Indexed OCR Text

Pages 41-60

قال شيخ الإسلام رحمه الله
ـل
وقد ذكرت في مواضع ما اشتملت عليه (( سورة البقرة )) من
تقرير أصول العلم وقواعد الدين: أن الله تعالى افتتحها بذكر كتابه
الهادي للمتقين، فوصف حال أهل الهدى، ثم الكافرين ، ثم المنافقين.
فهذه ((جمل خبرية)) ثم ذكر ((الجمل الطلبية)) فدعا الناس إلى عبادته
وحده ، ثم ذكر الدلائل على ذلك من فرش الأرض وبناء السماء وإنزال
الماء وإخراج الثمار رزقا للعباد، ثم قرر ((الرسالة)) وذكر ((الوعد ،
والوعيد ، ثم ذكر مبدأ ((النبوة والهدى)) وما بثه فى العالم من الخلق
والأمر ، ثم ذكر تعليم آدم الأسماء ، وإِسجاد الملائكة له لما شرفه من
العلم؛ فإن هذا تقرير لجنس ما بعث به محمد صلى الله عليه وسلم من
الهدى ودين الحق ، فقص جنس دعوة الأنبياء .
ثم انتقل إلى خطاب بنى اسرائيل وقصة موسى معهم ، وضمن
ذلك تقرير نبوته إذ هو قرين محمد، فذكر آدم الذي هو أول
٤١

وموسى الذي هو نظيره ، وهما اللذان احتجا ، وموسى قتل نفساً فغفر
له ، وآهم أكل من الشجرة فتاب عليه ، وكان فى قصة موسى رد
على الصابئة ونحوهم ممن يقر بجنس النبوات ولا يوجب اتباع ما جاءوا به،
وقد يتأولون أخبار الأنبياء ، وفيها رد على أهل الكتاب بما تضمنه
ذلك من الأمر بالإيمان بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وتقرير
نبوته ، وذكر حال من عدل عن النبوة إلى السحر ، وذكر النسخ
الذي ينكره بعضهم، وذكر النصارى وأن الأمتين لن يرضوا عنه
حتى يتبع ملتهم . كل هذا فى تقرير أصول الدين من
الوحدانية والرسالة .
ثم أخذ سبحانه فى بيان شرائع الإسلام التى على ملة إبراهيم ،
فذكر إبراهيم الذي هو إمام ، وبناء البيت الذي بتعظيمه يتميز أهل
الإسلام عما سواه ، وذكر استقباله ، وقرر ذلك ؛ فإنه شعار الملة بين
أهلها وغيرهم؛ ولهذا يقال: أهل القبلة، كما يقال: ((من صلى صلاتنا
واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم)».
وذكر من ((المناسك)) ما يختص بالمكان ، وذلك أن الحج له
مكان وزمان، و((العمرة)) لها مكان فقط ، والعكوف والركوع
والسجود شرع فيه ؛ ولا يتقيد به ، ولا يمكان، ولا يزمان ؛ لكن الصلاة
تتقيد باستقباله ، فذكر سبحانه هذه الأنواع الخمسة : من العكوف ،
٤٢

والصلاة، والطواف ، والعمرة، والحج، والطواف يختص بالمكان فقط ،
ثم أتبع ذلك ما يتعلق بالبيت من الطواف بالجيلين وأنه لا جناح فيه
جوابا لما كان عليه الأنصار فى الجاهلية من كراهة الطواف بهما لأجل
إهلالهم لمناة ، وجوابا لقوم توقفوا عن الطواف بهما .
وجاء ذكر الطواف بعد العبادات المتعلقة بالبيت - بل وبالقلوب
والأبدان والأموال - بعد ما أمروا به من الاستعانة بالصبر والصلاة
اللذين لا يقوم الدين إلا بها ، وكان ذلك مفتاح الجهاد المؤسس على
الصبر ؛ لأن ذلك من تمام أمر البيت ؛ لأن أهل الملل لا يخالفون
فيه ، فلا يقوم أمر البيت إلا بالجهاد عنه، وذكر الصبر على المشروع
والمقدور ، وبين ما أنعم به على هذه الأمة من البشرى للصابرين ،
فإنها أعطيت مالم تعط الأمم قبلها ، فكان ذلك من خصائصها وشعائرها
كالعبادات المتعلقة بالبيت ؛ ولهذا بقرن بين الحج والجهاد لدخول كل
منهما فى سبيل الله فأما الجهاد فهو أعظم سبيل اللّه بالنص والإجماع،
وكذلك الحج فى الأصح كما قال: ((الحج من سبيل الله)).
وبين أن هذا معروف عند أهل الكتاب بذمه لكاتم العلم ، ثم
ذكر أنه لا يقبل ديناً غير ذلك. ففي أولها: (فَلَا تَجْعَلُوا لِلِّ أَنْدَادًا )
وفى أثنائها. (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ الَّهِأَنْدَادًا) فـ((الأول))
نهي عام و ((الثاني)) نهي خاص ، وذكرها بعد البيت لينتهى عن قصد
٤٣

الأنداد المضاهية له ولبيته من الأصنام والمقابر ونحو ذلك ، ووحد نفسه
قبل ذلك، وأنه (لَّ إِلَهَإِلَّهُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ)، ثم ذكر ما يتعلق
بتوحيده من الآيات .
ثم ذكر الحلال والحرام ، وأطلق الأمر في المطاعم؛ لأن الرسول
بعث بالحنيفية وشعارها وهو البيت، وذكر سماحتها في الأحوال المباحة ،
وفي الدماء بما شرعه من القصاص ، ومن أخذ الدية، ثم ذكر العبادات
المتعلقة بالزمان ، فذكر الوصية المتعلقة بالموت، ثم الصيام المتعلق برمضان ،
وما يتصل به من الاعتكاف ذكره في عبادات المكان وعبادات الزمان
فإنه يختص بالمسجد وبالزمان استحباباً أو وجوبا بوقت الصيام، ووسطه
أولاً بين الطواف والصلاة ؛ لأن الطواف يختص بالمسجد الحرام ،
والصلاة تشرع فى جميع الأرض ، والعكوف بينها .
ثم أتبع ذلك بالنهي عن أكل الأموال بالباطل ، وأخبر أن المحرم
((نوعان)): نوع لعينه كالميتة ، ونوع لكسبه كالربا والمغصوب ، فأتبع
المعنى الثابت بالمحرم الثابت تحريمه لعينه ، وذكر فى أثناء عبادات الزمان
المنتقل الحرام المنتقل؛ ولهذا أتبعه بقوله: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ) الآية،
وهي أعلام العبادات الزمنية ، وأخبر أنه جعلها مواقيت للناس فى أمر
دينهم ودنياهم وللحج لأن البيت تحجه الملائكة والجن ، فكان هذا أيضا
٤٤

فى أن الحج موقت بالزمان كأنه موقت بالبيت المكاني ؛ ولهذا ذكر
بعد هذا من أحكام الحج ما يختص بالزمان مع أن المكان من تمام
الحج والعمرة.
وذكر «المحصر)» وذكر تقديم الإحلال المتعلق بالمال وهو الهدي
عن الإحلال المتعلق بالنفس وهو الحلق، وأن المتحلل يخرج من إحرامه
فيحل بالأسهل فالأسهل ؛ ولهذا كان آخر ما يحل عين الوطء فإنه
أعظم المحظورات ولا يفسد النسك بمحظور سواء .
وذكر ((التمتع بالعمرة إلى الحج)» لتعلقه بالزمان مع المكان
فإنه لا يكون متمتعاً حتى يحرم بالعمرة فى أشهر الحج ، وحتى لا يكون
أهله حاضري المسجد الحرام - وهو الأفقي - فإنه الذي يظهر التمتع
في حقه لترفهه بسقوط أحد السفرين عنه ، أما الذي هو حاضر فسيان
عنده تمتع أو اعتمر قبل أشهر الحج، ثم ذكر وقت الحج، وأنه أشهر
معلومات وذكر الإحرام والوقوف بعرفة ومزدلفة ؛ فإن هذا مختص
بزمان ومكان؛ ولهذا قال: ( فَمَن فَرَضَ فِيهِنَ الْحَجَّ )، ولم يقل: ( وَالْعُمْرَةَ )
لأنها نفرض فى كل وقت ، ولا ريب أن السنة فرض الحج في أشهره ،
ومن فرض قبله خالف السنة ، فإما أن يلزمه ما التزمه كالنذر - إذ
ليس فيه نقض للمشروع وليس كمن صلى قبل الوقت - وإما أن يلزم
٤٥

الإحرام ويسقط الحج ويكون معتمراً وهذان قولان مشهوران .
ثم أمر عند قضاء المناسك بذكره، وقضائها - والله أعلم - قضاء
التفت والإحلال؛ ولهذا قال بعد ذلك: (وَأَذْكُرُواْاللَّهَ فِي أَيَّامِ
مَعْدُودَاتٍ ) وهذا أيضاً من العبادات الزمانية المكانية . وهو ذكر الله
تعالى مع رمي الجمار ومع الصلوات ، ودل على أنه مكاني قوله: ( فَمَن
تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ ) الآية ، وإنما يكون التعجيل والتأخير فى الخروج من
المكان ؛ ولهذا تضاف هذه الأيام إلى مكانها فيقال : أيام منى ، وإلى
عملها فيقال : أيام التشريق ، كما يقال : ليلة جمع، وليلة مزدلفة ، ويوم
عرفة، ويوم الحج الأكبر ، ويوم العيد، ويوم الجمعة فتضاف إلى
الأعمال وأماكن الأعمال؛ إذ الزمان تابع للحركة، والحركة
تابعة للمكان .
فتدبر تناسب القرآن وارتباط بعضه ببعض ، وكيف ذكر أحكام
الحج فيها فى موضعين : مع ذكر بيته وما يتعلق بمكانه، وموضع ذكر
فيه الأهلة فذكر ما يتعلق بزمانه ، وذكر أيضا القتال في المسجد الحرام
والمقاصة في الشهر الحرام ؛ لأن ذلك مما يتعلق بالزمان المتعلق بالمكان ؛
ولهذا قرن سبحانه ذكر كون الأهلة مواقيت للناس والحج .
وذكر أن ((البر)» ليس أن يشقى الرجل نفسه ويفعل ما لا فائدة
٤٦

فيه من كونه يبرز للسماء فلا يستظل بسقف بيته حتى إذا أراد دخول
بيته لا يأتيه إلا من ظهره فأخبر أن الهلال الذي جعل ميقاتاً للحج
شرع مثل هذا ، وإنما تضمن شرع التقوى ، ثم ذكر بعد ذلك
ما يتعلق بأحكام النكاح والوالدات ، وما يتعلق بالأموال والصدقات
والربا والديون وغير ذلك ، ثم ختمها بالدعاء العظيم المتضمن وضع
الآصار والأغلال والعفو والمغفرة والرحمة وطلب النصر على القوم الكافرين
الذين هم أعداء ما شرعه من الدين فى كتابه المبين .
والحمد لله رب العالمين.
٤٧

قال شيخ الإسلام
هذا تفسير آيات أشكلت حتى لا يوجد في طائفة من ((كتب
التفسير)) إلا ماهو خطأ :
منها قوله : (بَلَى مَن كَسَبَ سَبِّئَةً وَأَخَطَتْ بِهِ، خَطِيَتُهُ ) الآية،
ذكر أن المشهور أن ( السيئة ) الشرك ، وقيل الكبيرة يموت عليها
قاله عكرمة ، قال مجاهد : هي الذنوب محيط بالقلب .
قلت : الصواب ذكر أقوال السلف وإن كان فيها ضعيف فالحجة
تبين ضعفه ، فلا يعدل عن ذكر أقوالهم لموافقتها قول طائفة من
المبتدعة ، وهم ينقلون عن بعض السلف أن هذه الآية أخطأ فيها
الكاتب كما قيل فى غيرها ، ومن أنكر شيئاً من القرآن بعد تواتره
استتيب فإن تاب وإلا قتل ، وأما قبل تواتره عنده فلا يستتاب ؛ لكن
يبين له ، وكذلك الأقوال التى جاءت الأحاديث بخلافها : فقها، وتصوفا
واعتقاداً ، وغير ذلك .
وقول مجاهد صحيح، كما في الحديث الصحيح: ((إذا أذنب العبد
٤٨

نكت فى قلبه نكتة سوداء)» إلخ، والذي يغشى القلب يسمى ((رينا))
و ((طبعا)) و((ختما)) و((قفلا)) ونحو ذلك، فهذ ما أصر عليه.
و((إحاطة الخطيئة)) إحداقها به فلا يمكنه الخروج ، وهذا هو البسل
بما كسبت نفسه ، أي: تحبس عما فيه نجاتها فى الدارين ؛ فإن المعاصي
قيد وحبس لصاحبها عن الجولان فى فضاء التوحيد ، وعن جنى ثمار
الأعمال الصالحة .
ومن المنتسبين إلى السنة من يقول : إن صاحب الكبيرة يعذب
مطلقاً والأكثرون على خلافه ، وإن الله سبحانه يزن الحسنات والسيئات
وعلى هذا دل الكتاب والسنة وهو معنى الوزن ؛ لكن تفسير السيئة بالشرك
هو الأظهر ؛ لأنه سبحانه غاير بين المكسوب والمحيط، فلو كان واحداً لم
يغاير، والمشرك له خطايا غير الشرك أحاطت به لأنه لم يتب منها .
و «أيضا)) قوله (سَيِّئَةً) نكرة ، وليس المراد جنس
السيئات بالاتفاق .
و ((أيضا)) لفظ (السيئة) قد جاء فى غير موضع مرادا به الشرك
وقوله : (سيئة ) أي حال سيئة أو مكان سيئة ونحو ذلك ، كما في قوله :
( رَبَّنَآءَانِنَا فِ الدُّنْيَا حَسَنَةً) أي حالاً حسنة تعم الخير كله، وهذا اللفظ
يكون صفة، وقد ينقل من الوصفية إلى الاسمية ، ويستعمل لازما أو
٤٩

متعديا يقال : ساء هذا الأمر أي قبح ، ويقال : ساءنى هذا ، قال ابن
عباس فى قوله: (وَالَّذِينَ كَسَبُواْالسَّيِّئَاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا) عملوا
الشرك ؛ لأنه وصفهم بهذا فقط، ولو آمنوا لكان لهم حسنات ، وكذا
لما قال: (كَسَبَ سَبِئَةً) لم يذكر حسنةَ كقوله تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ
اُْسْنَى ) أي فعلوا الحسنى ، وهو ما أمروا به ، كذلك ( السيئة )
تتناول المحظور فيدخل فيها الشرك .
٥٠

وقال شيخ الإسلام
قدس الله روحه
فصل
(وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَّبِقَ وَمَا كُنََّ عَنِ
قال الله تعالى
اُلْخَلْقِ غَفِلِينَ ) وقال تعالى: (فَلَنَسْئَلَنَّالَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ
اُلْمُرْسَلِينَ * فَلَنَفْضَّنَّ عَلَيْهِمِ بِعِلٍَّ وَمَا كُنَّا غَيِينَ ) وقد قال تعالى: ( الَّذِينَ
يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) قال طائفة من السلف: ((الغيب)) هو الله، أو من
الإيمان بالغيب الإيمان بالله . ففي موضع نفى عن نفسه أن يكون غائباً ،
وفى موضع جعله نفسه غيباً .
ولهذا اختلف الناس في هذه المسألة ، فطائفة من المتكلمين
من أصحابنا وغيرم ـ كالقاضي وابن عقيل وابن الزاغونى - يقولون:
بقياس الغائب على الشاهد ، ويريدون بالغائب الله، ويقولون : قياس
الغائب على الشاهد ثابت بالحد والعلة والدليل والشرط . كما يقولون
٥١

فى مسائل الصفات في إثبات العلم والخبرة والإرادة وغير ذلك . وأنكر
ذلك عليهم طائفة منهم الشيخ أبو محمد فى رسالته إلى أهل رأس العين،
وقال : لا يسمى اللّه غائباً واستدل بما ذكر .
وفصل الخطاب بين الطائفتين أن اسم ((الغيب، والغائب)) من
الأمور الإضافية يراد به ماغاب عنا فلم ندركه ، ويراد به ماغاب عنا فلم
يدركنا ، وذلك لأن الواحد منا إذا غاب عن الآخر مغيبا مطلقاً لم يدرك
هذا هذا ولا هذا هذا ، والله سبحانه شهيد على العباد رقيب عليهم
مهيمن عليهم ، لا يعزب عنه مثقال ذرة فى الأرض ولا في السماء ، فليس
هو غائباً وإنما [لما] لم يره العباد كان غيبا: ولهذا يدخل فى الغيب الذي
يؤمن به وليس هو بغائب؛ فإن ((الغائب)) اسم فاعل من قولك
غاب يغيب فهو غائب والله شاهد غير غائب، وأما ((الغيب)) فهو
مصدر غاب يغيب غيباً ، وكثيراً ما يوضع المصدر موضع الفاعل كالعدل
والصوم والزور ، وموضع المفعول كالخلق والرزق ودرم
ضرب الأمير .
ولهذا يقرن الغيب بالشهادة، وهي أيضاً مصدر ، فالشهادة هي المشهود
أو الشاهد، والغيب هو إما المغيب عنه فهو الذي لا يشهد نقيض الشهادة ،
وإما بمعنى الغائب الذي غاب عنا فلم نشهده فتسميته باسم المصدر فيه تنبيه
٥٢

على النسبة إلى الغير أي ليس هو بنفسه غائبا، وإنما غاب عن الغير أو
غاب الغير عنه .
وقد يقال اسم (( الشهادة ، والغيب)) يجمع النسبتين ، فالشهادة
ما شهدنا وشهدناه ، والغيب ما غاب عنا وغبنا عنه فلم نشهده ، وعلى
كل تقدير فالمعنى فى كونه غيبا هو انتفاء شهودناله ، وهذه تسمية
قرآنية صحيحة ، فلو قالوا : قياس الغيب على الشهادة لكانت العبارة
موافقة ، وأما قياس الغائب ففيه مخالفة في ظاهر اللفظ ولكن موافقة في
المعنى ؛ فلهذا حصل في إطلاقه التنازع .
٥٣

وقال شيخ الإسلام
قدس الله روحه
فصل
المثل في الأصل هو الشبيه وهو نوعان ، لأن القضية المعينة إما أن
تكون شبهاً معيناً أو عاما كلياً ، فإن القضايا الكلية التى تعلم وتقال
هي مطابقة مماثلة لكل ما يندرج فيها ، وهذا يسمى قياساً فى لغة
السلف واصطلاح المنطقيين ، وتمثيل الشيء المعين بشيء معين هو أيضاً
يسمى قياساً في لغة السلف واصطلاح الفقهاء ، وهو الذي يسمى
قياس التمثيل .
ثم من متأخري العلماء - كالغزالى وغيره - من ادعى أن حقيقة
القياس إنما يقال على هذا ، وما يسميه تأليف القضايا الكلية قياساً
فمجاز من جهة أنه لم يشبه فيه شيء بشيء ، وإنما يلزم من عموم الحكم
تساوى أفراده فيه ، ومنهم من عکس کأبى محمد بن حزم ، فإنه زعم
٥٤

أن لفظ القياس إنما ينبغي أن يكون فى تلك الأمور العامة وهو
القياس الصحيح .
والصواب ما عليه السلف من اللغة الموافقة لما فى القرآن، كما سأذكره
أن كلاهما قياس وتمثيل واعتبار، وهو فى قياس التمثيل ظاهر ، وأما قياس
التكليل والشمول فلأنه يقاس كل واحد من الإفراد بذلك المقياس
العام الثابت فى العلم والقول ، وهو الأصل، كما يقاس الواحد بالأصل
الذي يشبهه ، فالأصل فيها هو المثل ، والقياس هو ضرب المثل ، وأصله
- والله أعلم - تقديره، فضرب المثل للشيء تقديره له ، كما أن القياس
أصله تقدير الشيء بالشيء ، ومنه ضرب الدرم وهو تقديره ، وضرب
الجزية والخراج وهو تقديرها ، والضريبة المقدرة والضرب في الأرض،
لأنه يقدر أثر الماشي بقدره ، وكذلك الضرب بالعصى لأنه تقدير الألم
بالآلة ، وهو جمعه وتأليفه وتقديره ، كما أن الضريبة هي المال المجموع
والضريبة الخلق ، وضرب الدرم جمع فضة مؤلفة مقدرة ، وضرب الجزية
والخراج إذا فرضه وقدره على مر السنين ، والضرب فى الأرض
الحركات المقدرة المجموعة إلى غاية محدودة ، ومنه تضريب الثوب المحشو
وهو تأليف خلله طرائق طرائق .
ولهذا بسمون الصورة القياسية الضرب ، كما يقال للنوع الواحد ضرب
لتألفه واتفاقه ، وضرب المثل لما كان جمعاً بين علمين يطلب منها على
٥٥

ثالث كان بمنزلة ضراب الفحل الذى يتولد عنه الولد ، ولهذا يقسمون
الضرب إلى ناتج وعقيم ، كما ينقسم ضرب الفحل للأشى إلى ناتج وعقيم ،
وكل واحد من نوعي ضرب المثل - وهو القياس - تارة يراد به التصوير
وتفهيم المعنى ، وتارة يراد به الدلالة على ثبوته والتصديق به ، فقياس
تصور وقياس تصديق فتدبر هذا .
وكثيراً ما يقصد كلاهما، فإن ضرب المثل يوضح صورة المقصود وحكمه .
وضرب الأمثال في المعانى نوعان هما نوعا القياس :
((أحدهما)) الأمثال المعينة التى يقاس فيها الفرع بأصل معين موجود
أو مقدر، وهي فى القرآن بضع وأربعون مثلا، كقوله: ( مَثَلُهُمْ
كَمَثَلِ الَّذِى أَسْتَوْقَدَ نَارًا) إلى آخره وقوله: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِى
وقوله :
سَبِيلِاللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّسُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ )
(يََّأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوْ لَانُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُم بِالْمَنِّ وَاَلْأَذَى كَالَّذِى يُنفِقُ مَا لَهُ رِينَآءَالنَّاسِ
وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَمَثَلُهُ، كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ )
الآية (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَتْبِيتًاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ
كَمَثَلِ جَنَّةِ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَكَانَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ ).
فإن التمثيل بين الموصوفين الذين يذكرم من المنافقين، والمنفقين
المخلصين منهم والمرائين ، وبين ما يذكره سبحانه من تلك الأمثال
٥٦

هو من جنس قياس التمثيل ، الذي يقال فيه : مثل الذي يقتل بكودين
القصار كمثل الذي يقتل بالسيف ، ومثل الهرة تقع فى الزيت كمثل
الفأرة تقع في السمن ونحو ذلك ، ومبناء على الجمع بينها، والفرق في
الصفات المعتبرة في الحكم المقصود إثباته أو نفيه، وقوله : مثله كمثل
كذا. تشبيه للمثل العلمي بالمثل العلمي لأنه هو الذي بتوسطه يحصل
القياس ، فإن المعتبر ينظر فى أحدهما فيتمثل في علمه ، وينظر فى
الآخر فيتمثل فى علمه ثم يعتبر أحد المثلين بالآخر فيجدهما سواء، فيعلم
أنهما سواء فى أنفسها لاستوائها فى العلم ، ولا يمكن اعتبار أحدهما بالآخر
فى نفسه حتى يتمثل كل منها فى العلم ، فإن الحكم على الشيء فرع
على تصوره ؛ ولهذا والله أعلم يقال مثل هذا كمثل (١)
وبعض المواضع يذكر سبحانه الأصل المعتبر به ليستفاد حكم الفرع منه
من غير تصريح بذكر الفرع، كقوله: (أَيَوَدُأَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُرجَنَّةٌ مِّن
تَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ لَهُ فِيهَا مِن كُلّ الثَّمَرَتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ)
إلى قوله : ( كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ) فإن هذا
يحتاج إلى تفكر ؛ ولهذا سأل عمر منها من حضره من الصحابة فأجابه
ابن عباس بالجواب الذي أرضاه .
ونظير ذلك ذكر القصص ، فإنها كلها أمثال هي أصول قياس
(١) بياض بالأصل .
٥٧

واعتبار ، ولا يمكن هناك تعديد ما يعتبر بها ، لأن كل إنسان له فى
(لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِ
حالة منها نصيب ، فيقال فيها :
الْأَلْبَبٍ ) ويقال عقب حكايتها: (فَاعْتَبِرُوايَتَأُوْلِ الْأَبْصَرِ ) وبقال :
( قَدْكَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِىِ فِئَتَيْنِ اَلْتَقَتَا) إلى قوله: (إِنَ فِي ذَلِك ◌َعِبْرَةً
لِأُوْلِى الْأَبْصَرِ) والاعتبار هو القياس بعينه ، كما قال ابن عباس لما
سئل عن دية الأصابع فقال هي سواء واعتبروا ذلك بالأسنان أي
قيسوها بها ، فإن الأسنان مستوية الدية مع اختلاف المنافع ، فكذلك
الأصابع ، ويقال : اعتبرت الدرام بالصنجة إذا قدرتها بها .
((النوع الثاني)) الأمثال الكلية، وهذه التى أشكل تسميتها أمثالا ، كما
أشكل تسميتها قياساً ، حتى اعترض بعضهم قوله: (يَأَيُّهَا النَّاسُ
ضُرِبَ مَثَلٌ فَأَسْتَمِعُوالَهُ ) فقال : أين المثل المضروب ؟ وكذلك إذا
سمعوا قوله: (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِ هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ) يبقون
حيارى لا يدرون ما هذه الأمثال ، وقد رأوا عدد ما فيه من تلك
الأمثال المعينة بضاً وأربعين مثلا .
وهذه ((الأمثال)) تارة تكون صفات، وتارة تكون أقيسة ، فإذا
كانت أقيسة فلابد فيها من خبرين هما قضيتان وحكمان ، وأنه لابد
أن يكون أحدهما كلياً ؛ لأن الأخبار التى هي القضايا لما انقسمت إلى
معينة ومطلقة وكلية وجزئية ، وكل من ذلك انقسم إلى خبر عن إثبات
٥٨

وخبر عن نفي ، فضرب المثل الذي هو القياس لا بد أن يشتمل على
خبر عام وقضية كلية ، وذلك هو المثل الثابت فى العقل الذي تقاس به
الأعيان المقصود حكمها ، فلولا عمومه لما أمكن الاعتبار لجواز أن
يكون المقصود حكمه خارجاً عن العموم ؛ ولهذا يقال: لا قياس عن
قضيتين جزئيتين ، بل لا بد أن تكون إحداهما كلية ، ولا قياس أيضاً
عن سالبتين ؛ بل لا بد أن تكون إحداهما موجبة ، وإلا فالسلبان لايدخل
أحدهما فى الآخر فلابد فيه من خبر بعم .
وجملة ما يضرب من الأمثال ستة عشر ؛ لأن الأولى إما جزئية
وإما كلية، مثبتة أو نافية ، فهذه أربعة إذا ضربتها فى أربعة صارت ستة
عشر ، تحذف منها الجزئيتان سواء كانتا موجبتين أو سالبتين ، أو
إحداهما سالبة والأخرى موجبة ، فهذهست من ستة عشر، والسالبتان
سواء كانتا جزئيتين أو كليتين ، أو إحداهما دون الأخرى ؛ لكن إذا
كانتا جزئيتين سالبتين فقد دخلت في الأول يبقى ضربان محذوفين من
ستة عشر، ويحذف منها السالبة الكلية الصغرى مع الكبرى الموجبة
الجزئية ؛ لأن الكبرى إذا كانت جزئية لم يجب أن يلاقيها السلب ؛
بخلاف الإيجاب ، فإن الإيجابين الجزئيين يلتقيان ، وكذلك الإيجاب ،
الجزئي مع السلب الكلي يلتقيان لاندراج ذلك الموجب تحت
السلب العام .
٥٩

يبقى من الستة عشر ستة أضرب ، فإذا كانت إحداهما موجبة
كلية جاز فى الأخرى الأقسام الأربعة ، وإذا كانت سالبة كلية جاز أن
تقارنها الموجبتان ، لكن تقدم مقارنة الكلية لها ، ولابد فى الجزئية
أن تكون صغرى ، وإذا كانت موجبة جزئية جاز أن تقارنها الكليتان،
وقد تقدمتا ، وإذا كانت سالبة جزئية لم يجز أن يقارنها إلا موجبة
كلية ، وقد تقدمت ، فيقر الناتج ستة ، والملغى عشرة وبالاعتبارين
تصير ثمانية .
فهذه الضروب العشرة مدار ثمانية منها على الإيجاب العام، ولا بد
فى جميع ضروبه من أحد أمرين ، إما إيجاب وعموم، وإما سلب وخصوص،
فنقيضان لا يفيد اجتماعها فائدة؛ بل إذا اجتمع النقيضان من نوعين
كسالبة كلية وموجبة جزئية فتفيد بشرط كون الكبرى هي العامة،
فظهر أنه لا بد فى كل قياس من ثبوت وعموم، إما مجتمعين فى مقدمة
وإما مفترقين فى المقدمتين .
وأيضاً مما يجب أن يعلم أن غالب الأمثال المضروبة، والأقيسة إنما
يكون الخفي فيها إحدى القضيتين ، وأما الأخرى فجلية معلومة ، فضارب
المثل وناصب القياس إنما يحتاج أن يبين تلك القضية الخفية ، فيعلم بذلك
المقصود لما قاربها فى الفعل من القضية السلبية، والجلية هي الكبرى
ء
التى هي أعم .
٦٠