Indexed OCR Text

Pages 341-360

يفرقوا بين المتلقى بالقبول وغيره ، وكثير من أهل الرأي قد ينكر
كثيراً منها بشروط اشترطها ، ومعارضات دفعها بها ووضعها ، كما يرد
بعضهم بعضاً ، لأنه بخلاف ظاهر القرآن فيما زعم ، أو لأنه خلاف
الأصول ، أو قياس الأصول ، أو لأن عمل متأخري أهل المدينة
على خلافه أو غير ذلك من المسائل المعروفة فى كتب الفقه والحديث
وأصول الفقه .
( الطريق الرابع ) الإجماع وهو متفق عليه بين عامة المسلمين من
الفقهاء والصوفية وأهل الحديث والكلام وغيرهم فى الجملة ، وأنكره
بعض أهل البدع من المعتزلة والشيعة ، لكن المعلوم منه هو ما كان عليه
الصحابة ، وأما ما بعد ذلك فتعذر العلم به غالباً ، ولهذا اختلف أهل
العلم فيما يذكر من الإجماعات الحادثة بعد الصحابة واختلف فى مسائل
منه كإجماع التابعين على أحد قولي الصحابة ، والإجماع الذي لم ينقرض
عصر أهله حتى خالفهم بعضهم ، والإجماع السكونى وغير ذلك.
(الطريق الخامس) - ((القياس على النص والإجماع)). وهو حجة
أيضاً عند جماهير الفقهاء ، لكن كثيراً من أهل الرأي أسرف فيه حتى
استعمله قبل البحث عن النص ، وحتى رد به النصوص ، وحتى استعمل
منه الفاسد ، ومن أهل الكلام وأهل الحديث وأهل القياس من ينكره
رأسا ، وهي مسألة كبيرة والحق فيها متوسط بين الإسراف والنقص .
٣٤١

( الطريق السادس) - ((الاستصحاب)) وهو البقاء على الأصل فيما لم
يعلم ثبوته وانتفاؤه بالشرع ، وهو حجة على عدم الاعتقاد بالاتفاق ،
وهل هو حجة فى اعتقاد العدم ؟ فيه خلاف ، ومما يشبهه الاستدلال
بعدم الدليل السمعي على عدم الحكم الشرعي، مثل أن يقال : لو كانت
الأضحية أو الوتر واجبا لنصب الشرع عليه دليلا شرعياً، إذ وجوب
هذا لا يعلم بدون الشرع ، ولا دليل ، فلا وجوب.
فالأول يبقى على نفي الوجوب والتحريم المعلوم بالعقل حتى يثبت المغير
له، وهذا استدلال بعدم الدليل السمعي المثبت على عدم الحكم، إذ يلزم
من ثبوت مثل هذا الحكم ثبوت دليله السمعي ؛ كما يستدل بعدم النقل
لما توفر الهمم والدواعي على نقله ، وما توجب الشريعة نقله ، وما يعلم
من دين أهلها وعادتهم أنهم ينقلونه على أنه لم يكن ؛ كالاستدلال
بذلك على عدم زيادة فى القرآن وفى الشرائح الظاهرة، وعدم النص
الجلي بالإمامة على علي أو العباس أو غيرهما ؛ ويعلم الخاصة من أهل
العلم بالسنن والآثار وسيرة النبى صلى الله عليه وسلم وخلفائه انتفاء
أمور من هذا ، لا يعلم انتفاءها غيرهم ؛ ولعلمهم بما ينفيها من أمور
منقولة يعلمونها م ؛ ولعلمهم بانتفاء لوازم نقلها ، فإن وجود أحد
الضدين بنفي الآخر، وانتفاء اللازم دليل على انتفاء الملزوم.
(الطريق السابع) - ((المصالح المرسلة)) وهو أن يرى المجتهد أن هذا
٣٤٢

الفعل يجلب منفعة راجحة ؛ وليس فى الشرع ما ينفيه ؛ فهذه الطريق
فيها خلاف مشهور، فالفقهاء يسمونها ((المصالح المرسلة))، ومنهم من
يسميها الرأي ، وبعضهم يقرب إليها الاستحسان ، وقريب منها ذوق
الصوفية ووجدهم وإلهاماتهم ؛ فإن حاصلها أنهم يجدون فى القول والعمل
مصلحة فى قلوبهم وأديانهم ويذوقون طعم تمرته ، وهذه مصلحة ، لكن
بعض الناس يخص المصالح المرسلة يحفظ النفوس والأموال والأعراض والعقول
والأديان . وليس كذلك ، بل المصالح المرسلة فى جلب المنافع وفى دفع
المضار، وما ذكروه من دفع المضار عن هذه الأمور الخمسة فهو
أحد القسمين .
وجلب المنفعة يكون فى الدنيا وفى الدين ، ففى الدنيا كالمعاملات
والأعمال التى يقال فيها مصلحة للخلق من غير حظر شرعى ، وفى
الدين ككثير من المعارف والأحوال والعبادات والزهادات التى
يقال فيها مصلحة للإنسان من غير منع شرعي . فمن قصر المصالح
على العقوبات التى فيها دفع الفساد عن تلك الأحوال ليحفظ الجسم
فقط فقد قصر .
وهذا فصل عظيم ينبغي الاهتمام به فإن من جهته حصل فى الدين
اضطراب عظيم ، وكثير من الأمراء والعلماء والعباد رأوا مصالح فاستعملوها
بناء على هذا الأصل، وقد يكون منها ماهو محظور فى الشرع ولم يعلموه
٣٤٣
١

وربما قدم على المصالح المرسلة كلاما بخلاف النصوص ، وكثير منهم من
أهمل مصالح يجب اعتبارها شرعا بناء على أن الشرع لم يرد بها ،
ففوت واجبات ومستحبات ، أو وقع فى محظورات ومكروهات ، وقد
يكون الشرع ورد بذلك ولم يعلمه .
وحجة الأول : أن هذه مصلحة والشرع لا يهمل المصالح ، بل قد
دل الكتاب والسنة والإجماع على اعتبارها ، وحجة الثاني : أن هذا
أمر لم يرد به الشرع نصا ولا قياساً .
والقول بالمصالح المرسلة بشرع من الدين مالم يأذن به الله [غالبا]. وهي
تشبه من بعض الوجوه مسئلة الاستحسان والتحسين العقلي والرأي ونحو
ذلك. فإن الاستحسان طلب الحسن والأحسن كالاستخراج ، وهو رؤية
الشئ حسناً كما أن الاستقباح رؤيته قبيحاً ، والحسن هو المصلحة ،
فالاستحسان والاستصلاح متقاربان ، والتحسين العقلي قول بأن العقل
يدرك الحسن ، لكن بين هذه فروق .
والقول الجامع أن الشريعة لا تهمل مصلحة قط ، بل الله تعالى
قد أكمل لنا الدين وأتم النعمة ، فما من شيء يقرب إلى الجنة إلا وقد
حدثنا به النبي صلى الله عليه وسلم وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها
لا يزيغ عنها بعده إلا هالك ، لكن ما اعتقده العقل مصلحة وإن كان
٣٤٤

الشرع لم يرد به فأحد الأمرين لازم له ، إما أن الشرع دل عليه من
حيث لم يعلم هذا الناظر أو أنه ليس بمصلحة ، وإن اعتقده مصلحة؛ لأن المصلحة
هي المنفعة الحاصلة أو الغالبة ، وكثيراً ما يقوم الناس أن الشيء ينفع في
الدين والدنيا ويكون فيه منفعة مرجوحة بالمضرة ، كما قال تعالى
(قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ
فى الخمر والميسر :
مِن نَّفْعِهِمَا ) .
وكثير مما ابتدعه الناس من العقائد والأعمال من بدع أهل
الكلام وأهل التصوف وأهل الرأي وأهل الملك حسبوه منفعة أو
مصلحة نافعاً وحقاً وصوابا ولم يكن كذلك ، بل كثير من الخارجين
عن الإسلام من اليهود والنصارى والمشركين والصابئين والمجوس يحسب
كثير منهم أن ماهم عليه من الاعتقادات والمعاملات والعبادات مصلحة لهم
( الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِ الْحَوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ
فى الدين والدنيا ، ومنفعة لهم ،
أَهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) وقد زين لهم سوء عملهم فرأوه حسناً.
فإذا كان الإنسان يرى حسنا ماهو سيء كان استحسانه أو استصلاحه
قد يكون من هذا الباب . وهذا بخلاف الذين جحدوا بها واستيقنتها
أنفسهم ظلما وعلواً . فإن باب جحود الحق ومعاندته غير باب جهله
والعمى عنه ، والكفار فيهم هذا وفيهم هذا ، وكذلك فى أهل الأهواء
من المسلمين القسمان. فإن الناس كما أنهم فى باب الفتوى والحديث
٣٤٥

يخطئون تارة ويتعمدون الكذب أخرى، فكذلك م فى أحوال الديانات ،
وكذلك في الأفعال قد يفعلون ما يعلمون أنه ظل وقد يعتقدون أنه
ليس بظلم هو ظلم فإن الإنسان كما قال الله تعالى: (وَحَمَ الْإِنسَنَّإِنَّهُ.
كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) فتارة يجهل وتارة يظلم : ذلك فى قوة علمه وهذا فى
قوة عمله .
واعلم أن هذا الباب مشترك بين أهل العلم والقول وبين أهل
الإرادة والعمل فذلك يقول هذا جاز أو حسن بناء على ماراً. وهذا
يفعله من غير اعتقاد تحريمه أو اعتقاد أنه خير له كما يجد نفعاً فى مثل
السماع المحدث : سماع المكاء والتصدية واليراع التى يقال لها الشبابة
والصفارة والأوتار وغير ذلك وهذا يفعله لما يجده من لذته وقد يفعله
لما يجده من منفعة دينه بزيادة أحواله الدينية كما يفعل مع القرآن .
وهذا يقول هذا جاز لما يرى من تلك المصلحة والمنفعة، وهو نظير
المقالات المبتدعة . وهذا يقول هو حق لدلالة القياس العقلي عليه .
وهذا يقول يجوز ويجب اعتقادها وإدخالها فى الدين إذا كانت كذلك ،
وكذلك سياسات ولاة الأمور من الولاة والقضاة وغير ذلك .
واعلم أنه لا يمكن العاقل أن يدفع عن نفسه أنه قد يميز بعقله
بين الحق والباطل ، والصدق والكذب ، وبين النافع والضار ،
٣٤٦

والمصلحة والمفسدة . ولا يمكن المؤمن أن يدفع عن إيمانه أن الشريعة
جاءت بما هو الحق والصدق فى المعتقدات ، وجاءت بما هو النافع
والمصلحة في الأعمال التى تدخل فيها الاعتقادات ، ولهذا لم يختلف
الناس أن الحسن أو القبيح إذا فسر بالنافع والضار والملائم للإنسان
والمنافى له واللذيذ والأليم - فإنه قد يعلم بالعقل ، هذا فى الأفعال.
وكذلك إذا فسر حسنه بأنه موجود أو كمال الموجود يوصف بالحسن
ومنه قوله تعالى ( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) وقوله (الَّذِى أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ
خَلَقَهُ ) كما نعلم أن الحي أكمل من الميت في وجوده ، وأن العالم
أكمل من الجاهل ، وأن الصادق أكمل من الكاذب - فهذا أيضاً
قد يعلم بالعقل . وإنما اختلفوا فى أن العقل هل يعتبر المنفعة والمضرة.
وأنه هل «باب التحسين )) واحد فى الخالق والمخلوق ؟
فأما الوجهان الأولان فثابتان فى أنفسهما ، ومنها ما يعلم بالعقل:
الأول فى الحق المقصود ، والثانى فى الحق الموجود. ( الأول ) متعلق
يحب القلب وبغضه وإرادته وكراهته وخطابه بالأمر والنهي . و(الثانى) متعلق
بتصديقه وتكذيبه وإثباته ونفيه وخطابه الخبري المشتمل على النفي والإثبات ،
والحق والباطل يتناول النوعين ، فإن الحق يكون بمعنى الموجود الثابت ،
والباطل بمعنى المعدوم المنتفي ، والحق بإزاء ما ينبغي قصده وطلبه وعمله،
وهو النافع . والباطل بإزاء ما لا ينبغي قصده ولا طلبه ولا عمله ، وهو
٣٤٧

غير النافع . والمنفعة تعود إلى حصول النعمة واللذة والسعادة التى هي
حصول اللذة، ودفع الألم هو حصول المطلوب ، وزوال المرهوب. حصول
النعيم وزوال العذاب . وحصول الخير وزوال الشر . ثم الموجود والنافع
قد يكون ثابتاً دائماً ، وقد يكون منقطعاً لا سيما إذا كان زمناً يسيراً
فيستعمل الباطل كثيراً بإزاء ما لا يبقى من المنفعة ، وبإزاء ما لا يدوم
من الوجود . كما يقال الموت حق والحياة باطل ، وحقيقته أنه يستعمل بإزاء
ما ليس من المنافع خالصاً أو راجحاً، كما تقدم القول فيه فيما يزهد فيه ،
وهو ما ليس بنافع . والمنفعة المطلقة هى الخالصة أو الراجحة . وأما
ما يفوت أرجح منها أو يعقب ضرراً ليس هو دونها فإنها باطل فى
الاعتبار، والمضرة أحق باسم الباطل من المنفعة . وأما مايظن فيه منفعة
وليس كذلك أو يحصل به لذة فاسدة فهذا لا منفعة فيه بحال . فهذه
الأمور التى يشرع الزهد فيها وتركها وهي باطل ؛ ولذلك ما نهى اللّه
عنه ورسوله باطل ممتنع أن يكون مشتملاً على منفعة خالصة أو راجحة .
ولهذا صارت أعمال الكفار والمنافقين باطلة لقوله (لَاتُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ
بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِى يُنفِقُ مَالَهُرِئَاءَ النَّاسِ وَلَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِّ فَمَثَلُهُ كَمَثَلٍ
الآبة . أخبر أن صدقة المرائى والمنان
صَفَوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ )
باطلة لم يبق فيها منفعة له . وكذلك قوله تعالى (يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُوا
وكذلك الإحباط في
اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَلَنَبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ )
٣٤٨

مثل قوله (وَمَن يَكْفُرْ بِآلْإِيَمَنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ )
الفقهاء العقود .
ولهذا تسميه
((والعبادات)) بعضها صحيح وبعضها باطل وهو ما لم يحصل به مقصوده
ولم يترتب عليه أثره ، فلم يكن فيه المنفعة المطلوبة منه . ومن هذا قوله
الآية وقوله
( وَالَّذِينَ كَفَرُوْأَعْمَلُهُمْ كَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الَّمْشَانُ مَآءَ)
(مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِى هَذِهِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيجِفِيهَا صِرُّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوَأْ
(وَقَدِ مْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ
أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ ) وقوله
هَبَآَ مَّنثُورًا ) ولذلك وصف الاعتقادات والمقالات بأنها باطلة ليست مطابقة
ولا حقاً، كما أن الأعمال ليست نافعة .
وقد توصف الاعتقادات والمقالات بأنها باطلة إذا كانت غير مطابقة
إن لم يكن فيها منفعة، كقوله صلى الله عليه وسلم: ((اللهم إنى أعوذ بك
من علم لا ينفع)) فيعود الحق فيما يتعلق بالإنسان إلى ما ينفعه من علم
وقول وعمل وحال ، قال الله تعالى ( أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا)
- إلى قوله - كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَاَلْبَطِلُّ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَأَةٍ وَأَمَّامَا
يَنَفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِ الْأَرْضِّ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُالْأَمْثَالَ)
وقال تعالى: (الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّ واْعَن سَبِيلِ الَّهِ أَضَلَّ أَعْمَلَهُمْ * وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ وَءَامَنُواْبِمَا نُزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ .. إلى قوله - كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُلِلنَّاسِ أَمْثَلَهُمْ) .
٣٤٩

وإذا كان كذلك وقد على أن كل عمل لا يراد به وجه الله فهو
باطل حابط لا ينفع صاحبه وقت الحاجة إليه ، فكل عمل لا يراد به
وجه الله فهو باطل ، لأن ما لم يرد به وجهه إما ألا ينفع بحال ،
وإما أن ينفع فى الدنيا أو فى الآخرة . فالأول ظاهر، وكذلك منفعته
فى الآخرة بعد الموت ، فإنه قد ثبت بنصوص المرسلين أنه بعد الموت
لا ينفع الإنسان من العمل إلا ما أراد به وجه الله. وأما فى الدنيا
فقد يحصل له لذات وسرور ، وقد يجزى بأعماله فى الدنيا ، لكن تلك
الذات إذا كانت تعقب ضرراً أعظم منها وتفوت أنفع منها وأبقى .
فهي باطلة أيضاً ، فثبت أن كل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل
وإن كان فيه لذة ماً .
وأما الكائنات فقد كانت معدومة منتفية، فثبت أن أصدق كلمة قالها
شاعر كلمة لبيد: ((ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل)) وكما قال صلى الله
عليه وسلم (( أصدق كلمة قالها شاعر قول لبيد ((ألاكل شيء
ما خلا الله باطل)) وإنها تجمع الحق الموجود والحق المقصود، وكل
موجود بدون الله باطل ، وكل مقصود بدون قصد الله فهو باطل ،
وعلى هذين فقد فسر قوله (كُ شَىْءِ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ ) إلا ما أريد
به وجهه، وكل شيء معدوم إلا من جهته . هذا على قول، وأما القول
الآخر وهو المأثور عن طائفة من السلف وبه فسره الإمام أحمد رحمه
٣٥٠

اللّه تعالى فى رده على الجهمية والزنادقة قال أحمد: وأما قوله (كُلُّ
شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ) وذلك أن الله أنزل (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَ فَانِ)
فقالت الملائكة : هلك أهل الأرض ، وطمعوا فى البقاء ، فأنزل
الله تعالى أنه يخبر عن أهل السموات والأرض أنكم تموتون فقال:
كل شيء من الحيوان هالك - يعني ميتاً - إلا وجهه ، فإنه حي
لا يموت ، فلما ذكر ذلك أيقنوا عند ذلك بالموت )) ذكر ذلك فى
رده على الجهمية قولهم إن الجنة والنار تفنيان .
وقد تبين مما ذكرناه أن الحسن هو الحق والصدق والنافع والمصلحة
والحكمة والصواب . وأن الشيء القبيح هو الباطل والكذب والضار
والمفسدة والسفه والخطأ .
وأما مواضع الاشتباء والنزاع واختلاف الخلائق فموضع واحد
وذلك أن فعل الله كله حسن جميل ، قال الله عز وجل: (الَّذِىَّ أَحْسَنَ
كُلَّشَىْءٍ خَلَقَهُ ) وقال تعالى (صُنْعَ اللَّهِالَّذِىَ أَنْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ ) وقال
تعالى ( وَلِلَِّآلْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْالَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىّ أَسْمَِّهِ، سَيُجْزَوْنَ
مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله جميل يحب الجمال)) وهو
حكم عدل قال اللّه تعالى (شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَإِلَّهُوَ وَالْمَلَئِكَةُ وَأُوْلُواْالْعِلْمِ
٣٥١

) وقال تعالى: (إِنَّاللَّهُ
قَائِمًا بِالْقِسْطِ، لَا إِلَهَ إِلََّ هُوَ الْعَبِزُ الْحَكِيمُ
لَيَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنتَكُ حَسَنَةً يُضَعِفُهَا ) وقال تعالى: ( وَهُوَ
اَلْحَكِيمُالْخَبِيرُ ). وهذا كله متفق عليه بين الأمة مجملاً غير مفسر فإذا
فسر تنازعوا فيه .
وذلك أن هذه الأعمال الفاسدة والآلام وهذا الشر الوجودي
المتعلق بالحيوان ، وأنه لا يخلو عن أن يكون عملاً من الأعمال ، أو
أن يكون ألماً من الآلام الواقعة بالحيوان ، وذلك العمل القبيح والألم
شره من ضرره، وهذا العمل والتألم : المعتزلة ومن اتبعها من الشيعة
تزعم أن الأعمال ليست من خلقه ولا كونها شيء ، وأن الآلام لا يجوز
أن يفعلها إلا جزاء على عمل سابق ، أو تعوض بنفع لاحق ، وكثير
من أهل الإثبات ومن اتبعهم من الجبرية يقولون بل الجميع خلقه، وهو
يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد ، ولا فرق بين خلق المضار والمنافع ،
والخير والشر بالنسبة إليه . ويقول هؤلاء : إنه لا يتصور أن يفعل ظلماً
ولا سفها أصلاً ، بل لو فرض أنه فعل أي شيء كان فعله حكمة وعدلاً
وحسناً ، إذ لا قبيح إلا ما نهى عنه وهو لم ينهه أحد ، ويسوون
بين تنعيم الخلائق وتعذيبهم، وعقوبة المحسن ، ورفع درجات
الكفار والمنافقين .
والفريقان متفقان على أنه لا ينتفع بطاعات العباد ولا يتضرر
٣٥٢

بمعصيتهم ، لكن الأولون يقولون: الإحسان إلى الغير حسن لذاته وان
لم يعد إلى المحسن منه فائدة .
والآخرون يقولون : ما حسن منا حسن منه ، وما قبح منا قبح
منه، والآخرون مع جمهور الخلائق ينكرون ، والأولون يقولون : إذا
أمر بالشيء فقد أراده منا . لا يعقل الحسن والقبيح إلا ما ينفع أو
يضر ، كنحو ما يأمر الواحد منا غيره بشيء فإنه لابد أن يريده منه
ويعينه عليه ، وقد أقدر الكفار بغاية القدرة ، ولم يبق يقدر على أن
يجعلهم يؤمنون اختياراً ، وإنما كفرهم وفسوقهم وعصيانهم بدون مشيئته
واختياره . وآخرون يقولون: الأمر ليس بمستلزم الإرادة أصلا، وقد
بينت التوسط بين هذين فى غير هذا الموضع ، وكذلك أمره .
والأولون يقولون لايأمر إلا بما فيه مصلحة العباد ، والآخرون يقولون
أمره لا يتوقف على المصلحة .
وهنا مقدمات ، تكشف هذه المشكلات .
( إحداها ) أنه ليس ما حسن منه حسن منا وليس ماقبح منه
يقبح منا، فإن المعتزلة شبهت الله بخلقه ، وذلك أن الفعل يحسن منا
لجلبه المنفعة، ويقبح لجلبه المضرة ، ويحسن لأنا أمرنا به ، ويقبح لأنا
نهينا عنه ، وهذان الوجهان منتفيان فى حق الله تعالى قطعاً ، ولو كان
٣٥٣

الفعل يحسن باعتبار آخر كما قال بعض الشيوخ:
وتفعله فيحسن منك ذاكا
ويقبح من سواك الفعل عندي
( المقدمة الثانية ) أن الحسن والقبح قد يكونان صفة لأفعالنا ، وقد
بدرك بعض ذلك بالعقل، وإن فسر ذلك بالنافع والضار والمكمل والمنقص
فإن أحكام الشارع فيما يأمر به وينهى عنه تارة تكون كاشفة للصفات
الفعلية ومؤكدة لها وتارة تكون مبينة للفعل صفات لم تكن له قبل ذلك،
وأن الفعل تارة يكون حسنه من جهة نفسه، وتارة من جهة الأمر به
وتارة من الجهتين جميعاً. ومن أنكر أن يكون للفعل صفات ذاتية لم
يحسن إلا لتعلق الأمر به وأن الأحكام بمجرد نسبة الخطاب إلى الفعل
فقط ، فقد أنكر ماجاءت به الشرائع من المصالح والمفاسد، والمعروف
والمنكر ، وما فى الشريعة من المناسبات بين الأحكام وعللها ، وأنكر خاصة
الفقه فى الدين الذي هو معرفة حكمة الشريعة ومقاصدها ومحاسنها .
(المقدمة الثالثة) أن الله خلق كل شيء وهو على كل شيء قدير. ومن جعل
شيئا من الأعمال خارجا عن قدرته ومشيئته فقد ألحد فى أسمائه وآياته بخلاف
ما عليه القدرية .
( المقدمة الرابعة ) أن الله إذا أمر العبد بشىء فقد أراده منه
٣٥٤

إرادة شرعية دينية وإن لم يرده منه إرادة قدرية كونية ، فإثبات إرادته
فى الأمر مطلقاً خطأ، ونفيها عن الأمر مطلقاً خطأ، وإنما الصواب
التفصيل كما جاء فى التنزيل (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اَلْيُسْرَ وَلَيُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ )
( يُرِيدُ اللّهُأَنْ يُخَفِّفَ عَنكُمْ) (مَايُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَج ) وقال
﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَ هُلِلْإِسْلَهِ وَمَن يُرِدُ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ.
(
ضَيِّقًّاحَرَجًا ) وقال (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ
وقال ( وَلَوْشَآءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَايُرِيدُ ) وأمثال ذلك
كثير .
( المقدمة الخامسة ) أن محبته ورضاه مستلزم للإرادة الدينية والأمر
الديني، وكذلك بغضه وغضبه وسخطه مستلزم لعدم الإرادة الدينية. فالمحبة والرضا
والغضب والسخط ليس هو مجرد الإرادة . هذا قول جمهور أهل
السنة. ومن قال إن هذه الأمور بمعنى الإرادة كما يقوله كثير من القدرية
وكثير من أهل الإثبات فإنه يستلزم أحد الأمرين: إما [أن] الكفر والفسوق
والمعاصي مما يكرهها دينا فقد كره كونها وإنها واقعة بدون مشيئته
وإرادته . وهذا قول القدرية ، أو يقول إنه لما كان مريداً لها شاءها
فهو محب لها راض بها كما تقوله طائفة من أهل الإثبات ، وكلا القولين
فيه ما فيه ، فإن الله تعالى يحب المتقين ويحب المقسطين وقد رضي
عن المؤمنين ، ويحب ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب ، وليس هذا
٣٥٥

المغنى ثابتاً فى الكفار والفجار والظالمين ، ولا يرضى لعباده الكفر
ولا يحب كل مختال فخور، ومع هذا فما شاء اللّه كان وما لم
يشأ لم يكن .
وأحسن ما يعتذر به من قال هذا القول من أهل الإثبات : أن
المحبة بمعنى الإرادة أنه أحبها كما أرادها كونا . فكذلك أحبها ورضيها
كونا . وهذا فيه نظر مذكور فى غير هذا الموضع .
( فإن قيل ) تقسيم الإرادة لا يعرف فى حقنا بل إن الأمر منه
بالشيء إما أن يربده أو لا يريده ، وأما الفرق بين الإرادة والمحبة فقد
يعرف فى حقنا ( فيقال) وهذا هو الواجب فإن الله تعالى ليس كمثله
شيء ، وليس أمره لنا كأمر الواحد منا لعبده وخدمه ، وذلك أن
الواحد منا إذا أمر عبده فإما أن بأمره لحاجته إليه أو إلى المأمور به
أو لحاجته إلى الأمر فقط ، فالأول كأمر السلطان جنده بما فيه حفظ
ملكه ومنافعهم له ، فإن هداية الخلق وإرشادهم بالأمر والنهي هي من
باب الإحسان إليهم ، والمحسن من العباد يحتاج إلى إحسانه قال الله تعالى
إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَ إِنْ أَسَأْتُ فَلَهَا ) وقال (مَّنْ عَمِلَ صَلِحًا
فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ).
)
واللّه تعالى لم يأمر عباده لحاجته إلى خدمتهم ولا هو محتاج إلى
٣٥٦

أمرهم وإنما أمرم إحساناً منه ونعمة أنعم بها عليهم ، فأمرهم بما فيه
صلاحهم ونهام عما فيه فسادم . وإرسال الرسل ، وإنزال الكتب من
أعظم نعمه على خلقه كما قال (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّرَحْمَةُ لِلْعَلَمِينَ ) وقال
تعالی
(لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْبَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ)
يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْجَآءَ تَكُمُ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِ الصُّدُورِ
)
وقال
*///
وَهُدَّى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ
قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ،فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ ﴾
فمن أنعم الله عليه مع الأمر بالامتثال فقد تمت النعمة فى حقه كما قال
( اُلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ ◌ِينَكُمْ وَأَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى ) وهؤلاء هم المؤمنون.
ومن لم ينعم عليه بالامتثال بل خذله حتى كفر وعصى فقد شقي لما بدل
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوْ نِعْمَتَ اللَّهِكُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ
نعمة الله كفراً كما قال (
دَارَ الْبَوَارِ ) والأمر والنهي الشرعيان لما كانا نعمة ورحمة عامة لم
يضر ذلك عدم انتفاع بعض الناس بها من الكفار ، كلزال المطر
وإنبات الرزق هو نعمة عامة وإن تضرربها بعض الناس لحكمة أخرى
كذلك مشيئته لما شاءه من المخلوقات وأعيانها وأفعالها لا يوجب أن
يحب كل شيء منها فإذا أمر العبد بأمر فذاك إرشاد ودلالة ، فإن فعل
المأمور به صار محبوبا لله وإلا لم يكن محبوبا له وإن كان مراداً له ،
وإرادته له تكويناً لمعنى آخر . فالتكوين غير التشريع .
( فإن قيل ) المحبة والرضا يقتضيان ملاءمة ومناسبة بين المحب
٣٥٧

والمحبوب ويوجب للمحب بدرك محبوبه فرحا ولذة وسروراً ، وكذلك
البغض لا يكون إلا عن منافرة بين المبغض والمبغَض ، وذلك يقتضي
للمبغض بدرك المبغض أذى وبغضاً ونحو ذلك ، والملاءمة والمنافرة تقتضي
الحاجة ، إذ ما لا يحتاج الحي إليه لا يحبه ، وما لا يضره كيف يبغضه ؟
والله غني لا تجوز عليه الحاجة ، إذ لو جازت عليه الحاجة للزم حدوثه
وإمكانه وهو غني عن العالمين ، وقد قال تعالى [أي فى الحديث القدسي ]
(( ياعبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني »
فلهذا فسرت المحبة والرضا بالإرادة إذ يفعل النفع والضر . فيقال
الجواب من وجهين :
( أحدهما ) الإلزام وهو أن نقول : الإرادة لا تكون إلا للمناسبة
بين المريد والمراد، وملاءمته فى ذلك تقتضى الحاجة، وإلا فما لا يحتاج
إليه الحي لا ينتفع به ولا يريده، ولذلك إذا أراد به العقوبة والإضرار
لا يكون إلا لنفرة وبغض ، وإلا فما لم يتألم به الحي أصلا لا يكرهه ولا
يدفعه ، وكذلك نفس نفع الغير وضرره هو في الحي متنافر من الحاجة
فإن الواحد منا إنما يحسن إلى غيره لجلب منفعة أو لدفع مضرة، وإنما بضر
غيره لجلب منفعة أو دفع مضرة ، فإذا كان الذي يثبت صفة وينفي
أخرى يلزمه فيما أثبته نظير ما يلزمه فيما نفاه لم يكن إثبات إحداهما
ونفي الأخرى أولى من العكس ، ولو عكس عاكس فنفى ما أثبته من الإرادة
٣٥٨

وأثبت مانفاه من المحبة لما ذكره لم يكن بينهما فرق ، وحينئذ فالواجب
إما نفي الجميع ولا سبيل إليه للعلم الضروري بوجود نفع الخلق
والإحسان إليهم وأن ذلك يستلزم الإرادة، وإما إثبات الجميع كما جاءت
به النصوص ، وحينئذ فمن توم أنه يلزم من ذلك محذور فأحد
الأمرين لازم : إما أن ذلك المحذور لا يلزم أو أنه إن لزم
فليس بمحذور .
( الجواب الثانى) أن الذي يعلم قطعاً [هو] أن الله قديم واجب
الوجود كامل ، وأنه لا يجوز عليه الحدوث ولا الإمكان ولا النقص ،
لكن كون هذه الأمور التى جاءت بها النصوص مستلزمة للحدوث
والإمكان أو النقص هو موضع النظر ، فإن اللّه غني واجب بنفسه،
وقد عرف أن قيام الصفات به لا يلزم حدوثه ولا إمكانه ولا حاجته .
وإن قول القائل بلزوم افتقاره إلى صفاته اللازمة بمنزلة قوله مفتقر إلى
ذاته ، ومعلوم أنه غني بنفسه ، وأنه واجب الوجود بنفسه ، وأنه موجود
بنفسه ، فتوم حاجة نفسه إلى نفسه، إن عنى به أن ذاته لا تقوم إلا بذاته فهذا
حق ، فإن الله غني عن العالمين وعن خلقه ، وهو غني بنفسه .
وأما إطلاق القول بأنه غنى عن نفسه فهو باطل فإنه محتاج إلى
نفسه، وفى إطلاق كل منها إيهام معنى فاسد، ولا خالق إلا الله تعالى
فإذا كان سبحانه عليها يحب العلم ، عفواً يحب العفو، جميلا يحب
٣٥٩

الجمال ، نظيفاً يحب النظافة ، طيباً يحب الطيب ، وهو يحب المحسنين
والمتقين والمقسطين ، وهو سبحانه الجامع جميع الصفات المحبوبة ؛
والأسماء الحسنى والصفات العلى ، وهو يحب نفسه ويثنى بنفسه على
نفسه ، والخلق لا يحصون ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه . فالعبد
المؤمن يحب نفسه، ويحب فى الله من أحب الله وأحبه اللّه؛ فالله سبحانه
أولى بأن يحب نفسه ، ويحب فى نفسه عباده المؤمنين ، ويبغض
الكافرين ، ويرضى عن هؤلاء ويفرح بهم ، ويفرح بتوبة عبده التائب
من أولئك ، ويمقت الكفار ويبغضهم ، ويحب حمد نفسه والثناء عليه ،
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم الأسود بن سريع لما قال: إنني
حمدت ربى بمحامد فقال ((إن ربك يحب الحمد)) وقال صلى الله عليه
وسلم (( لا أحد أحب إليه المدح من الله، ولا أحد أحب إليه العذر
من اللّه ، من أجل ذلك أرسل الرسل ، ولا أحد أصبر على أذى من
اللّه، يجعلون له ولداً وشريكا وهو يعافيهم ويرزقهم)) فهو يفرح بما
يحبه ، ويؤذيه ما يبغضه ، ويصبر على ما يؤذيه ، وحبه ورضاء وفرحه
وسخطه وصبره على ما يؤذيه كل ذلك من كماله وكل ذلك من صفاته
وأفعاله ، وهو الذي خلق الخلائق وأفعالهم ، وهم لن يبلغوا ضره فيضروه
ولن يبلغوا نفعه فينفعوه . وإذا فرح ورضي بما فعله بعضهم فهو
سبحانه الذي خلق فعله ، كما أنه إذا فرح ورضي بما يخلقه فهو الخالق ،
وكل الذين يؤذون الله ورسوله هو الذي مكنهم وصبر على أذام بحكمته
٣٦٠