Indexed OCR Text

Pages 441-460

مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ)
وفي الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: «آية المنافق
ثلاث ، إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان ))
وفى حديث آخر ((على كل خلق يطبع المؤمن إلا الخيانة والكذب ))
ومثل هذا كثير .
وإذا كان كذلك فالإنسان كيف يخون نفسه . وهو لا يكتمها
ما يقوله ويفعله سراً عنها ؟ كما يخون من لا يشهده من الناس ؟ كما
يخون الله والرسول إذا لم يشاهده، فلا يكون ممن يخاف الله بالغيب،
ولم خصت هذه الأفعال بأنها خيانة للنفس دون غيرها ؟ فالأشبه
- والله أعلم - أن يكون قوله: (تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ) مثل قوله:
( إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ).
والبصريون يقولون فى مثل هذا : إنه منصوب على أنه مفعول له،
ويخرجون قوله : ( سَفِةَ ) عن معناه فى اللغة ، فإنه فعل لازم ؛
فيحتاجون أن ينقلوه من اللزوم إلى التعدية بلا حجة .
وأما الكوفيون - كالفراء وغيره ومن تبعهم -- فعندم أن هذا
منصوب على التمييز ، وعندهم أن المميز قد يكون معرفة كما يكون نكرة،
وذكروا لذلك شواهد كثيرة من كلام العرب ، مثل قولهم: ألم فلاز
٤٤١

رأسه ، ووجع بطنه ، ورشد أمره . وكان الأصل سفهت نفسه ،
ورشد أمره . ومنه قولهم: غبن رأيه، وبطرت نفسه ، فقوله تعالى :
(بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ) من هذا الباب ، فالمعيشة نفسها بطرت ، فلما كان
الفعل (١) نصبه على التمييز قال تعالى: ( وَلَا تَكُونُوْكَالَّذِينَ خَرَجُوْمِن
دِيَرِهِمْ بَطَرًّا وَرِشَآءَ النَّاسِ ) فقوله: (سَفِهَ نَفْسَهُ ) معناه إلا من
سفهت نفسه أي كانت سفيهة ، فلما أضاف الفعل إليه نصبها على التمييز
كما فى قوله: ( وَأَشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا) ونحو ذلك . وهذا اختيار ابن
قتيبة وغيره ؛ لكن ذاك نكرة وهذا معرفة .
وهذا الذي قاله الكوفيون أصح فى اللغة والمعنى ؛ فإن الإنسان هو
السفيه نفسه، كما قال تعالى: ( سَيَقُولُ السُّفَهَآءُ مِنَ النَّاسِ ) (وَلَا
تُؤْتُواْالسُّفَهَآءَ ) فكذلك قوله: (تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ) أي تختان
أنفسكم، فالأنفس هي التى اختانت ، كما أنها هي السفيهة . وقال :
اختالت ولم يقل خانت ؛ لأن الافتعال فيه زيادة فعل على ما فى مجرد
الخيانة ، قال عكرمة : والمراد بالذين يختانون أنفسهم ابن أبيرق الذي
سرق الطعام والقماش ، وجعل هو وقومه يقولون : إنما سرق فلان
الرجل آخر .
(١) بياض بالاصل.
٤٤٢

فهؤلاء اجتهدوا فى كتمان سرقة السارق ورمي غيره بالسرقة ، كما
قال تعالى: ( يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ
يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ
(
فكانوا خائنين للصاحب والرسول
وقد اكتسبوا الخيانة .
وكذلك الذين كانوا يجامعون بالليل وهم يجتهدون في أن ذلك لا يظهر
عنهم حين يفعلونه ، وإن أظهروه فيما بعد عند التوبة ، أما عند الفعل
فكانوا يحتاجون من ستر ذلك وإخفائه ما لا يحتاج إليه الخائن وحده
أو يكون قوله : (تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ) أي يخون بعضكم بعضاً، كقوله :
(فَأَقْتُلُواأَنفُسَكُمْ ) وقوله: ( ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ ) وقوله :
لَّوْلاَ إِذْسَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا
فإن
(
السارق وأقواماً خانوا إخوانهم المؤمنين .
والمجامع إن كان جامع امرأته وهي لا تعلم أنه حرام فقد خنها ،
والأول أشبه . والصيام مبناه على الأمانة ، فإن الصائم يمكنه الفطر ولا
يدري به أحد ، فإذا أفطر سراً فقد خان أمانته ، والفطر بالجماع المستور
خيانة ، كما أن أخذ المال سراً وإخبار الرسول والمظلوم ببراءة السقيم
وسقم البريء خيانة ، فهذا كله خيانة ، والنفس هي التى خانت ؛ فإنها
حب الشهوة والمال والرئاسة ، وخان واختان مثل كسب واكتسب
فجعل الإنسان مختاناً .
٤٤٣

ثم بين أن نفسه هي التى تختان ، كما أنها هي التى تضر ؛ لأن
مبدأ ذلك من شهوتها ، ليس هو مما يأمر به العقل والرأي ، ومبدأ
السفه منها لخفتها وطيشها والإنسان تأمره نفسه فى السر بأمور ينهاها
عنه العقل والدين فتكون نفسه اختانته وغلبته ، وهذا يوجد كثيراً فى
أمر الجماع والمال ؛ ولهذا لا يؤتمن على ذلك أكثر الناس ، ويقصد
بالائتمان من لا تدعوه نفسه إلى الخيانة فى ذلك . قال سعيد بن المسيب:
لو ائتمنت على بيت مال لأديت الأمانة ، ولو اتمنت على امرأة سوداء
لخفت أن لا أؤدي الأمانة فيها . وكذلك المال لا يؤتمن عليه أصحاب
الأنفس الحريصة على أخذه كيف اتفق .
وهذا كله مما يبين أن النفس تخون أمانتها ، وإن كان الرجل
ابتداء لا يقصد الخيانة ، فتحمله على الخيانة بغير أمره ، وتغلبه على رأيه
ولهذا يلوم المرء نفسه على ذلك ويذمها ، ويقول هذه النفس الفاعلة
الصانعة ؛ فإنها هي التى اختانت .
فصل
ودل قوله: ( وَلَتُحَدِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ ) أنه لا يجوز
الجدال عن الخان ، ولا يجوز للإنسان أن يجادل عن نفسه إذا كانت
٤٤٤

خائنة : لها في السر أهواء وأفعال باطنة يخفى على الناس فلا يجوز المجادلة
عنها ، قال تعالى: ( يَعْلَمُ خَبِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِىِ الصُّدُورُ ) وقال
تعالى: ( وَذَرُوَأَظَهِرَ اُلْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ) وقال تعالى: ( قُلْ إِنَّمَا
وقد قال تعالى : ( بَلِ
(
حَرَّمَ رَبِيَ الْفَوَحِشَ مَاظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ
فإنه يعتذر عن نفسه بأعذار
آلْإِنْسَنُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْأَلْقَى مَعَاذِيرَهُ.)
ويجادل عنها ، وهو يبصرها بخلاف ذلك ، وقال تعالى: ( كَفَى بِنَفْسِكَ
اَلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ) وقال تعالى: ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى
الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِ قَلْبِهِ، وَهُوَ أَلَذُاُلْخِصَامِ
وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم ((أبغض الرجال إلى الله الألد
الخصم)) فهو يجادل عن نفسه بالباطل ، وفيه لدد : أي ميل واعوجاج
عن الحق ، وهذا على نوعين : أحدهما أن تكون مجادلته وذبه عن نفسه
مع الناس، و((الثاني)) فيما بينه وبين ربه ، بحيث يقيم أعذار نفسه
ويظنها محقة وقصدها حسناً ، وهي خائنة ظالمة ، لها أهواء خفية قد
كتمتها حتى لا يعرف بها الرجل حتى يرى وينظر، قال شداد بن أوس.
إن أخوف ما أخاف عليكم الشهوة الخفية ، قال أبو داود : هي حب الرياسة .
وهذا من شأن النفس حتى إنه يوم القيامة يريد أن يدفع عن
نفسه ويجادل الله بالباطل، قال تعالى: ( يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَعْلِفُونَ لَهُ,كَمَا
يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَهُمْ عَلَى شَىْءٍأَّ إِنَّهُمْ هُمُ الْكَذِبُونَ * أُسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ
٤٤٥

فَأَنْسَنُهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَكَ حِزُبُ الشَّيْطَنِ أَلَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَنِ مُ الْخَسِرُونَ
(
وقال تعالى: ( وَيَوْمَ تَحْشُرُهُمْ جَميعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْأَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ
تَزْعُمُونَ * ثُمَّلَمْ تَكُنْ فِتْنَُّهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ وَلَّهِ رَبِنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ * أَنْظُرَّكَيْفَ كَذَّبُواْ عَلَى
(
أَنْفُسِهِمَّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ
وقد جاءت الأحاديث بأن الإنسان يجحد أعماله يوم القيامة ، حتى
يشهد عليه سمعه وبصره وجوارحه. وقال تعالى: (وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ
أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَرُكُمْ وَلَا جُلُودُ كُمْ وَلَكِنْ ظَنَدْتُمْ أَنَّاللَّهَ لَ يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا
(
تَعْمَلُونَ
ومن عادة المنافقين المجادلة عن أنفسهم بالكذب والأيمان الفاجرة ،
وصفهم الله بذلك فى غير موضع . وفى قصة تبوك لما رجع النبى صلى
الله عليه وسلم وجاء المنافقون يعتذرون إليه فجعل يقبل علانيتهم ، ويكل
سرائرهم إلى الله ، فلما باء كعب قال : والله يارسول اللّه لو قعدت بين
يدي ملك من ملوك الأرض لقدرت أن أخرج من سخطه: إنى أونيت
جدلاً ؛ ولكن أخاف إن حدثتك حديث كذب ترضى به عنى ليوشكن
اللّه أن يسخطك على؛ ولئن حدثتك حديث صدق مجد علي فيه إني
لأرجو فيه عفو الله، لا والله ما كان لي من عذر، والله ماكنت أقوى
قط ولا أيسر من حين تخلفت عنك، فقال النبى صلى الله عليه وسلم
٤٤٦

أما هذا فقد صدق ، يعني والباقي يكذبون ثم إنه هجره مدة ، ثم تاب
الله عليه بيركة صدقه .
فالاعتذار عن النفس بالباطل والجدال عنها لا يجوز؛ بل إن أُذنب
سراً بينه وبين الله اعترف لربه بذنبه ، وخضع له بقلبه ، وسأله مغفرته
وتاب إليه فإنه غفور رحيم تواب، وإن كانت السيئة ظاهرة تاب ظاهراً ،
وإن أظهر جميلاً وأبطن قبيحا تاب فى الباطن من القبيح ، فمن أساء
سراً أحسن سراً، ومن أساء علانية أحسن علانية، ( إِنَّالْحَسَنَتِ
. (
يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلَّاكِرِينَ
٤٤٧

سورة المائدة
وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه
ـصل
سورة المائدة أجمع سورة فى القرآن لفروع الشرائع من التحليل
والتحريم، والأمر والنهي ؛ ولهذا روى عن النبى صلى الله عليه وسلم
أنه قال: هي آخر القرآن نزولاً فأحلوا حلالها وحرموا حرامها ، ولهذا
افتتحت بقوله: ( أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ ) والعقود هي العهود ، وذكر فيها
من التحليل والتحريم والإيجاب ما لم يذكر فى غيرها ، والآيات فيها
متناسبة مثل قوله: ( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْطَّيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ
وَلَا تَعْتَدُوَأْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ).
وقد اشتهر فى التفسير أن هذه الآية نزلت بسبب الذين أرادوا
٤٤٨

التبتل من الصحابة ، مثل عثمان بن مظعون والذين اجتمعوا معه . وفى
الصحيحين حديث أنس فى الأربعة الذين قال أحدهم : أما أنا فأصوم
لا أفطر . وقال الآخر: أما أنا فأقوم لا أنام . وقال: الآخر أما أنا
فلا أتزوج النساء. وقال الآخر : أما أنا فلا آكل اللحم . فقال النبى
صلى الله عليه وسلم: (( لكني أصوم وأفطر، وأتزوج النساء وآ كل
اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني )) فيشبه والله أعلم أن يكون
) فيمن حرم الحلال على
لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اَللَّهُ لَكُمْ
قوله : (
نفسه بقول أو عزم على تركه ، مثل الذي قال : لا أتزوج النساء
ولا آكل اللحم ، وهي الرهبانية المبتدعة ، فإن الراهب لا ينكح
ولا يذبح .
وقوله : (وَلَا تَعْتَدُوَأ) فيمن قال: أقوم لا أنام ، وقال أصوم
لا أفطر ؛ لأن الاعتداء مجاوزة الحد ، فهذا مجاوز للحد في العبادة
المشروعة، كالعدوان في الدعاء فى قوله: ( ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً
ج
إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) وقال النى صلى الله عليه وسلم: ((سيكون قوم
يعتدون فى الدعاء والطهور، فالاعتداء فى (( العبادات، وفى الورع)»
كالذين خرجوا من أشياء ترخص فيها النبى صلى الله عليه وسلم ، وفى
((الزهد)) كالذين حرموا الطيبات وهذان القسمان ترك ، فقوله:
(وَلَا تَعْتَدُوَأْ) إما أن يكون مختصاً بجانب الأفعال العبادية ، وإما أن
٤٤٩

يكون العدوان يشمل العدوان فى العبادة والتحريم ، وهذان النوعان
هما اللذان ذم الله المشركين بها فى غير موضع ، حيث عبدوا عبادة
لم يأذن الله بها، وحرموا ما لم يأذن الله به، فقوله: (لَا تُحَرِّمُواْ )
(وَلَا تَعْتَّدُوَأ) يتناول القسمين.
والعدوان هنا كالعدوان فى قوله: (وَلَ نَعَاوَنُواْ عَلَى اُلْإِثْمِ وَاُلْعُدْوَنِ )
إما أن يكون أعم من الإثم ، وإما أن يكون نوعا آخر ، وإما أن
يكون العدوان فى مجاوزة حدود المأمورات واجبها ومستحبها ، ومجاوزة
حد المباح ، وإما أن يكون فى ذلك مجاوزة حد التحريم أيضاً ، فإنها
ثلاثة أمور : مأمور به ومنهى عنه ومباح .
ثم ذكر بعد هذا قوله: ( لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِيِّ ◌َيْمَنِكُمْ وَلَكِن
الآية ، ذكر هذا بعد
(
يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدَتُمُالْأَيْمَنَّ فَكَفَّرَتُهُ
النهي عن التحريم ، ليبين المخرج من تحريم الحلال إذا عقد عليه يميناً
بالله أو يميناً أخرى ، وبهذا يستدل على أن تحريم الحلال يمين .
ثم ذكر بعد ذلك ما حرمه من الخمر والميسر ، والأنصاب والازلام
فبين به ما حرمه ، فإن نفي التحريم الشرعي يقع فيه طائفة من الإباحية
كما يقع فى تحريم الحلال طائفة من هؤلاء يكونون فى حال اجتهادهم
ورياضتهم تحريمية ، ثم إذا وصلوا بزعمهم صاروا إباحية، وهاتان
٤٥٠

آفتان تقعان فى المتعبدة والمتصوفة كثيراً ، وقرن بهماحكم الأيمان فإن
كلاهما يتعلق بالفم داخلا وخارجا ، كما يقرن الفقهاء بين كتاب الأيمان
والأطعمة ، وفيه رخصة فى كفارة الأيمان مطلقاً ، خلافا لما شدد فيه
طائفة من الفقهاء ، من جعل بعض الأيمان لا كفارة فيها ، فإن هذا
التشديد مضاء للتحريم ، فيكون الرجل ممنوعا من فعل الواجب أو
المباح بذلك التشديد ، وهذا كله رحمة من الله بنا دون غيرنا من الأمم
التى حرم عليهم أشياء عقوبة لهم ولا كفارة في أيمانهم ، ولم يطهرهم من
الرجس كما طهرنا ، فتدبر هذا فإنه نافع .
٤٥١

وقال شيخ الإسلام رحمه الله
فصل
قوله: (سَمَّعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّعُونَ لِقَوْمٍ ،َآخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ) قيل:
اللام لام كي ، أي يسمعون ليكذبوا ويسمعون لينقلوا إلى قوم
آخرين لم يأتوك، فيكونون كذابين ونمامين جواسيس ، والصواب أنها
لام التعدية، مثل قوله: ((سمع الله لمن حمده )) فالسماع مضمن معنى
القبول أي قابلون للكذب ويسمعون من قوم آخرين لم يأتوك
ويطيعونهم ، فيكون ذما لهم على قبول الخبر الكاذب ، وعلى طاعة غيره
من الكفار والمنافقين، مثل قوله: (وَلَأَ وَضَعُواْ خِلَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ
وَفِيكُمْ سَمَّعُونَ لَهُمْ ) أي م يطلبون أن يفتنوكم وفيكم من يسمع منهم،
فيكون قد ذمهم على اتباع الباطل فى نوعي الكلام خبره وإنشائه ،
فإن باطل الخبر الكذب ، وباطل الإنشاء طاعة غير الرسل ،
وهذا بعيد .
ثم قال: (سَفَعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّلُونَ لِسُّحْتِ ) فذكر أنهم فى
٤٥٢

غذائي الجسد والقلب يغتذون الحرام ، بخلاف من بأ كل الحلال ولا
يقبل إلا الصدق ، وفيه خم لمن يروج عليه الكذب ويقبله، أو يؤثر.
لموافقته هواه ويدخل فيه قبول المذاهب الفاسدة ؛ لأنها كذب لا سيا
إذا اقترن بذلك قبولها لأجل العوض عليها ، سواء كان العوض من
ذي سلطان أو وقف أو فتوح أو هدية أو أجرة أو غير ذلك ، وهو
شبيه بقوله: ( إِنَّ كَثِيرًامِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَلَ النَّاسِ
بِالْبَطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ) (١) أهل البدع وأهل الفجور الذين
يصدقون بما كذب به على الله ورسوله وأحكامه، والذين يطيعون الخلق
فى معصية الخالق .
ومثله : ( هَلْ أُنَّبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَُّ عَلَى كُلِ أَفَاكِ أَنِيمٍ *
فإنما تنزلت بالسمع الذي
(
يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْتُرُهُمْ كَذِبُونَ
يخلط فيه بكلمة الصدق ألف كلمة من الكذب على من هو كذاب
فاجر ، فيكون سماعا للكذب من مسترقة السمع .
ثم قال فى السورة: ( لَوْلاَيَنْهَهُمُ الرَّبَّنِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْهِهُ
اُلْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ) فقول الإثم وسماع الكذب وأكل السحت
أعمال متلازمة فى العادة ، وللحكام منها خصوص ، فإن الحاكم إذا
(١) بياض بالأصل
٤٥٣

ارتشى سمع الشهادة المزورة ، والدعوى الفاجرة ، فصار سماعا للكذب
أكالا للسحت قائلا للإنم .
ولهذا خير نبيه صلى الله عليه وسلم بين الحكم بينهم وبين تركه ؛
لأنه ليس قصدم قبول الحق وسماعه مطلقاً ؛ بل يسمعون ما وافق أهواءهم
وإن كان كذبا ، وكذلك العلماء الذين يقولون الروايات المكذوبة .
٤٥٤

وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى
هذا تفسير آيات أشكلت حتى لا يوجد فى طائفة من كتب التفسير
إلا ما هو خطأ .
منها قوله: ( وَعَبَدَ الطَّغُوتَ ) والصواب عطفه على قوله: ( مَن
أَّعَنَهُ اللّهُ ) فعل ماض معطوف على ما قبله من الأفعال الماضية ؛ لكن
المتقدمة الفاعل الله مظهراً أو مضمراً ، وهذا الفعل اسم من عبد
الطاغوت وهو الضمير فى عبد ، ولم يعد حرف ( مَن ) لأن هذه
الأفعال لصنف واحد وهم اليهود .
٤٥٥

وقال شيخ الإسلام رحمه الله
فصل
ج
قال تعالى : (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا تُحَرِّ مُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوَأْ
إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُواْ مِمَارَزَقَكُمُ اللّهُ حَلَّاطَيِّبًا) الآ ية.
ومن المشهور فى التفسير : أنها نزلت بسبب جماعة من الصحابة
كانوا قد عزموا على الترهب، وفى الصحيحين عن أنس: ((أن رجالا
سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، عن عبادته فى السر ، فتقالوا
ذلك )) وذكر الحديث .
وفي الصحيحين عن سعد قال: ((رد النبى صلى الله عليه وسلم
على عثمان بن مظعون التبتل ، ولو أذن له لاختصينا)) . وعن عكرمة
أن على بن أبى طالب وابن مسعود وعثمان بن مظعون والمقداد ، وسالما
٤٥٦

مولى أبي حذيفة فى أصحاب لهم تبتلوا ، فجلسوا فى البيوت ، واعتزلوا
النساء ، ولبسوا المسوح ، وحرموا الطيبات من الطعام واللباس ، إلا
ما بأ كل ويلبس أهل السياحة من بني إسرائيل وهموا بالاختصاء ،
وأجمعوا لقيام الليل وصيام النهار ، فنزلت هذه الآية . وكذلك ذكر
سائر المفسرين ما يشبه هذا المعنى .
وقد ذم الله الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ، وذم الذين
يتبعون الشهوات ، والذين يريدون أن تميلوا ميلا عظيما ، ويريدون
ميل المومنين ميلا عظيما . وذم الذين اتبعوا ما أترفوا فيه ، والذين
يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام .
وأكثر الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات شربة الخمر ، كما
قال تعالى: (إِنَّمَايُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِى الْخَمْرِوَالْمَيْسِ
وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ الَِّوَ عَنِ الصَّلَوةِ ) فجمعوا بين الشهوة المحرمة وترك ذكر الله
وإضاعة الصلاة ، وكذلك غيرم من أهل الشهوات .
ثم نهى سبحانه عن تحريم ما أحل من الطيبات ، وعن الاعتداء
فى تناولها ، وهو مجاوزة الحد ، وقد فسر الاعتداء فى الزهد والعبادة
بأن يحرموا الحلال ويفعلوا من العبادة ما يضره ، فيكونوا قد تجاوزوا
٤٥٧

الحد وأسرفوا . وقيل : لا يحملنكم أكل الطيبات على الإسراف
وتناول الحرام من أموال الناس فإن آ كل الطيبات والشهوات المعتدى
فيها لا بد أن يقع فى الحرام لأجل الإسراف فى ذلك .
والمقصود بالزهد ترك ما يضر العبد فى الآخرة ، وبالعبادة فعل
ما ينفع فى الآخرة ، فإذا ترك الإنسان ما ينفعه فى دينه وينفعه فى
آخرته وفعل من العبادة ما يضر فقد اعتدى وأسرف ، وإن ظن ذلك
زهداً نافعاً وعبادة نافعة .
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والنخعي: (وَلَا تَعْتَدُوّأ) أى لا
تجبوا أنفسكم ، وقال عكرمة لا تسيروا بغير سيرة المسلمين : من ترك
النساء ، ودوام الصيام والقيام . وقال مقاتل : لا يحرموا الحلال ، وعن
الحسن لا تأتوا ما نهى الله عنه ، وهذا ما أريد به لا تحرموا الحلال
ولا تفعلوا الحرام ؛ فيكون قد نهى عن النوعين ؛ لكن سبب نزول
الآية وسياقها يدل على قول الجمهور ، وقد يقال هذا مثل قوله :
وقوله فى تمام الآية : ( وَكُلُواْمِمَّا
(وَكُلُأْ وَاشْرَبُواْ وَلَا تُسْرِفُواْ)
رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَاطَيِّبًا ) الآية .
وكذلك الأحاديث الصحيحة كقول أحدهم : لا أتزوج النساء ،
٤٥٨

وقول الآخر لا آكل اللحم . كما في حديث أنس المتقدم ، وهذا مما
يدل على أن صوم الدهر مكروه ، وكذلك مداومة قيام الليل .
فصل
وهذا الذي جاءت به شريعة الإسلام هو الصراط المستقيم ، وهو
الذي يصلح به دين الإنسان ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أعدل
الصيام صيام داود ، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً )) وفي رواية صحيحة :
((أفضل)) والأفضل هو الأعدل الأقوم. وهذا القرآن يهدي للتي هي
أقوم ، وهي وسط بين هذين الصنفين : أصحاب البدع وأصحاب الفجور
أهل الإسراف والتقشف الزائد .
ولهذا كان السلف يحذرون من هذين الصنفين . قال الحسن :
هو المبتدع في دينه والفاجر فى دنياه ، وكانوا يقولون : احذروا صاحب
الدنيا أغوته دنياه ، وصاحب هوى متبع لهواه ، وكانوا بأمرون بمجانبة
أهل البدع والفجور .
فـ ((القسم الأول)) أهل الفجور ، وم المترفون المنعمون ، أوقعهم
فى الفجور ما هم فيه .
٤٥٩

و ((القسم الثاني)) المترهبون، أوقعهم فى البدع غلوم وتشديدهم.
هؤلاء ( استمتعوا بخلاقهم ) وهؤلاء خاضوا كما خاض الذين من قبلهم
وذلك أن الذين يتبعون الشهوات المنهي عنها أو يسرفون في المباحات
ويتركون الصلوات والعبادات المأمور بها يستحوذ عليهم الشيطان والهوى
فينسيهم الله والدار الآخرة ، ويفسد حالهم ، كما هو مشاهد
كثيراً منهم.
والذين يحرمون ما أحل الله من الطيبات - وإن كانوا يقولون:
ان الله لم يحرم هذا؛ بل يلتزمون ألا يفعلوه ، إما بالنذر وإما
باليمين ، كما حرم كثير من العباد والزهاد أشياء - يقول أحدم: لله
علي ألا آ كل طعاماً بالتهار أبداً ، ويعاهد أحدم ألا يأكل
الشهوة الملائمة ، ويلتزم ذلك بقصده وعزمه ، وإن لم يحلف ولم ينذر .
فهذا يلتزم أن لا يشرب الماء ، وهذا يلتزم ألا يأكل الخبز ، وهذا
يلتزم ألا يشرب الفقاع، وهذا يلتزم ألا يتكلم قط ، وهذا يجب
نفسه، وهذا يلتزم ألا ينكح ولا يذبح، وأنواع هذه الأشياء من
الرهبانية التى ابتدعوها على سبيل مجاهدة النفس ، وقهر الهوى والشهوة .
ولا ريب أن مجاهدة النفس مأمور بها ، وكذلك قهر الهوى
والشهوة، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((المجاهد
من جاهد نفسه في ذات الله ، والكيس من دان نفسه وعمل لما بعد
٤٦٠