Indexed OCR Text

Pages 401-420

مثل الشيخ رحمه الله
عن قوم داوموا على ((الرياضة)) مرة فرأوا أنهم قد تجوهروا،
فقالوا : لا نبالي الآن ما عملنا ، وإنما الأوامر والنواهي رسوم العوام ،
ولو بجوهروا لسقطت عنهم ، وحاصل النبوة يرجع إلى الحكمة والمصلحة
والمراد منها ضبط العوام ، ولسنا نحن من العوام ، فندخل فى حجر
التكليف ، لأنا قد تجوهرنا ، وعرفنا الحكمة . فهل هذا القول كفر
من قائله ؟ أم يبدع من غير تكفير ؟ وهل يصير ذلك عمن فى قلبه
خضوع للنبي - صلى الله عليه وسلم - ؟.
فأجاب : - لا ريب عند أهل العلم والإيمان أن هذا القول من أعظم
الكفر ، وأغلظه . وهو شر من قول اليهود والنصارى ؛ فإن اليهودي
والنصراني آمن ببعض الكتاب ، وكفر ببعض . وأولئك هم الكافرون حقا
كما ذكر أنهم يقرون بأن الله أمراً ونهياً، ووعداً ووعيداً، وأن ذلك
متناول لهم إلى حين الموت . هذا إن كانوا متمسكين باليهودية والنصرانية
المبدلة المنسوخة .
وأما إن كانوا من منافقي أهل ملتهم - كما هو الغالب على متكلمهم
٤٠١

ومتفلسفهم - كانوا شراً من منافقي هذه الأمة ، حيث كانوا مظهرين
للكفر ومبطنين للنفاق ، فهم شر ممن يظهر إيماناً ويبطن نفاقا .
والمقصود أن المتمسكين بجملة منسوخة فيها تبديل خير من هؤلاء
الذين يزعمون سقوط الأمر والنهي عنهم بالكلية؛ فإن هؤلاء خارجون
فى هذه الحال عن جميع الكتب والشرائع والملل: لا يلتزمون لله أمراً
ولا نهياً بحال ؛ بل هؤلاء شر من المشركين المستمسكين ببقايا من الملل :
كمشركي العرب الذين كانوا مستمسكين بقايا من دين إبراهيم عليه
السلام ، فإن أولئك معهم نوع من الحق يلتزمونه ، وإن كانوا مع
ذلك مشركين ، وهؤلاء خارجون عن التزام شيء من الحق ، بحيث
يظنون أنهم قد صاروا سدى لا أمر عليهم ولا نهي .
فمن كان من قوله هو أنه أو طائفة غيره قد خرجت عن كل أمر
ونهي ، بحيث لا يجب عليها شيء ، ولا يحرم عليها شيء ، فهؤلاء
أكفر أهل الأرض ، وهم من جنس فرعون وذويه ، وهم مع هذا لا
بد أن يلتزموا بشيء يعيشون به ، إذ لا يمكن النوع الإنسانى أن يعيش
إلا بنوع أمر ونهي ، فيخرجون عن طاعة الرحمن وعبادته إلى طاعة
الشيطان وعبادته ؛ ففرعون هو الذي قال لموسى: ( وَمَارَبُّ الْعَلَمِينَ )
ثم كانت له آلهة يعبدها . كما قال له قومه: (وَيَذَرَكَ وَءَ الِهَتَكَ ) .
٤٠٢

ولكن كثير من هؤلاء لايطلقون السلب العام ، ويخرجون عن ربقة
العبودية مطلقاً ، بل يزعمون سقوط بعض الواجبات عنهم، أو حل
بعض المحرمات لهم ، فمنهم من يزعم أنه سقطت عنه الصلوات الخمس
لوصوله إلى المقصود وربما قد يزعم سقوطها عنه إذا كان فى حال
مشاهدة وحضور ، وقد يزعمون سقوط الجماعات عنهم استغناء عنها بما
هو فيه من التوجه والحضور ومنهم من يزعم سقوط الحج عنه مع
قدرته عليه ؛ لأن الكعبة تطوف به، أو لغير هذا من الحالات الشيطانية .
ومنهم من يستحل الفطر فى رمضان لغير عذر شرعي زعما منه استغناؤه
عن الصيام. ومنهم من يستحل الخمر زعما منه أنها إنما يحرم على العامة
الذين إذا شربوها تخاصموا وتضاربوادون الخاصة العقلاء، ويزعمون أنها
تحرم على العامة الذين ليس لهم أعمال صالحة، فأما أهل النفوس الزكية
والأعمال الصالحة : فتباح لهم دون العامة .
وهذه (( الشبهة)) كانت قد وقعت لبعض الأولين فاتفق الصحابة
على قتلهم إن لم يتوبوا من ذلك فإن قدامة بن عبد الله شربها هو
وطائفة وتأولوا قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ
فلما ذكر
فِيمَا طَعِمُوْاْإِذَا مَا أَنَّقَواْ وَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ)
ذلك لعمر بن الخطاب انفق هو وعلي بن أبي طالب وسأر الصحابة على
أنهم إن اعترفوا بالتحريم جلدوا، وإن أصروا على استحلالها قتلوا. وقال عمر
٤٠٣

لقدامة : أخطأت إستك الحفرة . أما إنك لو انقيت وآمنت وعملت
الصالحات لم تشرب الخمر ؛ وذلك أن هذه الآية نزلت بسبب : أن الله
سبحانه لما حرم الخمر - وكان تحريمها بعد وقعة أحد - قال بعض الصحابة :
فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وم يشربون الخمر ؟. فأنزل الله هذه الآية
يبين فيها أن من طعم الشيء فى الحال التى لم تحرم فيها فلا جناح عليه
إذا كان من المؤمنين المتقين المصلحين .
وهذا كما أنه لما صرف القبلة وأمرهم باستقبال الكعبة بعد أن كانوا
مأمورين باستقبال بيت المقدس ، فقال الله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ
إِيمَنَكُمْ ) أي صلانكم إلى بيت المقدس . فبين سبحانه أن من عمل
بطاعة الله أثابه الله على ذلك ، وإن نهى عن ذلك فى وقت آخر ،
ومن استحل ما لم يحرمه لم يكن عليه جناح ، إذا كان من المؤمنين
المتقين وإن حرم الله ذلك في وقت آخر. فأما بعد أن حرم الحمر
فاستحلالها بمنزلة الصلاة إلى الصخرة بعد تحريم ذلك ، وبمنزلة التعبد
بالسبت واستحلال الزنا ، وغير ذلك مما استقرت الشريعة على خلاف
ما كان ، وإلا فليس لأحد أن يستمسك من شرع منسوخ بأمر .
ومن فعل ذلك كان بمنزلة المستمسك بما نسخ من الشرائع ؛ فلهذا
اتفق الصحابة على أن من استحل المر قتلوه ، ثم إن أولئك الذين
فعلوا ذلك ندموا ، وعلموا أنهم أخطأوا وأيوا من التوبة . فكتب
٤٠٤

عمر إلى قدامة يقول له : ( حَمَ * تَنْزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ *
ما أدري أي ذنبيك أعظم
غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابٍ )
استحلالك المحرم أولاً ؟ أم يأسك من رحمة الله ثانياً ؟
وهذا الذي اتفق عليه الصحابة ، هو متفق عليه بين أئمة الإسلام
لا يتنازعون فى ذلك ، ومن جحد وجوب بعض الواجبات الظاهرة
المتواترة : كالصلوات الخمس ، وصيام شهر رمضان ، وحج البيت العتيق
أو جحد تحريم بعض المحرمات الظاهرة المتواترة: كالفواحش، والظلم
والخمر والميسر والزنا وغير ذلك . أو جحد حل بعض المباحات الظاهرة
المتواترة : كالخبز واللحم والنكاح . فهو كافر مرتد ، يستتاب فإن تاب
وإلا قتل ، وإن أضمر ذلك كان زنديقاً منافقاً، لا يستتاب عند أكثر
العلماء ؛ بل يقتل بلا استتابة ، إذا ظهر ذلك منه .
ومن هؤلاء من يستحل بعض الفواحش : كاستحلال مؤاخاة النساء
الأجانب والخلو بهن ، زعما منه أنه يحصل لهن البركة بما يفعله معهن
وإن كان محرماً في الشريعة . وكذلك من يستحل ذلك من المردان
ويزعم أن التمتع بالنظر إليهم ومباشرتهم هو طريق لبعض السالكين
حتى يترقى من محبة المخلوق [إلى محبة الخالق ] ويأمرون بمقدمات الفاحشة
الكبرى ، وقد يستحلون الفاحشة الكبرى ، كما يستحلها من يقول :
إن التلوط مباح بملك اليمين . فهؤلاء كلهم كفار باتفاق المسلمين ؛ وم
٤٠٥

بمنزلة من يستحل قتل المسلمين بغير حق . ويسى حريمهم ويغنم
أموالهم ، وغير ذلك من المحرمات ، التى يعلم أنها من المحرمات تحريماً
ظاهراً متواتراً .
لكن من الناس من يكون جاهلا ببعض هذه الأحكام جهلا يعذر
به ، فلا يحكم بكفر أحد حتى تقوم عليه الحجة من جهة بلاغ الرسالة
كما قال تعالى: (لِلَّايَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) وقال
تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَقَّ نَبْعَثَ رَسُولًا) ولهذا لو أسلم رجل ولم
يعلم أن الصلاة واجبة عليه؛ أو لم يعلم أن الخمر يحرم لم يكفر بعدم اعتقاد
إيجاب هذا وتحريم هذا ؛ بل ولم يعاقب حتى تبلغه الحجة النبوية . بل
قد اختلف العلماء فيمن أسلم بدار الحرب ولم يعلم أن الصلاة واجبة
ثم علم. هل يجب عليه قضاء ما تركه فى حال الجهل؟ على قولين في
مذهب الإمام أحمد وغيره :
(أحدهما) : لا يجب عليه القضاء ، وهو مذهب أبي حنيفة .
و (الثاني): يجب عليه القضاء، وهو المشهور عند أصحاب الشافعي بل النزاع
بين العلماء فى كل من ترك واجبا قبل بلوغ الحجة: مثل ترك الصلاة عند عدم
الماء يحسب أن الصلاة لا تصح بتيمم، أو من أكل حتى تبين له الخيط الأبيض
من الخيط الأسود ، ويحسب أن ذلك هو المراد بالآية ، كما جرى ذلك
٤٠٦

لبعض الصحابة ، أو مس ذكره ، أو أكل لحم الإبل ولم يتوضأ ، ثم
تبين له وجوب ذلك ، وأمثال هذه المسائل هل يجب عليه القضاء ؟
على قولين في مذهب أحمد وغيره . وأصل ذلك هل يثبت حكم الخطاب
فى حق المكلف قبل التمكن من سماعه؟ على ((ثلاثة أقوال )) فى
مذهب أحمد وغيره .
قيل : يثبت مطلقاً، وقيل : لا يثبت مطلقاً؛ وقيل : يفرق بين
الخطاب الناسخ؛ والخطاب المبتدأ . كأهل القبلة، والصحيح الذي تدل
عليه الأدلة الشرعية : أن الخطاب لا يثبت فى حق أحد قبل التمكن من
سماعه ؛ فإن القضاء لا يجب عليه فى الصور المذكورة ونظائرها مع
اتفاقهم على انتفاء الإثم ؛ لأن الله عفا لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان
فإذا كان هذا فى التأثيم فكيف في التكفير ؟!
وكثير من الناس قد ينشأ فى الأمكنة والأزمنة الذي يندرس فيها كثير من
علوم النبوات، حتى لا يبقى من يبلغ ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة،
فلا يعلم كثيراً مما يبعث الله به رسوله ولا يكون هناك من يبلغه ذلك، ومثل هذا
لا يكفر؛ ولهذا اتفق الأئمة على أن من نشأ ببادية بعيدة عن أهل العلم والإيمان،
وكان حديث العهد بالإسلام، فأنكر شيئاً من هذه الأحكام الظاهرة المتواترة
فإنه لا يحكم بكفره حتى يعرف ما جاء به الرسول ؛ ولهذا جاء فى
الحديث (( يأتى على الناس زمان لا يعرفون فيه صلاة ولا زكاة ولا
٤٠٧

صوماً ولا حجا إلا الشيخ الكبير ، والعجوز الكبيرة ، يقول أدركنا
آباءنا وهم يقولون: لا إله إلا الله، وهم لا يدرون صلاة ولا زكاة ولا
حجا . فقال: ولا صوم ينجيهم من النار)).
وقد دل على هذا الأصل ما أخرجاه في الصحيحين عن أبى هريرة
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((قال رجل - لم يعجل
حسنة قط ـ لأهله إذا مات فرقوه ، ثم أذْرَوا نصفه في البر، ونصفه
في البحر ، فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذاباً لا يعذبنه أحداً من
العالمين . فلما مات الرجل فعلوا ما أمرهم، فأمر الله البر فجمع ما فيه
وأمر البحر جمع ما فيه ، ثم قال : لم فعلت هذا؟ قال : من خشيتك
يا رب! وأنت أعلم؛ فغفر الله له)) وفى لفظ آخر («أسرف رجل على
نفسه فلما حضره الموت أوصى بنيه فقال : إذا أنامت فأحرقونى ، ثم
اسحقونى ، ثم أذرونى فى البحر . فوالله لئن قدر علي ربى ليعذبني
عذاباً ما عذبه أحداً . قال : ففعلوا ذلك به . فقال للأرض: أدّ
ما أخذت ، فإذا هو قائم . فقال له : ما حملك على ما صنعت . قال :
خشيتك يارب . أو قال: مخافتك ، فغفر له بذلك )) وفى طريق آخر
((قال الله لكل شىء أخذ منه شيئاً: أد ما أخذت منه)).
وقد أخرج البخاري هذه القصة من حديث حذيفة وعقبة بن
عمرو أيضاً عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( كان
٤٠٨

رجل فيمن كان قبلكم كان بسيء الظن بعمله . فقال لأهله : إذا أنامت
فحذونى فذرونى في البحر فى يوم صائف ففعلوا ، فجمعه الله. ثم قال:
ما حملك على الذي فعلت (١) ؟ فقال: ما حملني إلا مخافتك . فغفر له)).
وفى طريق آخر: (( أن رجلاً حضره الموت ، فلما يئس من الحياة
أوصى أهله إذا أنامت ، فاجمعوا لي حطباً كثيراً ، وأوقدوا فيه ناراً حتى
إذا أكلت لحمي ، ووصلت إلى عظمي ، فامتحشت ، خذوها فاطحنوها
ثم انظروا يوماً فذرونى فى اليم. جمعه الله فقال له: لم فعلت ذلك؟
قال: من خشيتك. فغفر الله له)) قال عقبة بن عمرو أنا سمعته - يعنى
النبى صلى الله عليه وسلم - يقول ذلك . وكان نباشاً.
فهذا الرجل ظن أن الله لا يقدر عليه إذا تفرق هذا التفرق،
فظن أنه لا يعيده إذا صار كذلك ، وكل واحد من إنكار قدرة الله
تعالى، وإنكار معاد الأبدان وإن تفرقت كفر. لكنه كان مع إيمانه بالله
وإيمانه بأمره وخشيته منه جاهلاً بذلك ، ضالاً فى هذا الظن مخطئاً .
فغفر الله له ذلك . والحديث صريح فى أن الرجل طمع أن لا يعيده
إذا فعل ذلك ، وأدنى هذا أن يكون شاكا فى المعاد ، وذلك كفر
- إذا قامت حجة النبوة على منكره حكم بكفره - هو بين فى عدم إيمانه
(١) نسخة صنعت .
٤٠٩

بالله تعالى، ومن تأول قوله: لئن قدر الله علي بمعنى قضى، أو بمعنى
ضيق ، فقد أبعد النجعة ، وحرف الكلم عن مواضعه ، فإنه إنما أمر
بتحريقه وتفريقه لئلا يجمع ويعاد . وقال : إذا أنامت فأحرقونى ثم
اسحقونى ، ثم ذرونى فى الريح في البحر ، فوالله لئن قدر علي ربى
ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً .
فذكر هذه الجملة الثانية بحرف الفاء عقيب الأولى يدل على أنه
سبب لها ، وأنه فعل ذلك لئلا يقدر الله عليه إذا فعل ذلك ، فلو كان
مقراً بقدرة الله عليه إذا فعل ذلك كقدرته عليه إذا لم يفعل لم يكن فى
ذلك فائدة له ؛ ولأن التقدير عليه والتضييق موافقان للتعذيب ، وهو
قد جعل تفريقه مغايراً ، لأن يقدر الرب . قال: فوالله ! لئن قدر الله
علي ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً من العالمين . فلا يكون الشرط هو
الجزاء ؛ ولأنه لو كان مراده ذلك لقال: فوالله لئن جازانى ربى أو لئن
عاقبني ربى ليعذبني عذاباً ، كما هو الخطاب المعروف فى مثل ذلك : ولأن
لفظ ((قدر )) بمعنى ضيق لا أصل له فى اللغة .
ومن استشهد على ذلك بقوله: ( وَقَدِّرْ فِ السَّرْدِ ) وقوله :
( وَمَن قُدِرَعَلَيْهِ رِزْقُهُ ) فقد استشهد بمالا يشهد له . فإن اللفظ كان
بقوله: ( وَقَدِّرْ فِ السَّرْدِ ) أي اجعل ذلك بقدر ، ولا تزد
) أي جعل رزقه قدر ما يغنيه
ولا تنقص وقوله: (وَمَنْقُدِرَعَلَیەِرِزْقُهُ
٤١٠

من غير فضل ، إذ لو ينقص الرزق عن ذلك لم يعش .
وأما (( قَدِرَ )) بمعنى قَدَّرَ . أي أراد تقدير الخير والشر فهو لم
يقل : إن قدر علي ربي العذاب ، بل قال : لئن قدر علي ربى ، والتقدير
يتناول النوعين ، فلا يصح أن يقال ؛ لئن قضى الله على ؛ لأنه قد
مضى وتقرر عليه ما ينفعه وما يضره ؛ ولأنه لو كان المراد التقدير أو
التضييق لم يكن ما فعله مانعا من ذلك فى ظنه . ودلائل فساد هذا
التحريف كثيرة ليس هذا موضع بسطها ، فغاية مافى هذا أنه كان رجلا
لم يكن عالما بجميع ما يستحقه الله من الصفات ، وبتفصيل أنه القادر ،
وكثير من المؤمنين قد يجهل مثل ذلك ، فلا يكون كافراً .
ومن تتبع الأحاديث الصحيحة وجد فيها من هذا الجنس ما يوافقه
كما روى مسلم في صحيحه عن عائشة - رضى الله عنها - قالت: ((ألا
أحدثكم عني وعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلنا: بلى!
قالت : لما كانت ليلتى التى النبى صلى الله عليه وسلم فيها عندي،
انقلب فوضع رداءه ، وخلع نعليه فوضعها عند رجليه ، وبسط طرف
إزاره على فراشه، واضطجع فلم يثبت إلا ريثما ظن أني رقدت ،
فأخذ رداءه رويداً ، وانتقل رويداً، وفتح الباب رويداً ، فرج ، ثم
أجافه رويداً ، فجعلت درعي فى رأسي ، واختمرت وتقنعت إزاري ثم
انطلقت على إثره حتى جاء البقيع . فقام فأطال القيام ، ثم رفع يديه
٤١١

ثلاث مرات ، ثم انحرف فانحرفت وأسرع فأسرعت فهرول وهرولت
وأحضر وأحضرت ، فسبقته فدخلت ، فليس إلا أن اضطجعت فقال :
مالك يا عائشة حشيى رابية ؟ قالت : لا شيء . قال : لتخبرينى ، أو
ليخبر في اللطيف الخبير . قالت : قلت: يارسول الله! بأبي أنت وأمى
فأخبرته . قال : فأنت السواد الذي رأيت أمامي ؟ قلت : نعم فلهزني
فى صدري لهزة أوجعتني . ثم قال : أظننت أن يحيف اللّه عليك
ورسوله ؟! قالت : قلت مهما يكتم الناس يعلمه الله ، قال : نعم! قال :
فإن جبريل - عليه السلام - أمانى حين رأيت فناداني - فأخفاه منك
فأجبته وأخفيته منك ، ولم يكن يدخل عليك وقد وضعت ثيابك ،
وظننت أنك رقدت ، وكرهت أن أوقظك وخشيت أن تستوحشي -
فقال : إن ربك يأمرك أن تأتى أهل البقيع فتستغفر لهم. قلت :
كيف أقول يا رسول الله ؟ قال : قولى : السلام على أهل الديار من
المؤمنين ، والمسلمين ، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين ، وإنا
إن شاء الله للاحقون » .
فهذه عائشة أم المؤمنين : سألت النبي - صلى الله عليه وسلم -
هل يعلم الله كل ما يكتم الناس ؟ فقال لها النبى صلى الله عليه
وسلم: نعم ، وهذا يدل على أنها لم تكن تعلم ذلك ، ولم تكن قبل
معرفتها بأن الله عالم بكل شيء يكتمه الناس كافرة، وإن كان الإقرار [بذلك]
٤١٢

بعد قيام الحجة من أصول الإيمان ، وإنكار علمه بكل شيء كإنكار
قدرته على كل شيء، هذا مع أنها كانت ممن يستحق اللوم على الذنب ،
ولهذا لهزها النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أتخافين أن يحيف الله
عليك ورسوله ؟ ! وهذا الأصل مبسوط فى غير هذا الموضع .
فقد تبين أن هذا القول كفر ، ولكن تكفير قائله لا يحكم به حتى
يكون قد بلغه من العلم ما تقوم به عليه الحجة التى يكفر تاركها، ودلائل
فساد هذا القول كثيرة فى الكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة وأئمتها
ومشايخها ، لا يحتاج إلى بسطها . بل قد علم بالاضطرار من دين
الإسلام : أن الأمر والنهي ثابت فى حق العباد إلى الموت.
وأما قول القائل : هل يصدر ذلك عمن فى قلبه خضوع للنبى
صلى الله عليه وسلم؟.
فيقال : هذا لا يصدر عمن هو مقر بالنبوات مطلقاً ، بل قائل
ذلك كافر بجميع الأنبياء والمرسلين ؛ لأنهم جميعاً أنوا بالأمر والنهي
للعباد إلى حين الموت بل لا يصدر هذا القول ممن في قلبه خضوع لله
وإقرار بأنه إله العالم، فإن هذا الاقرار يستلزم أن يكون الإنسان عبداً
الله خاضعا له، ومن سوغ لإنسان أن يفعل ما يشاء من غير تعبد
بعبادة الله ، فقد أنكر أن يكون الله إلهه .
٤١٣

وأما قولهم إنهم قد تجوهروا، فقالوا : لا نبالي الآن ما عملنا ؟.
فيقال لهم : ماذا تعنون بقولكم ؟ فإن أرادوا أن النفس بقيت
صافية طاهرة ، لا تنازع إلى الشهوات والأهواء المردية ، فهذا لو كان
حقاً لكان معناه أن النفس قد صارت مطيعة ليس فيها دواعي المعصية
فتكون منقادة إلى فعل المأمور ، ولا تميل إلى المحظور ، وهذا غايته
أن تكون معصومة لا تطلب فعل القبيح ، وهذا ما يخرجها أن تكون
مأمورة منهية كالملائكة .
وإذا قال مثل هؤلاء: لا ينافى ما عملنا، قيل لهم : الذي تعملونه إن كان
من جنس الأهواء المردية فقد تناقضتم فى زعمكم أن نفوسكم لم يبق لها
هوى ، وإن كان من جنس الأعمال الصالحة فهذا جنس لاينكر ، فعلم
أنهم متناقضون فى هذا الكلام إذا أرادوا بتجوهر النفس صفاءها
وطهارتها عن الأكدار البشرية، مع أن هذا الكال ممتع فى حق
البشر ما دامت الأرواح فى الأجسام ؛ ولهذا أنكر المشايخ ذلك على من
ادعاه، كالآثار المعروفة فى ذلك عن الشيخ أبي علي الروذباري وغيرهم
وأعظم الناس درجة الأنبياء عليهم السلام، وقد أمرم الله بالتوبة
والاستغفار، حتى خاتم الرسل أمره الله فى أواخر ما أنزل عليه من القرآن
ما أمره به بقوله: (إِذَاجَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ
جے
يَدْ خُلُونَ فِ دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَأَسْتَغْفِرُهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا).
٤١٤

ولهذا كان الذي عليه سلف الأمة وأتمتها أن الأنبياء إنما هم
معصومون من الإقرار على الذنوب، وأن الله يستدركهم بالتوبة التى يحبها
الله - (يُحِبُّ التَّوَّبِينَ) - وإن كانت حسنات الأبرار سيئات
المقربين . وأن ما صدر منهم من ذلك إنما كان لكمال النهاية بالتوبة
لا لنقص البداية بالذنب . وأما غيرم فلا تجب له العصمة ، وإنما يدعي
العصمة المطلقة لغير الأنبياء الجهال من الرافضة وغالية النساك ، وهذا
مبسوط فى موضعه .
وأما قولهم : حاصل النبوة يرجع إلى الحكمة والمصلحة، فلا ريب
أن الله يبعث الأنبياء لما فيه صلاح العباد فى المعاش والمعاد، ولا ريب
أن الله أمر العباد بما فيه صلاحهم ونهام عما فيه فسادهم، ولا ريب أن
الحكمة هي العلم والعمل بها، كما فسرها بذلك مالك بن أنس وغيره
من الأمة ؛ لكن أي شيء في هذا مما يوجب سقوطها عن بعض العباد؟
وإنما يخرج عن الحكمة والمصلحة من يكون سفيها مفسداً (وَمَن
يَرْغَبُ عَن مِّلَّةٍ إِبْرَهِمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ) (وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ).
وأما قولهم: المراد منها ضبط العوام ولسنا نحن من العوام .
فالكلمة الأولى: زندقة ونفاق، والثانیة کذب واختلاق ، فإنه ليس
المراد من الشرائع مجرد ضبط العوام؛ بل المراد منها الصلاح باطنا
٤١٥

وظاهراً ، الخاصة والعامة في المعاش والمعاد، ولكن في بعض فوائد العقوبات
المشروعة فى الدنيا ضبط العوام . كما قال عثمان بن عفان - رضي الله
عنه -: ((إن الله ليزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن)) فإن من يكون
من المنافقين والفجار فإنه ينزجر بما يشاهده من العقوبات ، وينضبط
عن انتهاك المحرمات ، فهذا بعض فوائد العقوبات السلطانية المشروعة .
وأما فوائد الأمر والنهى : فأعظم من أن يحصيها خطاب أو
كتاب؛ بل هي الجامعة لكل خير يطلب ويراد، وفي الخروج عنها كل
شر وفساد .
ودعوى هؤلاء أنهم من الخواص ، يوجب أنهم من حثالة منافقي
العامة ، وم داخلون فيما نعت الله به المنافقين في قوله: (وَمِنَ النَّاسِ
مَن يَقُولُ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَاهُم بِمُؤْمِنِينَ * يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ
فِي قُلُوبِهِم ◌َّرَضُ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضَا
*
وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ
وَإِذَاقِيلَ لَهُمْ لَا نُفْسِدُ واْ فِى الْأَرْضِ قَالُواْ
وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْيَكْذِبُونَ *
إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَّا يَشْتُرُونَ * وَإِذَاقِيلَ
لَهُمْ ءَامِنُواْ كَمَآءَامَنَ النَّاسُ قَالُواْأَنُؤْمِنُ كَمَآءَ امَنَ الشُّفَهَءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنَّا
يَعْلَمُونَ - إلى قوله - حُمْ بَكْمّ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ) . وفى مثل
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْبِمَآ أَنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن
قوله : (
٤١٦

قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَنْ يَكْفُرُواْبِهِ، وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ
يُضِلَّهُمْ ضَلَلا بَعِيدًا * وَإِذَاقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ
فَكَيْفَ إِذَا أَصَبَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا
اَلْمُنَفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا *
قَدَّمَتْ أَيْدِ يهِمْ ثُمَّ جَاءُ وَكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّا إِحْسَنًا وَتَوْفِيقًا * أُوْلَئِكَ
الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِ قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظُهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِى أَنْفُسِهِمْ
وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ
قَوْلاً بَلِیغًا
ظَلَمُواْأَنفُسَهُمْ جَاءُ وَكَ فَاسْتَغْفَرُ واْاللَّهَ وَأُسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ
تَوَابًا رَحِيمًا * فَلَ وَرَبِّكَ لَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ
ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا ) ولبسط الكلام
على أمثال هؤلاء موضع غير هذا .
ومن هؤلاء من يحتج بقوله: ( وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأَنِيَكَ الْيَقِينُ )
ويقول معناها : اعبد ربك حتى يحصل لك العلم والمعرفة ، فإذا حصل
ذلك سقطت العبادة . وربما قال بعضهم : اعمل حتى يحصل لك حال ،
فإذا حصل لك حال تصوفي [ سقطت عنك العبادة ] وهؤلاء فيهم من
إذا ظن حصول مطلوبه من المعرفة والحال استحل ترك الفرائض ،
وارتكاب المحارم ، وهذا كفر كما تقدم .
ومنهم من يظن استغناءه عن النوافل حينئذ ، وهذا مغبون منقوص
جاهل ضال خاسر باعتقاد الاستغناء عن النوافل واستخفافه بها حينئذ ،
٤١٧

بخلاف من تركها معتقداً كمال من فعلها حينئذ معظما لحاله ، فإن هذا
ليس مذموماً ، وإن كان الفاعل لها مع ذلك أفضل منه ، أو يكون
هذا من المقربين السابقين ، وهذا من المقتصدين ، أصحاب اليمين .
ومن هؤلاء من يظن أن الاستمساك بالشريعة - أمراً ونهياً -
إنما يجب عليه ما لم يحصل له من المعرفة أو الحال ، فإذا حصل له لم يجب
عليه حينئذ الاستمساك بالشريعة النبوية ، بل له حينئذ أن يمشي مع
الحقيقة الكونية القدرية ، أو يفعل بمقتضى ذوقه ووجده وكشفه ورأيه
من غير اعتصام بالكتاب والسنة ، وهؤلاء منهم من يعاقب بسلب حاله
حتى يصير منقوصاً عاجزاً محروماً ، ومنهم من يعاقب بسلب الطاعة
حتى يصير فاسقاً ، ومنهم من يعاقب بسلب الإيمان حتى يصير مرتداً
منافقاً، او كافراً ملعناً. وهؤلاء كثيرون جداً، وكثير من هؤلاء يحتج
بقصة موسى والخضر .
(
فأما استدلالهم بقوله تعالى: ( وَأَعْبُدُ رَبَّكَ حَتَّى يَأْنِيَّكَ اَلْيَقِينُ
فهي عليهم لا لهم ، قال الحسن البصري: إن الله لم يجعل لعمل
وَأَعْبُدْرَبَّكَ حَتَّى يَأْنِيَكَ
المؤمنين أجلا دون الموت ، وقرأ قوله : (
الْيَقِيثُ)؛ وذلك أن اليقين هنا الموت وما بعده باتفاق علماء المسلمين
وهؤلاء من المستيقنين. وذلك مثل قوله: (مَاسَلَكَكُمْ فِ سَقَرَ * قَالُواْ
لَمْنَكُ مِنَ الْمُصَلِينَ - إلى قوله - وَكُتََّخُوضُ مَعَ الْخَبِضِينَ * وَكُنَا
٤١٨

حَّ أَتَنَا الْيَقِينُ ) فهذا قالوه وهم في جهنم .
*
تُكَّذِّبُ بِيَّوْمِ الدِينِ
وأخبروا أنهم كانوا [على ] ماهم عليه من ترك الصلاة والزكاة والتكذيب
بالآخرة ، والخوض مع الخائضين حتى أتام اليقين . ومعلوم أنهم مع
هذا الحال لم يكونوا مؤمنين بذلك فى الدنيا ، ولم يكونوا مع الذين
قال الله فيهم: (وَبِلَخِرَةِ هُمْيُوفُونَ) وإنما أراد بذلك أنه أتام
ما يوعدون ، وهو اليقين . ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم
فى الحديث الصحيح - لما توفي عثمان بن مظعون - وشهدت له بعض
النسوة بالجنة. فقال لها النبى صلى اللّه عليه وسلم: (( وما يدريك؟ إنى
والله وأنا رسول الله ما أدري ما يفعل بى)) وقال: ((أما عثمان فقد
جاءه اليقين من ربه )) أي أناه ما وعده وهو اليقين.
و «بقين)» على وزن فعيل. وسواء كان فعيل بمعنى مفعول ، أي
الموت . كالحبيب والنصيح والذبيح ، أو كان مصدراً وضع موضع
المفعول. كقوله: ( هَذَا خَلْقُ اللَّهِ) وقوله: ( أَفَ أَمْرُ اللَّهِ ) وقوله:
ضرب الأمير ؛ وغفر الله لك. قيل: وقولهم قدرة عظيمة . وأمثال
ذلك ؛ فإنه كثير . فعلى التقديرين المعنى لا يختلف ؛ بل اليقين هو ما وعد
به العباد من أمر الآخرة، وقوله: (حَتَّى يَأْنِيَكَ الْيَقِينُ ) كقولك :
يأتيك ما توعد .
فأما أن يظن أن المراد : اعبده حتى يحصل لك إيقان ، ثم لاعبادة
٤١٩

عليك . فهذا كفر باتفاق أئمة المسلمين ؛ ولهذا لما ذكر للجنيد بن محمد
أن قوماً يزعمون أنهم يصلون من طريق البر إلى ترك العبادات. فقال:
الزنا والسرقة وشرب الخمر خير من قول هؤلاء ، وما زال أئمة الدين
ومشايخه يعظمون النكير على هؤلاء المنافقين ، وإن كانوا من الزهاد
العابدين وأهل الكشف والتصرف فى الكون وأرباب الكلام والنظر
فى العلوم ، فإن هذه الأمور قد يكون بعضها فى أهل الكفر والنفاق
ومن المشركين وأهل الكتاب . وإنما الفاصل بين أهل الجنة وأهل
النار؛ الإيمان والتقوى. الذي هو نعت أولياء الله. كما قال: (أَلَآ إِنَّ
أَوْلِيَآءَ اللَّهِلَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَهُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ)
وأما احتجاجهم بقصة موسى والخضر فيحتجون بها على وجهين :
( احدهما ) : أن يقولوا : إن الخضر كان مشاهداً الإرادة الربانية
الشاملة، والمشيئة الإلهية العامة ، وهي ((الحقيقة الكونية)). فلذلك
سقط عنه الملام فيما خالف فيه الأمر والنهي الشرعي ، وهو من عظيم
الجهل والضلال ، بل من عظيم النفاق والكفر ، فإن مضمون هذا
الكلام : أن من آمن بالقدر وشهد أن الله رب كل شيء . لم يكن
عليه أمر ولا نهي ، وهذا كفر بجميع كتب الله ورسله ، وما جاءوا
به من الأمر والنهي ، وهو من جنس قول المشركين الذين قالوا :
) قال الله
لَوَّشَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَ كْنَا وَلَاَ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَىْءٍ
)
٤٢٠