Indexed OCR Text

Pages 281-300

وإذا كان التأويل للكتاب كله والمراد به ذلك ارتفعت الشبهة وصار
هذا بمنزلة قوله: (يَسْتَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَِّ لَيُحِيَهَا
◌ِوَقِهَا إِلَّهُوَتَقُلَتْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ )
إلى قوله: (إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ) وكذلك قوله: (يَسْتَلُكَ النَّاسُ
عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَاللَّهِ وَمَايُدْرِيكَ لَعَلَ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا)
فأخبر أنه ليس علمها إلا عند الله ، وإنما هو علم وقتها المعين وحقيقتها
وإلا فنحن قد علمنا من صفاتها ما أخبرنا به . فعلم تأويله كعلم الساعة
والساعة من تأويله، وهذا واضح بين . ولا ينافي كون على الساعة
عند الله أن نعلم من صفاتها وأحوالهاما علمناه، وأن نفسر النصوص
المبينة لأحوالها فهذا هذا .
وإن كان الضمير عائداً إلى ما تشابه ، كما يقوله كثير من الناس
فلأن المخبر به من الوعد والوعيد متشابه بخلاف الأمر والنهي ، ولهذا
فى الآثار: ((العمل بمحكمه والإيمان بمتشابهه))، لأن المقصود في
الخبر الإيمان ، وذلك لأن المخبر به من الوعد والوعيد فيه من التشابه
ما ذكرناه بخلاف الأمر والنهي؛ ولهذا قال بعض [العلماء]: ((المتشابه))
الأمثال والوعد، [ والوعيد) و((المحكم)) الأمر والنهي فإنه متميز
غير مشتبه بغيره ، فإنه أمور نفعلها قد علمناها بالوقوع ، وأمور نتركها
لا بد أن نتصورها .
٢٨١

ومما جاء من لفظ ((التأويل)) فى القرآن قوله تعالى: (بَلّ
والكناية عائدة على
(
كَذَّبُواْبِمَا لَمْ يُحِيطُواْبِعِلْمِهِ، وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ
القرآن ، أو على ما لم يحيطوا بعلمه وهو يعود إلى القرآن . قال تعالى:
وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْءَانُ أَنْ يُفْتَرَىْ مِن دُونِ اللَّهِوَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِىِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ
)
اُلْكِتَبِ لَرَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَلَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَةٌ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، وَأَدْعُواْ مَنِ
اُسْتَطَعْتُمْ مِنِ دُونِ اللَّهِإِنْ كُمُ صَدِقِينَ * بَلَ كَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ، وَلَمَّايَأْتِهِمْ تَأْوُِّ كَذَلِكَ
كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمٌّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الظَّلِينَ * وَمِنْهُم مَّنْ يُؤْمِنُ بِهِ، وَمِنْهُم
. (
مَّنْ لَّا يُؤْمِنُ بِهٍ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ
فأخبر سبحانه أن هذا القرآن ما كان ليفترى من دون الله ،
وهذه الصيغة تدل على امتناع المنفي كقوله: ( وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُّهُلِكَ
اٌلْقُرَى بِظُلْمِ) وقوله: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) لأن الخلق
عاجزون عن الاتيان بمثله كما تحدام وطالبهم لما قال: ( أَمْ يَقُولُونَ
أَفْتَرَنَةٌ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، وَأَدْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِإِن كُ صَدِقِينَ)
فهذا تعجيز لجميع المخلوقين. قال تعالى: (وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ
(
أي مصدق الذي بين يديه ( وَتَفْصِيلَ اُلْكِنَبِ
يَدیدٍ )
أي مفصل الكتاب فأخبر أنه مصدق الذي بين يديه ومفصل الكتاب،
والكتاب اسم جنس ، وتحدى القائلين: (افتراه)، ودل على أنهم هم
٢٨٢

المفترون، قال: (بَلْ كَذَّبُواْبِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ، وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُ
أي
ء
كذبوا بالقرآن الذي لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله . ففرق بين
الإحاطة بعلمه وبين إتيان تأويله. فتبين أنه يمكن أن يحيط أهل العلم
والإيمان بعلمه ولما يأتهم تأويله، وأن الإحاطة بعلم القرآن ليست إتيان
تأويله ، فإن الإحاطة بعلمه معرفة معاني الكلام على التمام ، وإتيان
التأويل نفس وقوع المخبر به ، وفرق بين معرفة الخبر وبين المخبر به،
فمعرفة الخبر هي معرفة تفسير القرآن ، ومعرفة المخبر به هي
معرفة تأويله .
و ((نكتة ذلك)) أن الخبر لمعناه صورة علمية وجودها فى نفس
العالم كذهن الإنسان مثلا ولذلك المعنى حقيقة ثابتة في الخارج عن العلم ،
واللفظ إنما يدل ابتداء على المعنى الذهني ثم تتوسط ذلك أو تدل على
الحقيقة الخارجة ، فالتأويل هو الحقيقة الخارجة ، وأما معرفة تفسيره
ومعناه فهو معرفة الصورة العلمية . وهذا هو الذي بيناه فيما تقدم أن
الله إنما أنزل القرآن ليعلم ويفهم ويفقه ويتدبر ويتفكر فيه محكمه ومتشابهه
وإن لم يعلم تأويله .
ويبين ذلك أن الله يقول عن الكفار: ( وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ
جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَيُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا نَسْتُورًا * وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ
يَفْقَهُوهُ وَفِّمَاذَانِهِمْ وَقَرَأْ وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِ الْقُرْءَانِ وَحْدَهُ، وَلَوْ عَلَى أَدْبَِهِمْ نُفُورًا
(
٢٨٣

فقد أخبر - ذماً للمشركين - أنه إذا قرئ عليهم القرآن حجب بين
أبصارهم وبين الرسول بحجاب مستور ، وجعل على قلوبهم أ كنة أن
يفقهوه وفى آذانهم وقرا . فلو كان أهل العلم والإيمان على قلوبهم أكنة
أن يفقهوا بعضه لشاركوم فى ذلك. وقوله: (أَنْ يَفْقَهُوهُ ) يعود إلى
القرآن كله . فعلم أن الله يحب أن يفقه ؛ ولهذا قال الحسن البصري
: ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم فيما ذا أنزلت وماذا عنى بها
وما استثنى من ذلك لا متشابهاً ولا غيره .
وقال مجاهد : عرضت المصحف على ابن عباس من أوله إلى
آخره مرات أقف عند كل آية وأسأله عنها . فهذا ابن عباس حبر
الأمة وهو أحد من كان يقول : لا يعلم تأويله إلا الله، يجيب مجاهداً
عن كل آية فى القرآن.
وهذا هو الذي حمل مجاهداً ومن وافقه كابن قتيبة على أن جعلوا
الوقف عند قوله ( وَالزَّسِخُونَ فِ الْعِلْمِ ) فجعلوا الراسخين يعلمون
التأويل ، لأن مجاهداً تعلم من ابن عباس تفسير القرآن كله وبيان
معانيه فظن أن هذا هو التأويل المنفي عن غير الله .
وأصل ذلك أن لفظ ((التأويل)) فيه اشتراك بين ما عناء اللّه في
٢٨٤

القرآن وبين ما كان يطلقه طوائف من السلف ، وبين اصطلاح
طوائف من المتأخرين ، فبسبب الاشتراك فى لفظ التأويل اعتقد كل
من فهم منه معنى بلغته أن ذلك هو المذكور فى القرآن . ومجاهد إمام
التفسير . قال الثوري : إذا جاءك التفسير عن مجاهد خمسبك به . وأما
التأويل فشأن آخر ،
ويبين ذلك أن الصحابة والتابعين لم يمتنع أحد منهم عن تفسير آية
من كتاب الله ولا قال هذه من المتشابه الذي لا يعلم معناه، ولا قال
قط أحد من سلف الأمة ولا من الأئمة المتبوعين : إن فى القرآن آيات
لا يعلم معناها ولا يفهمها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أهل العلم
والإيمان جميعهم ، وإنما قد ينفون علم بعض ذلك عن بعض الناس ،
وهذا لا ريب فيه .
وإنما وضع هذه المسألة المتأخرون من الطوائف بسبب الكلام في
آيات الصفات وآيات القدر وغير ذلك. فلقبوها: «هل يجوز أن
يشتمل القرآن على ما لا يعلم معناه )).
وما (( تعبدنا بتلاوة حروفه بلا فهم )) جوز ذلك طوائف متمسكين
بظاهر من هذه الآية ، وبأن الله يمتحن عباده بما شاء ، ومنعها طوائف
ليتوصلوا بذلك إلى تأويلاتهم الفاسدة التى هي تحريف الكلم عن
٢٨٥

مواضعه . والغالب على كلا الطائفتين الخطأ ، أولئك يقصرون فى فهم
القرآن بمنزلة من قيل فيه: (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَبَ إِلَّ أَمَانِىَّ)
وهؤلاء معتدون بمنزلة الذين يحرفون الكلم عن مواضعه .
ومن المتأخرين من وضع المسألة بلقب شنيع فقال: ((لا يجوز
أن يتكلم اللّه بكلام ولا يغنى به شيئاً خلافاً للحشوية)). وهذا لم يقله
مسلم إن الله يتكلم بما لا معنى له .
وإنما النزاع هل يتكلم بما لا يفهم معناه ؟ وبين نفي المعنى عند
المتكلم ونفي الفهم عند المخاطب بون عظيم .
ثم احتج بما لا يجري على أصله فقال: هذا عبث ، والعبث على
الله محال . وعنده أن الله لا يقبح منه شيء أصلا بل يجوز أن يفعل
كل شيء ، وليس له أن يقول : العبث صفة نقص ، فهو منتف عنه ؛
لأن النزاع فى الحروف وهي عنده مخلوقة من جملة الأفعال ، ويجوز أن
يشتمل الفعل عنده على كل صفة ، فلا نقل صحيح ولا عقل صريح.
ومثار الفتنة بين الطائفتين ومحار عقولهم : أن مدعى التأويل
أخطأوا فى زعمهم أن العلماء يعلمون التأويل ، وفى دعوام أن التأويل
هو تأويلهم الذي هو تحريف الكلم عن مواضعه ؛ فإن الأولين لعلمهم
٢٨٦

بالقرآن والسنن وصحة عقولهم ، وعلمهم بكلام السلف وكلام العرب
علموا يقيناً أن التأويل الذي يدعيه هؤلاء ليس هو معنى القرآن ؛
فانهم حرفوا الكلم عن مواضعه ، وصاروا مراتب ما بين قرامطة
وباطنية يتأولون الأخبار والأوامر ، وما بين صابئة فلاسفة يتأولون عامة
الأخبار عن الله وعن اليوم الآخر ، حتى عن أكثر أحوال الأنبياء ،
وما بين جهمية ومعتزلة بتأولون بعض ما جاء فى اليوم الآخر وفى آيات
القدر ويتأولون آيات الصفات ، وقد وافقهم بعض متأخري الأشعرية
على ما جاء فى بعض الصفات ، وبعضهم فى بعض ما جاء فى اليوم الآخر
وآخرون من أصناف الأمة ، وإن كان تغلب عليهم السنة ، فقد يتأولون
أيضاً مواضع يكون تأويلهم من تحريف الكلم عن مواضعه .
والذين ادعوا العلم بالتأويل مثل طائفة من السلف وأهل السنة
وأكثر أهل الكلام والبدع ، رأوا أيضاً أن النصوص دلت على معرفة
معانى القرآن ، ورأوا عجزاً وعيباً وقبيحاً أن يخاطب الله عباده بكلام
يقرأونه ويتلونه وهم لا يفهمونه ، وهم مصيبون فيما استدلوا به من سمع
وعقل ؛ لكن أخطأوا فى معنى التأويل الذي نفاه الله، وفى التأويل
الذي أثبتوه ، وتسلق بذلك مبتدعتهم إلى تحريف الكلم عن مواضعه ،
وصار الأولون أقرب إلى السكوت والسلامة بنوع من الجهل ، وصار
الآخرون أكثر كلاماً وجدالا ولكن بفرية على الله، وقول عليه ما لا
٢٨٧

يعلمونه ، وإلحاد في أسمائه وآياته . فهذا هذا .
ومنشأ الشبهة الاشتراك في لفظ التأويل .
فإن ((التأويل)) فى عرف المتأخرين من المتفقهة والمتكلمة والمحدثة
والمتصوفة ونحوهم هو صرف اللفظ عن المعنى الراجع إلى المعنى المرجوح
لدليل يقترن به ، وهذا هو التأويل الذي يتكلمون عليه في أصول الفقه
ومسائل الخلاف. فإذا قال أحدم: هذا الحديث أو هذا النص مؤول أو هو
محمول على كذا، قال الآخر: هذا نوع تأويل، والتأويل يحتاج إلى دليل .
والمتأول عليه وظيفتان : بيان احتمال اللفظ للمعنى الذي ادعاه ، وبيان
الدليل الموجب للصرف إليه عن المعنى الظاهر ، وهذا هو التأويل الذي
يتنازعون فيه فى مسائل الصفات إذا صنف بعضهم فى إبطال التأويل ، أو ذم
التأويل، أو قال بعضهم آيات الصفات لاتؤول، وقال الآخر: بل يجب تأويلها،
وقال الثالث : بل التأويل جائز يفعل عند المصلحة ويترك عند المصلحة
أو يصلح للعلماء دون غيرم ، إلى غير ذلك من المقالات والتنازع .
وأما «التأويل)» فى لفظ السلف فله معنيان :
((أحدهما)) تفسير الكلام وبيان معناه، سواء وافق ظاهره أو
خالفه ، فيكون التأويل والتفسير عند هؤلاء متقاربا أو مترادفا ،
٢٨٨

وهذا - والله أعلم - هو الذي عناه مجاهد أن العلماء يعلمون تأويله
ومحمد بن جرير الطبري يقول فى تفسيره : القول فى تأويل قوله
كذا وكذا، واختلف أهل التأويل في هذه الآية ونحو ذلك ،
ومراده التفسير .
و ((المعنى الثانى)» فى لفظ السلف ــ وهو الثالث من مسمى
التأويل مطلقاً -: هو نفس المراد بالكلام ، فإن الكلام إن كان
طلباً كان تأويله نفس الفعل المطلوب ، وإن كان خبراً كان تأويله نفس
الشيء المخبر به .
وبين هذا المعنى والذي قبله بون ؛ فإن الذي قبله يكون التأويل
فيه من باب العلم والكلام ، كالتفسير والشرح والإيضاح ، ويكون
وجود التأويل فى القلب واللسان له الوجود الذهني واللفظي والرسمي .
وأما هذا فالتأويل فيه نفس الامور الموجودة فى الخارج . سواء كانت
ماضية أو مستقبلة . فإذا قيل : طلعت الشمس ، فتأويل هذا نفس
طلوعها. ويكون (( التأويل)) من باب الوجود العيني الخارجى فتأويل
الكلام هو الحقائق الثابتة فى الخارج بما هي عليه من صفاتها وشؤونها
وأحوالها ، وتلك الحقائق لاتعرف على ماهي عليه بمجرد الكلام والإخبار
إلا أن يكون المستمع قد تصورها أو تصور نظيرها بغير كلام وإخبار؛
لكن يعرف من صفاتها وأحوالها قدر ما أفهمه المخاطب : إما بضرب
٢٨٩

المثل ، وإما بالتقريب ، وإما بالقدر المشترك بينها وبين غيرها ، وإما
بغير ذلك .
وهذا الوضع والعرف الثالث هو لغة القرآن التى نزل بها . وقد
قدمنا التبيين في ذلك . ومن ذلك قول يعقوب عليه السلام ليوسف :
( وَكَذَلِكَ يَجْنَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ آلْأَحَادِيثِ وَيُتِمُ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ
(
وقوله: ( وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانٍ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنَّ أَرَنِىَ أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ
اُلْآَخَرُ إِنَّ أَرَبِىّ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَدِّثْنَا بِتَأْوِيلِ إِنَّا نَرَئِكَ مِنَ
اُلْمُحْسِنِينَ * قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُزْزَقَانِلَّ ◌َأْ تُكُمَا بِتَأْوِيلِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَّكُمَّا )
وقول الملأ : (أَضْغَثُ أَحْلَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ آلْأَحْلَِ بِعَلِمِينَ * وَقَالَ الَّذِى ◌ََّا
مِنْهُمَا وَ أَذَّكَرَ بَعْدَ أُمٍَّ أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ، فَرْسِلُونِ)
وقول يوسف لما دخل عليه أهله مصر (ءَاوَىّ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ أُدْ خُلُواْ
مِصْرَ إِن شَآءَ اللَّهُهَامِنِينَ * وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَكَأَبَتِ هَذَا
تَأْوِيلُرُءُیَیَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِحَقّاً
. (
فتأويل الأحاديث التى هي رؤيا المنام هي نفس مدلولها التى تؤول إليه كما
قال يوسف: ( هَذَا تَأْوِيلُ رُوْيَكَ مِن قَبْلُ) والعالم بتأويلها : الذي يخبر
به. كما قال يوسف: (لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُزَقَائِهِ) أي فى المنام (إِلَّا
◌َتَأْثَكُمَا بِتَأْوِيلِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ) أي قبل أن يأتيكما التأويل .
٢٩٠

وقال الله تعالى: ( فَإِن تَزَعْثُمْ فِي شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الَّهِ وَالرَّسُولِ إِنَّكُمُ تُؤْمِنُونَ
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا )
قالوا : أحسن عاقبة ومصيراً . فالتأويل هنا تأويل فعلهم الذي هو الرد
إلى الكتاب والسنة . والتأويل فى سورة يوسف تأويل أحاديث
الرؤيا . والتأويل فى الأعراف ويونس تأويل القرآن ، وكذلك في سورة
آل عمران .
وقال تعالى في قصة موسى والعالم : ( قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِ وَبَيْنِكَّ
إلى قوله: (وَمَا فَعَلْنُهُعَنْ
(
سَأُنِتُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْقَسْتَطِعِ غَلَيْهِصَبْرًا
فالتأويل هنا تأويل
أَمْرِىَّ ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْتَسْطِعِ عَلَيْهِ صَبْرًا )
الأفعال التى فعلها العالم من خرق السفينة بغير إذن صاحبها ، ومن قتل
الغلام ، ومن إقامة الجدار ، فهو تأويل عمل لا تأويل قول . وإنما
كان كذلك لأن التأويل مصدر أوله يؤوله تأويلا ، مثل حول تحويلا،
وعول تعويلا . وأول يؤول تعدية آل يؤول أولاً مثل حال يحول
حولا . وقولهم: آل يؤول ، أي عاد إلى كذا ورجع إليه . ومنه
((المآل)) وهو ما يؤول إليه الشيء ويشاركه فى الاشتقاق الأكبر
((الموئل)) فإنه من وأل وهذا من أول . والموئل المرجع قال تعالى:
(لَّنْ يَجِدُ وا مِن دُونِهِ مَوْبِلًا ).
ومما يوافقه فى اشتقاقه الأصغر ((الآل)) فإن آل الشخص من
٢٩١

يؤول إليه ؛ ولهذا لا يستعمل إلا في عظيم ، بحيث يكون المضاف إليه
أعظم من المضاف يصلح أن يؤول إليه الآل ، كآل إبراهيم وآل لوط
وآل فرعون، بخلاف الأهل ، والأول أفعل ، لأنهم قالوا في تأنينه
أولى، كما قالوا جمادى الأولى. وفي القصص: (لَهُ اٌلْحَمْدُفِى
اُلْأُولَى وَالْآَخِرَةِ ﴾ .
ومن الناس من يقول : فوعل . ويقول : أولة . إلا أن هذا
يحتاج إلى شاهد من كلام العرب ؛ بل عدم صرفه يدل على أنه أفعل
لا فوعل ، فإن فوعل مثل كوثر وجوهر مصروف ، سمى المتقدم أول
- والله أعلم - لأن ما بعده يؤول إليه ويبنى عليه، فهو أس لما بعده
وقاعدة له . والصيغة صيغة تفضيل لا صفة مثل أكبر وكبرى وأصغر
وصغرى ، لا من باب أحمر وحمراء ؛ ولهذا يقولون : جئته من أول
( وَأَنَاْ
أمس ، وقال: (لَّمَسْجِدُ أُسِسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ )
أَوَّلُ اْلِمِينَ ) (وَلَا تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرِبِهِ، ) فإذا قيل هذا أول هؤلاء
فهو الذي فضل عليهم فى الأول ، لأن كل واحد يرجع إلى ماقبله
فيعتمد عليه ، وهذا السابق كلهم يؤول إليه ، فإن من تقدم في فعل
فاستن به من بعده كان السابق الذي يؤول الكل إليه، فالأول له
وصف السؤدد والاتباع .
ولفظ ((الأول)) مشعر بالرجوع والعود، و((الأول)) مشعر
بالابتداء والمبتدأ ؛ خلاف العائد لأنه إنما كان أولا لما بعده فإنه يقال :
٢٩٢

( أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ) و (أَوَِّ يَوْمٍ ) فما فيه من معنى الرجوع والعود
هو للمضاف إليه لا للمضاف .
وإذا قلنا : آل فلان ، فالعود إلى المضاف ؛ لأن ذلك صيغة
تفضيل فى كونه مآ لا ومرجعا لغيره ، لأن كونه مفضلا دل على أنه
مآل ومرجع لا آيل راجع ؛ إذ لا فضل في كون الشيء راجعاً إلى
غيره آيلا إليه ، وإنما الفضل في كونه هو الذي يرجع إليه ويؤال إليه.
فلما كانت الصيغة صيغة تفضيل أشعرت بأنه مفضل فى كونه مآلا
ومرجعا، والتفضيل المطلق فى ذلك يقتضي أن يكون هو السابق
المبتدئ والله أعلم .
فتأويل الكلام ما أوله إليه المتكلم ، أو ما يؤول إليه الكلام ، أو
ما تأوله المتكلم ؛ فإن التفعيل يجري على غير فعل ، كقوله: ( وَتَتَّلْ
إِلَيْهِتَّتِيلًا ) فيجوز أن يقال تأول الكلام إلى هذا المعنى تأويلا ونأولت
الكلام تأويلا وأولت الكلام تأويلا . والمصدر واقع موقع الصفة ،
إذ قد يحصل المصدر صفة بمعنى الفاعل ، كعدل وصوم وفطر ، وبمعنى
المفعول كدرهم ضرب الأمير وهذا خلق الله .
فالتأويل : هو ما أول إليه الكلام أو يؤول إليه ، أو تأول هو
إليه . والكلام إنما يرجع ويعود ويستقر ويؤول ويؤوّل إلى حقيقته
٢٩٣

(لِكُلِّ نَبٍَ
التى هي عين المقصود به كما قال بعض السلف فى قوله
تُسْتَقَرُّ ) قال حقيقة ، فإنه إن كان خبراً فإلى الحقيقة المخبر بها يؤول
ويرجع ، وإلا لم تكن له حقيقة ولا مآل ولا مرجع ، بل كان كذبا
وإن كان طلباً فإلى الحقيقة المطلوبة يؤول ويرجع ، وإن لم يكن مقصوده
موجوداً ولا حاصلا . ومتى كان الخبر وعداً أو وعيداً فإلى الحقيقة
المطلوبة المنتظرة يؤول ، كما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه تلا
( قُلْ هُوَاُلْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ
هذه الآية
أَوْ ◌َْسَكُمْ شِيَعًا) قال إنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد وعن عبد الله قال:
خمس قد مضين البطشة واللزام والدخان والقمر والروم .
فصل
وأما إدخال أسماء الله وصفاته أو بعض ذلك فى المتشابه الذي لا
يعلم تأويله إلا الله. أو اعتقاد أن ذلك هو المتشابه الذي استأثر الله
بعلم تأويله ، كما يقول كل واحد من القولين طوائف من أصحابنا وغيرم.
فإنهم وإن أصابوا فى كثير مما يقولونه ونجوا من بدع وقع فيها غيرهم،
فالكلام على هذا من وجهين :
الأول : من قال : إن هذا من المتشابه وأنه لا يفهم معناه ، فنقول
أما الدليل على [ بطلان ] ذلك فإني ما أعلم عن أحد من سلف الأمة
ولا من الأئمة لا أحمد بن حنبل ولا غيره أنه جعل ذلك من المتشابه
٢٩٤

الداخل فى هذه الآية ونفى أن يعلم أحد معناه. وجعلوا أسماء الله
وصفاته بمنزلة الكلام الأعجمي الذي لا يفهم ، ولا قالوا : إن الله ينزل
كلاما لا يفهم أحد معناه وإنما قالوا كلمات لها معان صحيحة . قالوا في
أحاديث الصفات : تمر كما جاءت . ونهوا عن تأويلات الجهمية وردوها
وأبطلوها التى مضمونها تعطيل النصوص عما دلت عليه .
ونصوص أحمد والأئمة قبله بينة في أنهم كانوا يبطلون تأويلات
الجهمية ويقرون النصوص على مادلت عليه من معناها ، ويفهمون منها
بعض مادلت عليه ، كما يفهمون ذلك في سائر نصوص الوعد والوعيد
والفضائل وغير ذلك. وأحمد قد قال فى غير أحاديث الصفات : تمر كما
جاءت، وفى أحاديث الوعيد مثل قوله: ((من غشنا فليس منا))
وأحاديث الفضائل ، ومقصود بذلك أن الحديث لا يحرف كله عن
مواضعه كما يفعله من يحرفه ، ويسمى تحريفه تأويلا بالعرف المتأخر .
فتأويل هؤلاء المتأخرين عند الأئمة تحريف باطل وكذلك نص أحمد
فى كتاب (( الرد على الزنادقة والجهمية)) أنهم تمسكوا بمتشابه القرآن ،
وتكلم أحمد على ذلك المتشابه وبين معناه وتفسيره بما يخالف تأويل الجهمية
وجرى فى ذلك على سنن الأمة قبله . فهذا اتفاق من الأمة على أنهم
يعلمون معنى هذا المتشابه ، وأنه لا يسكت عن بيانه وتفسيره بل يبين ويفسر
باتفاق الأئمّة من غير تحريف له عن مواضعه، أو إلحاد في أسماء الله وآياته.
٢٩٥

ومما يوضح لك ما وقع هنا من الاضطراب أن أهل السنة متفقون
على إبطال تأويلات الجهمية ونحوم من المنحرفين الملحدين. و((التأويل
المردود )) هو صرف الكلام عن ظاهره إلى ما يخالف ظاهره . فلو قيل
إن هذا هو التأويل المذكور فى الآية وأنه لا يعلمه إلا الله لكان في
هذا تسليم للجهمية أن الآية تأويلا يخالف دلالتها لكن ذلك لا يعلمه إلا
اللّه، وليس هذا مذهب السلف والأئمة ، وإنما مذهبهم نفي هذه
التأويلات وردها ؛ لا التوقف فيها، وعندم قراءة الآية والحديث تفسيرها
وتمر كما جاءت دالة على المعانى ، لا تحرف ولا يلحد فيها .
والدليل على أن هذا ليس بمتشابه لا يعلم معناه أن نقول : لا ريب
أن الله سمى نفسه فى القرآن بأسماء مثل الرحمن والودود والعزيز والجبار
والعليم والقدير والرءوف ونحو ذلك، ووصف نفسه بصفات مثل ((سورة
الإخلاص)» و «آية الكرسي)) وأول ((الحديد)) وآخر ((الحشر)) وقوله:
( إِنَّاللََّ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ )، و (عَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ)، وأنه ( يُحِبُ
اُلْمُتَّقِينَ)، و (الْمُفْسِطِينَ) و(الْمُحْسِنِينَ)، وأنه يرضى عن الذين آمنوا
وعملوا الصالحات (فَلَمَّآءَاسَفُونَا أُنثَقَمْنَا مِنْهُمْ)، (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ أَتَّبَعُواْ
مَآ أَسْخَطَ اللَّهَ) (وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ الْبِعَانَهُمْ) (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أُسْتَوَى)
( ثُمَّاُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِنِّ يَعْلَمُ مَا يَلِيُ فِ آلْأَرْضِ وَمَايَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَايَعْرُجُ
فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَاكُمْ )
٢٩٦

(وَهُوَالَّذِى فِى السَّمَاءِ إِلَهُ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ) (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ
الَّطَيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ بَرْفَعُهُ) ( إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَرَى ). (وَهُوَ اللَّهُ
( مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَ)
فِ السَّمَوَتِ وَ فِىِ الْأَرْضِ )
(بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ)
٠
(وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَالِ
وَاُلْإِكْرَامِ )
( يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) (وَلِنُصْنَعَ عَلَى عَيْفِّ) - إلى
.
أمثال ذلك .
فيقال لمن ادعى في هذا أنه متشابه لا يعلم معناه : أتقول هذا فى
جميع ما سمى اللّه ووصف به نفسه أم فى البعض ؟ فإن قلت : هذا فى
الجميع كان هذا عناداً ظاهراً وجحدا لما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام
بل كفر صريح. فإنا نفهم من قوله : (إِنَّاللّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ) معنى،
ونفهم من قوله: (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ) معنى ليس هو الأول
ونفهم من قوله: ( وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ ) معنى، ونفهم من قوله :
( إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُواْنِقَامٍ ) معنى. وصبيان المسلمين بل وكل عاقل يفهم
هذا. وقد رأيت بعض من ابتدع وجحد من أهل المغرب - مع انتسابه
إلى الحديث لكن أثرت فيه الفلسفة الفاسدة - من يقول : إنا نسمى
الله الرحمن العليم القدير علما محضاً من غير أن نفهم منه معنى يدل على
شيء قط، وكذلك في قوله: (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ: ) يطلق
هذا اللفظ من غير أن نقول له علم .
٢٩٧

وهذا الغلو في الظاهر من جنس غلو القرامطة فى الباطن ، لكن
هذا أييس وذاك أكفر .
ثم يقال لهذا المعاند : فهل هذه الأسماء دالة على الإله المعبود وعلى
حق موجود أم لا؟ فإن قال : لا ، كان معطلا محضاً ، وما أعلم مسلما
يقول هذا. وإن قال: نعم ، قيل له : فلم فهمت منها دلالتها على نفس
الرب ولم تفهم دلالتها على ما فيها من المعانى من الرحمة والعلم وكلاهما فى
الدلالة سواء؟ فلا بد أن يقول : نعم ؛ لأن ثبوت الصفات محال في
العقل، لأنه يلزم منه التركيب أو الحدوث بخلاف الذات . فيخاطب
حينئذ بما يخاطب به الفريق الثاني كما سنذكره ، وهو من أقر بفهم
بعض معنى هذه الأسماء والصفات دون بعض . فيقال له: ما الفرق بين
ما أثبته وبين ما نفيته أو سكت عن إثباته ونفيه ، فإن الفرق إما أن
يكون من جهة السمع ، لأن أحد النصين دال دلالة قطعية أو ظاهرة
بخلاف الآخر ، أو من جهة العقل بأن أحد المعنيين يجوز أو يجب إثباته
دون الآخر ، وكلا الوجهين باطل في أكثر المواضع؟ .
أما (( الأول)) فدلالة القرآن على أنه رحمن رحيم ودود سميع بصير
علىّ عظيم كدلالته على أنه عليم قدير ، ليس بينهما فرق من جهة النص
وكذلك ذكره لرحمته ومحبته وعلوه مثل ذكره لمشيئته وإرادته .
٢٩٨

وأما ((الثاني)) فيقال لمن أثبت شيئا ونفى آخر: لم نفيت مثلاً
حقيقة رحمته ومحبته وأعدت ذلك إلى إرادته ؟ فإن قال : لأن المعنى المفهوم
من الرحمة فى حقنا هي رقة تمتنع على اللّه، قيل له: والمعنى المفهوم
من الإرادة فى حقنا هي ميل يمتنع على الله . فإن قال : إرادته ليست
من جنس إرادة خلقه ، قيل له : ورحمته ليست من جنس رحمة خلقه
وكذلك محبته. وإن قال - وهو حقيقة قوله -: لم أثبت الإرادة وغيرها
بالسمع، وإنما أثبت العلم والقدرة والإرادة بالعقل ، وكذلك السمع
والبصر والكلام على إحدى الطريقتين ، لأن الفعل دل على القدرة ،
والإحكام دل على العلم ، والتخصيص دل على الإرادة ، قيل له الجواب
من ثلاثة أوجه :
(أحدها ): أن الإنعام والإحسان وكشف الضر دل أيضاً على
الرحمة كدلالة التخصيص على الإرادة. والتقريب والإدناء وأنواع التخصيص
التى لا تكون إلا من المحب تدل على المحبة أو مطلق التخصيص يدل على
الإرادة . وأما التخصيص بالإنعام فتخصيص خاص . والتخصيص بالتقريب
والاصطفاء تقريب خاص. وما سلكه فى مسلك الإرادة يسلك في
مثل هذا .
( الثاني ) : يقال له : هب أن العقل لا يدل على هذا فإنه
لاينفيه إلا بمثل ما ينفى به الإرادة ، والسمع دليل مستقل بنفسه ، بل
٢٩٩

الطمأنينة إليه في هذه المضايق أعظم ودلالته أتم فلأي شيء نفيت
مدلوله أو توقفت وأعدت هذه الصفات كلها إلى الإرادة مع أن
النصوص [ لم ] تفرق؟ فلا يذكر حجة إلا عورض بمثلها فى إثباته
الإرادة زيادة على الفعل .
((الثالث)) يقال له: إذا قال لك الجهمي الإرادة لا معنى لها إلا
عدم الإكراه أو نفس الفعل والأمر به ، وزعم أن إثبات إرادة تقتضي
محذوراً إن قال بقدمها ومحذوراً إن قال بحدوثها .
وهنا اضطربت المعتزلة فإنهم لا يقولون بإرادة قديمة لامتناع صفة
قديمة عندم ، ولا يقولون بتجدد صفة له لامتناع حلول الحوادث عند
أكثرم مع تناقضهم .
فصاروا حزبين : البغداديون وهم أشد غلواً فى البدعة فى الصفات
وفى القدر نفوا حقيقة الإرادة . وقال الجاحظ لا معنى لها إلا عدم
الإكراه . وقال الكعى لا معنى لها إلا نفس الفعل إذا تعلقت بفعله
ونفس الأمر إذا تعلقت بطاعة عباده .
والبصريون كأبي علي وأبي هاشم قالوا: تحدث إرادة لا فى محل،
فلا إرادة ، فالتزموا حدوث حادث غير مراد وقيام صفة بغير محل ،
٣٠٠