Indexed OCR Text
Pages 1-20
◌ِاللَّهِالرَِّ الرَّحِيمِ الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. قال شيخ الإسلام قدس الله روحه ونور ضر محة فصل أسماء القرآن القرآن ، الفرقان ، الكتاب ، الهدى ، النور ، الشفاء ، البيان ، الموعظة، الرحمة، بصائر، البلاغ ، الكريم ، المجيد ، العزيز ، المبارك، التنزيل ، المنزل ، الصراط المستقيم ، حبل الله ، الذكر ، الذكرى ، تذكرة ( وَإِنَّهُ الَذَكِرَةُ لِّلْمُتَّقِينَ) (إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ) ( مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ) و(تَصْدِيقَ اُلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ) المهيمن عليه، (وَتَفْصِيلَ كُلّ شَىْءٍ )، (ِبْيَنَا لِكُلِّ شَىْءٍ )، المتشابه، المثاني، الحكيم (تِلْكَ مَايَتُ اَلْكِنَبِ ١ اْحَكِيمِ) محكم، المفصل (وَهُوَ اُلَّذِىّ أَنْزَلَ إِلَيِْكُمُ الْكِتَبَ مُفَصَّلًا )، على البرهان، (قَدْجَآءَ كُمْبُرْهَنٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنَزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا) أحد القولين ، الحق ( قَدْجَآءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَبِّكُمْ ) ، عربي مبين، أحسن الحديث ، أحسن القصص على قول ، كلام اللّه (فَأَجِرُهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اللَّهِ) ، العلي ، العلى، (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ كَ مِنَ الْعِلْمِ) الحكيم (وَإِنَّهُ فِ أُمِّ ◌ُلْكِتَبٍ لَدَيْنَا لَعَلِىُّ حَكِيمُ )، القيم، ( يَنْلُواْ صُحُفًا مُطَهَّرَةٌ * فِيَهَا كُنُبُ قَيِّمَةٌ ) ( أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَاً * قَبِّمًا) ، وحي فى قوله: ( إِنْ هُوَ إِلَّا وَعْىٌ يُوحَى )، حكمة فى قوله: (وَلَقَدْ جَآءَ هُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَافِيهِ مُزْدَجَرُ * حِكْمَةٌ بَلِغَةٌ)، وحكما فى قوله : ( أَنْزَلْنَهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ) ونبأ على قول في قوله: ( عَنِ النَّبَلْعَظِيمِ )، فی حدیث أبى موسى ونذير على قول (هَذَانَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الْأُولَّ ) شافعا مشفعا وشاهداً مصدقا، وسماه النبى صلى الله عليه وسلم (( حجة لك أو عليك)) وفى حديث الحارث عن على ((عصمة لمن استمسك به)). وأما وصفه بأنه يقص وينطق ويحكم ويفتى ويبشر ويهدي فقال: (هَذَا كِتَبُنَ يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ ) (إِنَّ هَذَا الْقُرََّانَ يَقُصُّ عَلَى بَنِ إِسْرَبِيلَ) ( قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَ عَلَيْكُمْ فِىِ الْكِتَبِ ) أي يفتيكم ، أيضا ( إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَِّىِ هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ). ٢ فصل فى الآيات الدالة على اتباع القرآن . قوله : ( أَهْدِنَا الصِرَطَ الْمُسْتَقِيمَ) فإنه فى التفسير المرفوع عن النبى صلى الله عليه وسلم كتاب الله(١). (١) بياض بالأصل. ٣ وسئل رحمه الله عن أحاديث هل هي صحيحة وهل رواها أحد من المعتبرين بإسناد صحيح ؟ إلخ . فقال : فصل وأما حديث فاتحة الكتاب فقد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل ، فإذا قال العبد: (الْحَمْدُ لِلَّهِرَبِ الْعَلَمِينَ) قال الله: حمدنى عبدي، وإذا قال: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) قال الله: أثنى على عبدي، وإذا قال: (مَلِكِ يَوَمِ الدِّينِ ) قال الله: مجدنى عبدي. وإذا قال: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) قال: هذه الآية بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ( أَهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرٍ اَلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ ) قال: هؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل)) ٤ وثبت فى صحيح مسلم عن ابن عباس قال: ((بينما جبريل قاعد عند النبى صلى الله عليه وسلم سمع نقيضاً من فوقه فرفع رأسه، فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم ولم يفتح قط إلا اليوم ، فنزل منه ملك فقال : هذا ملك نزل إلى الأرض ، ولم ينزل قط إلا اليوم ، فسلم وقال: أبشر بنورين أوتيتها لم يؤتها ني قبلك : فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة ، لن تقرأ بحرف منها إلا أعطيته )) وفى بعض الأحاديث: ((إن فاتحة الكتاب أعطيها من كنز تحت العرش)) فصل قال الله تعالى: في أم القرآن والسبع المثاني والقرآن العظيم: (إِنَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيُ) وهذه السورة هى أم القرآن، وهي فاتحة الكتاب، وهي السبع المثانى والقرآن العظيم، وهي الشافية وهي الواجبة فى الصلوات لا صلاة إلا بها ، وهى الكافية تكفى من غيرها ولا يكفي غيرها عنها . والصلاة أفضل الأعمال ، وهي مؤلفة من كلم طيب وعمل صالح ؛ أفضل كلها الطيب وأوجبه القرآن وأفضل عملها الصالح وأوجبه السجود كما جمع بين الأمرين في أول سورة أنزلها على رسوله حيث افتتحها ٥ وختمها بقوله : ( وَأُسْجُدْ بقوله تعالى: ( اقْرَأْ بِاسْمِرَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) وَأَقْتَب ) فوضعت الصلاة على ذلك أولها القراءة وآخرها السجود . ولهذا قال سبحانه فى صلاة الخوف: (فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآبِكُمْ) والمراد بالسجود الركعة التى يفعلونها وحدهم بعد مفارقتهم للإمام ، وما قبل القراءة من تكبير واستفتاح ، واستعادة ، هي تحريم للصلاة ، ومقدمة لما بعده ، أول ما يبتدئ به كالتقدمة ، وما يفعل بعد السجود من قعود ، وتشهد فيه التحية لله ، والسلام على عباده الصالحين والدعاء والسلام على الحاضرين ، فهو تحليل للصلاة ومعقبة لما قبله ، قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير ، وتحليلها التسليم )» ولهذا لما تنازع العلماء أيما أفضل كثرة الركوع والسجود أو طول القيام أو هما سواء ؟ على ثلاثة أقوال عن أحمد وغيره : كان الصحيح أنهما سواء ، القيام فيه أفضل الأذكار ، والسجود أفضل الأعمال فاعتدلا ؛ ولهذا كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم معتدلة، يجعل الأركان قريباً من السواء ، وإذا أطال القيام طولاً كثيراً - كما كان يفعل فى قيام الليل وصلاة الكسوف - أطال معه الركوع والسجود، وإذا اقتصد فيه اقتصد فى الركوع والسجود ، وأم الكتاب ، كما أنها القراءة الواجبة فهى أفضل سورة فى القرآن . قال النبى صلى الله عليه ٦ وسلم فى الحديث الصحيح: ((لم ينزل فى التوراة ولا الانجيل ولا الزبور ولا القرآن مثلها ، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته ))، وفضائلها كثيرة جداً . وقد جاء مأثوراً عن الحسن البصري رواه ابن ماجه وغيره أن الله أنزل مائة كتاب وأربعة كتب ، جمع علمها فى الأربعة ، وجمع علم الأربعة فى القرآن ، وجمع علم القرآن فى المفصل ، وجمع على المفصل فى أم القرآن ، وجمع على أم القرآن فى هاتين الكلمتين الجامعتين (إِيَّكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) وإن على الكتب المنزلة من السماء اجتمع فى هاتين الكلمتين الجامعتين . ولهذا ثبت في الحديث الصحيح حديث : إن الله تعالى يقول : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين : نصفها لي ونصفها لعبدى ولعبدي ما سأل . فإذا قال: (الْحَمْدُ لِلَّهِرَبِّ الْعَلَمِينَ) قال الله: حمدني عبدى، وإذا قال: ( الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) قال الله أثنى على عبدى ، وإذا قال: (مَلِكِ يَوَمِ الدِّينِ ) قال الله عز وجل: مجدني عبدى)» وفى رواية: فوض إلي عبدى، وإذا قال: (إِنَاكَ نَعْبُهُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيرٌ) قال : فهذه الآية بينى وبين عبدى نصفين ولعبدى ما سأل ، فإذا قال : ( أَهْدِنَا الصِرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَ الضَّآلِينَ ) قال: فهؤلاء لعبدى ولعبدي ما سأل)) ٧ فقد ثبت بهذا النص أن هذه السورة منقسمة بين الله وبين عبده وأن هاتين الكلمتين مقتسم السورة، و (إِيَّكَ نَبُدُ) مع ما قبله للّه، وإياك نستعين مع ما بعده للعبد وله ما سأل . ولهذا قال من قال من السلف: نصفها ثناء ونصفها مسألة ، وكل واحد من العبادة والاستعانة دعاء . وإذا كان الله قد فرض علينا أن تاجيه وندعوه بهاتين الكلمتين فى كل صلاة ، فمعلوم أن ذلك يقتضي أنه فرض علينا أن نعبده وأن نستعينه ؛ إذ إيجاب القول الذى هو إقرار واعتراف ودعاء وسؤال هو إيجاب لمعناه ليس إيجاباً لمجرد لفظ لا معنى له ، فإن هذا لا يجوز أن يقع ؛ بل إيجاب ذلك أبلغ من إيجاب مجرد العبادة والاستعانة ، فإن ذلك قد يحصل أصله بمجرد القلب ، أو القلب والبدن ، بل أوجب دعاء الله عز وجل ومناجاته ، وتكليمه ومخاطبته بذلك ليكون الواجب من ذلك كاملا صورة ومعنى بالقلب وبسائر الجسد . وقد جمع بين هذين الأصلين الجامعين إيجاباً وغير إيجاب فى مواضع ، كقوله فى آخر سورة هود: ( فَأَعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ) وقول العبد الصالح شعيب: ( وَمَا تَوْفِيقِيِّلَّبِلهِعَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيهِ أُنِيبٌ) وقول إبراهيم والذين معه: ( زَّبَّنَ عَلَيْكَ تَوَكَّنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) وقوله سبحانه إذ أمر رسوله أن يقول: (كَذَلِكَ أَرْسَلْنَكَ فِىّ أُمَّةٍقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَّمٌ لِتَتْلُواْ عَلَيْهِمُ الَّذِى أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنَّ قُلْ ٨ هُوَرَبٍِ لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ عَلَيْهِتَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابٍ ) . فأمر نبيه بأن يقول: على الرحمن توكلت وإليه متاب ، كما أمره بها فى قوله: (فَأَعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ) والأمر له أُمر لأمته، وأمره بذلك فى أم القرآن وفى غيرها لأمته ليكون فعلهم ذلك طاعة لله وامتثالا لأمره ، ولا يتقدموا بين يدى الله ورسوله ؛ ولهذا كان عامة ما يفعله نبينا صلى الله عليه وسلم والخالصون من أمته من الأدعية والعبادات وغيرها إنما هو بأمر من الله ؛ بخلاف من يفعل مالم يؤمر به وإن كان حسناً أو عفواً، وهذا أحد الأسباب الموجبة لفضله وفضل أمته على من سواهم ، وفضل الخالصين من أمته على المشوبين الذين شابوا ما جاء به بغيره ، كالمنحرفين عن الصراط المستقيم . وإلى هذين الأصلين كان النبي صلى الله عليه وسلم يقصد فى عباداته وأذ كاره ومناجاته، مثل قوله فى الأضحية: ((اللهم هذا منك ولك)) فإن قوله: ((منك)) هو معنى التوكل والاستعانة ، وقوله : ((لك)) هو معنى العبادة، ومثل قوله في قيامه من الليل: ((لك أسلمت ، وبك آمنت ، وعليك توكلت ، وإليك أنبت ، وبك خاصمت، وإليك حاكمت ، أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني ، أنت الحي الذى لا تموت، والجن والإنس يموتون)» إلى أمثال ذلك. ٩ إذا تقرر هذا الأصل فالإنسان فى هذين الواجبين لا يخلو من أحوال أربعة هي القسمة الممكنة ، إما أن يأتي بها ، وإما أن يأتى بالعبادة فقط ، وإما أن يأتى بالاستعانة فقط ، وإما أن يتركها جميعاً . ولهذا كان الناس في هذه الأقسام الأربعة ؛ بل أهل الديانات ثم أهل هذه الأقسام ، وتم المقصودون هنا بالكلام . قسم يغلب عليه قصد التأله الله ومتابعة الأمر والنهي والإخلاص الله تعالى ، واتباع الشريعة في الخضوع لأوامره وزواجره وكلماته الكونيات ؛ لكن يكون منقوصاً من جانب الاستعانة والتوكل : فيكون إما عاجزاً وإما مفرطاً ، وهو مغلوب إما مع عدوه الباطن ، وإما مع عدوه الظاهر ، وربما يكثر منه الجزع مما يصيبه ، والحزن لما يفوته ، وهذا حال كثير ممن يعرف شريعة الله وأمره ، ويرى أنه متبع للشريعة والعبادة الشرعية ، ولا يعرف قضاءه وقدره ، وهو حسن القصد طالب للحق ، لكنه غير عارف بالسبيل الموصلة ، والطريق المفضية . وقسم يغلب عليه قصد الاستعانة بالله والتوكل عليه ، وإظهار الفقر والفاقة بين يديه ، والخضوع لقضائه وقدره وكلماته الكونيات ؛ لكن يكون منقوصا من جانب العبادة وإخلاص الدين لله ، فلا يكون مقصوده ١٠ أن يكون الدين كله لله، وإن كان مقصوده ذلك فلا يكون متبعاً لشريعة الله عز وجل ومنهاجه ؛ بل قصده نوع سلطان فى العالم، إما سلطان قدرة وتأثير، وإما سلطان كشف وإخبار ، أو قصده طلب ما يريده ودفع ما يكرهه بأي طريق كان، أو مقصوده نوع عبادة وتأله بأي وجه كان همته فى الاستعانة والتوكل المعينة له على مقصوده، فيكون إما جاهلا وإما ظالما تاركا لبعض ما أمره الله به، راكبا لبعض ما نهى الله عنه، وهذه حال كثير ممن يتأله وبتصوف ويتفقر ، ويشهد قدر الله وقضاءه ، ولا يشهد أمر الله ونهيه، ويشهد قيام الأكوان باللّه وفقرها إليه ، وإقامته لها ولا يشهد ما أمر به وما نهى عنه، وما الذي يحبه الله منه ويرضاه، وما الذي يكرهه منه ويسخطه . ولهذا يكثر في هؤلاء من له كشف وتأثير وخرق عادة مع انحلال عن بعض الشريعة، ومخالفة لبعض الأمر ، وإذا أوغل الرجل منهم دخل فى الإباحية والانحلال ، وربما صعد إلى فساد التوحيد فيخرج إلى الاتحاد والحلول المقيد، كما قد وقع لكثير من الشيوخ ، ويوجد فى كلام صاحب «منازل السائرين» وغيره ما يفضي إلى ذلك . وقد يدخل بعضهم فى (( الاتحاد المطلق والقول بوحدة الوجود)) فيعتقد أن الله هو الوجود المطلق، كما يقول صاحب ((الفتوحات المكية)) في أولها : ١١ ياليت شعري من المكلف الرب حق والعبد حق أو قلت رب أنى يكلف إن قلت عبد فذاك ميت وقسم ثالث معرضون عن عبادة الله وعن الاستعانة به جميعا . وثم فريقان : أهل دنيا وأهل دين ، فأهل الدين منهم ثم أهل الدين الفاسد الذين يعبدون غير الله، ويستعينون غير الله بظنهم وهواهم (إِن يَتَّبِعُونَ إِلََّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُّ وَلَقَدْجَآءَ هُمْ مِن رَّتِهِمُ الْهُدَى) وأهل الدنيا منهم الذين يطلبون ما يشتهونه من العاجلة بما يعتقدونه من الأسباب. واعلم أنه يجب التفريق بين من قد يعرض عن عبادة الله والاستعانة به ، وبين من يعبد غيره ويستعين بسواه . فصل قال الله عز وجل فى أول السورة: (الْحَمْدُ لِلَّهِرَبِّ الْعَلَمِينَ) فبدأ بهذين الاسمين: الله، والرب. و((الله)) هو الإله المعبود ، فهذا الاسم أحق بالعبادة؛ ولهذا يقال: الله أكبر. الحمد لله، سبحان الله ١٢ لا إله إلا الله، و((الرب)) هو المربى الخالق الرازق الناصر الهادى، وهذا الاسم أحق باسم الاستعانة والمسألة . ولهذا يقال: (رَّبِّ أَغْفِرْلِ وَلِوَلِدََّ ) (رَبَّنَاظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْلَنَا ( رَبِّ إِنِّ ظَلَمْتُ نَفْسِى فَأَغْفِرْلِ ) وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ) ( رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَاذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا) ١ أَوْ أَخْطَأَنَ ). فعامة المسألة والاستعانة المشروعة باسم الرب. فالاسم الأول بتضمن غاية العبد ومصيره ومنتهاه ، وما خلق له وما فيه صلاحه وكماله ، وهو عبادة الله، والاسم الثانى يتضمن خلق العبد ومبتداء ، وهو أنه يربه ويتولاه ، مع أن الثانى يدخل فى الأول دخول الربوبية في الالهية ، والربوبية تستلزم الألوهية أيضاً . والاسم ((الرحمن)) يتضمن كمال التعلقين، وبوصف الحالين فيه تتم سعادته في دنياه وأخراه . ولهذا قال تعالى: (وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنَّ قُلْ هُوَرَبِّ لَا إِلَهَ إِلََّ هُوَ عَلَيْهِ فذكرهنا الأسماء الثلاثة: (الرَّحْمَنِ ) تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَنَّابٍ ) و (رَبِّ) و (الإله) وقال: (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابٍ ) كما ذكر الأسماء الثلاثة فى أم القرآن؛ لكن بدأ هناك باسم الله؛ ولهذا بدأ فى السورة بـ (إِيَاكَ نَعْبُدُ) فقدم الاسم وما يتعلق به من العبادة ؛ لأن ١٣ تلك السورة فاتحة الكتاب وأم القرآن ، فقدم فيها المقصود الذي هو العلة الغائية ، فإنها علة فاعلية للعلة الغائية . وقد بسطت هذا المعنى فى مواضع؛ فى أول ((التفسير)) وفى ((قاعدة المحبة والإرادة» وفي غير ذلك . فصل ولما كان علم النفوس بحاجتهم وفقرهم إلى الرب قبل علمهم بحاجتهم وفقرم إلى الإله المعبود ، وقصدم لدفع حاجاتهم العاجلة قبل الآجلة ، كان إقرارم بالله من جهة ربوبيته أسبق من إقرارهم به من جهة ألوهيته ، وكان الدعاء له والاستعانة به والتوكل عليه فيهم أكثر من العبادة له ، والإنابة إليه . ولهذا إنما بعث الرسل يدعونهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ، الذي هو المقصود المستلزم للإقرار بالربوبية ، وقد أخبر عنهم أنهم ( وَلَيِنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّاللَّهُ )، وأنهم إذا مسهم الضر ضل من يدعون إلا إياه وقال: (وَإِذَا غَشِيَهُم ◌َوْجُ كَلِظُلَلِ دَعَواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الَّذِينَ) فأخبر أنهم مقرون بربوبيته ، وأنهم مخلصون له الدين إذا مسهم ١٤ الضر في دعائهم واستعانتهم ، ثم يعرضون عن عبادته في حال حصول أغراضهم . وكثير من المتكلمين إنما يقررون الوحدانية من جهة الربوبية ، وأما الرسل فهم دعوا إليها من جهة الألوهية ، وكذلك كثير من المتصوفة المتعبدة وأرباب الأحوال إنما توجههم إلى الله من جهة ربوبيته ؛ لما يمدم به فى الباطن من الأحوال التى بها يتصرفون، وهؤلاء من جنس الملوك ، وقد ذم الله عز وجل فى القرآن هذا الصنف كثيراً ، فتدبر هذا فإنه تكشف به أحوال قوم بتكلمون فى الحقائق ، ويعملون عليها ، وثم لعمري فى نوع من الحقائق الكونية القدرية الربوبية لا في الحقائق الدينية الشرعية الإلهية ، وقد تكلمت على هذا المعنى في مواضع متعددة، وهو أصل عظيم يجب الاعتناء به، والله سبحانه أعلم . فصل وذلك أن الإنسان بل وجميع المخلوقات عباد الله تعالى فقراء إليه مماليك له ، وهو ربهم ومليكهم وإلههم ، لا إله إلا هو ، فالمخلوق ليس له من نفسه شىء أصلاً ؛ بل نفسه وصفاته وأفعاله وما ينتفع به أو يستحقه وغير ذلك إنما هو من خلق الله، والله عز وجل رب ١٥ ذلك كله ومليكه ، وبارئه وخالقه ، ومصوره . وإذا قلنا ليس له من نفسه إلا العدم فالعدم ليس هو شيئا يفتقر إلى فاعل موجود ؛ بل العدم ليس بشيء ، وبقاؤه مشروط بعدم فعل الفاعل ، لا أن عدم الفاعل يوجبه ويقتضيه كما يوجب الفاعل المفعول الموجود ؛ بل قد يضاف عدم المعلول إلى عدم العلمة ، وبينهما فرق ، وذلك أن المفعول الموجود إنما خلقه وأبدعه الفاعل ، وليس المعدوم أبدعه عدم الفاعل ، فإنه يفضى إلى التسلسل والدور ؛ ولأنه ليس اقتضاء أحد العدمين للآخر بأولى من العكس ؛ فإنه ليس أحد العدمين مميزاً لحقيقة استوجب بها أن يكون فاعلاً ، وإن كان يعقل أن عدم المقتضى أولى بعدم الأثر من العكس ، فهذا لأنه لما كان وجود المقتضى هو المفيد لوجود المقتضى صار العقل يضيف عدمه إلى عدمه إضافة لزومية ؛ لأن عدم الشيء إما أن يكون لعدم المقتضى أو لوجود المانع . وبعد قيام المقتضى لا يتصور أن يكون العدم إلا لأجل هاتين الصورتين أو الحالتين ؛ فلما كان الشيء الذي انعقد سبب وجوده يعوقه [ ويمنعه ] المانع المنافى وهو أمر موجود، وتارة لا يكون سببه قد انعقد صار عدمه تارة ينسب إلى عدم مقتضيه ، وتارة إلى وجود مانعه ومنافيه . وهذا معنى قول المسلمين : ما شاء اللّه كان ومالم يشأ لم يكن؛ إذ ١٦ مشيئته هي الموجبة وحدها لا غيرها، فيلزم من انتفائها انتفاؤه لا يكون شيء حتى تكون مشيئته، لا يكون شيء بدونها بحال ، فليس لنا سبب يقتضى وجود شيء حتى تكون مشيئته مانعة من وجوده . بل مشيئته هي السبب الكامل ، فمع وجودها لا مانع ، ومع عدمها لا مقتضى (مَّايَفْتَحِاللَّهُلِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ) (وَإِنِ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرِ فَلَ كَا شِفَ لَهُ إِلَّهُوَ وَ إِن يُرِدَّكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآَّلِفَضْلِهِ ) (قُلْ أَفَرَءَيْتُمِ مَاتَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرِّهَلْ هُنَّ كَشِفَتُ ضُرِّةٍ أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَ مُمْسِكَتُ رَحْمَتِهِ، قُلْ حَسْبِىَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَّكَلُونَ ) . وإذا عرف أن العبد ليس له من نفسه خير أصلاً ؛ بل ما بنأ من نعمة فمن الله ، وإذا مسنا الضر فإليه نجار ، والخير كله بيديه ، كما قال: (مَآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍفَمِنَ اللَّهِوَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَن نَّفْسِكَ ) وقال: ( أَوَلَمَّا أَصَبَتَّكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْأَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَّ هَذَّاً قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ آَنْفُسِكُمْ ) . وقال النبى صلى الله عليه وسلم فى سيد الاستغفار الذي في صحيح البخاري: ((اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت ، خلقتني وأنا عبدك ، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت ، أعوذ بك من شر ما صنعت ، أبوء لك بنعمتك علي ، وأبوء بذنبى ، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)) وقال فى دعاء الاستفتاح الذى فى صحيح مسلم: ١٧ ((لبيك وسعديك، والخير بيديك، والشر ليس إليك، تباركت ربنا وتعاليت )) وذلك أن الشر إما أن يكون موجوداً أو معدوماً ، فالمعدوم سواء كان عدم ذات أو عدم صفة من صفات كمالها أو فعل من أفعالها ، مثل عدم الحياة أو العلم ، أو السمع أو البصر ، أو الكلام أو العقل، أو العمل الصالح على تنوع أصنافه، مثل معرفة الله ومحبته وعبادته والتوكل عليه ، والإنابة إليه، ورجائه وخشيته ، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وغير ذلك من الأمور المحمودة الباطنة والظاهرة ، من الأقوال والأفعال . فإن هذه الأمور كلها خيرات وحسنات ، وعدمها شر وسيئات ؛ لكن هذا العدم ليس بشيء أصلا، حتى يكون له بارئ وفاعل فيضاف إلى الله، وإنما هو من لوازم النفس التى هي حقيقة الإنسان قبل أن تخلق وبعد أن خلقت ؛ فإنها قبل أن تخلق عدم مستلزم لهذا العدم ، وبعد أن خلقت - وقد خلقت ضعيفة ناقصة - فيها النقص والضعف والعجز فإن هذه الأمور عدمية ، فأضيف إلى النفس من باب إضافة عدم المعلول إلى عدم علته ، وعدم مقتضيه ، وقد تكون من باب إضافته إلى وجود منافيه من وجه آخر سنبينه إن شاء الله تعالى. و(( نكتة الأمر)) أن هذا الشر والسيئات العدمية ، ليست موجودة حتى يكون الله خالقها، فإن الله خالق كل شيء. ١٨ والمعدومات تنسب تارة إلى عدم فاعلها ، وتارة إلى وجود مانعها فلا تنسب إليه هذه الشرور العدمية على الوجهين : أما ((الأول)) فلأنه الحق المبين فلا يقال عدمت لعدم فاعلها ومقتضيها . وأما ((الثانى)» - وهو وجود المانع - فلأن المانع إنما يحتاج إليه إذا وجد المقتضى ، ولو شاء فعلها لما منعه مانع ، وهو - سبحانه - لا يمنع نفسه ما شاء فعله: بل هو فعال لما يشاء ؛ ولكن الله قد يخلق هذا سباً ومقتضياً ومانعاً ، فإن جعل السبب تاماً لم يمنعه شيء وإن لم يجعله تاماً منعه المانع لضعف السبب وعدم إعانة الله له ، فلا يعدم أمر إلا لأنه لم يشأه، كما لا يوجد أمر إلا لأنه يشاؤه، وإنما تضاف هذه السيئات العدمية إلى العبد لعدم السبب منه تارة ، ولوجود المانع منه أخرى . أما عدم السبب فظاهر ، فإنه ليس منه قوة ولا حول ولا خير ولا سبب خير أصالة ، ولو كان منه شيء لكان سبباً فأضيف إليه لعدم السبب ؛ ولأنه قد صدرت منه أفعال كان سببا لها بإعانة الله له ، فما لم يصدر منه كان لعدم السبب . ١٩ وأما وجود المانع المضاد له المنافى فلأن نفسه قد تضيق وتضعف وتعجز أن تجمع بين أفعال ممكنة فى نفسها ، متنافية في حقه ، فإذا اشتغل بسمع شيء أو بصره، أو الكلام فى شيء أو النظر فيه أو إرادته، أو اشتغلت جوارحه بعمل كثير اشتغلت عن عمل آخر ، وإن كان ذلك خيراً لضيقه وعجزه ؛ فصار قيام إحدى الصفات والأفعال به مانعاً وصاداً عن آخر . والضيق والعجز يعود إلى عدم قدرته، فعاد إلى العدم الذي هو منه ، والعدم المحض ليس بشيء حتى يضاف إلى الله تعالى، وأما إن كان الشيء موجوداً كالألم وسبب الألم فينبغي أن يعرف أن الشعر الموجود ليس شراً على الإطلاق ، ولا شراً محضاً ، وإنما هو شر فى حق من تألم به ، وقد تكون مصائب قوم عند قوم فوائد . ولهذا جاء في الحديث الذي رويناه مسلسلاً ((آمنت بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره)) وفى الحديث الذى رواه أبو داود: ((لو أنفقت ملء الأرض ذهبا لما قبله منك حتى تؤمن بالقدر خيره وشره ، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك ، وما أخطأك لم يكن ليصيبك )) فالخير والشر هما بحسب العبد المضاف إليه كالحلو والمر سواء ، وذلك أن من لم يتألم بالشيء ليس في حقه شراً، ومن تنعم به فهو في حقه خير ، كما كان النبى صلى الله عليه وسلم يعلم من قص عليه أخوه رؤيا أن ٢٠