Indexed OCR Text

Pages 541-560

وهو أن هذا الكلام الملفوظ هو كلامه بنظمه وتأليفه - لصدقه الناس .
وإن قال: هذا لفظه بمعنى أن هذا بلفظه كذبه الناس؛ فإن ((اللفظ))
يراد به المصدر، ويراد به الملفوظ، وكذلك ((التلاوة)) و((القراءة))
ويتلى .
يراد بذلك المصدر ويراد به الكلام نفسه
وأصل هذا أن تعلم الجامع والفارق بينمع الكلام من المتكلم
به ، ومن المبلغ له عن المتكلم به ، وأنه كلامه فى الحالين ؛ لكن هو
فى أحدهما مسموع منه سماعا مطلقاً بغير واسطة ، وفى الأخرى مسموع
منه سماعا مقيداً بواسطة التبليغ ، كما أنك تارة ترى الشمس والقمر
والكواكب بطريق المباشرة ، فلا تحتاج فى ذلك إلى واسطة ، وتارة
تراها فى ماء أو مرآة ونحو ذلك ؛ تراها بواسطة ذلك الجسم الشفاف،
فهي المقصودة بالرؤية فى الموضعين ؛ لكن فى إحدى الحالتين رأيتها
نفسها بالمباشرة رؤية مطلقة ، وفي الأخرى رأيتها رؤية
مقيدة بواسطة .
وإذا قلت : المرئي مثالها أو خيالها أو نحو ذلك . قيل: أنت
تجد الفرق بين رؤيتك خيال الشيء الذي هو ظله وتمثاله الذي هو
صورته المصورة ، وبين رؤيته فى الماء والمرآةَ ؛ إذا كان المرئى هنا ،
وإن كان لابد فيه من توسط خيال فالمقصود بالرؤية هو الحقيقة؛ ولكن
تختلف باختلاف المرآة، فيرى كبيراً إن كانت المرآة كبيرة ، وصغيراً
٥٤١

إن كانت المرآة صغيرة ، ومستطيلا إن كانت المرآة مستطيلة . وهذا
الكلام المروي عن الغير المقصود منه هو نفس كلام ذلك الغير ، وإن
كان لا بد من توسط صوت هذا المبلغ ؛ ولهذا يختلف باختلاف صوت
المبلغ : فتارة يكون رأيقاً ونارة غليظا، ونارة مجهوراً به ، وتارة
مخافتاً به .
فإن قلت : فهذا المسموع مثل كلام المروي عنه ، أو حكاية كلام
المروي عنه ، كما أطلق ذلك طائفة من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم،
كان إطلاق هذا خطأ ، كما أنك إذا قلت لما تراه فى الماء والمرآة هذا
مثل الشمس ، أو هذا يحكى الشمس : كان إطلاق ذلك خطأ ، قال
تعالى: ( قُل لَّيِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ )
الآية ، فقد بين عجز الخلائق عن الإتيان بمثله ، مع أنهم قادرون
على تبليغه وتلاوته ؛ فعلم أن هذا المسموع لا يقال إنه مثل كلام
الله، كما سماء كلامه؛ لكنه كلامه بواسطة المبلغ لا بطريق
المباشرة .
والله سبحانه قد فرق بين التكليمين . فقال تعالى: (وَمَا كَانَ
لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَآبٍحَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ، مَايَشَآءُ)
ففرق بين تكليمه من وراء حجاب كما كلمه موسى - وبين تكليمه
بإرساله رسولا يوحي بإذنه؛ ذاك تكليم بلا واسطة، وهذا تكليمه بواسطة .
٥٤٢

وإن قلت : لما يبلغه المبلغ عن غيره هذا حكاية كلام ذلك كان
الإطلاق خطأ، فإن لفظ ((الحكاية)) إذا أطلق يراد به أنه أتى
بكلام يشبه كلامه ، كما يقال : هذا يحاكي هذا ، وهذا قد حكى هذا؛
لكن قد يقال : فلان قد حكى هذا الكلام عن فلان . كما يقال: رواه
عنه ، وبلغه عنه ، ونقله عنه ، وحدث به عنه ؛ ولهذا يجيء فى الحديث
عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه . فكلما بلغه النبى
صلى الله عليه وسلم عن اللّه فقد حكاه عنه، ورواه عنه.
فالقائل إذا قال للقارئ هذا يحكي كلام الله ، أو يحكي القرآن ،
فقد يفهم منه أنه يأتى بكلام يحاكي به كلام اللّه، وهذا كفر. وإن
أراد أنه بلغه وتلاه فالمعنى صحيح ؛ لكن ينبغي تعبيره بما لا يدل على معنى باطل،
فيقول : قرأه وتلاه، وبلغه وأداه ؛ ولهذا إذا قيل: يحكى القراءات
السبع، ويرويها ، وينقلها ، لم ينكر ذلك؛ لأنه لا يفهم منه إلا تبليغها؛
لا أنه يأتى بمثلها .
٥٤٣

فصل
إذا تبين ذلك . فيقال : هذا القرآن الذي نقرأه ونبلغه ونسمعه
هو كلام الله الذي تكلم به ، ونزل به منه روح القدس، كما قال تعالى:
(فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانُّ عَلَى الَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَ عَلَى رَبِّهِمْ يَنَّوَثَلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَنَّوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ،
مُشْرِكُونَ * وَ إِذَابَدَّلْنَآءَايَةً مَكَانَ ءَايَةٌ وَلَهُأَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّدُ قَالُواْ إِنَّمَآَ
أَنْتَ مُفْتَرِ بَلْ أَكْثَرُهُوْلَا يَعْلَمُونَ * قُلْ نَزَّلَهُ رُوعُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِ لِيُنَّبِتَ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهُدَّى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ * وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا
يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَذَا لِسَانُ عَرَبِئٌ مُبِكُ)
فهذا الكلام فى القرآن الذي قالوا : إنما يعلمه إياه بشر ، وقد أبطل
الله ذلك بقوله : ( لِسَابُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَذَا لِسَانُ عَرَبِىٌ
شُبِينٌ)
فدل على أن المراد
به نفس القرآن العربى ، الذي يمتنع أن يعلمه إياه ، ذلك الأعجمي ،
الذي ألحدوا إليه . وقد قيل : إنه رجل بمكة مولى لابن الحضرمي ،
والمعاني المجردة لا يمتنع تعلمها من الأعجمي ، بخلاف هذا القرآن
العربى ، فدل أن هذا القرآن نزله روح القدس من الله تبارك وتعالى.
٥٤٤

( وَاُلَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ
ومثله قوله تعالى فى الآية الأخرى :
اُلْكِتَبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقّ) وهذا الكلام صفة الله تعالى،
وأما ما اختص قيامه بنا ؛ من حركاتنا وأصواتنا ، وفهمنا وغير ذلك من
صفاتنا ، فلم يقم منه شيء بذات الله سبحانه ، كما أن ما اختص الرب
تعالى بقيامه به لم ينتقل عنه ، ولم يقم بغيره لا هو ولا مثله ؛ فإن
المخلوق إذا سمع من المخلوق كلامه وبلغه عنه كان ما بلغه هو كلامه ،
كما تقدم قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((نضر الله امرءاً سمع منا
حديثاً فبلغه كما سمعه )) مع أن ما قام بالنبي صلى الله عليه وسلم - بباطنه
من العلم والإرادة وغيرهما، وبظاهره من الحركة والصوت وغيرها - لم
ينتقل عنه ، ولم يقم بغيره ؛ بل جميع صفات المخلوقين لا تفارق ذواتهم
وتنتقل عنهم ، فكيف يجوز أن يقال : إن صفة الخالق فارقت ذاته
فانتقلت عنه ؟
والمتعلم إذا أخذ على المعلم ونقله عنه لم يفارق ذات الأول ، وينتقل
عنها إلى الثانى ؛ بل نفس الحقيقة العلمية حصلت له مثل ما حصلت لمعلمه
أو ليس مثله بل يشبهه ؛ ولهذا يشبه العلم بضوء السراج ، كل أحد
يقتبس منه وهو لم ينقص . ومن المعلوم أن من أوقد من مصباح غيره
فإنه لم ينتقل إلى سراجه شيء من جرم تلك النار ، ولا شيء من صفاتها
القائمة بها ؛ بل جعل الله بسبب ملاصقة النار ذلك ناراً مثل تلك
٥٤٥

فالحقيقة النارية موجودة ، وإن كانت هذه العين ليست تلك ؛ لكن
النار والعلم ليس هو مثل الكلام الذي يبلغ عن الغير ؛ بل هو مثل
أن يسمع بعض الناس كلام غيره ، وشعر غيره ، فيقول من جنس
ما قال ، ويقول كما قال غيره مثله. كما يقال: وقع الخاطر على الخاطر
كوقع الحافر على الحافر ، وليس هذا من التبليغ والرواية فى شيء ،
فإن قول القائل :
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
هو كلام ليد كيف ما أنشده الناس وكتبوه ؛ فهذا الشعر الذي
ينشده هو شعر لبيد بعينه . فإذا قيل : الشعر الذي قام بنا هو الذي
قام بلبيد . قيل : إن أريد بذلك أن الشعر من حيث هو هو إن أريد
أن نفس ما قام بذاته فارق ذاته وانتقل إلينا ؛ فليس كذلك ، وكذلك
إن أريد أن عين الصفة المختصة بذلك الشخص كحركته وصوته هي عين
الصفة المختصة بنا ، كحركتنا وصوتنا فليس كذلك .
فقولك: هذا هو هذا لفظ فيه إجمال يدينه السياق . فإذا قلت : هذا
الكلام هو ذاك ، أو هذا الشعر هو ذاك ، كنت صادقا . وإذا قلت
هذا الصوت هو ذاك كان كذبا .
والناس لا يقصدون إذا قالوا : هذا شعر لبيد إلا القدر المتحد ،
٥٤٦

وهي الحقيقة من حيث هي ، مع قصر النظر عما اختص به أحدهما .
فإن قيل : القدر المتحد كلي مطلق ، والكليات إنما توجد فى
الأذهان لا فى الأعيان . قيل : ذكر هذا هنا غلط ، فإن هذا إنما
يقال لو كان رجل قد قال شعر لبيد من غير أن يعلم بشعره . فنقول :
هذان شيئان اشتركا في النوع الكلي ، وامتاز أحدهما عن الآخر بما
يخصه ، والكلي إنما يوجد كلياً فى الذهن لا فى الخارج ، وأما هنا
فنفس شعره كان له وجود فى الخارج ، والمقصود من الحقيقة الكلامية
- مع قطع النظر عن صوت زيد وصوت عمرو - موجود لما تكلم به
لبيد ، وموجود إذا أنشده غير لبيد ، وتلك الحقيقة المتحدة موجودة
هنا وهنا ؛ ليست مثل وجود الإنسانية فى زيد وعمرو وخالد ؛ فإن
إنسانية زيد ليست إنسانية عمرو بل مثلها ، والمشترك بينهما لا يوجد فى
الخارج ، وهنا نفس الكلام الذي تكلم به لبيد تكلم به المنشد عنه ،
ولا يقال: إنه أنشأ مثله ، ولا أنشد مثله ، بل يقال : أنشد
شعره بعينه .
لكن الشعر عرض ، والعرض لا يقوم إلا بغيره ؛ فلا بد أن يقوم
إما بلبيد وإما بغيره ، والقائم به وإن كان [ ليس ] مثل القائم بغيره ؛
لكن المقصود بهما واحد . فالتمائل والتغاير في الوسيلة ، والاتحاد فى
الحقيقة المقصودة ، وتلك الحقيقة هي إنشاء لبيد لا إنشاء غيره ، والعقلاء
٥٤٧

يعلمون أنه ليس نفس الصوت المسموع من لبيد هو نفس الصوت
المسموع من المنشد ؛ لكن نفس المقصود بالصوت هو الكلام ؛ فإن
الصوت واسطة فى تبليغه ؛ ولهذا ما كان فى الصوت من مدح وذم كان
للمبلغ ، وما كان في الكلام من مدح وذم كان للمتكلم المبلغ عنه فى
لفظه ونظمه ومعناه .
وإذا عرف هذا : فقول القائل : هذا القرآن الذي نتلوه ، القائم
بنا حين التلاوة هو كلام اللّه الذي قام به حين تكلم به ، وكان صفة له
أم لا ؟ قيل له : أما الكلام فهو كلام اللّه لا كلامنا ولا غيرنا، وهو
مسموع من المبلغ لا من الله - كما تقدم ـ وهو مسموع بواسطة
سماعا مقيداً ، لا سماعاً من الله مطلقاً - كما تقدم - وليس شيء مما
قام بذاته فارقه وانتقل إلينا ، ولا شيء مما يختص بذواتنا - كركاتنا
وأصواتنا فهو منا - قائماً به .
وأما قوله : هذا القرآن الذي نتلوه القائم بنا حين التلاوة هو
كلام اللّه الذي قام به حين تكلم به؟ فلفظ القيام فيه إجمال ، فإن
أراد أن نفس صفة الرب تكون صفة لغيره ، أو صفة العبد تكون صفة
للرب ، فليس كذلك . وإن أراد أن نفس ما ليس بمخلوق صار مخلوقاً ،
أو ما هو مخلوق صار غير مخلوق ، فليس الأمر كذلك . وإن أراد أن
ما اختص الرب بقيامه به شاركه فيه غيره ، فليس الأمر كذلك . وإن
٥٤٨

أراد أن نفس الكلام كلامه لا كلام غيره فى الحالين - كما تقدم
تقريره - فالأمر كذلك .
وقد علم أن الحال إذا سمع من الله ليس كالحال إذا سمع من خلقه،
وذلك فرق بين الحالين ، وإن كان الكلام واحداً . فإذا كان هذا
الفرق ثابتاً في كلام المخلوق مسموعا ومبلغاً عنه فثبوته فى كلام اللّه أولى
وأحرى ، فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ، ولا فى صفاته ، ولا فى
أفعاله ، ولا يمكن أن يكون تكلمه به وسماعه مما يعرف له نظير ولا مثال،
ولا يقاس ذلك بتكلم النبي صلى الله عليه وسلم، وسماع الكلام منه ؛
فإن النبي صلى الله عليه وسلم بشر، يمكننا أن نعرف صفاته، والرب
تعالى لا مثال له ، وهو أبعد عن مماثلة المخلوقات أعظم من بعد
مماثلة أعظم المخلوقات عن مماثلة أدناها .
وقول السائل : إذا تلوناه ، وقام بنا ، يطلق عليه كلام الله وصفته
أم يطلق عليه كلام اللّه دون صفته ؟ أم في ذلك تفصيل يجب بيانه ؟
فيقال : هو كلام الله وصفته ، مسموعا من المبلغ عنه لا منه ؛
فالنفي والإثبات بدون هذا التفصيل يوم : إما أنه كلام اللّه مسموعا منه،
أو أنه ليس كلام الله . بل كلام المبلغ عنه . وكلا القولين خطأ وقع
في كلام طائفتين من الناس . طائفة جعلت هذا كلام المبلغ عنه؛ لاكلام
٥٤٩

الله . وطائفة قالت : هذا كلام الله مسموعا من الله ، ولم تفرق بين
الحالين ؛ حتى ادعى بعضها أن الصوت المسموع قديم ، وتلك لم يجعله
كلام الله ؛ بل كلام الناس . فهؤلاء يقولون: ليس هذا كلام الله ،
وأولئك يقولون : هذا الصوت المسموع قديم . وكلا القولين خطأ
وضلال ؛ لكن هو كلامه مقيداً بواسطة المبلغ القارئ ، ليس هو
كلامه وصفته مطلقاً عن التقييد مسموعا منه ، وكلام المتكلم يضاف
إليه مطلقاً إذا سمع منه ، ومقيداً إذا سمع من المبلغ عنه ، كما أن
رؤيته يقال : مطلقة إذا رؤي مباشرة . ويقال : مقيدة إذا رؤي
في ماء أو مرآة .
وأما قوله : إذا قام بنا هل كان منتقلا عن اللّه بعد أن قام به أم
يكون قائماً بنا وبه معاً ؟ أم الذي قام بنا يكون عبارة عن كلام الله أو
حكاية عنه ؟ ويكون إطلاق كلام الله عليه مجازاً ؟
فيقال : إن صفة المخلوق لا تفارق ذاته ، وتنتقل عنه وتقوم بغيره ،
فكيف يجوز أن يقال : إن صفة الرب سبحانه فارقت ذاته ، وانتقلت
عنه وقامت بغيره . وقد بينا أن المتكلم منا إذا أرسل غيره بكلام فإنه
ما قام به ؛ بل لم يفارق ذاته وينتقل إلى غيره ؛ فكلام الله أولى
وأحرى ؛ بل كلامه سبحانه قائم به، كما يقوم به لو تكلم به ولم يرسل به
رسولاً ، فإرساله رسولاً به يفيد إبلاغه إلى الخلق . وإزاله إليهم
٥٥٠

لا يوجب نقصاً فى حق الرب ، ولا زوال اقصافه به ، ولا خروجه عن
أن يكون كلامه ؛ بل نعلم أن الرب كما أنه قد يتكلم به ، ولا يرسل به
رسولاً قد يتكلم به ويرسل به رسولا ، فهو فى الحالين كلامه -
سبحانه -؛ بل إرسال الرسول به نفع الخلق ، وهداهم ، ولم يجب
به نقصان صفة مولام .
وقوله : أم يكون قائماً بنا وبه ؟ فيقال : معنى القائم لفظ مجمل ؛
فإن أريد أن نفس الكلام من حيث هو هو تكلم هو به ، وتكلمنا به
مبلغين له عنه ، فكذلك هو . وإن أريد أن ما اختص به يقوم بنا ،
أو ما اختص بنا يقوم به ، فهذا ممتنع . وإن أريد بالقيام أنا بلغنا
كلامه، أو قرأنا كلامه ، أو تلونا كلامه، فهذا صحيح. فكذلك إن
أريد أن هذا الكلام ، كلامه مسموعا من المبلغ لا منه . وإن أريد
بالقيام أن الشيء الذي اختص به هو بعينه قام بغيره مختصاً به فهذا
متنع . وإن قيل : الصفة الواحدة تقوم بموضعين . قيل : هذا أيضاً
مجمل ؛ فإن أريد أن الشيء المختص بمحل يقوم بمحل آخر فهذا ممتع ،
وإن أريد أن الكلام الذي يسمى صفة واحدة يقوم بالمتكلم به ويبلغه
عنه غيره كان هذا صحيحاً .
فهذه المواضع يجب أن تفسر الألفاظ المجملة بالألفاظ المفسرة المبينة،
وكل لفظ يحتمل حقاً وباطلا فلا يطلق إلا مبيناً به المراد الحق دون
٥٥١

الباطل ؛ فقد قيل أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء .
وكثير من نزاع الناس فى هذا الباب هو من جهة الألفاظ المجملة ، التى
يفهم منها هذا معنى يثبته ، ويفهم منها [ الآخر ] معنى ينفيه . ثم النفاة
يجمعون بين حق وباطل ، والمثبتة يجمعون بين حق وباطل .
وأما قوله : أم الذي يقوم بنا يكون عبارة عن كلام الله أو حكاية
عنه . ويكون إطلاق كلام الله عليه مجازاً ؟ فيقال : العبارة عن كلام
الغيب يقال لمن فى نفسه معنى ثم يعبر عنه غيره ، كما يعبر عما فى نفس
الأخرس من فهم مراده، والذين قالوا: (( القرآن عبارة عن كلام اللّه))
قصدوا هذا ، وهذا باطل ؛ بل القرآن العربي تكلم الله به ؛ وجبريل
بلغه عنه .
وأما ((الحكاية)) فيراد بها ما يماثل الشىء، كما يقال: هذا يحاكي
فلاناً إذا كان يأتي بمثل قوله أو عمله ، وهذا ممتنع في القرآن ؛ فإن
اللّه تعالى يقول: (قُل لَِّنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُواْبِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا
الآية . وقد يقال فلان حكى فلان عنه ،
يَأْتُوُنَبِمِثْلِهِ )
أي بلغه عنه ، ونقله عنه . ويجيء فى الحديث أن النبى صلى الله عليه
وسلم قال فيما يحكى عن ربه ، ويقال: إن النبى صلى الله عليه وسلم
روى عن ربه، وحكى عن ربه . فإذا قيل: إنه حكى عن الله بمعنى
أنه بلغ عن الله فهذا صحيح .
٥٥٢

وأما قول القائل : هل يكون كلام اللّه مجازاً؟ فيقال: علامة
المجاز صحة نفيه ونحن نعلم بالاضطرار أن فلاناً لو قال بحضرة الرسول
ليس هذا كلام الله لكان عنده لم يكن متكلماً بالحقيقة اللغوية .
وأيضاً: فهذا موجود فى كل من بلغ كلام غيره ، أنه يقال هذا
كلام المبلغ عنه لا كلام المبلغ، والله أعلم .
سـ
٥٥٣

ما تقول السادة أئمة الدين
في رجلين قال أحدهما: القرآن المسموع كلام اللّه. وقال الآخر:
هو كلام جبرئيل، كما قال تعالى: ( إِنَّهُلَقَوْلُرَسُولِگرِمٍ ) فهل أصاب
أم أخطأ ؟ وما الجواب عما احتج به ؟ وهل هذا القول قاله أحد من
الشيوخ والأئمة أم لا؟ أفتونا مأجورين ؟ .
فأجاب شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه: الحمد لله رب
العالمين؛ بل القرآن كلام الله تعالى، وليس كلام جبرئيل. ولا كلام
محمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا متفق عليه بين الصحابة والتابعين
لهم بإحسان، وأئمة المسلمين وأصحابهم ، الذين يفتى بقولهم في الإسلام
كأبى حنيفة، ومالك، والشافعي ، وأحمد ، وغيرهم .
وجبريل سمعه من الله، وسمعه محمد من جبريل، كما قال تعالى
(قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقّ). وروح القدس هو جبريل،
( وَالَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقّ)
وقال تعالى :
وقال تعالى :
(تَنْزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ)
وقال تعالى :
(حَمَ * تَنزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) فهو منزل من اللّه، كما قال
٥٥٤

تعالى: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبٍ مُّبِينٍ) .
فانه أضافه إليه لأنه
(إِنَّهُوَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ)
وأما قوله تعالى :
بلغه وأداء لا لكونه أحدث منه شيئاً وابتداه ؛ فإنه سبحانه قال في
إحدى الآيتين: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِمِ * وَمَا هُوَبِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّا نُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَّوْلِ
كَاهِنْ قَلِيلًا مَّانَذَكَّرُونَ * نَزِيلٌ مِّن رَّبِّالْعَلَمِينَ )
فالرسول هنا محمد صلى الله عليه وسلم. وقال فى الآية الأخرى: (إِنَّهُ.
لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِ * ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى الْعَشْ مَكِنٍ * ◌ُطَائِ ثَمَّأَمِينٍ)
فالرسول هنا جبريل . والله بصطفى من الملائكة رسلاً ومن الناس ؛
فلو كانت إضافته إلى أحدهما لكونه ألف النظم العربى ، وأحدث منه
شيئاً غير ذلك تناقض الكلام ؛ فإنه إن كان نظم أحدهما لم يكن
نظم الآخر .
وأيضاً فإنه قال: (لَقَوْلُ رَسُولٍ) ولم يقل لقول ملك ولا نبى،
ولفظ الرسول يشعر بأنه مبلغ له عن مرسله ، لا أنه أنشأ من
عنده شيئاً .
ضمير يعود إلى القرآن
(إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ)
وأيضاً فقوله :
٥٥٥

والقرآن يتناول معانيه ولفظه، ومجموع هذا ليس قولا لغير الله
بإجماع المسلمين ، وإطلاق القول بأن القرآن كلام جبريل أو محمد أو
غيرهما من المخلوقين كفر لم يقله أحد من أئمة المسلمين ؛ بل عظم الله
(ذَرْنِ وَمَنْ خَلَقْتُ
الإنكار على من يقول إنه قول البشر ، فقال تعالى:
وَحِيدًا) إلى قوله: (إِنَّهُ فَكََّوَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّقُثِلَ كَيْفَ قَذَّرَ * ثُمَّنَظَرَ *
ثُمَ عَسَ وَسَرَ * ثُمَّأَذَبَرَوَأُسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّاسِرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ *
سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَذْرَكَ مَاسَقَرُ). فمن قال: إن القرآن قول البشر فقد كفر،
وكذلك من قال إنه قول ملك؛ وإنما يقول إنه قول جبريل أحد
رجلين :
إما رجل من الملاحدة والفلاسفة . الذين يقولون : إنه فيض
فاض على نفس النبى من العقل الفعال، ويقولون : إنه جبريل . ويقولون :
إن جبريل هو الخيال الذي يتمثل في نفس النبى صلى الله عليه وسلم .
يقولون: إنه تلقاه معان مجردة ، ثم إنه تشكل فى نفسه حروفاً كما
يتشكل فى نفس النائم ، كما يقول ذلك ابن عربى صاحب ((الفصوص))
وغيره من الملاحدة ؛ ولهذا يدعى أنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه
الملك، الذى يوحى به إلى الرسول، فإن ((المعدن)) عنده هو العقل،
و ((الملك)) هو الخيال الذي في نفسه، والنبى عندم يأخذ من هذا الخيال.
٥٥٦

وهذا الكلام من أظهر الكفر بإجماع المسلمين واليهود والنصارى ،
وهو ما يعلم فساده بالاضطرار من دين المسلمين .
أو رجل ينتسب إلى مذهب الأشعري ، ويظن أن هذا قول
الأشعري؛ بناء على أن الكلام العربى لم يتكلم الله به عنده
وإنما كلامه معنى واحد قائم بذات الرب : هو الأمر والخبر؛
إن عبر عنه بالعربية كان قرآناً ، وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة ،
وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلا ، وهذا القول وإن كان قول ابن
كلاب والقلانسى، والأشعري ونحوهم ، فلم يقولوا : إن الكلام العربى
كلام جبريل ، ومن حكى هذا عن الأشعري نفسه فهو مجازف ، وإنما
قال طائفة من المنتسبين إليه - كما قالت طائفة أخرى - إنه نظم محمد
صلى الله عليه وسلم؛ ولكن المشهور عنه أن الكلام العربى مخلوق،
ولا يطلق عليه القول بأنه كلام اللّه؛ لكن إذا كان مخلوقا فقد يكون
خلقه فى الهواء ، أو في جسم ؛ لكن القول إذا كان ضعيفاً ظهر الفساد
فى لوازمه .
وهذا القول أيضاً لم يقله أحد من الصحابة والتابعين، وأئمة المسلمين
وأصحابهم ، الذين يفتى بقولهم ؛ بل كان الشيخ أبو حامد الإسفرائيني
يقول : مذهبى، ومذهب الشافعى ، وأحمد بن حنبل ، وسائر علماء
الأمصار فى القرآن مخالف لهذا القول ، وكذلك أبو محمد الجويني والدأبي
٥٥٧

المعالي قال : مذهب الشافعي وأصحابه فى الكلام ليس هو قول الأشعري ،
وعامة العقلاء يقولون: إن فساد هذا القول معلوم بالاضطرار ، فإنا نعلم
أن التوراة إذا عربت لم تكن هي القرآن ، ونعلم أن آية الكرسي ليست
هي معنى آية الدين .
واللّه تعالى قد فرق فى كتابه بين تكليمه لموسى وإيجائه إلى غيره
بقوله تعالى : (إِنَّا أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كُمَا أَوْحَيْنَآ إِلَى نُوحِ وَالنَّبِنَ مِنْ بَعْدِهِ) إلى قوله :
(وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) وقال تعالى: (وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا
وَحْيَا أَوْ مِن وَرَآٍِحِجَابٍ أَوْيُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ، مَايَشَآءُ)
ففرق بين
التكليم الذي حصل لموسى، وبين الإيحاء المشترك ، وموسى سمع كلام
الله من اللّه بلا واسطة، كما قال تعالى: (فَأَسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَِّى أَنَا اللَّهُ لَّ
إِلَهَ إِلَّا أَنَا ).
والرسول إذا بلغه إلى الناس وبلغه الناس عنه كان مسموعا سماعا
(وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِين.
مقيداً بواسطة المبلغ ، كما قال تعالى :
اُسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اللَّهِ)
فهو مسموع مبلغ عنه بواسطة
المخلوق ؛ بخلاف سماع موسى صلى الله عليه وسلم، وإن كان العبد
يسمع كلام الرسول من المبلغين عنه ، فليس ذلك كالسماع منه ، فأحر
الله تعالى أعظم.
٥٥٨

ولهذا اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن القرآن الذي يقرأه المسلمون
كلام اللّه تعالى، ولم يقل أحد منهم إن أصوات العباد ولا مداد
المصاحف قديم ، مع اتفاقهم على أن المثبت بين لوحي المصحف كلام
الله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((زينوا القرآن بأصواتكم))
فالكلام الذي يقرؤه المسلمون كلام الله ، والأصوات التى يقرؤون بها
أصواتهم . والله أعلم.
٥٥٩

وسئل رحمه الله
ما تقول السادة العلماء الجهابذة ، - أئمة الدين رضي الله عنهم
أجمعين - فيمن يقول : الكلام غير المتكلم ، والقول غير القائل ،
والقرآن والمقروء والقارئ كل واحد منها له معنى ؟ بينوا لنا ذلك
بياناً شافياً؛ ليصل إلى ذهن الحاذق والبليد ، أثابكم الله منه.
فأجاب - رضي الله عنه -:
الحمد للّه، من قال: إن الكلام غير المتكلم، والقول غير القائل
وأراد أنه مباين له ومنفصل عنه فهذا خطأ وضلال ، وهو قول من
يقول: إن القرآن مخلوق ، فإنهم يزعمون أن الله لا يقوم به صفة من
الصفات ، لا القرآن ولا غيره ، ويوهمون الناس بقولهم العلم غير العالم
والقدرة غير القادر ، والكلام غير المتكلم ، ثم يقولون : وما كان غير
الله فهو مخلوق ، وهذا تلبيس منهم .
فإن لفظ (( الغير)) يراد به ما يجوز مباينته للآخر ومفارقته له ،
وعلى هذا فلا يجوز أن يقال على اللّه غيره ، ولا يقال إن الواحد
٥٦٠