Indexed OCR Text

Pages 421-440

وستون - أو بضع وسبعون - شعبة. أعلاها: قول لا إله إلا الله.
وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)).
فـ ((لا إله إلا الله)) هي قطب رحى الإيمان، وإليها يرجع
الأمر كله .
والكتب المنزلة: مجموعة في قوله تعالى (إِيَاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيٌٌ)
وهي معنى ((لا إله إلا الله)) و((لا حول ولا قوة إلا بالله)) هي من
معنى ((لا إله إلا الله)) و ((الحمد لله)) فى معناها، و((سبحان الله
والله أكبر)) من معناها . لكن فيها تفصيل بعد إجمال .
فصل
وقد ظن بعض المتأخرين: أن معنى قوله (( فَنَّفْسِكَ)) أي
أفمن نفسك ؟ وأنه استفهام ، على سبيل الإنكار ، ومعنى كلامه : أن
الحسنات والسيئات ، كلها من اللّه، لا من نفسك.
وهذا القول بباين معنى الآية . فإن الآية بينت أن السيئات
من نفس الإنسان . أي بذنوبه . وهؤلاء يقولون : ليست السيئات
من نفسه .
٤٢١

وممن ذكر ذلك : أبو بكر بن فورك . فإنه قال : معناه : أفمن
نفسك ؟ يدل عليه قول الشاعر :
ثم قالوا : محبها ؟ قلت : بهرا
عدد الرمل والحصى والتراب
قلت : وإضمار الاستفهام - إذا دل عليه الكلام - لا يقتضى
جواز إضماره فى الخبر المخصوص من غير دلالة . فإن هذا يناقض
المقصود . ويستلزم أن كل من أراد أن ينفي ما أخبر الله به يقدر أن
ينفيه ، بأن يقدر فى خبره استفهاماً . ويجعله استفهام إنكار .
وهذا من جهة العربية نظير ما زعمه بعضهم في قول إبراهيم عليه
السلام ((هذا ربي )) أهذا ربي ؟
قال ابن الأنباري : هذا القول شاذ . لأن حرف الاستفهام
لا يضمر إذا كان فارقاً بين الإخبار والاستخبار .
وهؤلاء استشهدوا بقوله ( أَفَإِيْنِمِّتَ فَهُمُ الْخَلِدُونَ
. (
وهذا لا حجة فيه . لأنه قد تقدم الاستفهام فى أول الجملة ، فى
) فلم يحتج إلى ذكره
الجملة الشرطية ( وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرِ يِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ
ثانية. بل ذكره يفسد الكلام. ومثله قوله ( أَفَإِيْن مَّاتَ أَوْقُتِلَ
٤٢٢

أَنْقَلَبْتُمْ عَ أَعْقَبِّكُمْ ؟) وقوله (أَفَكُلَّمَاجَاءَ كُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا ◌َهْوَ أَنفُسُكُمُ
وقوله (أَوَكُلَّمَا عَهَدُ واْعَهْدًا نَّبَذَهُ، فَرِيقٌ مِّنْهُم؟ )
اُسْتَكْبَرْتُمْ ؟ )
وهذا من فصيح الكلام وبليغه . واستشهدوا بقوله :
لعمرك لا أدري ، وإن كنت دارياً
بسبع رمين الجمر ، أم بثمان؟
وقوله :
كذبتك عينك، أم رأيت بواسط
غلس الظلام من الرباب خيالا ؟
تقديره : أكذبتك عينك ؟ .
وهذا لا حجة فيه. لأن قوله فيما بعد ((أم بثمان)) و((أم رأيت))
يدل على الألف المحذوفة فى البيت الأول . وأما الثانى : فإن
كانت ((أم)) هي المتصلة، فكذلك . وإن كانت هي المنفصلة.
فالخبر على بابه .
وهؤلاء مقصودة : أن النفس لا تأثير لها فى وجود السيئات .
٤٢٣

وليست سبباً فيها . بل قد يقولون : إن المعاصى علامة محضة على
العقوبة ، لاقترانها بها. لا أنها سبب لها . وهذا مخالف للكتاب
والسنة وإجماع السلف، وللعقل .
والقرآن يبين فى غير موضع: أن اللّه لم يهلك أحداً ولم يعذبه الا
وقال لهم فى
(
بذنب . فقال هنا ( وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ
شأن أحد ( أَوَلَمَّا أَصَبَتَّكُم مُّصِيبَةٌ قَدْأَ صَبْتُمْ مِثْلَهَا قُلْتُمْ أَنَّ هَذَا قُلْ هُوَ
وقال تعالى (وَمَا أَصَبَكُمْ مِّن قُصِيبَةٍ فَبِمَا
(
مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ
كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ) وقال تعالى في سورة الشورى
أيضاً ( وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا فَدَّ مَتْ أَيْدِيِهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ ) وقال
تعالى (قُلْ أَرَهَ يْتُمْ إِنْ أَتَمَكُمْ عَذَابُهُ بَيَنَّا أَوْ نَهَارًا مَا ذَايَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ؟ )
( وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلََّ لَا مُنذِرُونَ * ذِكْرَى
وقال تعالى
وقال تعالى ( وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى
(
وَمَا كُنَّا ظَلِمِينَ
حَّ يَبْعَثَ فِى أُمِّهَا رَسُولَا يَثْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِنَأْ وَمَا كُنَّامُهْلِكِ الْقُرَىّ إِلَّ وَأَهْلُهَا
ظَالِمُون ) وقال تعالى ( ظَهَرَ الْفَسَادُفِ البَرِّوَالْبَحْرِیمَا كَسَبَتْ أَيدِی
النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِى عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ بَرْجِعُونَ
وقال تعالى
: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)
وقال تعالى في
(
وقال تعالى (أَوْيُوبِقْهُنَّبِمَا كسبواْوَيَعْفُعَنكَثِيرٍ
سورة القلم عن أهل الجنة الذين ضرب بهم المثل لما أهلكها بذلك
٤٢٤

وقال تعالى (مَثَلُ
العذاب ( وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةَ أَكْبُ لَوْكَانُوا يَعْلَمُونَ)
ج
مَايُنْفِقُونَ فِى هَذِهِ اُلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرُّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوَأْ
أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)
- إلى
وقال تعالى عن أهل سبأ ( فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ
وقال
ذَلِكَ جَزَيْنَهُم بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ تُجْزِىَ إِلََّ الْكَفُورَ
قوله -
تعالى (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ اُلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَّةُ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ )
(
وقال تعالى ( وَمَا كُنَّامُعَذِبِنَحَتَّىنَبْعَثَرَسُولًا
وفى الحديث الصحيح الإلهي (( يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها
لكم ثم أوفيكم إياها . فمن وجد خيراً: فليحمد الله . ومن وجد
غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه )).
وفى سيد الاستغفار («أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي))
وقال تعالى ( وَإِنَّ ◌ِلَّذِينَ ظَمُواْ عَذَابَا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ).
والحمد لله وحده، وصلى الله على عبد الله ورسوله محمد وآله
وصحبه وسلم. ورضى الله عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين وتابعي
التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين .
٤٢٥

وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه
فصل
قال الله تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ
وَأَتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفً وَاتَّخَذَ اُلله ◌ِبْزَهِيمَ خَلِيلًا ) فنفى أن يكون
دين أحسن من هذا الدين ، وأنكر على من أثبت ديناً أحسن منه ؛
لأن هذا استفهام إنكار ، وهو إنكار نهي وذم لمن جعل ديناً
أحسن من هذا .
قال قتادة والضحاك وغيرهما : إن المسلمين وأهل الكتاب افتخروا
فقال أهل الكتاب : نبينا قبل نبيكم ، وكتابنا قبل كتابكم ، ونحن أولى
بالله منكم . وقال المسلمون : نحن أولى باللّه تعالى منكم، ونينا خاتم
النبيين ، وكتابنا يقضى على الكتب التى كانت قبله ، فأنزل الله تعالى:
( لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ اُلْكِتَبِ ) الآية .
٤٢٦

وروى سفيان عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق ، قال :
لما نزلت هذه الآية: ( لَيْسَ بِأَمَانِيَّكُمْ وَلَا أَمَانِيَ أَهْلِ الْكِتَبِّ مَن
يَعْمَلْ سُوءًايُجْزَبِهِ ) قال أهل الكتاب: نحن وأنتم سواء ، حتى نزلت
( وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصََّلِحَتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ ) الآية.
ونزلت فيهم أيضاً (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا ) الآية .
وقد روى عن مجاهد قال قالت قريش : لا نبعث أولا نحاسب
وقال أهل الكتاب: (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّ أَيَّامًا مَعْدُودَةً) فأنزل الله
عز وجل: ( لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَآ أَمَانِ أَهْلِ اُلْكِتَبِ ) وهذا يقتضى
أنها خطاب للكفار من الأميين وأهل الكتاب ؛ لاعتقادهم أنهم لا يعذبون
العذاب الدائم ، والأول أشهر في النقل وأظهر فى الدليل ؛ لأن السورة
مدنية بالاتفاق ، فالخطاب فيها مع المؤمنين كسائر السور المدنية .
وأيضاً : فإنه قد استفاض من وجوه متعددة أنه لما نزل قوله
تعالى: (مَن يَعْمَلْ سُوءًايُجْزَبِهِ ) شق ذلك على أصحاب النى صلى الله
عليه وسلم ، حتى بين لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن مصائب الدنيا
من الجزاء ، وبها يجزي المؤمن ؛ فعلم أنهم مخاطبون بهذه الآية لا
مجرد الكفار .
وأيضاً قوله بعد هذا: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّلِحَتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ
٤٢٧

أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ ) الآية. وقوله: (وَمَنْ أَحْسَنُدِينًا) يدل على
أن هناك تنازعا في تفضيل الأديان ، لا مجرد انكار عقوبة
بعد الموت .
وأيضاً : فما قبلها وما بعدها خطاب مع المؤمنين وجواب لهم ،
فكان المخاطب فى هذه الآية هو المخاطب فى بقية الآيات .
فإن قيل : الآية نص فى نفي دين أحسن من دين هذا المسلم ،
لكن من أين أنه ليس دين مثله ؟ فإن الأقسام ثلاثة: إما أن يكون
ثم دين أحسن منه. أو دونه ، أو مثله، وقد ثبت أنه لا أحسن منه
فمن أين فى الآية أنه لا دين مثله ؟ ونظيرها قوله: (وَمَنْ أَحْسَنُ
قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَلِحًا وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ الْمُسْلِمِينَ )
قيل : لو قلنا فى هذا المقام : إن الآية لم تدل إلا على نفي
الأحسن لم يضر هذا ؛ فإن الخطاب له مقامات ، قد يكون الخطاب
قارة بايبات صلاح الدين ، إذا كان المخاطب يدعى أو يظن فساده ،
ثم في مقام بأن يقع النزاع فى التفاضل ، فيين أن غيره ليس أفضل
منه . ثم فى مقام ثالث يبين أنه أفضل من غيره . وهكذا إذا تكلمنا
فى أمر الرسول ، ففي مقام نبين صدقه وصحة رسالته . وفى مقام بأن
نبين أن غيره ليس أفضل منه ، وفى مقام ثالث نبين أنه سيد ولد
٤٢٨

آدم ؛ وذلك أن الكلام يتنوع بحسب حال المخاطب .
ثم نقول : يدل على أن هذا الدين أحسن من وجوه :
((أحدها)) أن هذه الصيغة وإن كانت فى أصل اللغة لنفى الأفضل
لدخول النفي على أفعل ، فإنه كثيراً ما يضمر بعرف الخطاب ، يفضل -
المذكور المجرور بمن مفضلا عليه في الإثبات ، فإنك إذا قلت : هذا
الدين أحسن من هذا كان المجرور بمن مفضلا عليه، والأول مفضلا ،
فإذا قلت لا أحسن من هذا ، أومن أحسن من هذا ؟أو ليس فيهم
أفضل من هذا ، أو ما عندي أعلى من زيد ، أو ما فى القوم أصدق
من عمرو ، أو ما فيهم خير منه ، فإن هذا التأليف يدل على أنه
أفضلهم وأعلمهم وخيرم ؛ بل قد صارت حقيقة عرفية فى نفي فضل
الداخل في أفعل ، وتفضيل المجرور على الباقين ، وأنها تقتضي نفي فضلهم
واثبات فضله عليهم ، وضمنت معنى الاستثناء ، كأنك قلت : ما فيهم
أفضل إلا هذا، أو مافيهم المفضل الإهذا، كما أن [إن] إذا كفت بما
النافية صارت متضمنة النفي والإثبات .
وكذلك الاستثناء ؛ وإن كان فى الأصل للإخراج من الحكم ، فإنه
صار حقيقة عرفية فى مناقضة المستثنى منه ، فالاستثناء من النفي إثبات .
٤٢٩

ومن الإثبات نفي، واللفظ بصير بالاستعمال له معنى غير ما كان يقتضيه
أصل الوضع .
وكذلك يكون في الأسماء المفردة تارة ، ويكون في تركيب الكلام
أخرى ، ويكون فى الجمل المنقولة كالأمثال السارة جملة ، فيتغير الاسم
المفرد بعرف الاستعمال عما كان عليه فى الأصل ، إما بالتعميم وإما
بالتخصيص وإما بالتحويل ؛ كلفظ الدابة والغائط والرأس . ويتغير التركيب
بالاستعمال عما كان يقتضيه نظائره، كما فى زيادة حرف النفي فى الجمل السلبية،
وزيادة النفي فى كاد، وبنقل الجملة عن معناها الأصلي إلى غيره كالجمل
المتمثل بها، كما فى قولهم: ((يداك أو كتا وفوك نفخ)) و ((عسى
الغوير أبؤساً )).
((الوجه الثاني)) أنه إذا كان لا دين أحسن من هذا فالغير إما أن
يكون مثله أو دونه ، ولا يجوز أن يكون مثله ؛ لأن الدين إذا مائل
الدين وساواه فى جميع الوجوه كان هو إياه، وإن تعدد الغير لكن النوع
واحد فلا يجوز أن يقع التماثل والتساوي بين الدينين المختلفين ،
فإن اختلافها يمنع تماثلها ؛ إذ الاختلاف ضد التماثل ، فكيف يكونان
مختلفين متماثلين ؟ واختلافهما اختلاف تضاد لا تنوع ؛ فإن أحد الدينين
يعتقد فيه أمور على أنها حق واجب ، والآخر يقول إنها باطل محرم.
فمن المحال استواء هذين الاعتقادين .
٤٣٠

وكذلك القصدان ، فإن هذا يقصد المعبود بأنواع من المقاصد
والأعمال والآخر يقصده بما يضاد ذلك وينافيه ، وليس كذلك تنوع
طرق المسلمين ومذاهبهم ؛ فإن دينهم واحد ، كل منهم يعتقد ما يعتقده
الآخر ، ويعبده بالدين الذي يعبده ويسوغ أحدهما للآخر أن يعمل بما
تنازع فيه من الفروع فلم يختلفا ؛ بل نقول أبلغ من هذا أن القدر
الذي يتنازع فيه المسلمون من الفروع لابد أن يكون أحدما أحسن
عند اللهفإن هذا مذهب جمهور الفقهاء الموافقين لسلف الأمة على أن
المصيب عند اللّه واحد في جميع المسائل ، فذاك الصواب هو أحسن
عند الله، وإن كان أحدهما يقر الآخر . فالإقرار عليه لا يمنع أن يكون
مفضولا مرجوحا ، وإنما يمنع أن يكون محرما .
وإذا كان هذا فى دق الفروع فما الظن بما تنازعوا فيه من الأصول؟
فإنه لا خلاف بين المسلمين ولا بين العقلاء أن المصيب فى نفس الأمر
واحد ، وإنما تنازعوا فى المخطئ هل يغفر له أولا يغفر ، وهل يكون
مصيباً بمعنى أداء الواجب ؟ وسقوط اللوم لا بمعنى صحة الاعتقاد ؟ فإن
هذا لا يقوله عاقل : أن الاعتقادين المتناقضين من كل وجه يكون كل
منها صوابا .
فتلخيص الأمر أن هذا المقام إنما فيه تفضيل قول وعمل على قول
وعمل ، فالأقوال والأعمال المختلفة لابد فيها من تفضيل بعضها على بعض
٤٣١

عند جمهور الأمة ؛ بل ومن قال بأن كل مجتهد مصيب قد لا ينازع
أن أحدهما أحسن وأصوب ، ولا يدعى تماثلها . وإن ادعاه فلم يدعه
إلا فى دق الفروع ، مع أن قوله ضعيف مخالف للكتاب والسنة
وإجماع السلف .
وأما الحل فلم يدع مدع تساوي الأقسام فيه ، وهذا بخلاف
التنوع المحض ، مثل قراءة سورة وقراءة سورة أخرى ، وصدقة بنوع
وصدقة بنوع آخر . فإن هذا قد يتماثل ؛ لأن الدين واحد في
ذلك من كل وجه ، وإنما كلامنا فى الأديان المختلفة ، وليس هنا
خلاف بحال .
وإذا ثبت أن الدينين المختلفين لا يمكن تماثلها لم يحتج إلى نفي هذا
فى اللفظ لانتفائه بالعقل . وكذلك لما سمعوا قوله: ( وَلَاتَُّنَكَصَاحِبٍ
اْلُّوتِ ) كان فى هذا ما يخاف انتقاصهم إياه .
هذا مع أن نصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة شاهدة بتفضيل
النبيين على بعض ، وبعض الرسل على بعض ، قاضية لأولى العزم
بالرجحان ، شاهدة بأن محمداً صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم ،
وأكرم الخلق على ربه ؛ لكن تفضيل الدين الحق أمر لابد من اعتقاده؛
ولهذا ذكره الله فى الآية .
٤٣٢

وأما تفضيل الأشخاص فقد لا يحتاج إليه فى كل وقت ، فالدين
الواجب لا بد من تفضيله ؛ إذ الفضل يدخل فى الوجوب ، وإذا وجب
الدين به دون خلافه فلأن يجب اعتقاد فضله أولى .
وأما الدين المستحب : فقد لا يشرع اعتقاد فعله إلا فى حق من
شرع له فعل ذلك المستحب ، وإلا فمن الناس من يضره إذا سلك
سبيلا من سبل السلام الإسلامية أن يرى غيره أفضل منها ؛ لأنه
يتشوف إلى الأفضل فلا يقدر عليه ، والمفضول بعرض عنه .
وكما أنه ليس من مصلحته أن يعرف أفضل من طريقته إذا كان
يترك طريقته ، ولا يسلك تلك ، فليس أيضا من الحق أن يعتقد أن
طريقته أفضل من غيرها ؛ بل مصلحته أن يسلك تلك الطريقة المفضية
ء
به إلى رحمة الله تعالى، فإن بعض المتفقهة بدعون الرجل إلى ماهو أفضل
من طريقته عندهم ، وقد يكونون مخطئين فلا سلك الأول ولا الثاني ،
وبعض المتصوفة المريد يعتقد أن شيخه أكمل شيخ على وجه الأرض ،
وطريقته أفضل الطرق . وكلاهما انحراف : بل يؤمر كل رجل أن يأتي
من طاعة الله ورسوله بما استطاعه ، ولا ينقل من طاعة الله ورسوله
بطريقته ، وإن كان فيها نوع نقص أو خطأ ، ولا يبين له نقصها إلا
إذا نقل إلى ماهو أفضل منها ، وإلا فقد ينفر قلبه عن الأولى بالكلية
حتى يترك الحق الذي لا يجوز تركه، ولا يتمسك بشيء آخر .
٤٣٣

وهذا باب واسع ليس الغرض هنا استقصاؤه ، وهو مبني على
أربعة أصول :
((أحدها)) معرفة مراتب الحق والباطل ، والحسنات والسيئات،
والخير والشر ؛ ليعرف خير الخيرين وشر الشرين .
((الثاني)) معرفة ما يجب من ذلك ومالا يجب ، وما يستحب من
ذلك ومالا يستحب .
((الثالث)) معرفة شروط الوجوب والاستحباب من الإمكان
والعجز، وأن الوجوب والاستحباب قد يكون مشروطاً بإمكان
العلم والقدرة .
(( الرابع)) معرفة أصناف المخاطبين وأعيانهم ؛ ليؤمر كل شخص
بما يصلحه ، أو بما هو الأصلح له من طاعة الله ورسوله، وينهي عما
ينفع هيه عنه ، ولا يؤمر بخير يوقعه فيما هو شر من المنهى عنه مع
الاستغناء عنه .
وهذا القدر الذي دات عليه هذه الآية - من أن دين من أسلم
وجهه لله وهو محسن، واتبع ملة إبراهيم، هو أحسن الأديان،
أمر متفق عليه بين المسلمين - معلوم بالاضطرار من دين الإسلام؛
٤٣٤

بل من يتبع غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو فى الآخرة
من الخاسرين .
ولكن كتاب الله هو حاكم بين أهل الأرض فيما اختلفوا فيه ،
ومبين وجه الحكم؛ فإنه بين بهذه الآية وجه التفضيل بقوله : (أَسْلَمَ
وَجْهَهُ لِلَّهِ) وبقوله: ( وَهُوَ مُحْسِنٌ ) فإن الأول بيان نيته وقصده ،
ومعبوده وإلهه، وقوله : ( وَهُوَ مُحْسِنٌ ) فانتفى بالنص نفي ما هو
أحسن منه ، وبالعقل ما هو مثله ، فثبت أنه أحسن الأديان .
((الوجه الثالث)) أن النزاع كان بين الأمتين أي الدينين أفضل؟
فلم يقل لهما : إن الدينين سواء ، ولا نهوا عن تفضيل أحدهما ؛ لكن
حسمت مادة الفخر والخيلاء والغرور الذي يحصل من تفضيل أحد
الدينين ؛ فإن الإنسان إذا استشعر فضل نفسه أو فضل دينه يدعوه
ذلك إلى الكبر والخيلاء والفخر ؛ فقيل للجميع: (مَن يَعْمَلْ سُوءًا
يُجْزَبِهِ ) سواء كان دينه فاضلا أو مفضولا ؛ فإن النهي عن السيئات
والجزاء عليها واقع لا محالة [قال تعالى] ( وَالَّرِيَتِ ذَرْوًا ) إلى
قوله : ( لَوْفِعٌ ) .
فلما استشعر المؤمنون أنهم مجزيون على السيئات ولا يغنى عنهم
فضل دينهم وفسر لهم النبى صلى الله عليه وسلم أن الجزاء قد يكون
٤٣٥

فى الدنيا بالمصائب ، بين بعد ذلك فساد دين الكفار من المشركين
وأهل الكتاب بقوله: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَِّحَتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى)
الآية. فبين أن العمل الصالح إنما يقع الجزاء عليه في الآخرة مع
الإيمان ، وإن كان قد يجزى به صاحبه في الدنيا بلا ايمان ، فوقع
الرد على الكفار من جهة جزائهم بالسيئات ، ومن جهة أن حسناتهم
لا يدخلون بها الجنة إلا مع الإيمان ، ثم بين بعد هذا فضل
الدين الإسلامي الحنفي بقوله: ( وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا ) فجاء الكلام
فى غاية الإحكام .
ومما يشبه هذا من بعض الوجوه نهى النبي صلى الله عليه وسلم
أن يفضل بين الأنبياء التفضيل الذي فيه انتقاص المفضول والغض
منه، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((لا تفضلوا بين الأنبياء)) وقال:
((لا تفضلوني على موسى)) بيان لفضله ، وبهذين يتم الدين .
فإذا كان الله هو المعبود وصاحبه قد أخلص له وانقاد ، وعمله
فعل الحسنات ، فالعقل يعلم أنه لا يمكن أن يكون دين أحسن من
هذا : بخلاف دين من عند غير الله وأسلم وجهه له ، أو زعم أنه
يعبد الله لا بإسلام وجهه ؛ بل يتكبر كاليهود ، ويشرك كالنصارى ،
أو لم يكن محسناً بل فاعلا للسيئات دون الحسنات ، وهذا الحكم
٤٣٦

عدل محض ، وقياس وقسط ، دل القرآن العقلاء على وجه
البرهان فيه .
وهكذا غالب ما بينه القرآن فإنه يبين الحق والصدق ، ويذكر
أدلته وبراهينه ؛ ليس ببينه بمجرد الإخبار عن الأمر ، كما قد يتوهمه
كثير من المتكلمة والمتفلسفة ، أن دلالته سمعية خبرية ، وأنها واجبة
لصدق المخبر ؛ بل دلالته أيضاً عقلية برهانية ، وهو مشتمل من الأدلة
والبراهين على أحسنها وأتمها بأحسن بيان ، لمن كان له فهم وعقل ؛
بحيث إذا أخذ ما فى القرآن من ذلك ، وبين لمن لم يعلم أنه كلام الله
أو لم يعلم صدق الرسول، أو يظن فيه [ظنا] مجرداً عن ما يجب من قبول
قول المخبر ، كان فيه ما يبين صدقه وحقه ، ويبرهن عن صحته .
٤٣٧

وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى
فصل
في قوله تعالى: ( وَلَا تُجَدِّلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ
لَا يُحِبُ مَن كَانَ خَوَّانَا أَثِمًا ) فقوله: (يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ) مثل قوله
فى سورة البقرة (عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ) قال ابن قتيبة
وطائفة من المفسرين : معناه نخونون أنفسكم . زاد بعضهم : تظلمونها .
فجعلوا الأنفس مفعول (تَخْتَانُونَ) وجعلوا الإنسان قد خان نفسه أي
ظلمها بالسرقة كما فعل ابن أبيرق - أو بجماع امرأته ليلة الصيام كما
فعل بعض الصحابة - وهذا القول فيه نظر ؛ فإن كل ذنب يذنبه
الإنسان فقد ظلم فيه نفسه ، سواء فعله سراً أو علانية .
وإذا كان اختيان النفس هو ظلمها أو ارتكاب ما حرم عليها كان
كل مذنب مختاناً لنفسه ، وإن جهر بالذنوب ، وكان كفر الكافرين
٤٣٨

وقتالهم للأنبياء وللمؤمنين اختياناً لأنفسهم ، وكذلك قطع الطريق
والمحاربة ، وكذلك الظلم الظاهر ، وكان ما فعله قوم نوح وهود، وصالح
وشعيب اختياناً لأنفسهم .
ومعلوم أن هذا اللفظ لم يستعمل فى هذه المعاني كلها ، وإنما
استعمل فى خاص من الذنوب مما يفعل سراً ، وحتى قال ابن عباس في
قوله : (تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ): عنى بذلك فعل عمر ، فإنه روى أنه لما
حاء الأنصاري فشكى أنه بات تلك الليلة ولم يتعش لما نام قبل العشاء ،
وكان من نام قبل الأكل حرم عليه الأكل ، فيستمر صائماً ، فأصبح
يتقلب ظهراً لبطن ، فلما شكا حاله إلى النبى صلى الله عليه وسلم قال
عمر : يا رسول الله إنى أردت أهلي الليلة فقالت إنها قد نامت فظننتها
لم ثم فواقعتها، فأخبرتنى أنها كانت قد نامت، قالوا: فأنزل الله
فى عمر: ( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآَبِكُمْ ) .
وقد قيل : إن الجماع ليلة الصيام كانوا منهيين عنه مطلقاً ، بخلاف
الأكل ، فإنه كان مباحاً قبل النوم . وقد روى أن عمر جامع امرأته
بعد العشاء قبل النوم ، وأنه لما فعل أخذ يلوم نفسه ، فأتى النبي صلى
الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أعتذر إلى الله من نفسى هذه
الخائنة ، إني رجعت إلى أهلي بعد ما صليت العشاء فوجدت رائحة طيبة
فسولت لي نفسي فجامعت أهلي، فقال النبى صلى الله عليه وسلم (( ماكنت
٤٣٩

جديراً بذلك يا عمر)) وجاء طائفة من الصحابة فذكروا مثل ذلك
فأنزل الله هذه الآية .
فهذا فيه أن نفسه الخاطئة سولت له ذلك ، ودعته إليه ، وأنه
أخذ يلومها بعد الفعل ، فالنفس هنا هي الخائنة الظالمة ، والانسان
تدعوه نفسه فى السر إذا لم يره أحد إلى أفعال لا تدعو إليها علانية ،
وعقله نهاه عن تلك الأفعال ، ونفسه تغلبه عليها .
ولفظ الخيانة حيث استعمل لا يستعمل إلا فيما خفى عن المخون ،
كالذي يخون أمانته فيخون من ائتمنه إذا كان لا يشاهده ، ولو شاهده
لما خانه. قال تعالى: ( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَّخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ
وقال تعالى: ( وَلَا نَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى
(
أَمَنَتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِّنْهُمْ ) وقالت امرأة العزيز: ( ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِى لَمْ أَخُنْهُ
بِالْغَيْبٍ وَأَنَّاللَّهَ لَ يَهْدِى كَيْدَالْخَاسِنِينَ)
وقال تعالى : ( يَعْلَمُ
خَبِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ).
وقال النبى صلى الله عليه وسلم لما قام: (( أما فيكم رجل يقوم إلى
هذا فيضرب عنقه؟ )) فقال له رجل : هلا أو مضت إلي ؟ فقال :
((ما ينبغي لنى أن تكون له خائنة الأعين)) قال تعالى: ( وَلَ تُجَدِلْ
عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّاللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا * يَسْتَخْفُونَ
٤٤٠