Indexed OCR Text

Pages 221-240

[ الذي ] أنزل على لسان نبيه الدين أمر أن يوالي المسلمين وأن لا
يتخذ اليهود والنصارى أولياء ؛ بل أمرك أن تبغضهم وتجاهدهم بما
استطعت ، هو أمرك أن تتوكل بحفظ خنازيرهم ؟! فإن قال : هذا
ظهر كذبه ، وإن قال : بل هو أمر ألقى فى قلبى لم يكذب ، وقيل له:
فهذا من أمر الشيطان لا من أمر الرحمن الذي أنزل به كتبه وأرسل
به رسله ؛ ولكنه من الأمر الذي كونه وقدره كشرك المشركين
الذين قالوا: (لَوْشَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا ).
ومن هؤلاء من يظن الرجال الذين يؤيد بهم الكفار من المشركين
وأهل الكتاب هم أولياء الله ولا يجب عليهم اتباع الرسول ،
كالملائكة الموكلة بني آدم المعقبات .
فقلت لشيخ كان من شيوخهم: محمد أرسل إلى الثقلين الإنس
والجن ولم يرسل إلى الملائكة ، فكل إنسي أو جنى خرج عن الإيمان
به فهو عدو اللّه لاولى الله ؛ بخلاف الملائكة .
ثم يقال له : الملائكة لا يعاونون الكفار على المعاصي ولا على
قتال المسلمين ؛ وإنما يعاونهم على ذلك الشياطين ؛ ولكن الملائكة
قد تكون موكلة بخلقهم ورزقهم وكتابة أعمالهم فإن ذلك ليس بمعصية ،
فهذا الجواب بالفرق بينهم وبين الملائكة من هذين الوجهين .
٢٢١

وقد ظهر أنهم من جنس الشياطين لا من جنس الملائكة ، وكان
هذا الشيخ هو وأبوه من خفراء الكفار وكان والده يقال له: ((محمد
الخالدي)) نسبة إلى شيطان كان يقربه يقال له الشيخ خالد ، وهم
يقولون إنه من الإنس من رجال الغيب .
وحدثني الثقة عنه أنه كان يقول الأنبياء ضيعوا الطريق ، ولعمري
لقد ضيعوا طريق الشياطين : شياطين الإنس والجن ، وهؤلاء المشايخ:
الذين يحبون المسلمين ولكن يوالون الشيوخ الذين يوالون المشركين
الذين هم خفراء الكفار ويظنون أنهم من أولياء الله اشتركوا م وهم فى
أصل ضلالة ، وهو : أنهم جعلوا الخوارق الشيطانية من جنس
الكرامات الرحمانية ، ولم يفرقوا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان كما
قال تعالى: (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًّا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ)
فهؤلاء وهؤلاء عشوا عن ذكر الرحمن الذي أنزله وهو الكتاب
والسنة ، وعن الروح الذي أوحاه الله إلى نبيه الذي جعله الله نوراً يهدى
به من يشاء من عباده ، وبه يحصل الفرق بين أولياء الرحمن وأولياء
الشيطان ، ولم يفرقوا بين آيات الأنبياء ومعجزاتهم وبين خوارق السحرة
والكهان؛ إذ هذا ((مذهب الجهمية المجبرة))
وهؤلاء كلهم يشتركون فى هذا المذهب فلا يجعلون الله يحب ما
أمر به ويبغض ما نهى عنه ، بل يجعلون كل ما قدره وقضاه فإنه يحبه
٢٢٢

ويرضاه ، فبقي جميع الأمور عندم سواء ، وانما يتميز بنوع من الخوارق
فمن كان له خارق جعلوه من أولياء الله وخضعوا له إما اتباعا له وإما
موافقة له ومحبة ، وإما أن يسلموا له حاله فلا يحبوه ولا يبغضوه ، إذ
كانت قلوبهم لم يبق فيها من الإيمان ما يعرفون به المعروف وينكرون به
المنكر فى هذا الموضع .
وقد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
(( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم
يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)) وفي رواية لمسلم (( من جاهدم
بيده فهو مؤمن ، ومن جاهدم بلسانه فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بقلبه
فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل»، وميتو
الأحياء الذين لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكراً وفى حديث
حذيفة الذي في صحيح مسلم: (( إن الفتنة تعرض على القلوب
كالحصير عوداً عوداً، فأيما قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء ،
وأيما قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء ، حتى تبقى القلوب على
قلبين : قلب أبيض مثل الصفا لا يضره فتنة ما دامت السماء والأرض،
وقلب أسود مرباد لا يعرف معروفا ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب
من هواه )).
فهؤلاء العباد الزهاد الذين عبدوا الله بآرائهم وذوقهم ووجدهم لا
٢٢٣

بالأمر والنهي منتهام اتباع أهوائهم (وَمَنْ أَضَلُّ مِتَنِ اتََّعَ هَوَنُهُ بِغَيْرِ هُدَّى
لاسيما إذا كانت حقيقتهم هي قول ((الجهمية المجبرة))
مِنَ اللَّهِ )
فرأوا أن جميع الكائنات اشتركت فى المشيئة ولم يميزوا بعضها عن بعض
بأن الله يحب هذا ويرضاه وهذا يبغضه ويسخطه ؛ فإن الله يحب
المعروف ويبغض المنكر ، فإذا لم يفرقوا بين هذا وهذا نكت فى
قلوبهم نكت سود فسود قلوبهم ، فيكون المعروف ما يهوونه ويحبونه
ويجدونه ويذوقونه ، ويكون المنكر ما يهوون بغضه وتنفر عنه قلوبهم
كالمشركين الذين كانوا (عَنِ الَّذِكِرَوَمُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنِفِرَةٌ * فَرَّتْ مِن
قَسْوَرَةِ )
ولهذا يوجد فى هؤلاء وأتباعهم من ينفرون عن
القرآن والشرع كما تنفر الحمر المستنفرة التى تفر من الرماة ومن الأسد
ولهذا يوصفون بأنهم إذا قيل لهم قال المصطفى نفروا .
وكان الشيخ إبراهيم بن معضاد يقول - لمن رآه من هؤلاء
كاليونسية والأحمدية - يا خنازير! يا أبناء الخنازير! ما أرى الله
ورسوله عندكم رائحة (بَلْ يُرِيدُ ثُلُّ أَمْرِيٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْقَ صُحُفَا مُنَشَّرَةً) كل
منهم يريد أن يحدثه قلبه عن ربه فيأخذ عن اللّه بلا واسطة الرسول (وَإِذَا
جَاءَتْهُمْ ءَايَةٌ قَالُوا لَنْ تُؤْمِنَ حَتَّى تُؤْقَى مِثْلَ مَا أُوِىَ رُسُلُ الُهِلَهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ
رِسَالَتَهُ ) وبسط هذاله موضع آخر .
والمقصود هنا أن قول ((القدرية الجهمية المجبرة)) أعظم مناقضة
٢٢٤

لما جاءت به الرسل من قول النفاة ، ولهذا لم يكن هؤلاء مظهرين لهذا
فى زمن السلف ؛ بل كلما ضعف نور النبوة أظهروا حقيقة قولهم فإنه
من جنس قول المشركين المكذبين للرسل ، ومنتهام الشرك وتكذيب
الرسل ، وهذا جماع الكفر ، كما أن التوحيد وتصديق الرسل جماع
الإيمان ، ولهذا صاروا مع أهل الكفر المحض من المشركين وأهل
الكتاب ، وبسط هذه الأمور له موضع آخر .
والمقصود هنا أن ((القدرية المجبرة)) من جنس المشركين كما أن
((النافية)) من جنس المجوس ، وأن المجبرة ما عندهم سوى القدرة
والمشيئة فى نفس الأمر ، والنافية تنفي القدرة العامة والمشيئة التامة ،
وتزعم أنها تثبت الحكمة والعدل ، وفي الحقيقة كلاهما ناف للحكمة
والعدل والمشيئة والقدرة ، كما قد بسط فى مواضع .
وأولئك يتعلقون بقوله : (لَا يُسْئَلُ عَمَّايَفْعَلُ ) و (اللَّهُ يَفْعَلُ مَايَشَآءُ)،
وهذا ذكره الله إثباتاً لقدرته لا نفياً لحكمته وعدله؛ بل
بين سبحانه أنه يفعل ما يشاء فلا أحد يمكنه أن يعارضه إذا شاء
شيئاً بل هو قادر على فعل ما يشاء ؛ بخلاف المخلوق الذي يشاء أشياء
كثيرة ولا يمكنه أن يفعلها ؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم
فى الحديث الصحيح: (( لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت،
اللهم ارحمني إن شئت؛ فإن الله لا مكره له، ولكن ليعزم المسألة)»
٢٢٥

وذلك أنه إنما يقال : افعل كذا إن شئت لمن قد يفعله مكرهاً فيفعل
ما لا يريد لدفع ضرر الإكراه عنه والله تعالى لا مكره له فلا
يفعل إلا ما يشاء، فقوله تعالى: ( إِنَّاللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ) و(يَغْفِرُ
لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ) ونحو ذلك هو لإثبات قدرته على مايشاء
وهذا رد لقول القدرية النفاة الذين يقولون إنه لم يشأ كل ما كان ،
بل لا يشاء إلا الطاعة ، ومع هذا فقد شاءها ولم تكن ممن عصاه ،
وليس هو قادراً عندم على أن يجعل العبد لا مطيعاً ولا عاصياً .
فهذه الآيات التى يحتج بها المجبرة تدل على فساد مذهب النفاة،
كما أن الآيات التى يحتج بها النفاة التى تدل على أنه حكم عادل لا يظلم
مثقال ذرة وأنه لم يخلق الخلق عبئاً ونحو ذلك تدل على فساد قول
المجبرة ، وليس فى هذه الآيات ولا هذه ما يدل على صحة قول واحدة
من الطائفتين ؛ بل ما يحتج به كل طائفة يدل على فساد مذهب
الأخرى ، وكلا القولين باطل ، وهذا هو الذي نهى عنه النبى صلى
اللّه عليه وسلم فى الحديث الذي فى المسند وغيره وبعضه في صحيح
مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم (( أنه خرج
على أصحابه وهم يتارون في القدر . هذا يقول ألم يقل الله كذا ؟
وهذا يقول ألم يقل الله كذا؟ فكأما فقى فى وجهه حب الرمان ،
فقال: ((أبهذا أمرتم ؟ أم إلى هذا دعيتم أن تضربوا كتاب الله بعضه
ببعض ؟)) ولهذا قال أحمد فى بعض مناظرته لمن صار يضرب الآيات
٢٢٦

بعضها ببعض : إنا قد نهينا عن هذا .
فمن دفع نصوصا يحتج بها غيره لم يؤمن بها بل آمن بما يحتج صار
ممن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض .
وهذا حال أهل الأهواء م مختلفون فى الكتاب، مخالفون للكتاب،
متفقون على مخالفة الكتاب ، وقد تركوا كلهم بعض النصوص وهو ما يجمع
تلك الأقوال . فصاروا كما قال عن أهل الكتاب: (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ
إِنَّا نَصَرَىّ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظّا مِّمَاذُكْرُ واْ بِهِ، فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ
وَاْلْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ اَلْفِيَامَةِ ).
فإذا ترك الناس بعض ما أنزل الله وقعت بينهم العداوة والبغضاء إذ
لم يبق هنا حق جامع يشتركون فيه ؛ بل تقطعوا أمرهم بينهم زبرا ،
كل حزب بما لديهم فرحون وهؤلاء كلهم ليس معهم من الحق الإ ما
وافقوا فيه الرسول ، وهو ما تمسكوا به من شرعه مما أخبر به وما أمر
به ، وأما ما ابتدعوه فكله ضلالة كما قال صلى الله عليه وسلم: ((وإياكم
ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة )) وقد تكون تلك البدعة أعظم
عندم مما أخذوا به من الشرعة يجعلون تلك هي ((الأصول العقلية))
كالقدرية المجبرة والنفاة فكلاهما يجعل ما أحدثوه من الكلام في الأصول
- وهو الذي يسمونه العقليات - أعظم عندم مما تلقوه من الشرع؛
فالمعتزلة يجعلون العقليات هي الخبريات والأمريات جميعا كالواجبات الشرعية
٢٢٧

لكن يقولون أيضا إن الشرع أوجبها، ولكن لهم فيها تخليط ليس
هذا موضعه .
وكذلك ما ابتدعوه في الخبريات كإثبات حدوث العالم بطريقة الأعراض
واستلزامها للأجسام ، وهم ينفون الصفات والقدر ، ويسمون ذلك
((التوحيد، والعدل)).
وجهم بن صفوان وأتباعه م أعظم نفيا منهم فإنهم ينفون الأسماء
مع الصفات ، وم رؤوس المجبرة ، والأشعرية وافقتهم فى الجبر ؛ لكن نازعوم
نزاعا لفظيا فى إثبات الكسب والقدرة عليه، وم يرون أن هذه الأصول
العقلية - وهي العلم بما يجب للرب ويمتنع عليه وما يجوز عليه من
الأفعال - هي أعظم العلوم وأشرفها ، وأنهم برزوا بها على الصحابة ،
وأن النبى لم يعلمها الصحابة : إما لكونه وكلها إلى استنباط الأمة ، وإما
لكون الصحابة كانوا مشغولين عنها بالجهاد ، وإما لكونه قال لهم في ذلك
ما لم يبلغوه ، ولم يشغلهم بالأدلة لاشتغالهم بالجهاد.
وهذه هي ((الأصول العقلية)) التى يعتمدون عليها م ومن يوافقهم
كالقاضي أبي يعلى وأبي المعالي وأبي الوليد الباجي تبعا للقاضي أبى بكر
وأمثاله ، وهو وأتباعه يناقضون عبد الجبار وأمثاله، كما ناقض الأشعري
وأمثاله أبا علي وأبا القاسم .
٢٢٨

وكل الأصول العقلية التى ابتدعها هؤلاء وهؤلاء باطلة فى العقل
والشرع ، وإن كانت كل واحدة من الطائفتين تعتقد أنها من أعظم الدين
ويقدمونها على الأصول الشرعية، فإنهم فى ذلك بمنزلة ما يعظمه العباد
والزهاد والفقراء والصوفية من الخوارق الشيطانية ويفضلونها على العبادات
الشرعية ، والعبادات الشرعية هي التى معهم من الإسلام ، وتلك كلها
باطلة ، وإن كانت أعظم عندهم من العبادات ، حتى يقولوا: نهاية الصوفي
ابتداء الفقيه، ونهاية الفقيه ابتداء الموله. وكذلك صاحب ((منازل
السائرين)) يذكر فى كل باب ثلاث درجات، فالأولى وهي أهونها عندم توافق
الشرع فى الظاهر ، والثانية قد توافق الشرع وقد لا توافق ، والثالثة
فى الأغلب تخالف؛ لاسيما في ((التوحيد)) و((الفناء)) و((الرجاء)) ونحو
ذلك ، وهذا الذي ابتدعوه هو أعظم عندم مما وافقوا فيه الرسل ،
وكثير من العباد يفضل نوافله على أداء الفرائض، وهذا كثير والله أعلم.
والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما
كثيرا والحمد لله رب العالمين.
٢٢٩

وسئل شيخ الإسلام
قدس الله روحه(١)
عن طائفة من المتفقرة يدعون أن للقرآن باطناً ، وأن لذلك الباطن
باطناً إلى سبعة أبطن ، ويروون فى ذلك حديثاً أن النبى صلى الله عليه
وسلم قال (( للقرآن باطن، والباطن باطن إلى سبعة أبطن)) ويفسرون
القرآن بغير المعروف عن الصحابة والتابعين والأئمة من الفقهاء .
ويزعمون أن علياً قال: لو شئت لأوقرت من تفسير فاتحة الكتاب
كذا وكذا حمل جمل ، ويقولون : إنما هو من علمنا إذ هو اللدني .
ويقولون كلاماً معناه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خص
كل قوم بما يصلح لهم ، فإنه أمر قوماً بالإمساك ، وقوماً بالإنفاق ،
وقوماً بالكسب ، وقوماً بترك الكسب . ويقولون : إن هذا ذكرته
أشياخنا فى ((العوارف)) وغيره من كتب المحققين ، وربما ذكروا أن
(١) تسمى : رسالة في علم الباطن والظاهر .
٢٣٠

حذيفة كان يعلم أسماء المنافقين خصه بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم
وبحديث أبي هريرة (( حفظت جرابين )).
ويروون كلاماً عن أبى سعيد الخراز أنه قال : للعارفين خزائن
أودعوها علوماً غريبة يتكلمون فيها بلسان الأبدية ، يخبرون عنها بلسان
الأزلية، ويقولون : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
((إن من العلم كهيئة المخزون لا يعلمه إلا العلماء بالله، فإذا نطقوا به لم
ينكره إلا أهل الغرة بالله)). فهل ما ادعوه صحيحاً أم لا؟.
فسيدى يبين لنا مقالاتهم ؛ فإن المملوك وقف على كلام لبعض
العلماء ذكر فيه أن الواحدي قال : ألف أبو عبد الرحمن السلمي كتابا
سماه (« حقائق التفسير)) إن صح عنه فقد كفر ، ووقفت على هذا
الكتاب فوجدت كلام هذه الطائفة منه أو ما شابهه ، فما رأي سيدي
فى ذلك؟ وهل صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((للقرآن
باطن )) الحديث يفسرونه على ما يرونه من أذواقهم ومواجيده المردودة
شرعا ؟ أفتونا مأجورين .
فأجاب الشيخ - رضي الله عنه - الحمد لله رب العالمين.
أما الحديث المذكور فمن الأحاديث المختلفة التى لم يروها أحد
٢٣١

من أهل العلم ، ولا يوجد فى شيء من كتب الحديث ؛ ولكن يروى
عن الحسن البصري موقوفاً أو مرسلا (( أن لكل آية ظهراً وبطناً
وحداً ومطلعاً)) وقد شاع في كلام كثير من الناس: (( علم الظاهر،
وعلم الباطن))، و ((أهل الظاهر، وأهل الباطن )). ودخل فى هذه
العبارات حق وباطل .
وقد بسط هذا في غير هذا الموضع ؛ لكن نذكر هنا جملا من
ذلك فنقول :
قول الرجل: ((الباطن)) إما أن يريد علم الأمور الباطنة مثل
العلم بما فى القلوب من المعارف والأحوال والعلم بالغيوب التى أخبرت بها
الرسل ، وإما أن يريد به العلم الباطن ، أي الذي يبطن عن فهم أكثر
الناس ، أو عن فهم من وقف مع الظاهر ونحو ذلك .
فأما الأول فلا ريب أن العلم منه ما يتعلق بالظاهر . كأعمال
الجوارح ، ومنه ما يتعلق بالباطن كأعمال القلوب ، ومنه ما هو علم
بالشهادة ، وهو ما يشهده الناس بحواسهم ، ومنه ما يتعلق بالغيب، وهو
ما غاب عن إحساسهم .
وأصل الإيمان هو الإيمان بالغيب ، كما قال تعالى: (الّ *
٢٣٢

والغيب
ذَلِكَ الْكِتَبُ لَرَيْبَ فِيهِ هُدَى لِّلْنَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيِْ)
الذي يؤمن به ما أخبرت به الرسل من الأمور العامة ، ويدخل فى
ذلك الإيمان بالله وأسمائه وصفاته، وملائكته والجنة، والنار ، فالإيمان
باللّه وبرسله وباليوم الآخر يتضمن الإيمان بالغيب ؛ فإن وصف الرسالة
هو من الغيب ، وتفصيل ذلك هو الإيمان بالله وملائكته، وكتبه
ورسله ، واليوم الآخر ، كما ذكر الله تعالى ذلك فى قوله: (وَلَكِنَّ
الْبِّمَنْءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِ وَالْمَلَبِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَّبِنَ )
وقال : (وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَئِكَتِهِ، وَكُنُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاَلْيَّوْمِ اَلْآَخِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلًا
بَعِيدًا ) .
والعلم بأحوال القلوب . - كالعلم بالاعتقادات الصحيحة والفاسدة،
والإرادات الصحيحة والفاسدة ، والعلم بمعرفة الله ومحبته ، والإخلاص له
وخشيته، والتوكل عليه، والرجاء له ، والحب فيه والبغض فيه ، والرضا
بحكمه والإنابة إليه ، والعلم بما يحمد ويذم من أخلاق النفوس ، كالسخاء
والحياء ، والتواضع والكبر ، والعجب والفخر ، والخيلاء ، وأمثال ذلك
من العلوم المتعلقة بأمور باطنة في القلوب ونحوه - قد يقال : له :
(علم الباطن)) أي علم بالأمر الباطن ، فالمعلوم هو الباطن، وأما
العلم الظاهر فهو ظاهر يتكلم به ويكتب، وقد دل على ذلك الكتاب
والسنة ، وكلام السلف وأتباعهم ، بل غالب آي القرآن هو من هذا
٢٣٣

( شِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدَّى وَرَحْمَةٌ
العلم ؛ فإن الله أنزل القرآن
لِلْمُؤْمِنِينَ ) . بل هذا العلم هو العلم بأصول الدين ؛ فإن اعتقاد القلب
أصل لقول اللسان ، وعمل القلب أصل لعمل الجوارح ، والقلب هو
ملك البدن ، كما قال أبو هريرة - رضي الله عنه - القلب ملك
والأعضاء جنوده ، فإذا طاب الملك طابت جنوده ، وإذا خبث الملك
خبلت جنوده ، وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه
قال: ((ألا وإن فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد
وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ، ألا وهي القلب)).
ومن لم يكن له علم بما يصلح باطنه ويفسده ، ولم يقصد صلاح
قلبه بالإيمان ودفع النفاق كان منافقاً إن أظهر الإسلام ؛ فإن الإسلام
يظهره المؤمن والمنافق وهو علانية ، والإيمان في القلب ، كما فى المسند
عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الإسلام علانية والإيمان
في القلب)) وكلام الصحابة والتابعين والأحاديث والآثار فى هذا
أكثر منها فى الإجارة والشفعة والحيض والطهارة بكثير كثير ؛ ولكن
هذا العلم ظاهر موجود مقول باللسان ، مكتوب فى الكتب ؛
ولكن من كان بأمور القلب أعلم كان أعلم به وأعلم بمعانى
القرآن والحديث .
وعامة الناس يجدون هذه الأمور في أنفسهم ذوقاً ووجداً فتكون
٢٣٤

محسوسة لهم بالحس الباطن ؛ لكن الناس في حقائق الإيمان متفاضلون
تفاضلا عظيما ، فأهل الطبقة العليا يعلمون حال أهل السفلى من غير
عكس ، كما أن أهل الجنة فى الجنة ينزل الأعلى إلى الأسفل ، ولا يصعد
الأسفل إلى الأعلى ، والعالم يعرف الجاهل ؛ لأنه كان جاهلا والجاهل
لا يعرف العالم لأنه لم يكن عالماً ؛ فلهذا كان في حقائق الإيمان الباطنة
وحقائق أنباء الغيب التى أخبرت بها الرسل ما لا يعرفه إلا خواص
الناس ، فيكون هذا العلم باطناً من جهتين : من جهة كون المعلوم
باطناً ، ومن جهة كون العلم باطناً لا يعرفه أكثر الناس . ثم إن هذا
الكلام فى هذا العلم يدخل فيه من الحق والباطل ما لا يدخل فى
غيره ، فما وافق الكتاب والسنة فهو حق ، وما خالف ذلك فهو باطل
كالكلام فى الأمور الظاهرة .
فصل
وأما إذا أريد بالعلم الباطن العلم الذي يبطن عن أكثر الناس أو
عن بعضهم فهذا على نوعين :
((أحدهما)) باطن يخالف العلم الظاهر. و((الثانى)) لا يخالفه.
٢٣٥

فأما الأول فباطل ؛ فمن ادعى علماً باطنا أو علماً بباطن وذلك
يخالف العلم الظاهر كان مخطئاً ، إما ملحداً زنديقاً وإما جاهلا ضالا .
وأما الثانى فهو بمنزلة الكلام فى العلم الظاهر قد يكون حقاً ،
وقد يكون باطلا فإن الباطن إذا لم يخالف الظاهر لم يعلم بطلانه من
جهة مخالفته للظاهر المعلوم ، فإن علم أنه حق قبل ، وإن علم أنه باطل
رد وإلا، أمسك عنه ، وأما الباطن المخالف للظاهر المعلوم فمثل ما يدعيه
الباطنية القرامطة من الإسماعيلية والنصيرية وأمثالهم ، ممن وافقهم من
الفلاسفة وغلاة المتصوفة والمتكلمين .
وشر هؤلاء القرامطة فإنهم يدعون أن للقرآن والإسلام باطناً
يخالف الظاهر؛ فيقولون: ((الصلاة)) المأمور بها ليست هذه الصلاة،
أو هذه الصلاة إنما يؤمر بها العامة ، وأما الخاصة فالصلاة فى حقهم
معرفة أسرارنا، و((الصيام)) كتمان أسرارنا، و((الحج)) السفر إلى
زيارة شيوخنا المقدسين، ويقولون: إن ((الجنة)) للخاصة : هي التمتع
في الدنيا باللذات، و ((النار)) هي التزام الشرائح والدخول تحت
أثقالها، ويقولون: إن ((الدابة)) التى يخرجها الله للناس هي العالم
الناطق بالعلم في كل وقت، وإن (( إسرافيل )) الذي ينفخ فى الصور
هو العالم الذي ينفخ بعلمه فى القلوب حتى محيا، و ((جبريل)) هو
العقل الفعال الذي تفيض عنه الموجودات ، و((القلم)) هو العقل الأول
٢٣٦

الذي تزعم الفلاسفة أنه المبدع الأول ، وأن الكواكب والقمر والشمس
التى رآها إبراهيم هي النفس والعقل وواجب الوجود ، وأن الأنهار
الأربعة التى رآها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج هي العناصر
الأربعة ، وأن الأنبياء التى رآها فى السماء هي الكواكب . فآدم هو
القمر ، ويوسف هو الزهرة، وإدريس هو الشمس ، وأمثال هذه الأمور .
وقد دخل فى كثير من أقوال هؤلاء كثير من المتكلمين
والمتصوفين؛ لكن أولئك القرامطة ظاهرم الرفض وباطهم
الكفر المحض ، وعامة الصوفية والمتكلمين ليسوا رافضة يفسقون الصحابة
ولا يكفرونهم ؛ لكن فيهم من هو كالزيدية الذين يفضلون علياً على
أبى بكر ، وفيهم من يفضل علياً فى العلم الباطن كطريقة الحربى وأمثاله،
ويدعون أن علياً كان أعلم بالباطن ، وأن هذا العلم أفضل من جهته،
وأبو بكر كان أعلم بالظاهر . وهؤلاء عكس محققي الصوفية وأئمتهم ،
فإنهم متفقون على أن أعلم الخلق بالعلم الباطن هو أبو بكر الصديق .
وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن أبا بكر أعلم الأمة بالباطن والظاهر،
وحكى الإجماع على ذلك غير واحد .
وهؤلاء الباطنية قد يفسرون: (وَكُلَّ شَىْ ءٍأَحْصَيْنَهُ فِىِإِمَاءِقُّبِينٍ )
أنه علي، ويفسرون قوله تعالى: ( تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ ) بأنهما أبو
بكر وعمر، وقوله : (فَقَئِلُواْ أَيِنَّةَ الْكُفْرِ ) أنهم طلحة والزبير ،
٢٣٧

و (الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِ الْقُرْءَانِ ) بأنها بنو أمية .
وأما باطنية الصوفية فيقولون فى قوله تعالى: ( أَذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ )
إنه القلب، و (إِنَّاللَّهَ يَأْمُرُ كُمْ أَن تَذْ بَحُواْبَقَرَةً ) إنها النفس ، ويقول
أولئك هي عائشة ، ويفسرون هم والفلاسفة تكليم موسى بما يفيض عليه
من العقل الفعال أو غيره ، ويجعلون ( خلع النعلين ) ترك الدنيا
والآخرة، ويفسرون (الشجرة) التى كلم منها موسى و (الوادي المقدس)
ونحو ذلك بأحوال تعرض للقلب عند حصول المعارف له، وممن سلك
ذلك صاحب («مشكاة الأنوار)) وأمثاله، وهي مما أعظم المسلمون إنكاره
عليه، وقالوا أمرضه ((الشفاء))، وقالوا: دخل في بطون الفلاسفة ، ثم
أراد أن يخرج فما قدر ، ومن الناس من يطعن في هذه الكتب ،
ويقول : إنها مكذوبة عليه ، وآخرون يقولون : بل رجع عنها ، وهذا
أقرب الأقوال ؛ فإنه قد صرح بكفر الفلاسفة فى مسائل ، وتضليلهم
فى مسائل أكثر منها ، وصرح بأن طريقتهم لا توصل إلى المطلوب .
وباطنية الفلاسفة يفسرون الملائكة والشياطين بقوى النفس ،
وما وعد الناس به فى الآخرة بأمثال مضروبة لتفهيم ما يقوم بالنفس بعد
الموت من اللذة والألم ، لا يإثبات حقائق منفصلة يتنعم بها ويتألم بها ،
وقد وقع في هذا الباب فى كلام كثير من متأخري الصوفية، ما لم يوجد
مثله عن أئمتهم ومتقدميهم ، كما وقع في كلام كثير من متأخري أهل
٢٣٨

الكلام والنظر من ذلك ما لا يوجد عن أمتهم ومتقدمیهم .
وهؤلاء المتأخرون - مع ضلالهم وجهلهم - يدعون أنهم أعلى
وأعرف من سلف الأمة ومتقدميها ، حتى آل الأمر بهم إلى أن جعلوا
الوجود واحداً ، كما فعل ابن عربى صاحب الفصوص وأمثاله فإنهم
دخلوا من هذا الباب حتى خرجوا من كل عقل ودين ، وهم يدعون
مع ذلك أن الشيوخ المتقدمين: كالجنيد بن محمد ، وسهل بن عبد الله
التستري ، وإبراهيم الخواص ، وغيرهم ماتوا وما عرفوا التوحيد ،
وينكرون على الجنيد وأمثاله إذا ميزوا بين الرب والعبد كقوله :
((التوحيد)) إفراد الحدوث عن القدم . ولعمري إن توحيدهم الذي جعلوا
فيه وجود المخلوق وجود الخالق هو من أعظم الإلحاد الذي أنكر.
المشايخ المهتدون ، وهم عرفوا أنه باطل فأنكروه وحذروا الناس منه،
وأمروهم بالتمييز بين الرب والعبد ، والخالق والمخلوق ، والقديم
والمحدث ، وأن التوحيد أن يعلم مباينة الرب لمخلوقاته وامتيازه عنها ،
وأنه ليس فى مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته.
ثم إنهم يدعون أنهم أعلم باللّه من المرسلين ، وأن الرسل إنما
تستفيد معرفة الله من مشكاتهم ، ويفسرون القرآن بما يوافق باطنهم
الباطل ، كقوله: ( مِّمَّا خَطِيّعَنِهِمْ ) فهي التى خطت بهم فغرقوا فى بحار
العلم بالله، وقولهم إن العذاب مشتق من العذوبة ، ويقولون: إن
٢٣٩

كلام نوح فى حق قومه ثناء عليهم بلسان الذم ، ويفسرون قوله
تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُ واْسَوَاءُ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَّهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ)
بعلم الظاهر ، بل ( خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) فلا يعلمون غيره، (وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَىَ
أَبْصَرِهِمْ ) فلا يسمعون من غيره ولا يرون غيره ، فإنه لا غير له فلا
يرون غيره. ويقولون فى قوله: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُ وَأْإِلَّ إِيَّاهُ )
أن معناه قدر ذلك لأنه ليس ثم موجود سواه ، فلا يتصور أن يعبد
غيره ، فكل من عبد الأصنام والعجل ما عبد غيره ، لأنه ماثم غير ،
وأمثال هذه التأويلات والتفسيرات التى يعلم كل مؤمن وكل يهودي
ونصرانى علماً ضرورياً أنها مخالفة لما جاءت به الرسل ، كموسى وعيسى
ومحمد صلى الله عليهم أجمعين.
وجماع القول فى ذلك أن هذا الباب نوعان :
((أحدهما)) أن يكون المعنى المذكور باطلا ؛ لكونه مخالفاً لما على،
فهذا هو في نفسه باطل ، فلا يكون الدليل عليه إلا باطلا ؛ لأن الباطل
لا يكون عليه دليل يقتضي أنه حق .
و ((الثاني)) ما كان في نفسه حقاً ، لكن يستدلون عليه من
القرآن والحديث بألفاظ لم يرد بها ذلك ، فهذا الذي يسمونه
((إشارات))، و((حقائق التفسير)) لأبى عبد الرحمن فيه من هذا الباب
شيء كثير .
٢٤٠