Indexed OCR Text
Pages 441-460
وكذلك لفظ ((البدل)) جاء فى كلام كثير منهم ، فأما الحديث المرفوع فالأشبه أنه ليس من كلام النبي عليه السلام ، فإن الإيمان كان بالحجاز وباليمن قبل فتوح الشام ، وكانت الشام والعراق دار كفر ، ثم لما كان فى خلافة علي رضي الله عنه قد ثبت عنه عليه السلام أنه قال: «تمرق مارقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق فكان علي وأصحابه أولى بالحق ممن قاتلهم من أهل الشام؛ ومعلوم أن الذين كانوا مع علي رضي الله عنه من الصحابة مثل عمار بن ياسر ، وسهل بن حنيف ونحوهما. كانوا أفضل من الذين كانوا مع معاوية ، وإن كان سعد بن أبي وقاص ونحوه من القاعدين أفضل ممن كان معها ، فكيف يعتقد مع هذا أن الأبدال جميعهم الذين ثم أفضل الخلق كانوا فى أهل الشام ؟! هذا باطل قطعاً ، وإن كان قد ورد فى الشام وأهله فضائل معروفة فقد جعل الله لكل شيء قدراً. والكلام يجب أن يكون بالعلم والقسط ، فمن تكلم فى الدين بغير علم دخل فى قوله تعالى: (وَلَنَقْفُ مَالَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمُ ) وفى ومن تكلم بقسط قوله تعالى: (وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ) (يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْكُونُواْ قَوَّمِينَ بِالْقِسْطِ وعدل دخل فى قوله تعالى : شُهَدَآءَ لِلّهِ ) وفى قوله تعالى: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَأَعْدِلُواْ ) وفى قوله تعالى: ( لَقَدْ أَرْسَلْنَارُسُلَنَا بِالْبَهِّنَتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِنَبَ وَاَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ). والذين تكلموا باسم البدل فسروه بمعان : منها أنهم أبدال الأنبياء ٤٤١ ومنها أنه كلما مات منهم رجل أبدل الله تعالى مكانه رجلاً ، ومنها أنهم أبدلوا السيئات من أخلاقهم وأعمالهم وعقائدم بحسنات . وهذه الصفات كلها لا تختص بأربعين ولا بأقل ولا بأكثر، ولا تحصر بأهل بقعة من الأرض؛ وبهذا التحرير يظهر المعنى في اسم ((النجباء)). فالغرض أن هذه الأسماء تارة تفسر بمعان باطلة بالكتاب والسنة وإجماع السلف، مثل تفسير بعضهم ((الغوث)) هو الذي يغيث الله به أهل الأرض في رزقهم ونصرهم ، فإن هذا نظير ما تقوله النصارى في الباب وهو معدوم العين والأثر شبيه بحال المنتظر الذي دخل السرداب من نحو أربعمائة وأربعين سنة . وكذلك من فسر ((الأربعين الأبدال)) بأن الناس إنما ينصرون ويرزقون بهم فذلك باطل ؛ بل النصر والرزق يحصل بأسباب من آكدها دعاء المؤمنين ، وصلاتهم وإخلاصهم ، ولا يتقيد ذلك لا بأربعين ولا بأقل ولا بأكثر ؛ كما جاء فى الحديث المعروف أن سعد بن أبي وقاص قال : يا رسول الله! الرجل يكون حامية القوم ، أيسهم له مثل ما يسهم لأضعفهم؟ فقال: (( يا سعد! وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم)) وقد يكون للرزق والنصر أسباب أخر ؛ فإن الفجار والكفار ٤٤٢ أيضاً يرزقون وينصرون ؛ وقد يجدب الأرض على المؤمنين ويخيفهم من عدوهم لينيبوا إليه ويتوبوا من ذنوبهم ، فيجمع لهم بين غفران الذنوب وتفريج الكروب ، وقد يملى للكفار ويرسل السماء عليهم مدراراً ؛ ويمددم بأموال وبنين ويستدرجهم من حيث لا يعلمون ، إما ليأخذم فى الدنيا أخذ عزيز مقتدر ، وإما ليضعف عليهم العذاب فى الآخرة فليس كل إنعام كرامة ، ولا كل امتحان عقوبة ؛ قال الله تعالى: (فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا أَبْئَلَئُهُ رَبُّهُفَأَكْرَمَهُ, وَنَعَّمَهُ، فَيَقُولُ رَبَِّ أَكْرَمَنِ * وَأَمَّ إِذَا مَا ابْنَلَنَّهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ، فَيَقُولُ رَبِّ أَهَنَنِ * كَلَّا) وليس فى أولياء الله المتقين ؛ ولا عباد الله المخلصين ، الصالحين ولا أنبيائه المرسلين ؛ من كان غائب الجسد دائماً عن أبصار الناس بل هذا من جنس قول القائلين إن علياً فى السحاب ، وإن محمد بن الحنفية في جبال رضوى ، وإن محمد بن الحسن بسرداب سامى ، وإن الحاكم بجبل مصر ، وإن الأبدال الأربعين رجال الغيب بجبل لبنان ، فكل هذا ونحوه من قول أهل الإفك والبهتان ؛ نعم قد تخرق العادة فى حق الشخص ، فيغيب تارة عن أبصار الناس إما لدفع عدو عنه ، وإما لغير ذلك ، وأما أنه يكون هكذا طول عمره فباطل ، نعم ! يكون نور قلبه وهدى فؤاده وما فيه من أسرار الله تعالى وأمانته وأنواره، ومعرفته غيباً عن أمين النساس ، ويكون صلاحه وولايته غيباً عن ٤٤٣ أكثر الناس ، فهذا هو الواقع ، وأسرار الحق بينه وبين أوليائه ، وأكثر الناس لا يعلمون ، وقد بينا بطلان اسم الغوث مطلقاً، واندرج فى ذلك غوث العجم ومكة والغوث السابع . وكذا لفظ ((خاتم الأولياء)) لفظ باطل لا أصل له ، وأول من ذكره محمد بن علي الحكيم الترمذي ، وقد انتحله طائفة كل منهم يدعى أنه خاتم الأولياء : كابن حمويه وابن عربي وبعض الشيوخ الضالين بدمشق وغيرها ، وكل منهم يدعى أنه أفضل من التى عليه السلام من بعض الوجوه ، إلى غير ذلك من الكفر والبهتان ، وكل ذلك طمعاً في رياسة خاتم الأولياء لما فاتهم رياسة خاتم الأنبياء ، وقد غاطوا ؛ فإن خاتم الأنبياء إنما كان أفضلهم للأدلة الدالة على ذلك ، وليس كذلك خاتم الأولياء ، فإن أفضل أولياء هذه الأمة السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ، وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر رضي الله عنه، ثم عمر رضي الله عنه، ثم عثمان رضي الله عنه، ثم علي رضي الله عنه، وخير قرونها القرن الذي بعث فيه النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم، وخاتم الأولياء فى الحقيقة آخر مؤمن تقي يكون فى الناس ، وليس ذلك بخير الأولياء ، ولا أفضلهم بل خيرهم وأفضلهم أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ، ثم عمر: اللذان ما طلعت شمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل منها . ٤٤٤ قال شيخ الإسلام قدس الله روحه بِسْمِاللَّهِ الرَِّ الرَّحْمِ الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله رب السموات والأرضين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خاتم النبيين، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تسليما دائماً إلى يوم الدين (١) ( أما بعد ) فقد كتبت ما حضرني ذكره فى المشهد الكبير بقصر الإمارة والميدان بحضرة الخلق من الأمراء والكتاب والعلماء والفقراء العامة وغيرهم فى أمر (( البطائحية)) يوم السبت تاسع جمادى الأولى سنة خمس ، لتشوف الهمم إلى معرفة ذلك وحرص الناس على الاطلاع عليه ، فإن من كان غائباً عن ذلك قد يسمح بعض أطراف الواقعة ، (١) مناظرة ابن تيمية الدجاجلة البطائحية . ٤٤٥ ومن شهدها فقد رأى وسمع ما رأى وسمع ، ومن الحاضرين من سمع ورأى ما لم يسمع غيره ويره لانتشار هذه الواقعة العظيمة ، ولما حصل بها من عن الدين ، وظهور كلمته العليا، وقهر الناس على متابعة الكتاب والسنة ، وظهور زيف من خرج عن ذلك من أهل البدع المضلة ، والأحوال الفاسدة والتلبيس على المسلمين . وقد كتبت فى غير هذا الموضع صفة حال هؤلاء ((البطائحية))، وطريقهم وطريق ( الشيخ أحمد بن الرفاعى ) وحاله ، وما وافقوا فيه المسلمين وما خالفوم ؛ ليتبين ما دخلوا فيه من دين الإسلام وما خرجوا فيه عن دين الإسلام ؛ فإن ذلك يطول وصفه في هذا الموضع ، وإنما كتبت هنا ما حضرنى ذكره من حكاية هذه الواقعة المشهورة فى مناظرتهم ومقابلتهم . وذلك أنى كنت أعلم من حالهم بما قد ذكرته فى غير هذا الموضع - وهو أنهم وإن كانوا منتسبين إلى الإسلام وطريقة الفقر والسلوك ويوجد فى بعضهم التعبد والتأله والوجد والمحبة والزهد والفقر والتواضع ولين الجانب والملاطفة في المخاطبة والمعاشرة والكشف والتصرف ونحو ذلك ما يوجد ـ فيوجد أيضاً فى بعضهم من الشرك وغيره من أنواع الكفر ، ومن الغلو والبدع فى الإسلام والإعراض عن كثير مما جاء به الرسول ، والاستخفاف بشريعة الإسلام ، والكذب والتلبيس . ٤٤٦ وإظهار المخارق الباطلة وأكل أموال الناس بالباطل ، والصد عن سبیل الله ما يوجد . وقد تقدمت لي معهم وقائع متعددة بينت فيها لمن خاطبته منهم ومن غيرم بعض مافيهم من حق وباطل ، وأحوالهم التى يسمونها الإشارات ، وتاب منهم جماعة ، وأدب منهم جماعة من شيوخهم ، وبينت صورة ما يظهرونه من المخاريق : مثل ملابسة النار والحيات ، وإظهار الدم ، واللاذن والزعفران وماء الورد والعسل والسكر وغير ذلك ، وإن عامة ذلك عن حيل معروفة وأسباب مصنوعة ، وأراد غير مرة منهم قوم إظهار ذلك فلما رأوا معارضتى لهم رجعوا ودخلوا على أن أسترم فأجبتهم إلى ذلك بشرط التوبة ، حتى قال لي شيخ منهم فى مجلس عام فيه جماعة كثيرة ببعض البساتين لما عارضتهم بأنى أدخل معكم النار بعد أن تغتسل بما يذهب الحيلة ، ومن احترق كان مغلوبا ، فلما رأوا الصدق أمسكوا عن ذلك . وحكى ذلك الشيخ أنه كان مرة عند بعض أمراء النتر بالمشرق . وكان له ضم يعبده ، قال : فقال لي : هذا الصنم يأكل من هذا الطعام كل يوم ويبقى أثر الأكل فى الطعام بينا يرى فيه !! فأنكرت ذلك ، فقال لي إن كان يأكل أنت تموت ؟ فقلت نعم ، قال فأقمت عنده إلى نصف النهار ولم يظهر فى الطعام أثر ! فاستعظم ذلك ٤٤٧ التتري وأقسم بأيمان مغلظة أنه كل يوم يرى فيه أثر الأكل ، لكن اليوم بحضورك لم يظهر ذلك . فقلت لهذا الشيخ : أنا أبين لك سببه ذلك . ذلك التتري كافر مشرك ، ولصنمه شيطان يغويه بما يظهره من الأثر فى الطعام ، وأنت كان معك من نور الإسلام وتأييد الله تعالى ما أوجب انصراف الشيطان عن أن يفعل ذلك بحضورك ، وأنت وأمثالك بالنسبة إلى أهل الإسلام الخالص كالنتري بالنسبة إلى أمثالك، فالتتري وأمثاله سود ، وأهل الاسلام الحض بيض ، وأنتم بلق فيكم سواد وبياض . فأعجب هذا المثل من كان حاضراً !!! وقلت لهم فى مجلس آخر لما قالوا تريد أن نظهر هذه الإشارات؟ قلت : إن عملتموها بحضور من ليس من أهل الشأن : من الأعراب والفلاحين ، أو الأتراك أو العامة أو جمهور المتفقهة والمتفقرة والمتصوفة - لم يحسب لكم ذلك . فمن معه ذهب فليأت به إلى سوق الصرف إلى عند الجهابذة الذين يعرفون الذهب الخالص من المغشوش ومن الصفر ؛ لا يذهب إلى عند أهل الجهل بذلك . فقالوا لي : لا نعمل هذا إلا أن تكون همتك معنا ، فقلت : همتى ليست معكم ؛ بل أنا معارض لكم مانع لكم ؛ لأنكم تقصدون بذلك إبطال شريعة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فإن كان لكم قدرة على إظهار ذلك فافعلوا . فانقلبوا صاغرين . ٤٤٨ فلما كان قبل هذه الواقعة بمدة كان يدخل منهم جماعة مع شيخ لهم من شيوخ البر ، مطوقين بأغلال الحديد فى أعناقهم ، وهو وأتباعه معروفون بأمور ، وكان يحضر عندي مرات فأخاطبه بالتي هي أحسن؛ فلما ذكر الناس ما يظهرونه من الشعار المبتدع الذي يتميزون به عن المسلمين ، ويتخذونه عبادة وديناً يوهمون به الناس أن هذا لله سر من أسرارهم ، وإنه سيماء أهل الموهبة الإلهية السالكين طريقهم أعني طريق ذلك الشيخ وأتباعه - خاطبته فى ذلك بالمسجد الجامع ، وقلت هذا بدعة لم يشرعها الله تعالى ولا رسوله ، ولا فعل ذلك أحد من سلف هذه الأمة ولا من المشايخ الذين يقتدى بهم ، ولا يجوز التعبد بذلك ، ولا التقرب به إلى الله تعالى لأن عبادة الله بما لم يشرعه ضلالة ، ولباس الحديد على غير وجه التعبد قدكرهه من كرهه من العلماء للحديث المروي فى ذلك وهو أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم رأى على رجل خاتماً من حديد فقال ((مالي أرى عليك حلية أهل النار )). وقد وصف الله تعالى أهل النار بأن فى أعناقهم الأغلال. فالتشبه بأهل النار من المنكرات وقال بعض الناس قد ثبت فى الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فى حديث الرؤيا قال فى آخره (( أحب القيد وأكره الغل . القيد ثبات فى الدين)) فإذا كان مكروهاً في المنام فكيف فى اليقظة؟ !. فقلت له في ذلك المجلس ما تقدم من الكلام أو نحواً منه مع ٤٤٩ زيادة ، وخوفته من عاقبة الإصرار على البدعة ، وأن ذلك يوجب عقوبة فاعله ، ونحو ذلك من الكلام الذي نسيت أكثره لبعد عهدي به . وذلك أن الأمور التى ليست مستحبة في الشرع لا يجوز التعبد بها باتفاق المسلمين، ولا التقرب بها إلى الله ولا اتخاذها طريقاً إلى الله وسبباً لأن يكون الرجل من أولياء الله وأحبائه، ولا اعتقاد أن الله يحبها أو يحب أصحابها كذلك ، أو أن اتخاذها يزداد به الرجل خيراً عند الله وقربة إليه، ولا أن يجعل شعاراً للتائبين المريدين وجه الله، الذين م أفضل ممن ليس مثلهم . فهذا أصل عظيم يجب معرفته والاعتناء به ، وهو أن المباحات إنما تكون مباحة إذا جعلت مباحات ، فأما إذا انخذت واجبات أو مستحبات كان ذلك ديناً لم يشرعه الله، وجعل ما ليس من الواجبات والمستحبات منها بمنزلة جعل ما ليس من المحرمات منها ، فلا حرام إلا ما حرمه الله؛ ولا دين إلا ما شرعه الله؛ ولهذا عظم ذم الله فى القرآن لمن شرع ديناً لم يأذن الله به ، ولمن حرم ما لم يأذن الله بتحريمه فإذا كان هذا فى المباحات فكيف بالمكروهات أو المحرمات؟! ولهذا كانت هذه الأمور لا تلزم بالنذر ، فلو نذر الرجل فعل مباح أو مكروه أو محرم لم يجب عليه فعله كما يجب عليه إذا نذر طاعة الله أن يطيعه ؛ بل عليه كفارة يمين إذا لم يفعل عند أحمد وغيره ، وعند آخرين لا شيء عليه ، فلا ٤٥٠ يصير بالنذر ما ليس بطاعة ولا عبادة [طاعة وعبادة]. ونحو ذلك العهود التى تتخذ على الناس لالتزام طريقة شيخ معين كعهود أهل ((الفتوة)) و((رماة البندق)) ونحو ذلك ليس على الرجل أن يلتزم من ذلك على وجه الدين والطاعة لله إلا ما كان ديناً وطاعة للّه ورسوله فى شرع الله؛ لكن قد يكون عليه كفارة عند الحنث في ذلك ؛ ولهذا أمرت غير واحد أن يعدل عما أخذ عليه من العهد بالتزام طريقة مرجوحة أو مشتملة على أنواع من البدع إلى ما هو خير منها من طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم واتباع الكتاب والسنة؛ إذ كان المسلمون متفقين على أنه لا يجوز لأحد أن يعتقد أو يقول عن عمل : إنه قربة وطاعة وبر وطريق إلى الله واجب أو مستحب إلا أن يكون مما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ وذلك يعلم بالأدلة المنصوبة على ذلك ، وما علم باتفاق الأمة أنه ليس بواجب ولا مستحب ولا قربة لم يجز أن يعتقد أو يقال إنه قربة وطاعة . فكذلك م متفقون على أنه لا يجوز قصد التقرب به إلى الله، ولا التعبد به ولا اتخاذه دينا ولا عمله من الحسنات ، فلا يجوز جعله من الدين لا باعتقاد وقول ، ولا بإرادة وعمل . وبإهمال هذا الأصل غلط خلق كثير من العلماء والعباد يرون الشيء ٤٥١ إذا لم يكن محرما لا ينهى عنه ؛ بل يقال إنه جاز ، ولا يفرقون بين اتخاذه دينا وطاعة وبراً ، وبين استعماله كما تستعمل المباحات المحضة ، ومعلوم أن اتخاذه دينا بالاعتقاد أو الاقتصاد أو بهما أو بالقول أو بالعمل أو بهما من أعظم المحرمات وأكبر السيئات ، وهذا من البدع المنكرات التى هي أعظم من المعاصي التى يعلم أنها معاصي وسيئات . فصل فلما نهيتهم عن ذلك أظهروا الموافقة والطاعة ومضت على ذلك مدة والناس يذكرون عنهم الإصرار على الابتداع فى الدين ، وإظهار ما يخالف شرعة المسلمين ، ويطلبون الإيقاع بهم ، وأنا أسلك مسلك الرفق والأناة ، وأنتظر الرجوع والفيئة، وأؤخر الخطاب إلى أن يحضر ( ذلك الشيخ ) لمسجد الجامع . وكان قد كتب إلي كتابا بعد كتاب فيه احتجاج واعتذار ، وعتب وآثار ، وهو كلام باطل لا تقوم به حجة ، بل إما أحاديث موضوعة ، أو إسرائيليات غير مشروعة ، وحقيقة الأمر الصد عن سبيل الله وأكل أموال الناس بالباطل . فقلت لهم : الجواب يكون بالخطاب . فإن جواب مثل هذا الكتاب لا يتم إلا بذلك وحضر عندنا منهم شخص فنزعنا الغل من عنقه ، ٤٥٢ وهؤلاء م من أهل الأهواء الذين يتعبدون في كثير من الأمور بأهوائهم لا بما أمر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم (وَمَنْ أَضَلُّ مِقَنِ اُتَبَعَ هَوَكَهُ بِغَيْرِ هُدَى مِّنَ اللَّهِ ) ؛ ولهذا غالب وجدهم هوى مطلق لا يدرون من يعبدون، وفيهم شبه قوي من النصارى الذين قال الله تعالى فيهم: (قُلْ يَكَأَهْلَ اُلْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُواْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَنِ سَوَآءِ السَّبِيلِ ) ولهذا كان السلف يسمون أهل البدع أهل الأهواء . فحملهم هوام على أن تجمعوا تجمع الأحزاب ، ودخلوا إلى المسجد الجامع مستعدين للحراب ، بالأحوال التى يعدونها للغلاب . فلما قضيت صلاة الجمعة أرسلت إلى شيخهم لنخاطبه بأمر الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم ، ونتفق على اتباع سبيله - خرجوا من المسجد الجامع فى جموعهم إلى قصر الإمارة ، وكأنهم اتفقوا مع بعض الأكابر على مطلوبهم ، ثم رجعوا إلى مسجد الشاغو - على ما ذكر لي - وثم من الصياح والاضطراب ، على أمر من أعجب العجاب . فأرسلت إليهم مرة ثانية لإقامة الحجة والمعذرة ، وطلباً للبيان والتبصرة ، ورجاء المنفعة والتذكرة . فعمدوا إلى القصر مرة ثانية، وذكر لي أنهم قدموا من الناحية الغربية مظهرين الضجيج والعجيج والإزباد والإرعاد ، واضطراب الرءوس والأعضاء ، والتقلب فى نهر بردى ، وإظهار التوله ٤٥٣ الذي يخيلون به على الردى ، وإبراز مايدعونه من الحال والمحال ، الذى يسلمه إليهم من أضلوا من الجهال . فلما رأى الأمير ذلك هاله ذلك المنظر ، وسأل عنهم فقيل له م مشتكون ، فقال ليدخل بعضهم ، فدخل شيخهم ، وأظهر من الشكوى عليَّ ودعوى الاعتداء مني عليهم كلاماً كثيراً لم يبلغني جميعه ؛ لكن حدثنى من كان حاضراً أن الأمير قال لهم : فهذا الذي يقوله من عنده أو يقوله عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا بل يقوله عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، قال فأي شيء يقال له ؟ قالوا : نحن لنا أحوال وطريق يسلم إلينا ، قال فنسمع كلامه فمن كان الحق معه نصرناه ، قالوا نريد أن تشد منا، قال : لا ، ولكن أشد من الحق سواء كان معكم أو معه ، قالوا : ولا بد من حضوره ؟ قال : نعم ، فكرروا ذلك فأمر بإخراجهم ، فأرسل إلى بعض خواصه من أهل الصدق والدين ممن يعرف ضلالهم وعرفني بصورة الحال وأنه يريد كشف أمر هؤلاء . فلما علمت ذلك ألقي في قلبى أن ذلك لأمر يريده اللّه من إظهار الدين ، وكشف حال أهل النفاق المبتدعين ، لانتشارم فى أقطار الأرضين ، وما أحببت البغي عليهم والعدوان ، ولا أن أسلك معهم إلا أبلغ ما يمكن من الإحسان ، فأرسلت إليهم من عرفهم بصورة ٤٥٤ الحال ، وإنى إذا حضرت كان ذلك عليكم من الوبال ، وكثر فيكم القيل والقال ، وإن من قعد أو قام قدام رماح أهل الإيمان ، فهو الذي أوقع نفسه فى الهوان . فجاء الرسول وأخبر أنهم اجتمعوا بشيوخهم الكبار ، الذين يعرفون حقيقة الأسرار ، وأشاروا عليهم بموافقة ما أمروا به من اتباع الشريعة ، والخروج عما ينكر عليهم من البدع الشنيعة . وقال شيخهم الذي يسيح بأقطار الأرض كبلاد الترك ومصر وغيرها : أحوالنا تظهر عند التتار لا تظهر عند شرع محمد بن عبد الله. وأنهم نزعوا الأغلال من الأعناق، وأجابوا إلى الوفاق . ثم ذكر لي أنه جاءم بعض أكابر غلمان المطاع وذكر أنه لا بد من حضورم لموعد الاجتماع . فاستخرت الله تعالى تلك الليلة واستعنته، واستنصرته واستهديته ، وسلكت سبيل عباد الله فى مثل هذه المسالك، حتى ألقي فى قلبى أن أدخل النار عند الحاجة إلى ذلك ، وأنها تكون برداً وسلاماً على من اتبع ملة الخليل ، وأنها تحرق أشباه الصابئة أهل الخروج عن هذه السبيل . وقد كان بقايا الصابئة أعداء إبراهيم إمام الحنفاء بنواحي البطائح منضمين إلى من يضاهيهم من نصارى الدهماء . وبين الصابئة ومن ضل من العباد المنتسبين إلى هذا الدين ، نسب يعرفه من عرف الحق المبين ، فالغالية من القرامطة والباطنية ٤٥٥ كالنصيرية والإسماعيلية . يخرجون إلى مشابهة الصابئة الفلاسفة ، ثم إلى الإشراك ، ثم إلى جحود الحق تعالى . ومن شركهم الغلو فى البشر . والابتداع فى العبادات ، والخروج عن الشريعة له نصيب من ذلك بحسب ما هو به لائق، كالملحدين من أهل الاتحاد ، والغالية من أصناف العباد . فلما أصبحنا ذهبت للميعاد ، وما أحببت أن أستصحب أحداً للإسعاد ، لكن ذهب أيضاً بعض من كان حاضراً من الأصحاب، والله هو المسبب لجميع الأسباب . وبلغني بعد ذلك أنهم طافوا على عدد من أكابر الأمراء ، وقالوا أنواعاً مما جرت به عادتهم من التلبيس والافتراء ، الذي استحوذوا به على أكثر أهل الأرض من الأكابر والرؤساء ، مثل زعمهم أن لهم أحوالاً لا يقاومهم فيها أحد من الأولياء ، وأن لهم طريقاً لا يعرفها أحد من العلماء . وأن شيخهم هو فى المشايخ كالخليفة ، وأنهم يتقدمون على الخلق بهذه الأخبار المنيفة ، وأن المنكر عليهم هو آخذ بالشرع الظاهر ، غير واصل إلى الحقائق والسرائر. وأن لهم طريقاً وله طريق. وم الواصلون إلى كنه التحقيق ، وأشباه هذه الدعاوى ذات الزخرف والتزويق . وكانوا لفرط انتشارم فى البلاد ، واستحواذ على الملوك والأمراء والأجناد ، لخفاء نور الإسلام ، واستبدال أكثر الناس بالنور الظلام ، ٤٥٦ وطموس آثار الرسول فى أكثر الأمصار ، ودروس حقيقة الإسلام فى دولة التار ، لهم فى القلوب موقع هائل ، ولهم فيهم من الاعتقاد ما لا يزول بقول قائل . قال المخبر : فغدا أولئك الأمراء الأكابر ، وخاطبوا فيهم نائب السلطان بتعظيم أمرهم الباهر، وذكر لي أنواعا من الخطاب، والله تعالى أعلم بحقيقة الصواب ، والأمير مستشعر ظهور الحق عند التحقيق، فأعاد الرسول ، إلي مرة ثانية فبلغه أنا فى الطريق ، وكان كثير من أهل البدع الأضداد ، كطوائف من المتفقهة والمتفقرة وأتباع أهل الاتحاد . مجدين فى نصرهم بحسب مقدورهم ، مجهزين لمن يعينهم فى حضورم . فلما حضرت وجدت النفوس فى غاية الشوق إلى هذا الاجتماع ، متطلعين إلى ما سيكون طالبين للاطلاع . فذكر لي نائب السلطان وغيره من الأمراء بعض ما ذكروه من الأقوال المشتملة على الافتراء . وقال إنهم قالوا : إنك طلبت منهم الامتحان ، وأن يحموا الأطواق ناراً ويلبسوها فقلت هذا من البهتان . وها أنا ذا أصف ما كان . قلت للأمير: نحن لا نستحل أن نأمر أحداً بأن يدخل ناراً، ولا تجوز طاعة من يأمر بدخول النار . وفى ذلك الحديث الصحيح. وهؤلاء يكذبون فى ذلك، وم كذابون مبتدعون قد أفسدوا من أمر دين المسلمين ودنياهم ما الله به عليم . وذكرت ٤٥٧ تلبيسهم على طوائف من الأمراء ، وأنهم ليسوا على الأمير المعروف بالأيدى . وعلى قفجق نائب السلطنة وعلى غيرهما ، وقد لبسوا أيضاً على الملك العادل كتنا فى ملكه ، وفى حالة ولاية حماه ، وعلى أمير السلاح أجل أمير بديار مصر ، وضاق المجلس عن حكاية جميع تلبيسهم . فذكرت تلبيسهم على الأيدمرى ، وأنهم كانوا يرسلون من النساء من يستخبر عن أحوال بيته الباطنة ، ثم يخبرونه بها على طريق المكاشفة ، ووعدوه بالملك ، وأنهم وعدوه أن يروه رجال الغيب ، فصنعوا خشباً طوالاً وجعلوا عليها من يمشي كهيئة الذي يلعب بأكر الزجاج ، فجعلوا يمشون على جبل المزة وذاك يرى من بعيد قوماً يطوفون على الجيل وهم يرتفعون عن الأرض وأخذوا منه مالاً كثيراً ثم انكشف له أمرهم. قلت للأمير : وولده هو الذي فى حلقة الجيش يعلم ذلك ، وهو ممن حدثني بهذه القصة. وأما قفجق فإنهم أدخلوا رجلاً فى القبر يتكلم وأوهموه أن المولى تتكلم ، وأتوا به فى مقابر باب الصغير إلى رجل زعموا أنه الرجل الشعرانى الذي بجبل لبنان ولم يقربوه منه بل من بعيد لتعود عليه بركته، وقالوا إنه طلب منه جملة من المال ؛ فقال قفجق الشيخ يكاشف وهو يعلم أن خزائني ليس فيها هذا كله، وتقرب قفجق منه وجذب الشعر فانقلح الجلد الذى ألصقوه على جلده من جلد الماعز ٤٥٨ فذكرت للأمير هذا ؛ ولهذا قيل لي إنه لما انقضى المجلس وانكشف حالهم للناس كتب أصحاب قفجق إليه كتابا وهو نائب السلطنة بحماه يخبره بصورة ما جرى . وذكرت للأمير أنهم مبتدعون بأنواع من البدع مثل الأغلال ونحوها وأنا نهينام عن البدع الخارجة عن الشريعة ، فذكر الأمير حديث البدعة وسألني عنه ، فذكرت حديث العرباض بن سارية ، وحديث جابر بن عبد الله ، وقد ذكرتهما بعد ذلك بالمجلس العام كما سأذكره . قلت للأمير : أنا ما امتحنت هؤلاء ، لكن ثم يزعمون أن لهم أحوالا يدخلون بها النار ، وأن أهل الشريعة لا يقدرون على ذلك ، ويقولون لنا هذه الأحوال التى يعجز عنها أهل الشرع ليس لهم أن يعترضوا علينا ، بل يسلم إلينا ما نحن عليه - سواء وافق الشرع أو خالفه - وأنا قد استخرت الله سبحانه أنهم إن دخلوا النار أدخل أنا وهم ومن احترق منا ومنهم فعليه لعنة الله، وكان مغلوبا ، وذلك بعد أن تغسل جسومنا بالخل والماء الحار . فقال الأمير ولم ذاك ؟ قلت : لأنهم يطلون جسومهم بأدوية يصنعونها من دهن الضفادع ، وباطن قشر النارنج ، وحجر الطلق وغير ذلك ٤٥٩ من الحيل المعروفة لهم ، وأنا لا أطلي جلدى بشيء فإذا اغتسلت أنا وهم بالخل والماء الحار بطلت الحيلة وظهر الحق ، فاستعظم الأمير هجومى على النار ، وقال: أتفعل ذلك ؟ فقلت له : نعم ! قد استخرت الله فى ذلك وألقى فى قلبى أن أفعله ، ونحن لانرى هذا وأمثاله ابتداء ؛ فإن خوارق العادات إنما تكون لأمة محمد صلى الله عليه وسلم المتبعين له باطنا وظاهراً لحجة أو حاجة ، فالحجة لإقامة دين الله ، والحاجة لما لا بد منه من النصر والرزق الذي به يقوم دين الله، وهؤلاء إذا أظهروا ما يسمونه إشاراتهم وبراهينهم التى يزعمون أنها تبطل دين الله وشرعه وجب علينا أن ننصر الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم ونقوم فى نصر دين الله وشريعته بما نقدر عليه من أرواحنا وجسومنا وأموالنا ، فلنا حينئذ أن نعارض ما يظهرونه من هذه المخاريق بما يؤيدنا اللّه به من الآيات. وليعلم أن هذا مثل معارضة موسى للسحرة لما أظهروا سحرم أبد الله موسى بالعصا التى ابتلعت سحرم . فجعل الأمير يخاطب من حضره من الأمراء على السماط بذلك، وفرح بذلك ، وكأنهم كانوا قد أوهموه أن هؤلاء لهم حال لا يقدر أحد على رده ، وسمعته يخاطب الأمير الكبير الذي قدم من مصر الحاج بهادر وأنا جالس بينهما على رأس السماط بالتركى ما فهمته منه إلا أنه قال اليوم ترى حربا عظيما، ولعل ذاك كان ٤٦٠