Indexed OCR Text
Pages 361-380
وحده ونحو ذلك . و ((تفسير ابن عطية وأمثاله)) أنبع للسنة والجماعة وأسلم من البدعة من تفسير الزمخشري ، ولو ذكر كلام السلف الموجود في التفاسير المأثورة عنهم على وجهه لكان أحسن وأجمل ، فإنه كثيراً ما ينقل من ((تفسير محمد بن جرير الطبري)) وهو من أجل التفاسير وأعظمها قدراً ، ثم إنه بدع ما نقله ابن جرير عن السلف لا يحكيه بحال . ويذكر ما يزعم أنه قول المحققين ، وإنما يعني بهم طائفة من أهل الكلام الذين قرروا أصولهم بطرق من جنس ما قررت به المعتزلة أصولهم ، وإن كانوا أقرب إلى السنة من المعتزلة ؛ لكن ينبغي أن يعطى كل ذي حق حقه ، ويعرف أن هذا من حملة التفسير على المذهب. فإن الصحابة والتابعين والأئمة إذا كان لهم فى تفسير الآية قول ، وجاء قوم فسروا الآية بقول آخر لأجل مذهب اعتقدوه ، وذلك المذهب ليس من مذاهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان صاروا مشاركين للمعتزلة وغيرم من أهل البدع فى مثل هذا . و((فى الجملة)) من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك كان مخطئاً فى ذلك ، بل مبتدعاً وإن كان مجتهداً مغفوراً له خطؤه ، فالمقصود بيان طرق العلم وأدلته ، وطرق الصواب، ٣٦١ ونحن نعلم أن القرآن قرأه الصحابة والتابعون وتابعوم ، وأنهم كانوا أعلم بتفسيره ومعانيه ، كما أنهم أعلم بالحق الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم ، فمن خالف قولهم وفسر القرآن بخلاف تفسيرهم فقد أخطأ فى الدليل والمدلول جميعاً ، ومعلوم أن كل من خالف قولهم له شبهة بذكرها إما عقلية وإما سمعية . كما هو مبسوط فى موضعه . و((المقصود هنا)) التنبيه على مثار الاختلاف فى التفسير، وأن من أعظم أسبابه البدع الباطلة التى دعت أهلها إلى أن حرفوا الكلم عن مواضعه ، وفسروا كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بغير ما أريد به ، وتأولوه على غير تأويله ، فمن أصول العلم بذلك أن يعلم الإنسان القول الذي خالفوه وأنه الحق ، وأن يعرف أن تفسير السلف يخالف تفسيرهم ، وأن يعرف أن تفسيرهم محدث مبتدع ، ثم أن يعرف بالطرق المفصلة فساد تفسيرهم بما نصبه اللّه من الأدلة على بيان الحق . وكذلك وقع من الذين صنفوا فى شرح الحديث وتفسيره من المتأخرين من جنس ما وقع فيما صنفوه من شرح القرآن وتفسيره . وأما الذين يخطئون فى الدليل لا فى المدلول فمثل كثير من الصوفية والوعاظ والفقهاء وغيرهم يفسرون القرآن بمعان صحيحة ؛ لكن القرآن لا يدل عليها مثل كثير مما ذكره أبو عبد الرحمن السلمي في حقائق ٣٦٢ التفسير ، وإن كان فيما ذكروه ما هو معان باطلة، فإن ذلك يدخل فى القسم الأول ، وهو الخطأ في الدليل والمدلول جميعاً ، حيث يكون المعنى الذي قصدوه فاسداً . فصل فإن قال قائل : فما أحسن طرق التفسير ؟ فالجواب : أن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن ؛ فما أجمل فى مكان فإنه قد فسر في موضع آخر ، وما اختصر من مكان فقد بسط فى موضع آخر ، فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له؛ بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: كل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن ، قال الله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ وقال تعالى : بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَبِنِينَ خَصِيمًا ) ( وَنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ) وقال تعالى: ( وَمَآ أَنْزَ لْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ إِلَّ لِتُبَيِّنَ لَهُهُ الَّذِىِ اخْتَلَفُواْفِيَةٍ وَهُدَى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا إنى أونيت القرآن ومثله معه )) يعني السنة . ٣٦٣ والسنة أيضا تنزل عليه بالوحى كما ينزل القرآن؛ لا أنها تتلى كما يتلى، وقد استدل الإمام الشافعي وغيره من الأمة على ذلك بأدلة كثيرة ليس هذا موضع ذلك . والغرض أنك تطلب تفسير القرآن منه ، فإن لم تجده فمن السنة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: (( بم تحكم؟ قال: بكتاب الله . قال : فإن لم تجد ؟ قال بسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد؟ قال أجتهد رأيي. قال : فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول اللّه لما يرضي رسول الله))، وهذا الحديث فى المساند والسنن بإسناد جيد . وحينئذ إذا لم يجد التفسير في القرآن ولا فى السنة رجعنا فى ذلك إلى أقوال الصحابة ، فإنهم أحرى بذلك لما شاهدوه من القرآن، والأحوال التى اختصوا بها ، ولما لهم من الفهم التام ، والعلم الصحيح، والعمل الصالح ؛ لا سيما علماؤهم وكبراؤم، كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين ، والأئمة المهديين: ((مثل عبد الله بن مسعود)) قال الإمام أبو جعفر محمد ابن جرير الطبري : حدثنا أبو كريب ، قال أنبأنا جابر بن نوح ، أنبأنا الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال : قال عبد الله يعني ابن مسعود : والذي لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم ٣٦٤ فيمن نزلت وأين نزلت ، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناوله المطايا لأنيته ، وقال الأعمش أيضا عن أبي وائل عن ابن مسعود قال : كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن . ومنهم الحبر البحر ((عبد الله بن عباس)) ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وترجمان القرآن ، ببركة دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم له حيث قال: ((اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل))، وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار ، أنبأنا وكيع ، أنبأنا سفيان عن الأعمش عن مسلم عن مسروق قال : قال عبد الله يعني ابن مسعود : نعم ترجمان القرآن ابن عباس . ثم رواه عن يحيى بن داود، عن إسحاق الأزرق ، عن سفيان ، عن الأعمش ، عن مسلم بن صبيح أبي الضحى. عن مسروق ، عن ابن مسعود أنه قال : نعم الترجمان للقرآن ابن عباس ثم رواه عن بندار عن جعفر بن عون عن الأعمش به كذلك ، فهذا إسناد صحيح إلى ابن مسعود أنه قال عن ابن عباس هذه العبارة ، وقد مات ابن مسعود فى سنة ثلاث وثلاثين على الصحيح ، وعمر بعده ابن عباس ستاً وثلاثين سنة ، فما ظنك بماكسبه من العلوم بعد ابن مسعود ؟. وقال الأعمش عن أبي وائل استخلف علي عبد الله بن عباس على الموسم مخطب الناس فقرأ فى خطبته سورة البقرة - وفى ٣٦٥ رواية سورة النور - ففسرها تفسيراً لو سمعته الروم والترك والديلم لأسلموا . ولهذا غالب ما يرويه إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير فى تفسيره عن هذين الرجلين : ابن مسعود وابن عباس ، ولكن فى بعض الأحيان ينقل عنهم ما يحكونه من أقاويل أهل الكتاب التى أباحها رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: ((بلغوا عني ولو آية ، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ، ومن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار )) رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو ؛ ولهذا كان عبد الله بن عمرو قد أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب فكان يحدث منها بما فهمه من هذا الحديث من الإذن فى ذلك ، ولكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد ، فإنها على ثلاثة أقسام : ((أحدها)) ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق فذاك صحيح . و ((الثاني)) ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه . و((الثالث)) ما هو مسكوت عنه لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل ، فلا نؤمن به ولا نكذبه وتجوز حكايته لما تقدم ، ٣٦٦ وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني ، ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب فى مثل هذا كثيراً ، ويأتى عن المفسرين خلاف بسبب ذلك ، كما يذكرون في مثل هذا أسماء أصحاب الكهف ، ولون كلبهم ، وعدتهم ، وعصا موسى من أي الشجر كانت ؟ وأسماء الطيور التى أحياها الله لإبراهيم ، وتعيين البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة، ونوع الشجرة التى كلم الله منها موسى ، إلى غير ذلك مما أبهمه الله فى القرآن مما لا فائدة فى تعيينه تعود على المكلفين فى دنياهم ولا دينهم، ولكن نقل الخلاف عنهم فى ذلك جائز، كما قال تعالى: ( سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةُ رَّبِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَحْمًا بِالْغَيْبِّ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ فُل ◌َّبِ أَعْلَمُ بِعِدَتِهِمْ مَايَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا ثُمَارٍ فِيهِمْ إِلَّمِرَآءَ ظَهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا ) . فقد اشتملت هذه الآية الكريمة على الأدب فى هذا المقام ، وتعليم ما ينبغي فى مثل هذا . فإنه تعالى أخبر عنهم بثلاثة أقوال، ضعف القولين الأولين ، وسكت عن الثالث ، فدل على صحته ؛ إذ لو كان باطلا لرده كما ردهما، ثم أرشد إلى أن الاطلاع على عدتهم لا طائل تحته، فيقال فى مثل هذا: (قُل رَّبِ أَعْلَمُ بِعِدَتِهِم ) فإنه ما يعلم بذلك إلا قليل من الناس ممن أطلعه الله عليه؛ فلهذا قال: ( فَلَا تُمَا رِفِيهِمْ إِلَّمِرَآءَ ظَهِرًا ) أي لا تجهد نفسك فيما لا طائل تحته ، ولا تسألهم عن ذلك ، فإنهم ٣٦٧ لا يعلمون من ذلك إلا رجم الغيب . فهذا أحسن ما يكون فى حكاية الخلاف : أن تستوعب الأقوال فى ذلك المقام، وأن ينبه على الصحيح منها ، ويبطل الباطل، وتذكر فائدة الخلاف وتمرته ؛ لئلا يطول النزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته ، فيشتغل به عن الأم ، فأما من حكى خلافاً فى مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص ؛ إذ قد يكون الصواب فى الذي تركه أو يحكى الخلاف ويطلقه ، ولا ينبه على الصحيح من الأقوال فهو ناقص أيضاً ، فإن صحح غير الصحيح عامداً فقد تعمد الكذب أو جاهلا فقد أخطأ ، كذلك من نصب الخلاف فيما لا فائدة تحته أو حكى أقوالا متعددة لفظاً ويرجع حاصلها إلى قول أو قولين معنى فقد ضيع الزمان ، وتكثر بما ليس بصحيح فهو كلابس ثوبى زور ، والله الموفق للصواب . فصل إذا لم تجد التفسير فى القرآن ولا فى السنة ، ولا وجدته عن الصحابة ، فقد رجع كثير من الأئمة فى ذلك إلى أقوال التابعين , كمجاهد ابن جبر)) فإنه كان آية في التفسير، كما قال محمد بن إسحاق : حدثنا ٣٦٨ أبان بن صالح عن مجاهد قال : عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها ، وبه إلى الترمذي ، قال : حدثنا الحسين بن مهدي البصري ، حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة ، قال : ما فى القرآن آية إلا وقد سمعت فيها شيئاً ، وبه إليه قال حدثنا ابن أبى عمر ، حدثنا سفيان بن عيينة عن الأعمش ، قال : قال مجاهد : لو كنت قرأت قراءة ابن مسعود لم أحتج أن أسأل ابن عباس عن كثير من القرآن مما سألت . وقال ابن جرير : حدثنا أبو كريب قال : حدثنا طلق بن غنام عن عثمان المكي عن ابن أبى مليكة ، قال : رأيت مجاهداً سأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه ، قال : فيقول له ابن عباس اكتب حتى سأله عن التفسير كله ، ولهذا كان سفيان الثوري يقول : إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به . وكسعيد بن جبير وعكرمة مولى ابن عباس ، وعطاء بن أبى رباح، والحسن البصري ، ومسروق بن الأجدع ، وسعيد بن المسيب ، وأبى العالية ، والربيع بن أنس ، وقتادة ، والضحاك بن مزاحم ، وغيرهم من التابعين وتابعيهم ومن بعدهم ، فتذكر أقوالهم في الآية فيقع فى عباراتهم تباين في الألفاظ يحسبها من لا علم عنده اختلافاً فيحكيها أقوالا وليس ء كذلك ، فإن منهم من يعبر عن الشيء بلازمه أو نظيره ، ومنهم من ٣٦٩ ينص على الشيء بعينه، والكل بمعنى واحد فى كثير من الأماكن ، فليتفطن اللبيب لذلك ، والله الهادي . وقال شعبة بن الحجاج وغيره أقوال التابعين فى الفروع ليست حجة فكيف تكون حجة في التفسير ؟ يعني أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم، وهذا صحيح ، أما إذا أجمعوا على الشيء فلا يرتاب فى كونه حجة ، فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض ولا على من بعدهم ، ويرجع فى ذلك إلى لغة القرآن ، أو السنة ، أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة فى ذلك . فأما (( تفسير القرآن بمجرد الرأي )) فحرام ، حدثنا مؤمل ، حدثنا سفيان ، حدثنا عبد الأعلى ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من قال فى القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار)). حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن عبد الأعلى التعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من قال فى القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار)) وبه إلى الترمذي قال : حدثنا عبد بن حميد حدثني حسان بن هلال قال حدثنا سهيل أخو حزم القطعى ، قال حدثنا أبو عمران الجونى عن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من قال فى القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ)) قال الترمذي هذا حديث غريب ، وقد ٣٧٠ تكلم بعض أهل الحديث في سهيل بن أبى حزم . وهكذا روى بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم أنهم شددوا فى أن يفسر القرآن بغير علم ، وأما الذي روى عن مجاهد وقتادة وغيرهما من أهل العلم أنهم فسروا القرآن فليس الظن بهم أنهم قالوا فى القرآن وفسروه بغير علم أو من قبل أنفسهم ، وقد روى عنهم ما يدل على ما قلنا أنهم لم يقولوا من قبل أنفسهم بغير علم ، فمن قال فى القرآن برأيه فقد تكلف مالا علم له به . وسلك غير ما أمر به ، فلو أنه أصاب المعنى فى نفس الأمر لكان قد أخطأ ؛ لأنه لم يأت الأمر من بابه ، كمن حكم بين الناس على جهل فهو في النار وإن وافق حكمه الصواب فى نفس الأمر ؛ لكن يكون أخف جرما ممن أخطأ والله أعلم . وهكذا سمى الله تعالى القذفة كاذبين، فالقاذف فقال: (فَإِذْلَمْ يَأْتُواْبِلُّهَدَآِ فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَذِبُونَ) كاذب ، ولو كان قد قذف من زنى فى نفس الأمر ؛ لأنه أخبر بما لا يحل له الإخبار به . وتكلف مالا علم له به ، والله أعلم . ولهذا تحرج جماعة من السلف عن تفسير مالا علم لهم به ، كما روى شعبة عن سليمان عن عبد الله بن مرة عن أبي معمر ، قال : قال أبو بكر الصديق : أي أرض تقلنى وأي سماء تظلفى إذا قلت فى كتاب اللّه ما لم أعلم ؟ ! : وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثنا محمود بن يزيد ٣٧١ عن العوام بن حوشب عن إبراهيم التيمى أن أبا بكر الصديق سئل عن قوله: (وَفَكِهَةُ وَأَبَّا ) فقال: أي سماء تظلنى وأي أرض تقلنى إن أنا قلت في كتاب الله مالا أعلم؟ - منقطع . وقال أبو عبيد أيضاً حدثنا يزيد عن حميد عن أنس أن عمر بن الخطاب قرأ على المنبر : (وَفَكِهَةٌ وَأَبَّاً ) فقال هذه الفاكهة قد عرفناها فما الأب؟ ثم رجع إلى نفسه فقال : إن هذا لهو التكلف يا عمر ، وقال عبد بن حميد حدثنا سليمان بن حرب ، قال : حدثنا حماد بن زيد عن ثابت عن أنس قال : كنا عند عمر بن الخطاب وفى ظهر قميصه أربع رقاع فقراً : ( وَفَكِهَةً وَأَبَّا ) فقال ما الأب ؟ ثم قال : إن هذا لهو التكلف فما عليك أن لا تدريه . وهذا كله محمول على أنهما - رضي الله عنهما - إنما أرادا استكشاف علم كيفية الأب ، وإلا فكونه نبتاً من الأرض ظاهر لا يجهل ؛ لقوله تعالى: (فَأَنْبِتَنَافِيهَاحَبًّا * وَعِنَبَ وَقَضْبًا * وَزَيْتُونَا وَنَخْلاً * وَحَدَآَبِقَ غُلّباً ). وقال ابن جرير : حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن علية عن أيوب عن ابن أبى مليكة ، أن ابن عباس سئل عن آية لو سئل عنها بعضكم لقال فيها فأبى أن يقول فيها . إسناده صحيح ، وقال أبو عبيد : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن ابن أبي مليكة ، قال سأل رجل ابن عباس عن: (يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ) فقال ٣٧٢ له ابن عباس فما: (يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ) ؟ فقال الرجل إنما سألتك لتحدثنى فقال ابن عباس: هما يومان ذكرها الله في كتابه، الله أعلم بها ، فكره أن يقول في كتاب الله ما لا يعلم ، وقال ابن جرير : حدثنى يعقوب يعنى ابن إبراهيم ، حدثنا ابن علية عن مهدي بن ميمون عن الوليد بن مسلم ، قال : جاء طلق بن حبيب إلى جندب بن عبد الله فسأله عن آية من القرآن . فقال أحرج عليك إن كنت مسلما لما قمت عني ، أو قال: أن تجالسني ، وقال مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه كان إذا سئل عن تفسير آية من القرآن قال : إنا لا نقول في القرآن شيئاً . وقال الليث عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب إنه كان لا يتكلم إلا فى المعلوم من القرآن . وقال شعبة عن عمرو بن مرة قال : سأل رجل سعيد بن المسيب عن آية من القرآن ، فقال : لا تسألنى عن القرآن ، وسل من يزعم أنه لا يخفى عليه منه شيء بعني عكرمة، وقال ابن شوذب : حدثني يزيد بن أبى يزيد قال : كنا نسأل سعيد بن المسيب عن الحلال والحرام وكان أعلم الناس فإذا سألناه عن تفسير آية من القرآن سكت كأن لم يسمع . وقال ابن جرير : حدثني أحمد بن عبدة الضى . حدثنا حماد بن زيد، حدثنا عبيد الله بن عمر ، قال: لقد أدركت فقهاء المدينة وإنهم ٣٧٣ ليعظمون القول فى التفسير، منهم سالم بن عبد الله ، والقاسم بن محمد، وسعيد بن المسيب ، ونافع ، وقال أبو عبيد: حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث عن هشام بن عروة قال : ما سمعت أبى تأول آية من كتاب الله قط ، وقال أيوب وابن عون وهشام الدستوائي عن محمد بن سيرين قال سألت عبيدة السلمانى عن آية من القرآن ، فقال : ذهب الذين كانوا يعلمون فيما أنزل من القرآن ، فاتق الله وعليك بالسداد. وقال أبو عبيد حدثنا معاذ عن ابن عون عن عبيد الله بن مسلم بن يسار ، عن أبيه ، قال : إذا حدثت عن الله فقف حتى تنظر ما قبله وما بعده ، حدثنا هشيم عن مغيرة عن إبراهيم قال : كان أصحابنا يتقون التفسير ويهابونه ، وقال شعبة عن عبد الله بن أبى السفر ، قال : قال الشعبى والله مامن آية إلا وقد سألت عنها، ولكنها الرواية عن الله. وقال أبو عبيد : حدثنا هشيم أنبأنا عمر بن أبى زائدة عن الشعبى عن مسروق قال : اتقوا التفسير فإنما هو الرواية عن الله . فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف محمولة على تخرجهم عن الكلام فى التفسير بما لا علم لهم به ، فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعا فلا حرج عليه ؛ ولهذا روى عن هؤلاء وغيرهم أقوال فى التفسير ، ولا منافاة ؛ لأنهم تكلموا فيما علموه وسكتوا عما جهلوه ، وهذا هو الواجب على كل أحد ، فإنه كما يجب السكوت عما ٣٧٤ لا على له به فكذلك يجب القول فيما سئل عنه مما يعلمه ؛ لقوله تعالى : ( لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ ) ولما جاء فى الحديث المروي من طرق: ((من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار )). وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا مؤمل ، حدثنا سفيان عن أبي الزناد ، قال : قال ابن عباس : التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها ، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته ، وتفسير يعلمه العلماء ، وتفسير لا يعلمه إلا الله. والله سبحانه وتعالى أعلم. ٣٧٥ وقال شيخ الإسلام رحمه اللّه فصل لما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم بكتابه الذي هو الهدى والشفاء والنور ، وجعله أحسن الحديث وأحسن القصص ، وجعله الصراط المستقيم لأهل العقل والتدبر ، ولأهل التلاوة والذكر، ولأهل الاستماع والحال : فالمعتصمون به علما والا وتلاوة وسمعاً باطناً وظاهراً ثم المسلمون حقاً ، خاصة أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم لما انحرف من انحرف من أهل الكلام والحروف إلى كلام غيره ، ومن أهل السماع والصوت إلى سماع غيره كان الانحراف في أربع طوائف متجانسة. قوم تركوا التعلم منه والنظر فيه والتدبر له إلى كلام غيره ، من كلام الصابئة أو اليهود ، أو ما هو مولد من ذلك أو مجانس له أو نحو ذلك . وهم منحرفة المتكلمة . وبإزائهم قوم أقاموا حروفه وحفظوه وتلوه من غير فقه فيه ، ولا ٣٧٦ فهم لمعانيه ، ولا معرفة للمقالات التى توافقه أو تخالفه، ووجه بيانه لمسائلها ودلائلها ، وم ظاهرية القراء والمحدثين ومحوم . وهذان الصنفان نظير متفقه لا يعرف الحديث ، أو صاحب حديث لا يتفقه فيه. وكذلك متكلم لا يتدبر القرآن أو قارئ لا يعرف من القرآن أنواع الكلام الحق والباطل ، فهاتان فرقتان علميتان . و ((الثالثة)) قوم تركوا استماع القلوب له والتنعم به ، ويحرك القلب عن محركاته وذوق حلاوته ، ووجود طعمه إلى سماع أصوات تغيره من شعر أو ملاهي ، من أصوات الصابئة أو النصارى ، أو ما هو مولد عن ذلك ومجانس له أو نحو ذلك ، وهم منحرفة المتصوفة والمتفقرة . وبإزائهم قوم يصوتون به ويسمعون قراءته من غير محرك عنه ، ولا وجد فيه ، ولا ذوق لحقائقه ومعانيه ، وم ظاهرية العباد والمتطوعة والمتقرئة . فهذان الصنفان صاحب حال تحرك الأصوات حاله وليست تلك الحركة والحال عن الصوت بالقرآن ، وصاحب مقال يميز بين الأقوال وينظر فيها وليس ذلك النظر والمقال عن القرآن ، ويازائهما صاحب عبادة ظاهرة معه استماع ظاهر القرآن وتلاوته ، وصاحب على ظاهر معه حفظ حروف القرآن أو تفسير حروفه من غريبه وإعرابه ، وأسباب نزوله ونحو ذلك. فهذه الأقسام الأربعة الذين وقفوا مع ظاهر العلم والعمل المشروعين ، والذين خاضوا فى باطن العلم ٣٧٧ والعمل ؛ لكن غير المشروعين جاء التفريط والاعتداء منهم . ولهذا وقع بينهم التعادي ، فالأولون يرمون الآخرين بالبدعة والضلالة ، وقد صدقوا . والآخرون ينسبون الأولين إلى الجهالة والعجز ، وقد صدقوا . ثم قد يكون مع بعض الأولين كثير من العلم والعمل المشروع، كما قد يكون مع بعض الآخرين كثير من العلم الباطن والحال الكامن ، كما قد روى الحسن البصري فى مراسيله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((العلم علمان : علم فى القلب ، وعلم في اللسان . فعلم القلب هو العلم النافع ، وعلم اللسان حجة الله على عباده )) وقال يحيى بن سعيد التيمي أبو حيان فيما رواه الخلال في جامعه عن الثوري: ((العلماء ثلاثة: فعالم باللّه ليس عالماً بأمر الله، وعالم بأمر الله ليس عالماً بالله، وعالم بالله وبأمر الله)). ٣٧٨ قال شيخ الإسلام قدس الله روحه فصل وأما سؤاله عن: ((إجراء القرآن على ظاهره )) فإنه إذا آمن بما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله ، من غير تحريف ولا تكييف فقد اتبع سبيل المؤمنين . ولفظ ((الظاهر)) فى عرف المتأخرين قد صار فيه اشتراك، فإن أراد بإجرائه على الظاهر الذي هو من خصائص المخلوقين حتى يشبه اللّه بخلقه فهذا ضال ؛ بل يجب القطع بأن اللّه ليس كمثله شيء لا فى ذاته ، ولا في صفاته ، ولا في أفعاله . فقد قال ابن عباس : ليس فى الدنيا مما فى الجنة إلا الأسماء . يعني أن موعود الله في الجنة من الذهب، والحرير ، والخمر ، واللبن ، تخالف حقائقه حقائق هذه الأمور الموجودة فى الدنيا ؛ فالله تعالى أبعد عن مشابهة مخلوقاته بما لا يدركه العباد، ٣٧٩ ليست حقيقته كحقيقة شيء منها. وأما إن أراد بإجرائه على الظاهر الذي هو الظاهر في عرف سلف الأمة ، لا يحرف الكلم عن مواضعه ، ولا يلحد فى أسماء الله تعالى، ولا يقرأ القرآن والحديث بما يخالف تفسير سلف الأمة وأهل السنة؛ بل يجري ذلك على ما اقتضته النصوص ، وتطابق عليه دلائل الكتاب والسنة ، وأجمع عليه سلف الأمة ، فهذا مصيب فى ذلك وهو الحق . وهذه جملة لايسع هذا الموضع تفصيلها والله أعلم . ٣٨٠