Indexed OCR Text

Pages 221-240

فصل
وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أولياء الله تعالى على أن
الأنبياء أفضل من الأولياء الذين ليسوا بأنبياء ، وقد رتب الله عباده
السعداء المنعم عليهم ((أربع مراتب)) فقال تعالى: (وَمَن يُطِعِ اللّهَ
وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ
وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا ) .
وفى الحديث: (( ما طلعت الشمس ولا غربت على أحد بعد
النبيين والمرسلين أفضل من أبى بكر)) وأفضل الأمم أمة محمد صلى
اللّه عليه وسلم. قال تعالى: ( كُنتُمْ خَيْرَ أُمٍَّ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) وقال
تعالى: ( ثُمَّأَوْرَثْنَالْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيَّنَا مِنْ عِبَادِنَا ) وقال النبى صلى
الله عليه وسلم فى الحديث الذي في المسند (« أنتم توفون سبعين
أمة ، أنتم خيرها وأكرمها على الله))
وأفضل أمة محمد صلى الله عليه وسلم القرن الأول.
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه أنه قال :
٢٢١

(( خير القرون القرن الذي بعثت فيه ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين
يلونهم )» وهذا ثابت فى الصحيحين من غير وجه .
وفى الصحيحين أيضاً عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا تسبوا
أصحابي ، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد
أحدم ولا نصيفه )) .
والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار أفضل من سائر الصحابة
قال تعالى: (لَا يَسْتَوِى مِنكُ مَنْ أَنْفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلَّ أُوْلَكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ
الَّذِينَ أَنْفَقُواْ مِنْ بَعْدُ وَقَتَلُواْ وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ الْمُسْنَى) وقال تعالى: (وَالسَّبِقُونَ
اُلْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ أَتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَنٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ )
والسابقون الأولون الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، والمراد بالفتح
صلح الحديبية فإنه كان أول فتح مكة ، وفيه أنزل الله تعالى ( إِنَّ فَتَحْنَا
لَكَ فَتْحَامُبِينًا * لِيَغْفِرَلَكَ اللَّهُ مَاتَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَرَ ) فقالوا يارسول الله!
أو فتح هو ؟! قال : نعم .
وأفضل السابقين الأولين «الخلفاء الأربعة)) وأفضلهم أبو بكر
ثم عمر، وهذا هو المعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة
الأمة وجماهيرها ، وقد دلت على ذلك دلائل بسطناها فى (( منهاج
٢٢٢

أهل السنة النبوية، فى نقض كلام أهل الشيعة والقدرية)).
وبالجملة اتفقت طوائف السنة والشيعة على أن أفضل هذه الأمة
بعد نبيها واحد من الخلفاء ولا يكون من بعد الصحابة أفضل من الصحابة ،
وأفضل أولياء الله تعالى أعظمهم معرفة بما جاء به الرسول صلى الله تعالى عليه
وسلم واتباعا له كالصحابة الذين ثم أكمل الأمة في معرفة دينه واتباعه ، وأبو
بكر الصديق أكمل معرفة بما جاء به وعملا به ، فهو أفضل أولياء الله
إذ كانت أمة محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الأمم ، وأفضلها أصحاب
محمد صلى الله عليه وسلم، وأفضلهم أبو بكر رضي الله عنه .
وقد ظن طائفة غالطة أن ((خاتم الأولياء)) أفضل الأولياء قياساً
على خاتم الأنبياء ، ولم يتكلم أحد من المشايخ المتقدمين بخاتم الأولياء
إلا محمد بن علي الحكيم الترمذي ، فإنه صنف مصنفاً غلط فيه فى
مواضع ، ثم صار طائفة من المتأخرين يزعم كل واحد منهم أنه خاتم
الأولياء ، ومنهم من يدعى أن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء
من جهة العلم بالله، وأن الأنبياء يستفيدون العلم بالله من جهته كما يزعم
ذلك ابن عربى صاحب ((كتاب الفتوحات المكية)) و((كتاب الفصوص))
يخالف الشرع والعقل مع مخالفة جميع أنبياء الله تعالى وأوليائه كمايقال
لمن قال : فر عليهم السقف من يحتهم لاعقل ولا قرآن .
٢٢٣

ذلك أن الأنبياء أفضل فى الزمان من أولياء هذه الأمة ، والأنبياء
عليهم أفضل الصلاة والسلام أفضل من الأولياء فكيف الأنبياء كلهم؟
والأولياء إنما يستفيدون معرفة الله ممن يأتى بعدم ويدعى أنه خاتم
الأولياء ؟! وليس آخر الأولياء أفضلهم، كما أن آخر الأنبياء أفضلهم ؛
فإن فضل محمد صلى الله عليه وسلم ثبت بالنصوص الدالة على ذلك ،
كقوله صلى الله عليه وسلم: (( أنا سيد ولد آدم ولا غير)). وقوله:
((آ تى باب الجنة فأستفتح فيقول الخازن: من أنت ؟ فأقول محمد، فيقول
بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك ،
و « ليلة المعراج)) رفع الله درجته فوق الأنبياء كلهم فكان
أحقهم بقوله تعالى: ( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضِ مِّنْهُم مَن كَلَّمَ اللّهُ
إلى غير ذلك من الدلائل ، كل منهم
وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ )
يأتيه الوحي من الله، لاسيما محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن فى نبوته
محتاجاً إلى غيره ، فلم تحتج شريعته إلى سابق ولا إلى لاحق ؛ بخلاف
المسيح أحالهم في أكثر الشريعة على التوراة ، وجاء المسيح فكملها ؛
ولهذا كان النصارى محتاجين إلى النبوات المتقدمة على المسيح : كالتوراة
والزبور ، وتمام الأربع وعشرين نبوة ، وكان الأمم قبلنا محتاجين إلى
محدثين ؛ بخلاف أمة محمد صلى الله عليه وسلم فإن اللّه أغنام به فلم
يحتاجوا معه إلى نبى ولا إلى محدث ؛ بل جمع له من الفضائل والمعارف
٢٢٤

والأعمال الصالحة ما فرقه فى غيره من الأنبياء ؛ فكان ما فضله الله به
من اللّه بما أنزله إليه وأرسله إليه لا بتوسط بشر.
وهذا بخلاف ((الأولياء)) فإن كل من بلغه رسالة محمد صلى الله
عليه وسلم لا يكون ولياً لله إلا باتباع محمد صلى الله عليه وسلم،
وكل ما حصل له من الهدى ودين الحق هو بتوسط محمد صلى الله
عليه وسلم، وكذلك من بلغه رسالة رسول إليه لا يكون ولياً لله إلا
إذا اتبع ذلك الرسول الذي أرسل إليه .
ومن ادعى أن من الأولياء الذين بلغتهم رسالة محمد صلى الله
عليه وسلم من له طريق إلى الله لا يحتاج فيه إلى محمد فهذا كافر
ملحد ، وإذا قال : أنا محتاج إلى محمد فى علم الظاهر دون علم الباطن،
أو فى على الشريعة دون على الحقيقة ؛ فهو شر من اليهود والنصارى
الذين قالوا : إن محمداً رسول إلى الأميين دون أهل الكتاب . فان
أولئك آمنوا ببعض وكفروا ببعض فكانوا كفاراً بذلك ، وكذلك هذا
الذي يقول إن محمداً بعث بعلم الظاهر دون علم الباطن آمن ببعض
ما جاء به وكفر ببعض فهو كافر، وهو أكفر من أولئك؛ لأن علم
الباطن الذي هو على إيمان القلوب ومعارفها وأحوالها هو علم بحقائق
الإيمان الباطنة، وهذا أشرف من العلم بمجرد أعمال الإسلام الظاهرة .
٢٢٥

فإذا ادعى المدعي أن محمداً صلى الله عليه وسلم إنما على هذه
الأمور الظاهرة دون حقائق الإيمان ؛ وأنه لا يأخذ هذه الحقائق عن
الكتاب والسنة ، فقد ادعى أن بعض الذي آمن به مما جاء به الرسول
دون البعض الآخر ، وهذا شر ممن يقول : أو من ببعض ، وأكفر
ببعض ، ولا يدعى أن هذا البعض الذي آمن به أدنى القسمين .
وهؤلاء الملاحدة يدعون أن ((الولاية)) أفضل من ((النبوة))
ويلبسون على الناس فيقولون : ولايته أفضل من نبوته وينشدون :
مقام النبوة فى برزخ
فویق الرسول ودون الولي
ويقولون نحن شاركناه فى ولايته التى هي أعظم من رسالته ،
وهذا من أعظم ضلالهم ، فإن ولاية محمد لم يماثله فيها أحد لا إبراهيم
ولا موسى ، فضلا عن أن يماثله هؤلاء الملحدون .
وكل رسول ني ولي، فالرسول ني ولي. ورسالته متضمنة لنبوته، ونبوته
متضمنة لولايته ، وإذا قدروا مجرد إنباء الله إياه بدون ولايته لله فهذا تقدير
ممتنع ، فإنه حال إنبائه إياه ممتنع أن يكون إلا ولياً لله، ولا تكون
مجردة عن ولايته ، ولو قدرت مجردة لم يكن أحد مماثلا للرسول
فى ولايته .
٢٢٦

وهؤلاء قد يقولون - كما يقول صاحب («الفصوص)) ابن
عربى - : إنهم بأخذون من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى
به إلى الرسول ؛ وذلك أنهم اعتقدوا (( عقيدة المتفلسفة)» ثم أخرجوها
فى قالب ((المكاشفة)) وذلك أن المتفلسفة الذين قالوا إن الأفلاك قديمة
أزلية لها علة تتشبه بها ، كما يقوله أرسطو وأتباعه؛ أو لها موجب بذاته كما
يقوله متأخروم: كابن سينا وأمثاله ، ولا يقولون إنها لرب خلق
السموات والأرض وما بينهما فى ستة أيام ، ولا خلق الأشياء بمشيشه
وقدرته ، ولا يعلم الجزئيات ؛ بل إما أن ينكروا علمه مطلقاً، كقول
أرسطو ؛ أو يقولوا إنما يعلم فى الأمور المتغيرة كلياتها كما يقوله ابن
سينا ، وحقيقة هذا القول إنكار علمه بها ؛ فإن كل موجود فى الخارج
فهو معين جزئي : الأفلاك كل معين منها جزئي ، وكذلك جميع
الأعيان وصفاتها وأفعالها، فمن لم يعلم إلا الكليات لم يعلم شيئاً من
الموجودات، والكليات إنما توجد كليات فى الأذهان لا فى الأعيان .
والكلام على هؤلاء مبسوط فى موضع آخر فى (( رد تعارض
العقل والنقل )) وغيره .
فإن كفر هؤلاء أعظم من كفر اليهود والنصارى، بل ومشركي
العرب ، فإن جميع هؤلاء يقولون إن الله خلق السموات والأرض ،
وإنه خلق المخلوقات بمشيئته وقدرته ، وأرسطو ونحوه من المتفلسفة
٢٢٧

واليونان كانوا يعبدون الكواكب والأصنام ، وهم لا يعرفون الملائكة
والأنبياء ، وليس فى كتب أرسطو ذكر شيء من ذلك ، وإنما غالب
علوم القوم الأمور الطبيعية ، وأما الأمور الإلهية فكل منهم فيها قليل
الصواب ، كثير الخطأ ، واليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل أعلم
بالإلهيات منهم بكثير ؛ ولكن متأخروم كابن سينا أرادوا أن يلفقوا بين
كلام أولئك وبين ما جاءت به الرسل ؛ فأخذوا أشياء من أصول
الجهمية والمعتزلة ، وركبوا مذهباً قد يعتزى إليه متفلسفة أهل الملل ؛
وفيه من الفساد والتناقض ما قد نبهنا على بعضه فى غير هذا الموضع .
وهؤلاء لما رأوا أمر الرسل كموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه
وسلم قد بهر العالم ، واعترفوا بأن الناموس الذي بعث به محمد صلى
الله عليه وسلم أعظم ناموس طرق العالم ، ووجدوا الأنبياء قد ذكروا
الملائكة والجن ، أرادوا أن يجمعوا بين ذلك وبين أقوال سلفهم اليونان
الذين ثم أبعد الخلق عن معرفة الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم
الآخر، وأولئك قد أثبتوا عقولاً عشرة بسمونها ((المجردات)) ((والمفارقات)).
وأصل ذلك مأخوذ من مفارقة النفس للبدن، وسموا تلك ((المفارقات)»
المفارقتها المادة وتجردها عنها . وأثبتوا الأفلاك لكل فلك نفساً ،
وأكثرهم جعلوها أعراضاً ، وبعضهم جعلها جواهر .
وهذه ((المجردات)» التى أثبتوها ترجع عند التحقيق إلى أمور
٢٢٨

موجودة فى الأذهان لا فى الأعيان، كما أثبت أصحاب افلاطون ((الأمثال
الأفلاطونية المجردة)) أثبتوا هيولى مجردة عن الصورة ، ومدة وخلاء
مجردين ، وقد اعترف حذاقهم بأن ذلك إنما يتحقق فى الأذهان لا فى
الأعيان ؛ فلما أراد هؤلاء المتأخرون منهم كابن سينا أن يثبت أمر
النبوات على أصولهم الفاسدة وزعموا أن النبوة لها خصائص ثلاثة
من اتصف بها فهو نبي .
( الأول ): أن تكون له قوة علمية يسمونها القوة القدسية ينال
بها من العلم بلا تعلم.
( الثاني ) : أن يكون له قوة تخيلية تخيل له ما يعقل فى نفسه
بحيث يرى فى نفسه صوراً أو يسمع فى نفسه أصواتاً كما يراه النائم
ويسمعه ولا يكون لها وجود فى الخارج ، وزعموا أن تلك الصور هي
ملائكة الله وتلك الأصوات هي كلام الله تعالى .
( الثالث ) : أن يكون له قوة فعالة يؤثر بها فى هيولى العالم
وجعلوا معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء وخوارق السحرة، هي قوى
النفس، فأقروا من ذلك بما يوافق أصولهم من قلب العصا حية ، دون
انشقاق القمر ونحو ذلك ؛ فإنهم ينكرون وجود هذا .
٢٢٩

وقد بسطنا الكلام على هؤلاء فى مواضع . وبينا أن كلامهم هذا
أفسد الكلام ، وأن هذا الذي جعلوه من الخصائص يحصل ما هو
أعظم منه الآحاد العامة ولاتباع الأنبياء ، وأن الملائكة التى أخبرت بها
الرسل أحياء ناطقون أعظم مخلوقات الله وم كثيرون، كما قال تعالى:
)، وليسوا عشرة ، وليسوا أعراضاً،
( وَمَا يَعْلَمُ جُودَ رَبِّكَ إِلَّهُوَ
لا سيما وهؤلاء يزعمون أن الصادر الأول هو («العقل الأول)»،
وعنه صدر كل ما دونه، و ((العقل الفعال العاشر)» رب كل
ما تحت فلك القمر .
وهذا كله يعلم فساده بالاضطرار من دين الرسل ، فليس أحد
من الملائكة مبدع لكل ما سوى الله. وهؤلاء يزعمون أنه العقل
المذكور فى حديث يروى (( أن أول ما خلق الله العقل ، فقال له أقبل
فأقبل ، فقال له : أدبر ، فأدبر ، فقال وعزتي ما خلقت خلقاً أكرم
علي منك ، فبك آخذ وبك أعطى ، ولك الثواب وعليك العقاب)).
ويسمونه أبضاً ((القلم)) لما روى «إن أول ما خلق الله القلم)»
الحديث رواه الترمذي .
والحديث الذي ذكروه فى العقل كذب موضوع عند أهل المعرفة
بالحديث ، كما ذكر ذلك أبو حاتم البستى والدار قطني وابن الجوزي
وغيرم . وليس فى شيء من دواوين الحديث التى يعتمد عليها ، ومع
٢٣٠

هذا فلفظه لو كان ثابتاً حجة عليهم؛ فإن لفظه (( أول ما خلق الله
تعالى العقل قال له - ويروى - لما خلق الله العقل قال له)) فمعنى
الحديث أنه خاطبه فى أول أوقات خلقه ؛ ليس معناه أنه أول المخلوقات
و ((أول)) منصوب على الظرف كما فى اللفظ الآخر (لما ) وتمام
الحديث (( ما خلقت خلقاً أكرم علي منك)) فهذا يقتضي أنه خلق قبله
غيره، ثم قال ((فبك آخذ، وبك أعطي، ولك الثواب، وعليك
العقاب )) فذكر أربعة أنواع من الأعراض، وضدم أن جميع جواهر
العالم العلوي والسفلي صدر عن ذلك العقل . فأين هذا من هذا ؟ !.
وسبب غلطهم أن لفظ ((العقل)) فى لغة المسلمين ليس هو لفظ
العقل فى لغة هؤلاء اليونان، فإن ((العقل)) في لغة المسلمين مصدر
عقل يعقل عقلاً، كما فى القرآن ( وَقَالُواْلَكُنَا نَسْمَعُ أَوْنَعْقِلُ مَكَفِ أَصْخَبٍ
( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (أَفَلَمْ يَسِيرُوا
(
السّعير
فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا)
ويراد (( بالعقل)) الغريزة التى جعلها الله تعالى في الإنسان يعقل بها .
وأما أولئك فـ ((العقل)) عندم جوهر قائم بنفسه كالعاقل ، وليس
هذا مطابقاً للغة الرسل والقرآن. وعالم الخلق عندم كما يذكره أبو
حامد عالم الأجسام العقل والنفوس فيسميها عالم الأمر ، وقد يسمى
((العقل)) عالم الجبروت ((والنفوس)) عالم الملكوت؛ و((الأجسام))
٢٣١

عالم الملك ، ويظن من لم يعرف لغة الرسل ولم يعرف معنى الكتاب
والسنة أن مافى الكتاب والسنة من ذكر الملك والملكوت والجبروت
موافق لهذا ، وليس الأمر كذلك .
وهؤلاء يلبسون على المسلمين تلبيساً كثيراً، كإطلاقهم أن ((الفلك)
محدث : أي معلول مع إنه قديم عندم ، والمحدث لا يكون إلا مسبوقا
بالعدم ، ليس فى لغة العرب ولا في لغة أحد أنه يسمى القديم الأزلي
محدثا ، واللّه قد أخبر أنه خالق كل شيء ، وكل مخلوق فهو محدث ،
وكل محدث كأن بعد أن لم يكن ؛ لكن ناظرم أهل الكلام من الجهمية
والمعتزلة مناظرة قاصرة لم يعرفوا بها ما أخبرت به الرسل ، ولا أحكموا
فيها قضايا العقول ، فلا للإسلام نصروا ، ولا للأعداء كسروا ،
وشاركوا أولئك فى بعض قضايام الفاسدة ، ونازعوم فى بعض
المعقولات الصحيحة ، فصار قصور هؤلاء فى العلوم السمعية والعقلية
من أسباب قوة ضلال أولئك ، كما قد بسط فى غير هذا الموضع .
وهؤلاء المتفلسفة قد يجعلون ((جبريل)) هو الخيال الذي يتشكل
فى نفس النبى صلى الله عليه وسلم، والخيال تابع للعقل، فجاء الملاحدة
الذين شاركوا هؤلاء الملاحدة المتفلسفة وزعموا أنهم ((أولياء الله))،
وأن أولياء الله أفضل من أنبياء الله، وأنهم بأخذون عن الله بلا
واسطة كابن عربى صاحب ((الفتوحات)) و((الفصوص))، فقال :
٢٣٢

إنه يأخذ من المعدن الذي أخذ منه الملك الذى يوحي به إلى الرسول،
و ((المعدن)) عنده هو العقل و((الملك)) هو الخيال و((الخيال))
تابع للعقل ، وهو بزعمه بأخذ عن الذي هو أصل الخيال والرسول
يأخذ عن الخيال ؛ فلهذا صار عند نفسه فوق النبى ولو كان خاصة
النبي ما ذكروه لم يكن هو من جنسه ، فضلا عن أن يكون فوقه ،
فكيف وما ذكروه يحصل لآحاد المؤمنين ؟! والنبوة أمر وراء ذلك ،
فإن ابن عربى وأمثاله وإن ادعوا أنهم من الصوفية ، فهم من صوفية
الملاحدة الفلاسفة، ليسوا من صوفية أهل العلم، فضلا عن أن يكونوا
من مشايخ أهل الكتاب والسنة : كالفضيل بن عياض وإبراهيم بن
أدهم ، وأبى سليمان الدارانى ومعروف الكرخي، والجنيد بن محمد وسهل بن
عبد الله التستري وأمثالهم - رضوان الله عليهم أجمعين.
٠
والله سبحانه وتعالى قد وصف الملائكة فى كتابه بصفات تباين قول
ج
هؤلاء كقوله تعالى: (وَقَالُواْاتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدَّا سُبْحَنَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ
* لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ
وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ أَرْتَضَى وَهُمْ مِّنْ خَشْبَيِّهِ، مُشْفِقُونَ * وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنَّ إِلَهٌ
مِّن دُونِهِ، فَذَلِكَ نَجْزِيِهِ جَهَتَّمُ كَذَلِكَ نَجْرِى الظَّالِمِينَ )
وقال تعالى: (وَكَم مِّن ◌َّلَكِ فِ السَّمَوَاتِ لَا تُغْنِى شَفَعَُّهُمْ شَيْئًا إِلَّ مِنْ بَعْدِ أَن يَأْذَنَ
اُللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَبَرْضَى ) وقال تعالى: ( قُلِ آَدْعُواْالَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِ اللّهِ
٢٣٣

لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِى السَّمَوَتِ وَلَا فِىِ الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ
مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَعَةُ عِندَهُ إِلََّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) وقال تعالى: (وَلَهُ.
مَنْ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُلَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ
اُلَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ).
وقد أخبر أن الملائكة جاءت لإبراهيم عليه السلام فى صورة
البشر ، وأن الملك تمثل لمريم بشراً سويا ، وكان جبريل عليه السلام
يأتى النبى صلى الله عليه وسلم فى صورة دحية الكلبي ، وفى
صورة أعرابى ، ويرام الناس كذلك .
وقد وصف الله تعالى جبريل عليه السلام بأنه ذو قوة عند
ذى العرش مكين ؛ مطاع ثم أمين، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم
رآه بالأفق المبين، ووصفه بأنه (شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِزَّةِفَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ
الْأَعْلَى * ثُمَّدَنَفَدَلَى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْأَدْنَ * فَأَوْحَ إِلَى عَبْدِهِ، مَا أَوْحَى * مَاكَذَبَ
اَلْفُؤَادُ مَا رَأَ * أَفَتُرُونَهُ, عَلَى مَايَرَى * وَلَقَدْرَءَهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنَهَى *
عِندَ هَاجَنَّةُ الْأْوَى * إِذْيَغْشَى السِّدْرَةَ مَايَغْشَى * مَازَاغَ الْبَصَرُ وَمَاطَفَى * لَقَدْرَأَى مِنْءَايَتِ
رَبِّهِ اُلْكُبْرَى ) .
٢٣٤

وقد ثبت فى الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها عن النبى صلى
اللّه عليه وسلم ((إنه لم ير جبريل فى صورته التى خلق عليها غير
مرتين )) يعني المرة الأولى بالأفق الأعلى ، والنزلة الأخرى عند سدرة
المنتهى ، ووصف جبريل عليه السلام فى موضع آخر بأنه الروح الأمين ،
وأنه روح القدس ، إلى غير ذلك من الصفات التى تبين أنه من أعظم
مخلوقات الله تعالى الأحياء العقلاء ، وأنه جوهر قائم بنفسه، ليس خيالا
فى نفس النى كما زعم هؤلاء الملاحدة المتفلسفة ، والمدعون ولاية الله،
وأنهم أعلم من الأنبياء ..
وغاية حقيقة هؤلاء إنكار ((أصول الإيمان)) بأن يؤمن بالله
وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وحقيقة أمرهم جحد الخالق ،
فإنهم جعلوا وجود المخلوق هو وجود الخالق ، وقالوا : الوجود واحد،
ولم يميزوا بين الواحد بالعين والواحد بالنوع ، فإن الموجودات تشترك في
مسمى الوجود ، كما تشترك الأناسى في مسمى الإنسان، والحيوانات في
مسمى الحيوان ، ولكن هذا المشترك الكلي لا يكون مشتركا كلياً إلا
فى الذهن ، وإلا فالحيوانية القائمة بهذا الإنسان ليست هي الحيوانية القائمة
بالفرس ، ووجود السموات ليس هو بعينه وجود الإنسان ، فوجود
الخالق جل جلاله ليس هو كوجود مخلوقاته .
وحقيقة قولهم قول فرعون الذي عطل الصانع ، فإنه لم يكن
٢٣٥

منكراً هذا الوجود المشهود ؛ لكن زعم أنه موجود بنفسه ، لا صانع
له، وهؤلاء وافقوه فى ذلك ؛ لكن زعموا بأنه هو الله ، فكانوا
أضل منه وإن كان قوله هذا هو أظهر فساداً منهم ، ولهذا جعلوا عباد
الأصنام ما عبدوا إلا اللّه، وقالوا: (( لما كان فرعون فى منصب التحكم
صاحب السيف وإن جار فى العرف الناموسي ، كذلك قال أنا ربكم
الأعلى - أى وإن كان الكل أربابا بنسبة ما، فأنا الأعلى منكم بما أعطيته
في الظاهر من الحكم فيكم )).
قالوا : (( ولما علمت السحرة صدق فرعون فيما قاله أقروا له بذلك
وقالوا: ( فَأَقْضِ مَآ أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا نَقْضِى هَذِهِ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَاً ) قالوا: فصح
قول فرعون (أَثَارَبِّكُمُ الْأَى ) وكان فرعون عين الحق » ثم أنكروا
حقيقة اليوم الآخر ، فجعلوا أهل النار يتنعمون كما يتنعم أهل الجنة ،
فصاروا كافرين بالله واليوم الآخر وملائكته وكتبه ورسله مع دعوام
أنهم خلاصة خاصة الخاصة من أهل ولاية الله ، وأنهم أفضل من الأنبياء
وأن الأنبياء إنما يعرفون الله من مشكاتهم .
وليس هذا موضع بسط إلحاد هؤلاء ؛ ولكن لما كان الكلام فى
((أولياء الله)) والفرق بين ((أولياء الرحمن وأولياء الشيطان)) وكان
هؤلاء من أعظم الناس ادعاء لولاية الله ، وهم من أعظم الناس ولاية
للشيطان ، نبهنا على ذلك . ولهذا عامة كلامهم إنما هو فى الحالات
٢٣٦

الشيطانية ، ويقولون ما قاله صاحب الفتوحات : ( باب أرض الحقيقة )
ويقولون هي أرض الخيال . فتعرف بأن الحقيقة التى يتكلم فيها هي
خيال ، ومحل تصرف الشيطان ، فإن الشيطان يخيل للإنسان الأمور
بخلاف ما هي عليه قال تعالى: ( وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَنَا فَهُوَلَهُ,
فَرِيْنٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَهُم مُهْتَدُونَ * حَتَّ إِذَا جَآءَ نَا قَالَ
يَلَيْتَ بَيْنِىِ وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِفَيْنِ فَبِْسَ الْقَرِيِنُ * وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذَظَلَمْتُمْ
أَنَّكُمْ فِ الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ) وقال تعالى :
(إِنَّاللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ
ج
ضَلَّ ضَلَلَأَ بَعِيدًا - إلى قوله : - يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيِهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ
إِلَّاغُورًا ) وقال تعالى: (وَقَالَ الشَّيْطَنُ لَمَّا قُضِىَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَلَكُمْ
وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدَتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُتِكُمْ وَمَا كَانَ لَِ عَلَيْكُمْ مِن سُلْطَانٍ إِلَّ أَنْ دَعَوْتُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ
لِ فَلاَ تَلُومُونِى وَلُومُوَاْ أَنفُسَكُمْ قَّاأَنَأْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُم بِمُصْرِخِىٌّ إِ
كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَ كْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) وقال تعالى:
(وَإِذْزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِي
جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَآءَتِ اُلْفِشَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِى بَرِىٌّ مِّنكُمْ إِنَّ أَرَى
مَا لَاتَرَوْنَ إِّ أَخَافُ اَللَّهُ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ)
وقد روى عن النبى صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح
٢٣٧

((إنه رأى جبريل يزع الملائكة) والشياطين إذا رأت ملائكة الله التى
يؤيد بها عباده هربت منهم ، واللّه يؤيد عباده المؤمنين بملائكته . قال
تعالى: (إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَبِكَةِ أَنِى مَعَكُمْ فَشَبِتُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ)
وقال تعالى: (يَتُهَا الَّذِينَءَامَنُواْ أَذْكُرُ واْنِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْجَاءَ تَّكُمْ جُدٌ فَرْسَلْنَا
عَلَيْهِمْ رِيحًا وَحُنُودًا لَّمْتَرَوَّهَا ) وقال تعالى: ( إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ.
لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ
تَرَوْهَا) وقال تعالى: (إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ
ءَالَفٍ مِّنَ الْمَلَئِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَّإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأَنُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِذَّكُمْ
رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِءَالَفٍ مِّنَ الْمَلَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ)
وهؤلاء تأتيهم أرواح تخاطبهم وتتمثل لهم ، وهي جن وشياطين
فيظنونها ملائكة ، كالأرواح التى تخاطب من يعبد الكواكب والأصنام
وكان من أول ما ظهر من هؤلاء فى الإسلام : المختار بن أبي عبيد
الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه
مسلم فى صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (( سيكون فى
ثقيف كذاب ومبير )) وكان الكذاب : المختار بن أبي عبيد، والمبير :
الحجاج بن يوسف . فقيل لابن عمر وابن عباس: إن المختار يزعم
أنه ينزل إليه ، فقالا: صدق، قال الله تعالى: (هَلْ أُنِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ
وقال الآخر وقيل له إن
. (
اُلشَّيَطِينُ * تَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّالِكٍ أَشِمٍ
٢٣٨

المختار يزعم أنه يوحى إليه ، فقال: قال الله تعالى: (وَإِنَّ الشَّيَطِينَ
لَيُوحُونَ إِلَّ أَوْلِيَّآْبِهِمْ لِيُجَدِلُوكُمْ ) .
وهذه الأرواح الشيطانية هي الروح الذي يزعم صاحب ((الفتوحات))
أنه ألقى إليه ذلك الكتاب ؛ ولهذا يذكر أنواعا من الخلوات بطعام
معين وشيء معين ، وهذه مما تفتح لصاحبها اتصالاً بالجن والشياطين،
فيظنون ذلك من كرامات الأولياء ، وإنما هو من الأحوال الشيطانية،
وأعرف من هؤلاء عدداً ، ومنهم من كان يحمل فى الهواء إلى مكان
بعيد ويعود ، ومنهم من كان يؤتى بمال مسروق نسرقه الشياطين وتأتيه
به ، ومنهم من كانت تدله على السرقات بجعل يحصل له من الناس ، أو
بعطاء يعطونه إذا دلهم على سرقاتهم ونحو ذلك.
ولما كانت أحوال هؤلاء شيطانية كانوا مناقضين للرسل صلوات
اللّه تعالى وسلامه عليهم، كما يوجد فى كلام صاحب ((الفتوحات
المكية)) و ((الفصوص)) وأشباه ذلك يمدح الكفار، مثل قوم نوح
وهود وفرعون وغيرهم ، ويتنقص الأنبياء : كنوح وإبراهيم وموسى
وهارون ، ويذم شيوخ المسلمين المحمودين عند المسلمين : كالجنيد بن
محمد ، وسهل بن عبد الله التستري ، ويمدح المذمومين عند المسلمين:
كالخلاج ونحوه كما ذكره فى تجلياته الخيالية الشيطانية ؛ فإن الجنيد
- قدس الله روحه - كان من أئمة الهدى ، فسئل عن التوحيد
٢٣٩

فقال: ((التوحيد )) إفراد الحدوث عن القدم . فبين أن التوحيد أن
تميز بين القديم والمحدث، وبين الخالق والمخلوق. وصاحب («الفصوص)»
أنكر هذا ؛ وقال في مخاطبته الخيالية الشيطانية له : يا جنيد ! هل يميز
بين المحدث والقديم إلا من يكون غيرهما ؟ خطأ الجنيد فى قوله :
( إفراد الحدوث عن القدم ) ؛ لأن قوله هو : إن وجود المحدث هو
عين وجود القديم، كما قال فى فصوصه: ((ومن أسمائه الحسنى
«العلي)) على من؟ وما ثم إلا هو ، وعن ماذا ؟ وما هو إلا هو.
فعلوه لنفسه وهو عين الموجودات، فالمسمى محدثات هي العلية لذاته وليست
إلا هو )) . إلى أن قال:
((هو عين ما بطن وهو عين ما ظهر، وما ثم من يراه غيره ،
وما ثم من ينطق عنه سواه ، وهو المسمى أبو سعيد الخراز وغير ذلك
من الأسماء المحدثات ).
فيقال لهذا الملحد : ليس من شرط المميز بين الشيئين بالعلم
والقول أن يكون ثالثاً غيرهما ، فإن كل واحد من الناس يميز بين نفسه
وغيره ، وليس هو ثالث ، فالعبد يعرف أنه عبد ويميز بين نفسه وبين
خالقه ، والخالق جل جلاله يميز بين نفسه وبين مخلوقاته ، ويعلم أنه ربهم
وأنهم عباده، كما نطق بذلك القرآن في غير موضع، والاستشهاد
بالقرآن عند المؤمنين الذين يقرون به باطناً وظاهراً . وأما هؤلاء
٢٤٠