ، فلا
يملكون لأنفسهم ولا لعابديهم .
وهذا كثير في القرآن يبين تعالى أن المعبود لابد أن يكون مالكا
١٠

للنفع ، والضر فهو يدعو للنفع والضر دعاء المسألة ، ويدعو خوفاً
ورجاء دعاء العبادة ، فعلم أن النوعين متلازمان ، فكل دعاء عبادة مستلزم
الدعاء المسألة ، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة.
وعلى هذا فقوله : ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ
اُلَّاعِ إِذَا دَعَانٍ )
يتناول نوعي الدعاء ، وبكل منها فسرت الآية.
قيل : أعطيه إذا سألني . وقيل : أتيبه إذا عبدنى. والقولان متلازمان.
وليس هذا من استعمال اللفظ المشترك فى معنييه كليهما ، أو استعمال اللفظ
في حقيقته ومجازه ؛ بل هذا استعماله فى حقيقته المتضمنة للأمرين جميعاً ،
فتأمله فإنه موضوع عظيم النفع، وقل ما يفطن له. وأكثر آيات
القرآن دالة على معنيين فصاعداً ، فهي من هذا القبيل .
مثال ذلك قوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اَلَيْلِ)
فسر ((الدلوك)) بالزوال، وفسر بالغروب ، وليس بقولين ؛ بل اللفظ
يتناولهما معاً ؛ فإن الدلوك هو الميل ، ودلوك الشمس ميلها .
ولهذا الميل مبتدأ ومنتهى ، فمبتدأ، الزوال ، ومنتهاه الغروب ،
واللفظ متناول لهما بهذا الاعتبار .
ومثاله أيضاً تفسير ((الغاسق)) بالليل، وتفسيره بالقمر ، فإن ذلك
١١

ليس باختلاف؛ بل يتناولهما لتلازمها . فإن القمر آية الليل .
ونظائره كثيرة.
ومن ذلك قوله تعالى: (قُلْ مَا يَعْبَؤُّأْبِكُتْرَبِّ لَوْلَادُعَاؤُكُمْ) أي
دعاؤكم إياه ، وقيل: دعاؤه إياكم إلى عبادته ، فيكون المصدر مضافاً
إلى المفعول ، ومحل الأول مضافا إلى الفاعل ، وهو الأرجح
من القولين .
وعلى هذا فالمراد به نوعي الدعاء ، وهو في دعاء العبادة أظهر ،
أي ما يعبأ بكم لولا أنكم ترجونه ، وعبادته تستلزم مسألته . فالنوعان
داخلان فيه .
ومن ذلك قوله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمْ أَدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) فالدعاء
يتضمن النوعين ، وهو فى دعاء العبادة أظهر ؛ ولهذا أعقبه: (إِنَّ
الآية . ويفسر الدعاء في الآية
الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِ )
بهذا وهذا .
وروى الترمذي عن النعمان بن بشير ، قال : سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول - على المنبر - (( إن الدعاء هو
العبادة. ثم قرأ قوله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ أَدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)
الآية)» قال الترمذي حديث حسن صحيح .
١٢

وأما قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُواْ ذُبَابًا
وقوله : (إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهٍِ إِلَّا إِنَاثًّا)
وَلَوِ اجْتَمَعُواْلَهُ ) الآية .
الآية . وكل
الآية. وقوله: (وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُوْ يَدْعُونَ مِن قَبْلُ )
موضع ذكر فيه دعاء المشركين لأوثاتهم فالمراد به دعاء العبادة المتضمن
دعاء المسألة ، فهو في دعاء العبادة أظهر ؛ لوجوه ثلاثة :
((أحدها)) أنهم قالوا: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَ)
فاعترفوا بأن دعاءهم إيام عبادتهم لهم .
((الثانى)) أن الله تعالى : فسر هذا الدعاء فى موضع آخر كقوله
تعالى: (وَقِيلَ لَمْأَيْنَ مَ كُمْتَعْبُدُونَ * مِن دُونِاللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُ أَوْيَنَصِرُونَ)
وقوله تعالى: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمُ
وقوله تعالى: (لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ) فدعاؤهم
لَهَا وَرِدُونَ).
لآلهتهم هو عبادتهم .
((الثالث)) أنهم كانوا يعبدونها فى الرخاء ، فإذا جاءتهم الشدائد
دعوا الله وحده وتركوها ، ومع هذا فكانوا يسألونها بعض حواتجهم
ويطلبون منها، وكان دعاؤم لها دعاء عبادة ودعاء مسألة .
وقوله تعالى: (فَادْعُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) هو دعاء العبادة،
والمعنى اعبدوه وحده وأخلصوا عبادته لا تعبدوا معه غيره .
١٣

وأما قول إبراهيم عليه السلام: (إِنَّرَبِ لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ) فالمراد
بالسمع ههنا السمع الخاص ، وهو سمع الإجابة والقبول ، لا السمع
العام : لأنه سميع لكل مسموع . وإذا كان كذلك فالدعاء : دعاء العبادة
ودعاء الطلب ، وسمع الرب تعالى له إثابته على الثناء ، وإجابته للطلب.
فهو سميع هذا وهذا .
وأما قول زكريا عليه السلام: (وَلَمْ أَكُنُّ بِدُ عَبِكَ رَبِّ شَقِيًّا)
فقد قيل : إنه دعاء المسألة ، والمعنى : أنك عودتنى إجابتك ، ولم تشقنى
بالرد والحرمان ؛ فهو توسل إليه سبحانه وتعالى بما سلف من إجابته
وإحسانه ، وهذا ظاهر ههنا .
( قُلِ أَدْعُواْاللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ ) الآية:
وأما قوله تعالى :
فهذا الدعاء: المشهور أنه دعاء المسألة ، وهو سبب النزول . قالوا : كان
النبى صلى الله عليه وسلم يدعو ربه فيقول مرة: ((يا الله)) ومرة
((يا رحمن)) فظن المشركون أنه يدعو إلهين فأنزل الله هذه الآية .
وأما قوله: (إِنَّاكُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَالْبَرُّالرَّحِيمُ) فهذا
دعاء العبادة المتضمن للسلوك رغبة ورهبة ، والمعنى : إنا كنا مخلص له
العبادة ؛ وبهذا استحقوا أن وقام الله عذاب السموم ، لا بمجرد السؤال
المشترك بين الناجى وغيره ؛ فإنه سبحانه يسأله من فى السموات
١٤

والأرض. ( لَن تَّدْعُوَأْ مِن دُونِهِ إِلَهَا ): أي: لن نعبد غيره. وكذا
قوله : ( أَنَدْعُونَ بَعْلًا ) الآية .
وأما قوله :
فهذا دعاء المسألة،
(وَقِيلَ أَدْعُواْ شُرَّكََّةَكُمْفَدَعَوْهُمْ)
يكبتهم اللّه ويخزيهم يوم القيامة بآرائهم، أن شركاءم لا يستجيبون لهم
دعوتهم ، وليس المراد اعبدوهم. وهو نظير قوله تعالى: (وَيَوْمَ يَقُولُ
نَادُواْ شُرَكَآءِىَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوالَهُمْ) .
إذا عرف هذا : فقوله تعالى: (أَدْعُواْرَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً)
يتناول نوعي الدعاء ؛ لكنه ظاهر فى دعاء المسألة ، متضمن دعاء العبادة
ولهذا أمر بإخفائه وإسراره . قال الحسن : بين دعوة السر ودعوة
العلانية سبعون ضعفاً ، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع
لهم صوت ، أي ما كانت إلا همساً بينهم وبين ربهم عز وجل ؛ وذلك
أن الله عز وجل يقول: (أَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً) وأنه ذكر
عبداً صالحاً ورضى بفعله، فقال: (إِذْنَادَى رَبَّهُ نِدَاءَ خَفِيًا). وفى
إخفاء الدعاء فوائد عديدة :
((أحدها)) أنه أعظم إيماناً؛ لأن صاحبه يعلم أن الله يسمع
الدعاء الخفي.
و ((ثانيها)» أنه أعظم فى الأدب والتعظيم، لأن الملوك لا ترفع
١٥

الأصوات [ عنده ]، ومن رفع صوته لديهم مقتوه ، ولله المثل الأعلى،
فإذا كان يسمع الدعاء الخفي فلا يليق بالأدب بين يديه إلا خفض
الصوت به .
و ((ثالثها)» أنه أبلغ فى التضرع والخشوع ، الذي هو روح الدعاء
ولبه ومقصوده . فإن الخاشع الذليل إنما يسأل مسألة مسكين ذليل ،
قد انكسر قلبه ، وذلت جوارحه ، وخشع صوته ؛ حتى أنه ليكاد تبلغ
ذلته وسكينته وضراعته إلى أن ينكسر لسانه ، فلا يطاوعه بالنطق .
وقلبه يسأل طالباً مبتهلا ، ولسانه لشدة ذلته ساكتاً ، وهذه الحال
لا تأتي مع رفع الصوت بالدعاء أصلا .
و ((رابعها)» أنه أبلغ فى الإخلاص .
و «خامسها)» أنه أبلغ في جمعية القلب على الذلة فى الدعاء ،
فإن رفع الصوت يفرقه ، فكلما خفض صوته كان أبلغ فى تجريد همته
وقصده للمدعو سبحانه .
و ((سادسها)» - وهو من النكت البديعة جداً - أنه دال
على قرب صاحبه للقريب ، لا مسألة نداء البعيد للبعيد ؛ ولهذا أثنى
الله على عبده زكريا بقوله عز وجل: (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَآءَ خَفِيًا)
١٦

فلما استحضر القلب قرب اللّه عز وجل، وأنه أقرب إليه من كل
قريب أخفى دعاءه ما أمكنه .
وقد أشار النبى صلى الله عليه وسلم إلى المعنى بعينه بقوله فى
الحديث الصحيح : لما رفع الصحابة أصواتهم بالتكبير وم معه فى السفر
فقال: ((اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنكم
تدعون سميعاً قريباً، أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته)). وقد قال
تعالى : (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ )
وهذا القرب من الداعي هو قرب خاص ، ليس قربا عاما من
كل أحد ، فهو قريب من داعيه وقريب من عابديه ، وأقرب ما يكون
العبد من ربه وهو ساجد .
وقوله تعالى: (ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً) فيه الإرشاد والإعلام
بهذا القرب .
و ((سابعها)) أنه أدعى إلى دوام الطلب والسؤال، فإن اللسان
لا يمل ، والجوارح لا تتعب ، بخلاف ما إذا رفع صوته ، فإنه قد يمل
اللسان وتضعف قواه . وهذا نظير من يقرأ ويكرر ، فإذا رفع صوته
فإنه لا يطول له ؛ بخلاف من خفض صوته .
و ((ثامنها)) أن إخفاء الدعاء أبعد له من القواطع والمشوشات ؛
١٧

فيأن الداعي إذا أخفى دعاءه لم يدر به أحد ، فلا يحصل على هذا
تشويش ولا غيره ، وإذا جهر به فرطت له الأرواح البشرية ولا بد ،
ومانعته وعارضته ولو لم يكن إلا أن تعلقها به يفزع عليه همته ؛ فيضعف
أثر الدعاء ، ومن له تجربة يعرف هذا ، فإذا أسر الدعاء أمن
هذه المفسدة .
و ((تاسعها)) أن أعظم النعمة الإقبال والتعبد ، ولكل نعمة حاسد
على قدرها دقت أو جلت ، ولا نعمة أعظم من هذه النعمة ، فإن
أنفس الحاسدين متعلقة بها، وليس للمحسود أسلم من إخفاء نعمته عن
الحاسد. وقد قال يعقوب ليوسف عليهما السلام: (لَنَقْصُصْ رُهْ يَاكَ
وكم من صاحب قلب وجمعية وحال
عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُ والَكَ كَيْدًا ) الآية .
مع الله تعالى قد تحدث بها وأخبر بها فسلبه إياها الأغيار ؛ ولهذا
يوصى العارفون والشيوخ بحفظ السر مع الله تعالى، ولا يطلع عليه
أحد، والقوم أعظم شيئا كتمانا لأحوالهم مع الله عز وجل ، وما وهب
الله من محبته والأنس به وجمعية القلب ، ولا سيما فعله للمهتدى السالك
فإذا تمكن أحدم وقوي، وثبت أصول تلك الشجرة الطيبة التى أصلها
ثابت وفرعها فى السماء فى قلبه - بحيث لا يخشى عليه من العواصف،
فإنه إذا أبدى حاله مع الله تعالى ليقتدى به ويؤتم به - لم يبال.
وهذا باب عظيم النفع إنما يعرفه أهله .
١٨

وإذا كان الدعاء المأمور بإخفائه يتضمن دعاء الطلب والثناء ، والمحبة
والإقبال على الله تعالى ، فهو من عظيم الكنوز التى هي أحق بالإخفاء
عن أعين الحاسدين ، وهذه فائدة شريفة نافعة .
و ((عاشرها)) أن الدعاء هو ذكر للمدعو سبحانه وتعالى ، متضمن
للطلب والثناء عليه بأوصافه وأسمائه ، فهو ذكر وزيادة ، كما أن الذكر
سمى دعاء لتضمنه للطلب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أفضل
الدعاء الحمد لله)) فسمى الحمد لله دعاء وهو ثناء محض؛ لأن الحمد
متضمن الحب والثناء ، والحب أعلى أنواع الطلب ؛ فالحامد طالب
للمحبوب ، فهو أحق أن يسمى داعيا من السائل الطالب : فنفس الحمد
والثناء متضمن لأعظم الطلب ، فهو دعاء حقيقة ، بل أحق أن يسمى
دعاء من غيره من أنواع الطلب الذي هو دونه .
و ((المقصود)) أن كل واحد من الدعاء والذكر يتضمن الآخر
ويدخل فيه، وقد قال تعالى: (وَأَذْكُرُرَّكَ فِى نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً )
فأمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يذكره فى نفسه ،
قال مجاهد وابن جريج : أمروا أن يذكروه فى الصدور بالتضرع
والاستكانة دون رفع الصوت والصياح ، وتأمل كيف قال فى آية
الذكر : (وَأَذْكُرُرَّبَّكَ) الآية. وفى آية الدعاء: (أَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا
وَخُفْيَةً) فذكر التضرع فيها معا وهو التذلل ، والتمسكن ، والانكسار
١٩

وهو روح الذكر والدعاء .
وخص الدعاء بالخفية لما ذكرنا من الحكم وغيرها ، وخص الذكر
بالخيفة لحاجة الذاكر إلى الخوف ، فإن الذكر يستلزم المحبة ويثمرها ؛
ولا بد لمن أكثر من ذكر الله أن يثمر له ذلك محبته، والمحبة ما لم
تقترن بالخوف فإنها لا تنفع صاحبها بل تضره ؛ لأنها توجب التواني
والانبساط ، وربما آلت بكثير من الجمال المغرورين إلى أن استغنوا بها
عن الواجبات ، وقالوا : المقصود من العبادات إنما هو عبادة القلب وإقباله
على الله ، ومحبته له ، فإذا حصل المقصود فالاشتغال بالوسيلة باطل .
ولقد حدثني رجل أنه أفكر على بعض هؤلاء خلوة له ترك فيها
الجمعة ، فقال له الشيخ أليس الفقهاء يقولون : إذا خاف على شيء من
ماله فإن الجمعة تسقط ؟ فقال له : بلى . فقال له : فقلب المريد أعز
عليه من عشرة درام - أو كما قال - وهو إذا خرج ضاع قلبه ،
فحفظه لقلبه عذر مسقط للجمعة في حقه . فقال له : هذا غرور بك ،
الواجب الخروج إلى أمر الله عز وجل . فتأمل هذا الغرور العظيم
كيف أدى إلى الانسلاخ عن الإسلام جملة ، فإن من سلك هذا
المسلك انسلخ عن الإسلام العام ، كانسلاخ الحية من قشرها ، وهو
يظن أنه من خاصة الخاصة .
٢٠