Indexed OCR Text
Pages 381-400
وإن هذه الأصوات وهذا المداد قديمان ، وهذا القول ما قاله أحد ممن يقول إن القرآن ليس إلا الحروف والأصوات ؛ بل أنكروا ذلك وردوه ، وكذبوا من نقل عنهم : أن المداد قديم ، ولكن هذا القول قد يقوله الجهال المتطرفون ، كما يحكى عن أعيانهم مثل سكان بعض الجبال : أن الورق والجلد والوقد وما أحاط به من الحائط كلام الله، أو ما يشبه هذا اللغو من القول الذي لا يقوله مسلم ولا عاقل . وفروخ ((اللفظية المثبتة)) الذين يقولون إن القرآن ليس إلا الحروف والصوت: تحكى عن منازعيها: أن القرآن ليس محفوظاً فى القلوب ، ولا متلوا بالألسن ، ولا مكتوبا فى المصاحف ، وهذا أيضاً ليس قولاً لأولئك؛ بل م متفقون على أن القرآن محفوظ فى القلوب متلو بالألسنة ، مكتوب فى المصاحف ، لكن جهالهم وغاليتهم إذا تدبروا حقيقة قول مقتصديهم - إن القرآن العربي لم يتكلم الله به ، وإنه ليس إلا معنى واحد قائم بالذات ، وأصوات العباد ومداد المصحف يدل على ذلك المعنى ، وأنه ليس الله فى الأرض كلام فى الحقيقة ، وليس فى الأرض إلا ما هو دال على كلام الله، ولم يقل إلا ما هو دال على كلام اللّه، وكلام الله إن عبر عنه بالعربية كان قرآنا، وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة ، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلا ، وهو معنى واحد لا يتعدد ، ولا يتبعض ، ولا يتكلم الرب بمشيئته وقدرته؛ إلى ٣٨١ أمثال ذلك من حقائق قول المقتصدين - أسقطوا حرمة المصحف ، وربما داسوه ووطئوه ، وربما كتبوه بالعذرة أو غيرها . وهؤلاء أشد كفراً ونفاقا ممن يقول الجلد والورق كلام اللّه ؛ فإن أولئك آمنوا بالحق وبزيادة من الباطل ، وهؤلاء كذبوا بالكتاب وبما أرسل الله به رسله، فسوف يعلمون ؛ إذ الأغلال فى أعناقهم والسلاسل يسحبون فى الحميم ثم فى النار يسجرون . وأما أهل العلم بالمقالة وأهل الإيمان بالشريعة فيعظمون المصحف ويعرفون حرمته ويوجبون له ما أوجبته الشريعة من الأحكام ، فإنه كان في قولهم نوع من الخطأ والبدعة ، وفى مذهبهم من التجهم والضلال ما أنكروا به بعض صفات اللّه وبعض صفات كلامه ورسله ، وجحدوا بعض ما أنزل الله على رسله، وصاروا مخانيث للجهمية الذكور المنكرين لجميع الصفات ، لكنهم مع ذلك متأولون قاصدون الحق . وم مع تجهمهم هذا يقولون: إن القرآن مكتوب فى المصحف مثل ما أن الله مكتوب فى المصحف، وإنه متلو بالألسن مثل ما أن الله مذكور بالألسن ، ومحفوظ في القلوب مثل ما أن الله معلوم بالقلوب، وهذا القول فيه نوع من الضلال والنفاق والجهل بحدود ما أنزل الله على رسوله [ما فيه ] ، وهو الذي أوقع الجهال في الاستخفاف بحرمة ٣٨٢ آيات الله وأسمائه حتى ألحدوا فى أسمائه وآياته . كما أن إطلاق الأولين: أنه ليس للقرآن حقيقة إلا الحروف والأصوات ، ولا يفرق بين صوت الله المسموع منه وصوت القارئ ، وأن القرآن قديم أوقع الجمال منهم والكاذبين عليهم فى نقلهم عنهم : أن أصوات العباد والمداد الذي فى المصحف قديم ، وأن الحروف التى هي كلام اللّه هي المداد، وإن كانوا لم يقولوا ذلك؛ بل أنكروه ؛ كما فرق الله بين الكلمات والمداد فى قوله: (قُل لَّوْكَانَ الْبَحْرُ مِدَادَّالْكَلِمَتِ رَبِّ لَنَفِدَالْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَتُ رَبِّ وَلَوْجِثْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا) فإن هؤلاء غلطوا ((غلطين)) غلطاً فى مذهبهم وغلطا في الشريعة . أما الغلط في ((تصوير مذهبهم)) فكان الواجب أن يقولوا : إن القرآن في المصحف مثل ما أن العلم والمعاني في الورق ، فكما يقال : العلم فى هذا الكتاب يقال : الكلام فى هذا الكتاب ؛ لأن الكلام عندهم هو المعنى القائم بالذات فيصور له المثل بالعلم القائم بالذات لا بالذات نفسها . وأما الغلط فى « الشريعة)» فيقال لهم: إن القرآن فى المصاحف مثل ما أن اسم الله فى المصاحف ؛ فإن القرآن كلام : فهو محفوظ بالقلوب كما يحفظ الكلام بالقلوب ، وهو مذكور بالألسنة كما يذكر ٣٨٣ الكلام بالألسنة، وهو مكتوب في المصاحف والأوراق كما أن الكلام يكتب فى المصاحف والأوراق ، والكلام الذي هو اللفظ يطابق المعنى ويدل عليه ، والمعنى يطابق الحقائق الموجودة . فمن قال : إن القرآن محفوظ كما أن اللّه معلوم، وهو متلو كما أن الله مذكور، ومكتوب كما أن الرسول مكتوب ، فقد أخطأ القياس والتمثيل بدرجتين : فإنه جعل وجود الموجودات القائمة بأنفسها بمنزلة وجود العبارة الدالة على المعنى المطابق لها ، والمسلمون يعلمون الفرق بين قوله تعالى: ( إِنَُّ لَقُرْءَانُ كَرِمٌ * فِكِنَبٍ مَكْنُونٍ ) وبين قوله تعالى: ( وَإِنَّهُ لَفِى زُبُ الْأَوَّلِينَ ) . فإن القرآن لم ينزل على أحد قبل محمد: لا لفظه، ولا جميع معانيه، ولكن أنزل الله ذكره والخبر عنه، كما أنزل ذكر محمد والخبر عنه ، فذكر القرآن في زبر الأولين كما أن ذكر محمد فى زبر الأولين ، وهو مكتوب عندهم فى التوراة والإنجيل. فالله ورسوله معلوم بالقلوب ، مذكور بالألسن ، مكتوب فى المصحف، كما أن القرآن معلوم لمن قبلنا مذكور لهم مكتوب عندهم ، وإنما ذاك ذكره والخبر عنه، وأما نحن فنفس القرآن أنزل إلينا ونفس القرآن مكتوب فى مصاحفنا ، كما أن نفس القرآن فى الكتاب المكنون وهو فى الصحف المطهرة . ولهذا يجب الفرق بين قوله تعالى: (وَكُلُّ شَىْءٍ فَعَلُوهُ فِ الزُّبُرِ ) ٣٨٤ وبين قوله تعالى: ( وَكِتَبِ مَّسْطُورٍ * فِ رَقِّ مَّنشُورٍ )؛ فإن الأعمال في الزبر كالرسول وكالقرآن في زبر الأولين، وأما «الكتاب المسطور فى الرق المنشور)) فهو كما يكتب الكلام نفسه والصحيفة ، فأين هذا من هذا ؟ وذلك أن كل شيء فله «أربع مراتب )» في الوجود : وجود فى الأعيان ، ووجود فى الأذهان ، ووجود في اللسان ، ووجود في البنان : وجود عيني ، وعلمي ، ولفظي ، ورسمي . ولهذا كان أول ما أنزل الله ( اقْرَأْ بِأَسْمِرَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ ) وذكر فيها أنه سبحانه من القرآن : معطي الوجودين فقال: ( آقْرَأْ بِاسِْرَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقِ ) ثم قال: ( أَقْرَأْوَرَبُّكَ الْأَكْرِمُ * الَّذِى عَلَّمَ ٨ فهذا الوجود العيني ، فذكر أنه أعطى الوجود عَلَّمَ الْإِنسَنَ مَالَيَعْلَمْ) بِاَلْقَلَمِ * العلمي الذهني ، وذكر التعليم بالقلم ؛ لأنه مستلزم لتعليم اللفظ والعبارة، وتعليم اللفظ والعبارة مستلزم لتعليم المعنى ، فدل بذكره آخر المراتب على أولها [لأنه ] لو ذكر أولها أو أطلق التعليم لم يدل ذلك على العموم والاستغراق . وإذا كان كذلك فالقرآن كلام، والكلام له ((المرتبة الثالثة)» ليس بينه وبين الورق مرتبة أخرى متوسطة ؛ بل نفس الكلام يثبت ( إِنَّهُ لَقُرْءَانْ كَرِيمٌ * فِ كِنَبٍ فى الكتاب ، كما قال الله تعالى : ٣٨٥ ( وقال تعالى: (بَلْ هُوَقُرُءَانْ تَجِيدٌ * فِلَوْجِ فَحْفُوظِ مَكْنُونٍ ) وقال: ( يَتْلُواْصُحُفًّا مُطَهَّرَةً * فِيَ كُنُبُ قَيِّمَةٌ) وقال: ( كَلََّ إِنَّ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَقِمٍ ) وقال : نَذْكِرَةٌ * فَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ . * فِ مُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ ( وَلَوْنَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِنَبًّا فِى فِرْطَاسِ ) . وقد يقال : إنه مكتوب فيها ، كما يطلق القول: إنه فيها ، كما قال تعالى: ( وَالُورِ * وَكِتَبٍ مَّسْطُورٍ * فِ رَقْ مَنْشُورٍ ) وأما الرب سبحانه أو رسوله أو غير ذلك من الأعيان فإنما فى الصحف اسمه ، وهو من الكلام ؛ ولهذا قال: ( الَّذِينَ يَقَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَِّىِ الْأُنِىَ الَّذِى يَجِدُ ونَهُ مَكْتُوبَا عِندَهُمْ فِ التَّوْرَةِ وَاَلْإِنجِيلِ) وإنما فى التوراة كتابته وذكره وصفته واسمه وهي ((المرتبة الرابعة)) منه، فكيف يجوز تشبيه كون القرآن أو الكلام فى الصحف أو الورق بكون الله أو رسوله أو السماء أو الأرض فى الصحف أو الورق ؟! ولو قال قائل: الله أو رسوله فى الصحف أو الورق لأنكر ذلك؛ ( وَكُلُّ شَىْءٍفَعَلُوهُ فِى إلا مع قرائن تبين المراد ، كما فى قوله : الزُّبُرِ ) وفى قوله: (وَإِنَّهُ لَفِى زُالْأَوَِّينَ ) فإن المراد بذلك ذكره وكتابته. و ((الزبر)) جمع زبور ، والزبور فعول بمعنى مفعول أي مزبور أي : مكتوب فلفظ الزبور يدل على الكتابة ، وهذا مثل ما فى الحديث المعروف عن ميسرة الفجر: (( قال قلت: يا رسول الله! ٣٨٦ متى كنت نبياً - وفي رواية متى كتبت نبياً - ؟ قال: وآدم بين الروح والجسد)) رواه أحمد . فهذا الكون هو كتابته وتقديره ، وهو ((المرتبة الرابعة)) كما تقدم. فإن هذه المرتبة تتقدم وجود المخلوقات عند الله ، وعند من شاء من خلقه؛ وإن كانت قد تتأخر أيضاً؛ فـ ((إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة )) رواه مسلم فى صحيحه عن عبد الله بن عمرو عن النبى صلى الله عليه وسلم ؛ ولهذا قال ابن عباس فى قوله: ( إِنَّاكُنَا نَسْتَنْسِخُ مَاكُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) : إن الله يأمر الملائكة بأن تنسخ من اللوح المحفوظ ما كتبه من القدر، ويأمر الحفظة أن تكتب أعمال بني آدم فتقابل بين النسختين فتكونان سواء ، ثم يقول ابن عباس : ألستم قوماً عرباً ؟ وهل تكون النسخة إلا من أصل ؟. والتقدير والكتابة تكون تفصيلا بعد حملة . فالله تعالى لما قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة لم يظهر ذلك التقدير للملائكة ، ولما خلق آدم قبل أن ينفخ فيه الروح أظهر لهم ما قدره ، كما يظهر لهم ذلك من كل مولود، كما فى الصحيح عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يجمع خلق أحدكم فى بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم ٣٨٧ يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يرسل الله إليه الملك فينفخ فيه الروح . ويؤمر بأربع كلمات : بكتب رزقه، وأجله، وعمله ، وشقي أو سعيد)» وفى طريق آخر وفى رواية (( ثم يبعث إليه الملك، فيؤمر بأربع كلمات، فيقال: اكتب رزقه ، وعمله ، وأجله ، وشقي أو سعيد ، ثم ينفخ فيه الروح )) . فأخبر صلى الله عليه وسلم فى هذا الحديث الصحيح: أن الملك يؤمر بكتابة رزقه ، وأجله ، وعمله ، وشقي أو سعيد ، بعد خلق جسد ابن آدم وقبل نفخ الروح فيه. فكان ما كتبه الله من نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم الذي هو سيد ولد آدم بعد خلق جسد آدم وقبل نفخ الروح فيه من هذا الجنس ، كما فى الحديث الآخر الذي في المسند وغيره عن العرباض بن سارية عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إني عند الله مكتوب خاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل فى طينته )) وهذا وأمثاله من وجود الأعيان في الصحف . وأما وجود الكلام فى الصحف فنوع آخر ؛ ولهذا حكى ابن قتيبة من مذهب أهل الحديث والسنة : أن القرآن في المصحف حقيقة لامجازاً . كما يقوله بعض المتكلمة، وإحدى ((الجهميات)» التى أنكرها أحمد وأعظمها قول من زعم أن القرآن ليس في الصدور ولا فى المصاحف ، وأن من قال ذلك فقد قال بقول النصارى ، كما حكي له ذلك عن موسى ٣٨٨ ابن عقبة الصوري - أحد كتبة الحديث إذ ذاك ؛ ليس هو صاحب المغازي ؛ فإن ذلك قديم من أصحاب التابعين - فأعظم ذلك أحمد ، وذكر النصوص والآثار الواردة وذلك مثل قوله صلى الله عليه وسلم: (( استذكروا القرآن فلهو أشد تفصياً من صدور الرجال من النعم من عقلها))، ومثل قوله: ((الجوف الذي ليس فيه شيء من القرآن كالبيت الخرب )» وغير ذلك . وليس الغرض هنا إلا التنبيه اللطيف . ومن قال : إن هذا شبه قول النصارى فلم يعرف قول النصارى، ولا قول المسلمين ، أو علم وجحد ؛ وذلك أن النصارى تقول : إن الكلمة وهي جوهر إله عندهم ورب معبود تدرع الناسوت واتحد به كاتحاد الماء واللبن، أو حل فيه حلول الماء في الظرف، أو اختلط به اختلاط النار والحديد ، والمسلمون لا يقولون إن القرآن جوهر قائم بنفسه معبود، وإنما هو كلام الله الذي تكلم به ، ولا يقولون اتحد بالبشر . وأما إطلاق حلوله في المصاحف والصدور فكثير من المنتسبين إلى السنة الخراسانيين وغيرهم يطلق ذلك ومنهم من العراقيين وغيرهم من ينفى ذلك ويقول : هو فيه على وجه الظهور لا على وجه الحلول ، ٣٨٩ ومنهم من لا يثبته ولا ينفيه ، بل يقول: القرآن في القلوب والمصاحف لا يقال هو حال ولا غير حال ؛ لما في النفي والإثبات من إيهام معنى فاسد ، وكما يقول ذلك طوائف من الشاميين وغيرهم ، ولا نزاع بينهم: أن كلام الله لا يفارق ذات اللّه، وأنه لا يباينه كلامه ولا شيء من صفاته ؛ بل ليس شيء من صفة موصوف تباين موصوفها وتنتقل إلى غيره ، فكيف يتوم عاقل أن كلام الله يباينه وينتقل إلى غيره ؟ ولهذا قال الإمام أحمد : كلام الله من اللّه ، ليس بيائن منه وقد جاء فى الأحاديث والآثار: (( أنه منه بدأ ، ومنه خرج )) ومعنى ذلك أنه هو المتكلم به لم يخرج من غيره ، ولا يقتضى ذلك أنه باينه وانتقل عنه، فقد قال سبحانه في حق المخلوقين: (كَبُرَتْ كَلِمَةٌ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَهِهِمَّ إِن يَقُولُونَ إِلََّ كَذِبًا ) ومعلوم أن كلام المخلوق لا يباين محله، وقد علم الناس جميعهم أن نقل الكلام وتحويله هو معنى تبليغه ، كما الَّذِينَ قال: ( بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ )، وقال تعالى: ( يُبَلِّغُونَ رِسَلَتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ) وقال تعالى: (لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَلَتِ رَبّهِمْ ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((نضر الله امرءاً سمع منا حديثاً فبلغه إلى من لم يسمعه ، فرب حامل فقه غير فقيه ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه))، وقال: ((بلغوا عني ولو آية )). والكلام فى الورق ليس هو فيه كما تكون الصفة بالموصوف ٣٩٠ والعرض بالجوهر . بحيث تصير صفة له ، ولا هو فيه كما يكون الجسم فى الحيز الذي انتقل إليه من حيز آخر ، ولا هو فيه كمجرد الدليل المحض بمنزلة العالم الذي هو دليل على الصانع ؛ بل هو قسم آخر معقول بنفسه ، ولا يجب أن يكون لكل موجود نظير يطابقه من كل وجه ؛ بل الناس بفطرم يفهمون معنى كلام المتكلم فى الصحيفة ، ويعلمون أن كلامه الذي قام به لم يفارق ذاته ويحل فى غيره ، ويعلمون أن ما فى الصحيفة ليس مجرد دليل على معنى فى نفسه ابتداء ، بل ما فى الصيحفة مطابق للفظه، ولفظه مطابق لمعناه ، ومعناه مطابق للخارج ، وقد يعلم ما في نفسه بأدلة طبعية ، وبحركات إرادية لم يقصد بها الدلالة ، ولا يقول أحد إن ذلك الكلام للمتكلم مثل كلامه المسموع منه ، فلو كان الكلام إنما سمي بذلك لمجرد الدلالة لشاركه كل دليل، وسنتكلم إن شاء الله تعالى على ذلك . ولو كان ما في المصحف وجب احترامه لمجرد الدلالة وجب احترام كل دليل ؛ بل الدال على الصانع وصفاته أعظم من الدال على كلامه، وليست له حرمة كرمة المصحف ، والدال على المعنى القائم بنفس الإنسان قد يعلم تارة بغير اختياره ، وقد يعلم بأصوات طبعية، كالبكاء، وقد يعلم بحركات لم يقصد بها الدلالة ، وقد يعلم بحركات يقصد بها الدلالة كالإشارة ، وقد يعلم باللفظ الذي نقصد به الدلالة . ٣٩١ فصل وصار هؤلاء الذين غلطوا مذهب ((اللفظية)) وزادوا فيه شراً كثيراً إذا قالوا: ((القراءة)) غير المقروء و((التلاوة)) غير المتلو و ((الكتابة)» غير المكتوب إنما يعنون بالقراءة أصوات القارئين و بـ ((الكتابة)) مداد الكاتبين، ويعنون أن هذا غير المعنى القائم بالذات الذي هو كلام الله ، وإنما هو دلالة عليه ، وعبارة عنه ؛ وليس عندم إلا قراءة ومقروء ، فلم يبق إلا صوت ، ومداد ، ومعنى قائم بالذات ؛ ليس ثم قرآن غير ذلك . وأسقطوا حروف كلام الله التى تكلم بها ، وحقيقة معاني القرآن التى فى نفس اللّه تعالى، وأسقطوا أيضاً معانى القرآن التى فى نفوس القارئين والمستمعين؛ فإنه لا ريب أن القرآن الذي نقرؤه فيه حروف ومعانى حروف منطوقة ومسطورة ؛ فإذا لم يكن عندهم إلا صوت العيد وحبر المصحف فأين المعانى ؟ وأين حروف القرآن التى أنزلها الله ؟ وإن كانت عندم مخلوقة . وكيف يتصور أن لا يكون لجميع ما أنزل الله تعالى من الكتب إلا معنى واحد يكون أمراً ونهياً ووعداً ووعيداً، ٣٩٢ وتكون هذه أوصافه لا أقسامه ؟ فإن هؤلاء يقولون : إن معانى جميع كلام الله معنى واحد، فمعنى: (تَبَّتْ يَدَآ أَبِىِ لَهَبٍ ) هو معنى ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ) ومعنى التوراة هو معنى القرآن والإنجيل. ثم قد يجعلون معانى الكلام كلها الخبر ، وقد يجعلون معنى الخبر العلم ، ويجعلون العلم بهذا غير العلم بهذا . ولهذا كان أكثر العقلاء يقولون : فساد هذا معلوم بالاضطرار ، ويقولون : الأمر والنهي والخبر صفات إضافية للكلام ، وليست هي أنواع الكلام وأقسامه ، وكلام اللّه شأنه أعظم من شأن كلام المخلوقين، والكلام الذي فى المصحف هو من هذا القسم الأخير دون الأقسام المتقدمة ، فكيف إذا كان لذلك اللفظ من الخصائص ماقيل فيه : ( قُل لَِّنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَؤْكَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ). لكن من الأشياء ما يدل على غيره بقصد منه [ومنها ما يدل على ] غيره [ بغير قصد منه] للدلالة كالجامدات فإن فيها مقاصد غير دلالتها على [ الخالق ] ومن الأشياء مالا يقصد به إلا الدلالة . بحيث إذا ذكر ما يقصد بذكره ذكر مدلوله كالاسم مع مسماء، فالمقصود من الاسم هو المسمى ؛ فلهذا إذا ذكر الاسم كان المقصود به المسمى، وكذلك ((اللفظ)) مع المعنى الذي هو مدلوله وكذلك ((الخط)) مع اللفظ، فالمقصود من الخط ٣٩٣ إنما هو اللفظ ، والمقصود من الحروف المرسومة هو الحروف المنطوقة ؛ ولهذا كان لفظ الحرف مقولا عليها جميعاً . فإذا قيل : الكلام من الكتاب عرف أن المقصود مما في الكتاب هو الكلام دون غيره ، ولهذا كان لهذا من الاختصاص بالحرمة ما ليس لما يقصد منه الدلالة وغير الدلالة والله أعلم. فصل وصار أولئك الذين غلطوا مذهب ((اللفظية المثبتة)) الذين يقولون: لفظنا بالقرآن غير مخلوق، ويقولون: ((التلاوة)) هي المتلو ، و ((الكتابة)) هي المكتوب ، وما عندهم من القرآن إلا ما توهموا من الحروف والأصوات يلتزم أحدهم : أن الصوت القديم يسمع من القارئ ، ويوهمون المخالف لهم أن عين الصوت المسموع من العبد هو عين الصوت الذي تكلم الله به ، وينكرون معانى حقائق القرآن أن تكون من كلام اللّه ولا يجعلون المعنى من كلام الله، وكان السلف يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق ، والقرآن حيث تصرف فهو كلام الله غير مخلوق . و ((اللفظية المبتدعة المثبتة)» الذين أنكر عليهم الإمام أحمد وغيره ٣٩٤ إنما قالوا لفظنا به غير مخلوق ؛ ولم يقولوا قديم. فجاءت المغلطة لمذهبهم، فقالوا: لفظنا به قديم ، ولفظنا به أصواتنا ، فأصواتنا به قديمة . والإمام أحمد وسائر الأئمة من أصحابه الذين صحبوه وغيرهم ومن بعدهم من الأئمة ينكرون هذه ((المراتب الأربع)) فإنهم ينكرون أن يقال: لفظي به غير مخلوق، فكيف لفظي به قديم؟ فكيف صوتى به غير مخلوق ؟ فكيف صوتى به قديم ؟ أو بعض الصوت المسموع قديم ؟ ونحو ذلك . فصل ومن تأمل نصوص ((الإمام أحمد )) في هذا الباب وجدها من أسد الكلام وأتم البيان ، ووجد كل طائفة مننسبة إلى السنة قد تمسكت منها بما تمسكت ، ثم قد يخفى عليها من السنة فى موضع آخر ما ظهر لبعضها فتنكره . ومنشأ النزاع بين أهل الأرض ، والاضطراب العظيم الذي لا يكاد ينضبط في هذا الباب يعود إلى «أصلين)). ((مسألة)) تكلم اللّه بالقرآن وسأر كلامه . و ((مسألة)) تكلم العباد بكلام الله . ٣٩٥ وسبب ذلك أن التكلم والتكليم له مراتب ودرجات ، وكذلك تبليغ المبلغ لكلام غيره له وجوه وصفات ، ومن الناس من يدرك من هذه الدرجات والصفات بعضها ، وربما لم يدرك إلا أدناها ، ثم يكذب بأعلاها ، فيصيرون مؤمنين ببعض الرسالة ، كافرين ببعضها ، ويصير كل من الطائفتين مصدقة بما أدركته، مكذبة بما مع الآخرين من الحق . وقد بين الله فى كتابه وسنة رسوله ذلك فقال تعالى : (وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَ وَحْيَا أَوْ مِن وَرَآٍِحِجَابٍ أَوْيُرْسِلَ رَسُولًا فَيُّوحِىَ بِإِذْنِهِ. ج مَا يَشَآءُ ) ( إِنَّا أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَاً وقال تعالى : إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّنَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَوْحَيْنَا إِلَىَ إِبْرَهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ ج وَاُلْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَرُونَ وَسُلَيْمَنَّ وَءَاتَّيْنَا دَاوُ دَ زَبُورًا * وَرُسُلَّا قَدْ قَصَصْنَهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلَا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَّ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا)، وقال: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضِ مِّنْهُمْ مَن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَءَاتَيْنَا عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ الْبَيْنَتِ وَأَيَّدْنَهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ). ففي هذه الآية خص بالتكليم بعضهم ، وقد صرح فى الآية الأخرى بأنه كلم موسى تكليما ، واستفاضت الآثار بتخصيص موسى بالتكليم ، فهذا التكليم الذي خص به موسى على نوح وعيسى ونحوهما ليس هو ٣٩٦ التكليم العام الذي قال فيه: (وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلََّ وَحْيًّا أَوْ مِن وَرَآٍ ◌ِحِجَابٍ أَوْيُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ، مَا يَشَآءُ ) فإن هذه الآية قد جمع فيها جميع درجات التكليم ، كما ذكر ذلك السلف . فروينا في كتاب ((الإبانة )) لأبى نصر السجزي ، وكتاب البيهقي ، وغيرهما عن عقبة ، قال : سئل ابن شهاب عن هذه الآية: (وَمَاكَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيَا أَوْ مِن وَرَآءٍحِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ مَا قال ابن شهاب : نزلت هذه الآية تعم يَشَآءُ إِنَّهُ, عَلِىٌ حَكِيمٌ ) من أوحى الله إليه من البشر . فكلام الله الذي كلم به موسى من وراء حجاب ، والوحي ما يوحي اللّه إلى النبى من أنبيائه عليهم السلام، ليثبت اللّه عز وجل ما أراد من وحيه فى قلب النبى ، ويكتبه ، وهو كلام الله، ووحيه، ومنه ما يكون بين الله وبين رسله ، ومنه ما يتكلم به الأنبياء ولا يكتبونه لأحد ، ولا يأمرون بكتابته. ولكنهم يحدثون به الناس حديثاً، ويبينونه لهم ؛ لأن الله أحرم أن يبينوه للناس. ويبلغوم إياه ، ومن الوحي ما يرسل الله به من يشاء ممن اصطفاه من ملائكته فيكلمون به أنبياءه من الناس ، ومن الوحى ما يرسل الله به من يشاء من الملائكة فيوحيه وحيا فى قلب من يشاء من رسله . قلت : فالأول الوحي وهو الإعلام السريع الخفي : إما فى اليقظة ٣٩٧ وإما فى المنام ، فإن رؤيا الأنبياء وحي ، ورؤيا المؤمنين جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة ، كما ثبت ذلك عن النبى صلى الله عليه وسلم في الصحاح ، وقال عبادة بن الصامت - ويروى مرفوعا - : رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده في المنام)) وكذلك فى ((اليقظة)) فقد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((قد كان فى الأمم قبلكم محدثون ، فإن يكن فى أمتى فعمر)) وفى رواية فى (وَ إِذْأَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِتِِّنَ الصحيح ( مکلمون )» وقد قال تعالى : أَنْ ءَامِنُواْبِى وَبِرَسُولِى) وقال تعالى: (وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ). بل قد قال تعالى: (وَأَوْحَى فِى كُلِ سَمَآٍ أَمْرَهَا) وقال تعالى : ( وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) فهذا الوحي يكون لغير الأنبياء، ويكون يقظة، ومناما. وقد يكون بصوت هاتف ، يكون الصوت فى نفس الإنسان ، ليس خارجا عن نفسه يقظة ومناما ، كما قد يكون النور الذي يراه أيضاً فى نفسه . فهذه ((الدرجة)) من الوحي التى تكون في نفسه من غير أن يسمع صوت ملك فى أدنى المراتب وآخرها، وهي أولها باعتبار السالك ، وهي التى أدركتها عقول الإلهيين من فلاسفة الإسلام الذين فيهم إسلام وصبوء ، فآمنوا ببعض صفات الأنبياء والرسل - وهو قدر مشترك بينهم وبين غيرهم - ولكن كفروا بالبعض ، فتجد بعض ٣٩٨ هؤلاء يزعم أن النبوة مكتسبة ، أو أنه قد استغنى عن الرسول ، أو أن غير الرسول قد يكون أفضل منه، وقد يزعمون : أن كلام الله لموسى كان من هذا النمط ، وأنه إنما كلمه من سماء عقله ، وأن الصوت الذي سمعه كان في نفسه ، أو أنه سمع المعنى فائضاً من العقل الفعال ، أو أن أحدهم قد يصل إلى مقام موسى . ومنهم من يزعم أنه يرتفع فوق موسى ، ويقولون : إن موسى سمع الكلام بواسطة ما فى نفسه من الأصوات ونحن نسمعه مجرداً عن ذلك . ومن هؤلاء من يزعم أن جبريل الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم هو الخيال النورانى : الذي يتمثل فى نفسه ، كما يتمثل فى نفس النائم. ويزعمون أن القرآن أخذه محمد عن هذا الخيال المسمى بجبريل عندهم؛ ولهذا قال ابن عربى صاحب ((الفصوص)) و((الفتوحات المكية )): إنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك : الذي يوحي به إلى الرسول. وزعم أن مقام (( النبوة)) دون الولاية ، وفوق ((الرسالة)) فإن محمدا - بزعمهم الكاذب - بأخذ عن هذا الخيال النفسانى - الذي سماه ملكا - وهو يأخذ عن العقل المجرد الذي أخذ منه هذا الخيال . ثم هؤلاء لا يثبتون لله كلاماً الصف به فى الحقيقة ولا يثبتون أنه قصد إفهام أحد بعينه ؛ بل قد يقولون لا يعلم أحداً بعينه ؛ إذ علمه ٣٩٩ وقصده عندم إذا أثبتوه لم يثبتوه إلا كلياً لا يعين أحداً ، بناء على أنه يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات إلا على وجه كلي . وقد يقرب أو يقرب من مذهبهم من قال باسترسال علمه على أعيان الأعراض ، وهذا الكلام - مع أنه كفر باتفاق المسلمين - فقد وقع فى كثير منه من له فضل فى الكلام والتصوف ونحو ذلك ، ولولا أنى أكره التعيين فى هذا الجواب لعينت أكبر من المتأخرين . وقد يكون الصوت الذي يسمعه خارجاً عن نفسه من جهة الحق تعالى على لسان ملك من ملائكته أو غير ملك ، وهو الذي أدركته الجهمية من المعتزلة ونحوهم ، واعتقدوا أنه ليس لله تكليم إلا ذلك ، وهو لا يخرج عن قسم الوحي الذي هو أحد أقسام التكليم ، أو قسيم التكليم بالرسول. وهو ((القسم الثانى)) حيث قال تعالى: (أَوْيُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ مَايَشَآءُ ) فهذا إيحاء الرسول ؛ وهو غير الوحي الأول من اللّه الذي هو أحد أقسام التكليم العام . وإيحاء الرسول أيضاً ((أنواع)) ففى الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: (( أن الحارث بن هشام سأل النبي صلى الله عليه وسلم كيف يأتيك الوحي ؟ قال : أحياناً يأتينى مثل صلصلة الجرس ، وهو أشده علي ، فيفصم عني وقد وعيت ما قال ، وأحياناً يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول)) قالت عائشة رضى الله عنها : ولقد رأيته ٤٠٠