Indexed OCR Text
Pages 121-140
ما قالوا. فذكر ذلك الفقراء للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ((ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء )) فالفقراء متقدمون في دخول الجنة لخفة الحساب عليهم ، والأغنياء مؤخرون لأجل الحساب ، ثم إذا حوسب أحدم فإن كانت حسناته أعظم من حسنات الفقير كانت درجته فى الجنة فوقه ، وإن تأخر فى الدخول كما أن السبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ، ومنهم عكاشة بن محصن، وقد يدخل الجنة بحساب من يكون أفضل من أحدم. وصلى الله وسلم على محمد . ١٢١ وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى فصل قد كثر تنازع الناس أيهما أفضل ((الفقير الصابر ، أو الغني الشاكر ))؟؟ وأكثر كلامهم فيها مشوب بنوع من الهوى ، أو بنوع من قلة المعرفة ، والنزاع فيها بين الفقهاء والصوفية ، والعامة والرؤساء وغيرهم . وقد ذكر القاضي أبو الحسين بن القاضي أبى يعلى فى كتاب (( التمام لكتاب الروايتين والوجهين)) لأبيه فيها عن أحمد روايتين. ( إحداهما ) أن الفقير الصابر أفضل . وذكر أنه اختار هذه الرواية أبو إسحاق بن شافلا ، ووالده القاضى أبو يعلى ، ونصرها هو. و ( الثانية ) : أن الغنى الشاكر أفضل ، اختاره جماعة منهم ابن قتيبة. و((القول الأول )) يميل إليه كثير من أهل المعرفة والفقه ١٢٢ والصلاح ، من الصوفية والفقراء ، ويحكى هذا القول عن الجنيد وغيره و ((القول الثانى)» يرجحه طائفة منهم. كأبى العباس بن عطاء وغيره وربما حكى بعض الناس فى ذلك إجماعا ، وهو غلط . وفي المسألة (( قول ثالث)) وهو الصواب أنه ليس هذا أفضل من هذا مطلقاً ، ولا هذا أفضل من هذا مطلقاً بل أفضلها أنقاها . كما قال تعالى: ( إِنَّأَكْرَمَكُمْ عِندَالَّهِأَنْقَنَّكُمْ ) وقال عمر بن الخطاب: الغنى والفقر مطيتان ، لا أبالى أيتهما ركبت . وقد قال تعالى: (إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا ) وهذا القول اختيار طائفة منهم الشيخ ابن حفص السهروردى ، وقد يكون هذا أفضل لقوم ، وفى بعض الأحوال. وهذا أفضل لقوم وفى بعض الأحوال ، فإن استویافی سبب الكرامة استويا فى الدرجة ، وإن فضل أحدهما الآخر في سبيها ترجح عليه : هذا هو الحكم العام. والفقر والغنى حالان بعرضان للعبد باختياره تارة وبغير اختياره أخرى كالمقام والسفر، والصحة والمرض، والإمارة والاتتمار، والإمامة والاتتمام . وكل جنس من هذه الأجناس لا يجوز إطلاق القول بتفضيله على الآخر ؛ بل قد يكون هذا أفضل في حال ؛ وهذا فى حال، وقد يستويان فى حال كما فى الحديث المرفوع فى ( شرح السنة ) للبغوي عن أنس من النبى صلى الله عليه وسلم فيما يروى عن ربه تعالى: ((وإن من عبادي من ١٢٣ لا يصلحه إلا الغنى ؛ ولو أفقرته لأفسده ذلك ؛ وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ، ولو أغنيته لأفسده ذلك ، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الصحة ، ولو أسقمته لأفسده ذلك ، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا السقم، ولو أصححته لأفسده ذلك ، إنى أدبر عبادى ؛ إنى بهم خبير بصير)). وفى هذا المعنى ما يروى: ((إن الله يحمي عبده المؤمن الدنيا ؛ كما يحمى أحدكم مريضه الطعام والشراب». ويروى فى مناجاة موسى نحو هذا . ذكره أحمد فى الزهد . فهذا فيمن يضره الغنى ويصلحه الفقر، كما فى الحديث الآخر (( نعم المال الصالح للرجل الصالح)). وكما أن الأقوال فى المسألة ((ثلاثة)) فالناس ((ثلاثة أصناف)): غنى ، وهو من ملك ما يفضل عن حاجته . وفقير ؛ وهو من لا يقدر على تمام كفايته ، وقسم ثالث : وهو من يملك وفق كفايته ؛ ولهذا كان فى أكبر الأنبياء والمرسلين والسابقين الأولين من كان غنياً : كإبراهيم، الخليل وأيوب، وداوود وسليمان، وعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة والزبير ، وسعد بن معاذ وأسيد بن الحضير، وأسعد بن زرارة وأبى أيوب الأنصارى ، وعبادة بن الصامت ، ونحوم . ممن هو من أفضل الخلق من النبيين والصديقين . ١٢٤ وفيهم من كان فقيراً: كالمسيح عيسى بن مريم، ويحيى بن زكريا وعلي بن أبى طالب، وأبى ذر الغفاري، ومصعب بن عمير ، وسلمان الفارسى ونحوهم. ممن هو من أفضل الخلق، من النبيين والصديقين، وقد كان فيهم من اجتمع له الأمران : الغنى تارة والفقر أخرى ؛ وأتى بإحسان الأغنياء وبصبر الفقراء: كنبينا صلى الله عليه وسلم . وأبى بكر وعمر . والنصوص الواردة فى الكتاب والسنة حاكمة بالقسط ؛ فإن الله فى القرآن لم يفضل أحداً بفقر ، ولا غنى ، كما لم يفضل أحداً بصحة ولا مرض . ولا إقامة ولا سفر، ولا إمارة ولا انتمار، ولا إمامة ولا اتتمام ؛ بل قال: ( إِنَّأَكْرَ مَكُمْ عِندَاللَّهِأَنْقَتَكُمْ ) وفضلهم بالأعمال الصالحة : من الإيمان ودعائه، وشعبه كاليقين والمعرفة، ومحبة الله والإنابة إليه ، والتوكل عليه ورجائه، وخشيته وشكره والصبر له. وقال فى آية العدل: ( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْكُونُواْ قَوَّمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا قَللَّهُ أَوْلَى بِهِمَّا فَلَا تَتَّبِعُواْ اُلْهَوَىَ أَنْ تَعْدِلُواْ ). ولذلك كان النبى صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه يعدلون بين المسلمين . غنيهم وفقيرهم في أمورهم . ولما طلب بعض الأغنياء من النبي صلى الله عليه وسلم إبعاد الفقراء نهاه الله عن ذلك . وأثنى عليهم بأنهم يريدون وجهه . فقال: ( وَلَتَظْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم ) الآية. ١٢٥ وقال: ( وَأَصْبِرُ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم ) ولما طلب بعض الفقراء من النبى صلى الله عليه وسلم ما لا يصلح له نهاه عن ذلك . وقال: (( يا أبا ذر! إنى أراك ضعيفاً. وإنى أحب لك ما أحب لنفسى. لا تأمرن على اثنين . ولا تولين مال يتيم)). وكانوا يستوون فى مقاعدهم عنده ، وفى الاصطفاف خلفه ؛ وغير ذلك . ومن اختص منهم بفضل عرف النبي صلى الله عليه وسلم له ذلك الفضل ، كما قنت للقراء السبعين ، وكان يجلس مع أهل الصفة . وكان أيضا لعثمان وطلحة والزبير، وسعد بن معاذ وأسيد بن الحضير وعباد بن بشر وبحوم ، من سادات المهاجرين والأنصار الأغنياء منزلة ليست لغيرهم من الفقراء ، وهذه سيرة المعتدلين من الأئمة فى الأغنياء والفقراء. وهذا هو العدل والقسط الذي جاء به الكتاب والسنة، وهي طريقة عمر بن عبد العزيز ، والليث بن سعد ، وابن المبارك ومالك وأحمد بن حنبل . وغيرهم . فى معاملتهم للأقوياء والضعفاء والأغنياء والفقراء . وفى الأئمة كالثورى ونحوه من كان يميل إلى الفقراء ، ويميل على الأغنياء مجتهداً في ذلك طالباً به رضا الله ، حتى عتب عليه ذلك فى آخر عمره ، ورجع عنه . ١٢٦ وفيهم من كان يميل مع الأغنياء والرؤساء : كالزهرى ، ورجاء بن حيوة ، وأبى الزناد ، وأبى يوسف ومحمد وأناس آخرين ، وتكلم فيهم من تكلم بسبب ذلك، ولهم فى ذلك تأويل واجتهاد ، والأول هو العدل والقسط ، الذي دل عليه الكتاب والسنة . ونصوص النبى صلى الله عليه وسلم معتدلة فإنه قد روى ((أن الفقراء قالوا له : يارسول الله! ذهب أهل الدثور بالأجور. يصلون كما نصلي ، ويصومون كما نصوم ، ولهم فضول أموال يتصدقون بها ولا تتصدق فقال: ألا أعلمكم شيئاً ؟ إذا فعلتموه أدركتم به من سبقكم. ولم يلحقكم من بعدكم إلا من عمل مثل عملكم ، فعلمهم التسبيح المائة فى دبر كل صلاة. فجاؤوا إليه فقالوا : إن إخواننا من الأغنياء سمعوا ذلك ففعلوه ، فقال: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء)) وهذه الزيادة فى صحيح مسلم من مراسيل أبى صالح ، فهذا فيه تفضيل للأغنياء الذين عملوا مثل عمل الفقراء من العبادات البدنية بالقلب والبدن ، وزادوا عليهم بالإنفاق فى سبيل اللّه ونحوه من العبادات المالية . وثبت عنه أيضاً فى الصحيح أنه قال: (( يدخل فقراء أمتى الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم - خمسمائة عام - وفى رواية بأربعين خريفاً)) فهذا فيه تفضيل الفقراء المؤمنين بأنهم يدخلون الجنة قبل الأغنياء المؤمنين ، وكلاهما حق ؛ فإن الفقير ليس معه مال كثير يحاسب على ١٢٧ قبضه وصرفه ، فلا يؤخر عن دخول الجنة لأجل الحساب ، فيسبق فى الدخول ، وهو أحوج إلى سرعة الثواب ، لما فاته فى الدنيا من الطيبات. والغني يحاسب ، فإن كان محسنا فى غناء غير مسئء وهو فوقه ، رفعت درجته عليه بعد الدخول ، وإن كان مثله ساواه ، وإن كان دونه نزل عنه . وليست حاجته إلى سرعة الثواب كماجة الفقير . ونظير هذا قوله صلى الله عليه وسلم فى ((حوضه)): الذي طوله شهر وعرضه شهر: «ماؤه أبيض من اللبن، وأحلى من العسل. أول الناس علي وردا فقراء المهاجرين : الدنسين ثيابا الشعت رؤوساً الذين لا ينكحون المتنعمات ولا تفتح لهم أبواب الملوك، يموت أحدم وحاجته تختلج فى صدره لا يجد لها قضاء)) فكانوا أسبق إلى الذي يزيل ماحصل لهم فى الدنيا من اللأواء والشدة، وهذا موضع ضيافة عامة فإنه يقدم الأشد جوعا فى الإطعام، وإن كان لبعض المستأخرين نوع إطعام ليس لبعض المتقدمين لاستحقاقه ذلك ببذله عنده أو غير ذلك، وليس فى المسألة عن النبى صلى الله عليه وسلم أصح من هذين الحديثين وفيها الحكم الفصل: إن الفقراء لهم السبق والأغنياء لهم الفضل، وهذا قد يترجح تارة، وهذا كالسبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ومع كل ألف سبعون ألفاً ، وقد يحاسب بعدم من إذا دخل رفعت درجته عليهم . وما روى: ((أن ابن عوف يدخل الجنة حبوا)). كلام موضوع ١٢٨ لا أصل له ؛ فإنه قد ثبت بأدلة الكتاب والسنة أن أفضل الأمة أهل بدر ، ثم أهل بيعة الرضوان، والعشرة مفضلون على غيرم والخلفاء الأربعة أفضل الأمة. وقد ثبت في الصحاح أنه قال: ((اطلعت فى الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت فى النار فرأيت أكثر أهلها النساء)) وثبت فى الصحاح أيضا أنه قال: ((احتجت الجنة والنار فقالت الجنة : مالي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وقالت النار : مالي لا يدخلني إلا الجبارون والمتكبرون)) وقوله: ((وقفت على باب الجنة فإذا عامة من يدخلها المساكين ، وإذا أصحاب الجد محبوسون، إلا أهل النار فقد أمر بهم إلى النار )) هذا مع قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفى كل خير )) . فهذه الأحاديث فيها معنيان : أحدهما أن الجنة دار المتواضعين الخاشعين، لا دار المتكبرين الجبارين سواء كانوا أغنياء أو فقراء ؛ فإنه قد ثبت في الصحيح أنه «لا يدخل الجنة من فى قلبه مثقال ذرة من كبر ، ولا يدخل النار من فى قلبه مثقال ذرة من إيمان . فقيل : يا رسول اللّه! الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسنا أفن الكبر . ذاك فقال: لا - إن الله جميل يحب الجمال ولكن الكبر بطر الحق وغمط الناس )) فأخبر صلى الله عليه وسلم؛ أن الله يحب التجمل فى اللباس ١٢٩ الذي لا يحصل إلا بالغنى، وأن ذلك ليس من الكبر . وفى الحديث الصحيح: (( ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: فقير مختال وشيخ زان، وملك كذاب )) وكذلك الحديث المروى : (( لا يزال الرجل يذهب بنفسه ، ثم يذهب بنفسه، ثم يذهب بنفسه، حتى يكتب عند الله جياراً، وما يملك إلا أهله)). فعلم بهذين الحديثين : أن من الفقراء من يكون مختالاً ؛ لا يدخل الجنة . وأن من الأغنياء من يكون متجملا غير متكبر؛ يحب الله جماله. مع قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ((إن الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» ومن هذا الباب قول هرقل لأبى سفيان : أفضعفاء الناس اتبعه أم اشرافهم ؟ قال : بل ضعفاؤم . قال : وم أتباع الأنبياء . وقد قالوا لنوح: ( أَنُؤْمِنُ لَكَ وَأَتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ ) فهذا فيه أن أهل الرئاسة والشرف يكونون أبعد عن الانقياد إلى عبادة الله وطاعته؛ لأن حبهم للرئاسة يمنعهم ذلك ، بخلاف المستضعفين . وفى هذا المعنى الحديث المأثور - إن كان محفوظاً - ((اللهم أحيني مسكيناً، وامتني مسكيناً، واحشرنى فى زمرة المساكين )) فالمساكين ضد المتكبرين. وم الخاشعون الله. المتواضعون لعظمته، الذين لا يريدون علواً فى الأرض. سواء كانوا أغنياء أو فقراء . ١٣٠ ومن هذا الباب إن الله خيره : بين أن يكون عبداً رسولاً وبين أن يكون نبياً ملكا ، فاختار أن يكون عبداً رسولاً ؛ لأن العبد الرسول يتصرف بأمر سيده ؛ لا لأجل حظه ، وأما الملك فيتصرف لحظ نفسه، وإن كان مباحا. كما قيل لسليمان: (هَذَا عَطَآؤُنَافَامْنُنْ أَوْأَمْسِكْ بِغَيْرِسَابٍ ) ففي هذه الأحاديث : أنه اختار العبودية والتواضع . وإن كان هو الأعلى هو ومن اتبعه. كما قال: (وَلَاتَهِنُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَنْتُ الْأَعْلَوْنَ) وقال: ( وَلِلَّهِالْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ) ولم يرد العلو وإن كان قد حصل له . وقد أعطي مع هذا من العطاء ما لم يعطه غيره ، وإنما يفضل الغنى لأجل الإحسان إلى الخلق ، والإنفاق فى سبيل الله، والاستعانة به على طاعة الله وعبادته ، وإلا فذات ملك المال لا ينفع ، بل قد يضر وقد صبر مع هذا من اللأواء والشدة على ما لم يصبر عليه غيره، فنال أعلى درجات الشاكرين وأفضل مقامات الصابرين ، وكان سابقاً فى حالي الفقر والغنى ، لم يكن ممن لا يصلحه إلا احدهما ، كبعض اصحابه وامته . (المعنى الثاني) أن الصلاح فى الفقراء أكثر منه فى الأغنياء . كما أنه إذا كان فى الأغنياء فهو أكمل منه فى الفقراء ، فهذا فى هؤلاء أكثر وفى هؤلاء أكثر ، لأن فتنة الغنى أعظم من فتنة الفقر ، فالسالم منها أقل . ومن سلم منها كان أفضل ممن سلم من فتنة الفقر فقط ؛ ولهذا ١٣١ صار الناس يطلبون الصلاح فى الفقراء ، لأن المظنة فيهم أكثر . فهذا هذا والله أعلم . فلهذا السبب صارت المسكنة نسبته ، وكذلك لما رأوا المسكنة والتواضع في الفقراء أكثر ، اعتقدوا أن التواضع والمسكنة هو الفقر وليس كذلك . بل الفقر هنا عدم المال ، والمسكنة خضوع القلب ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم: يستعيذ من فتنة الفقر ، وشر فتنة الغنى ، وقال : بعض الصحابة ابتلينا بالضراء فصبرنا ، وابتلينا بالسراء فلم نصبر، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((والله ما الفقر أخشى عليكم ، ولكن أخاف أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها )) ولهذا كان الغالب على المهاجرين الفقر ، والغالب على الأنصار الغنى ، والمهاجرون أفضل من الأنصار ، وكان فى المهاجرين أغنياء، هم من أفضل المهاجرين مع أنهم بالهجرة تركوا من أموالهم ما صاروا به فقراء بالنسبة إلى ما كانوا عليه . ١٣٢ وسل عن ((الحمد والشكر)) ما حقيقتها؟ هل هما معنى واحد ، أو معنيان ؟ وعلى أي شيء يكون الحمد ؟ وعلى أي شيء يكون الشكر؟. فأجاب: الحمد لله رب العالمين. ((الحمد)) يتضمن المدح، والثناء على المحمود بذكر محاسنه، سواء كان الإحسان إلى الحامد، أو لم يكن، والشكر لا يكون إلا على إحسان المشكور إلى الشاكر ، فمن هذا الوجه الحمد أعم من الشكر ؛ لأنه يكون على المحاسن والإحسان ، فإن الله تعالى يحمد على ماله من الأسماء الحسنى ، والمثل الأعلى، وما خلقه فى الآخرة والأولى ؛ ولهذا قال تعالى: ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَالْقُلْمَتِ وَالنُّورَ ) وقال: ( الْحَمْدُ لِلّهِالَّذِىِ لَّهُمَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِى الْآَخِرَةِ ) وقال: (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَئِكَةِ رُسُلَّا أُوْلِيٍّ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَ وَ ثُلَثَ وَرُبَعْ يَزِيدٌ فِ الْخَلْقِ مَايَشَآءُ ) . ١٣٣ وأما ((الشكر)) فإنه لا يكون إلا على الإنعام ، فهو أخص من الحمد من هذا الوجه ؛ لكنه يكون بالقلب واليد واللسان ، كماقيل : أفادتكم النعماء مني ثلاثة: يدي، ولساني، والضمير المحجبا ولهذا قال تعالى: ( أَعْمَلُوْءَ دَاوُودَ شُكْرًاً). و ((الحمد)) إنما يكون بالقلب واللسان، فمن هذا الوجه الشكر أعم من جهة أنواعه ، والحمد أعم من جهة أسبابه ، ومن هذا الحديث ((الحمد لله رأس الشكر، فمن لم يحمد الله لم بشكره)» وفى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها) والله أعلم. ء ١٣٤ تلخيص مناظرة في ((الحمد والشكر)) بحث جرى بين شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية رحمه الله وبين ابن المرحل كان الكلام فى الحمد والشكر ، وأن الشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح ، والحمد لا يكون إلا باللسان . فقال ابن المرحل : قد نقل بعض المصنفين - وسماه - : أن مذهب أهل السنة والجماعة : أن الشكر لا يكون إلا بالاعتقاد . ومذهب الخوارج : أنه يكون بالاعتقاد، والقول والعمل، وبنوا على هذا: أن من ترك الأعمال يكون كافراً . لأن الكفر نقيض الشكر ، فإذا لم يكن شاكراً كان كافراً . قال الشيخ تقي الدين : هذا المذهب المحكى عن أهل السنة خطأ والنقل عن أهل السنة خطأ . فإن مذهب أهل السنة : أن الشكر يكون بالاعتقاد ، والقول والعمل. قال الله تعالى: (أَعْمَلُوْءَ دَاوُودَ ١٣٥ شُكْرًا ) وقام النبى صلى الله عليه وسلم حتى تورمت قدماه ، فقيل له: «أتفعل هذا، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال : أفلا أكون عبداً شكوراً)). قال ابن المرحل : أنا لا أتكلم فى الدليل ، وأسلم ضعف هذا القول؛ لكن أنا أنقل أنه مذهب أهل السنة . قال الشيخ تقي الدين : نسبة هذا إلى أهل السنة خطأ ، فان القول إذا ثبت ضعفه ، كيف ينسب إلى أهل الحق ؟ ثم قد صرح من شاء الله من العلماء المعروفين بالسنة أن الشكر يكون بالاعتقاد، والقول والعمل ، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة . قلت : وباب سجود الشكر فى الفقه أشهر من أن يذكر ، وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم عن سجدة سورة ( ص) ((سجدها داود توبة ، ونحن نسجدها شكراً)). ثم من الذي قال من أئمة السنة: إن الشكر لا يكون إلا بالاعتقاد ؟ . قال ابن المرحل : - هذا قد نقل ، والنقل لا يمنح ، لكن يستشكل . ويقال : هذا مذهب مشكل . ١٣٦ قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية : النقل نوعان . أحدهما : أن ينقل ما سمع أو رأى . والثانى: ما ينقل باجتهاد واستنباط . وقول القائل: مذهب فلان كذا ، أو مذهب أهل السنة كذا ، قد يكون نسبه إليه لاعتقاده أن هذا مقتضى أصوله ، وإن لم يكن فلان قال ذلك . ومثل هذا يدخله الخطأ كثيراً . ألا ترى أن كثيراً من المصنفين يقولون : مذهب الشافعى أو غيره كذا ، ويكون منصوصه بخلافه ؟ وعذرم فى ذلك: أنهم رأوا أن أصوله تقتضي ذلك القول ، فنسبوه إلى مذهبه من جهة الاستنباط ، لا من جهة النص؟ . وكذلك هذا، لما كان أهل السنة لا يكفرون بالمعاصي ، والخوارج يكفرون بالمعاصي . ثم رأى المصنف الكفر ضد الشكر - : أعتقد أنا إذا جعلنا الأعمال شكراً لزم انتفاء الشكر بانتفائها ، ومتى انتفى الشكر خلفه الكفر ، ولهذا قال : إنهم بنوا على ذلك: التكفير بالذنوب . فلهذا عزى إلى أهل السنة إخراج الأعمال عن الشكر . قلت : كما أن كثيراً من المتكلمين أخرج الأعمال عن الإيمان لهذه العلة . قال : وهذا خطأ ، لأن التكفير نوعان : أحدهما : كفر النعمة . والثانى: الكفر بالله . والكفر الذي هو ضد الشكر: إنما هو كفر ١٣٧ النعمة لا الكفر بالله. فإذا زال الشكر خلفه كفر النعمة، لا الكفر بالله. قلت : على أنه لو كان ضد الكفر بالله ، فمن ترك الأعمال شاكراً بقلبه ولسانه فقد أتى ببعض الشكر وأصله . والكفر إنما يثبت إذا عدم الشكر بالكلية . كما قال أهل السنة : إن من ترك فروع الإيمان لا يكون كافراً، حتى يترك أصل الإيمان . وهو الاعتقاد . ولا يلزم من زوال فروع الحقيقة - التى هي ذات شعب وأجزاء ــ زوال اسمها ، كالإنسان ، إذا قطعت بده ، أو الشجرة ، إذا قطع بعض فروعها . قال الصدر ابن المرحل : فإن أصحابك قد خالفوا الحسن البصري فى تسمية الفاسق كافر النعمة ، كما خالفوا الخوارج فى جعله كافراً بالله . قال الشيخ تقي الدين : أصحابي لم يخالفوا الحسن فى هذا ، فعمن تنقل من أصحابي هذا ؟ بل يجوز عندم أن يسمى الفاسق كافر النعمة ، حيث أطلقته الشريعة . قال ابن المرحل : إنى أنا ظننت أن أصحابك قد قالوا هذا ، لكن أصحابى قد خالفوا الحسن فى هذا . قال الشيخ تقي الدين : - ولا أصحابك خالفوه . فإن أصحابك ١٣٨ قد تأولوا أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التى أطلق فيها الكفر على بعض الفسوق - مثل ترك الصلاة . وقتال المسلمين - على أن المراد به كفر النعمة . فعلم أنهم يطلقون على المعاصي في الجملة أنها كفر النعمة . فعلم أنهم موافقوا الحسن ، لا مخالفوه . ثم عاد ابن المرحل ، فقال : أنا أنقل هذا عن المصنف . والنقل ما يمنع ، لكن يستشكل . قال الشيخ تقي الدين : إذا دار الأمر بين أن ينسب إلى أهل السنة مذهب باطل ، أو ينسب الناقل عنهم إلى تصرفه فى النقل كان نسبة الناقل إلى التصرف أولى من نسبة الباطل إلى طائفة أهل الحق ، مع أنهم صرحوا فى غير موضع : أن الشكر يكون بالقول ، والعمل ، والاعتقاد . وهذا أظهر من أن ينقل عن واحد بعينه . ثم إنا نعلم بالاضطرار أنه ليس من أصول أهل الحق : إخراج الأعمال أن تكون شكراً لله . بل قد نص الفقهاء على أن الزكاة شكر نعمة المال . وشواهد هذا أكثر من أن تحتاج إلى نقل . وتفسير الشكر بأنه يكون بالقول والعمل فى الكتب التى يتكلم فيها على لفظ ((الحمد)) ((والشكر)) مثل كتب التفسير واللغة، ١٣٩ وشروح الحديث ، يعرفه آحاد الناس . والكتاب والسنة قد دلا على ذلك . مخرج ابن المرحل إلى شيء غير هذا، فقال : - الحسن البصري يسمى الفاسق منافقاً ، وأصحابك لا يسمونه منافقاً . قال الشيخ تقي الدين له : بل يسمى منافقاً النفاق الأصغر ، لا النفاق الأكبر . والنفاق يطلق على النفاق الأكبر ، الذي هو إضمار الكفر ، وعلى النفاق الأصغر ، الذي هو اختلاف السر والعلانية فى الواجبات . قال له ابن المرحل : - ومن أين قلت : إن الاسم يطلق على هذا وعلى هذا ؟. قال الشيخ تقي الدين : - هذا مشهور عند العلماء . وبذلك فسروا قول النبى صلى الله عليه وسلم «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)) وقد ذكر ذلك الترمذي وغيره . وحكوه عن العلماء . وقال غير واحد من السلف (( كفر دون كفر ، ونفاق دون نفاق وشرك دون شرك)». ١٤٠