Indexed OCR Text

Pages 81-100

وأما (( عددم)) فقد جمع أبو عبد الرحمن السلمى تاريخهم : وم
نحو من ستمائة، أو سبعمائة، أو نحو ذلك. ولم يكونوا مجتمعين فى
وقت واحد ، بل كان فى شمال المسجد صفة يأوي إليها فقراء المهاجرين .
فمن تأهل منهم ، أو سافر ، أو خرج غازيا خرج منها ، وقد كان
يكون في الوقت الواحد فيها السبعون ، أو أقل ، أو أكثر ومنهم : سعد بن أبى
وقاص ، أحد العشرة. وأبو هريرة ، وخبيب ، وسلمان وغيرهم .
وأما ماذكر من أنهم عرفوا ما أوحاه الله إلى نبيه ليلة المعراج
فكذب ، ملعون قائله . وكيف يكون ذلك والمعراج كان بمكة قبل
الهجرة ؟! وأهل الصفة إنما كانوا بالمدينة بعد الهجرة ، وبناء مسجد
الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة : الطيبة وهذا كله واضح عند
من عرف الله ورسوله ، وكان مسلما حنيفاً ، أو كان عالما بسيرة رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، وسيرة أصحابه معه .
وإنما يقع في هذه الجهالات أقوام نقص إيمانهم وقل علمهم
واستكبرت أنفسهم ، حتى صاروا بمنزلة فرعون ، وصاروا أسوأ حالا
من النصارى .
والله يتوب علينا وعليهم ، وعلى سائر إخواننا المسلمين ، ويهدينا
وإياهم صراطه المستقيم ، صراط الذين أنعم عليهم . غير المغضوب عليهم.
ولا الضالين . والله تعالى أعلم.
٨١

وسئل
عن ((الفتوة)) المصطلح عليها إلخ ..
فأجاب - رضى الله عنه - قائلا: أما ما ذكره من ((الفتوة)) التى
يلبس فيها الرجل لغيره سراويل ، ويسقيه ماء وملحاً ؛ فهذا لا أصل
له . ولم يفعلها أحد من السلف لا علي ولا غيره . والإسناد الذي
يذكرونه فى ((الفتوة)) إلى أمير المؤمنين: علي بن أبي طالب، من
طريقة الخليفة الناصر وغيره ، إسناد مظلم ، عامة رجاله مجاهيل لايعرفون
وليس لهم ذكر عند أهل العلم .
وقد ذكر أن أصل ذلك : أنه وضع سراويل عند قبر علي فأصبح
مسدوداً ، وهذا يجري عند غير علي ، كما يجري أمثال ذلك من
الأمور التى يظن أنها كرامة ، فى الكنائس وغيرها ، مثل دخول
مصروع إليها فيبرأ بنذر يجعل للكنيسة ، ونحو ذلك. وهذا إذا لم
يكن كذبا فإنه من فعل الشياطين . كما يفعل مثل ذلك عند الأوثان ،
وأنا أعرف من ذلك وقائع متعددة .
٨٢

و ( المقصود هنا ) أن سراويل الفتوة لا أصل له عن علي ولا
غيره من السلف ، وما يشترطه بعضهم من الشروط ، إن كان مما أمر
الله به ورسوله ، فإنه يفعل لأن الله أمر به ورسوله، وما نهى عنه مثل
التعصب لشخص على شخص ، والإعانة على الإثم والعدوان . فهو مما
ينهى عنه ، ولو شرطوه .
ولفظ (( الفتى)) فى اللغة هو الشاب . كما ذكر ذلك أهل اللغة.
ومنه قوله تعالى: ( وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ ) وقوله: ( إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ
ءَامَنُواْبِرَيِّهِمْ ) ( وَإِذْقَالَ مُوسَى لِفَتَنُهُ ) . وقد فتى يفتى فهو فتى ،
أي بين الفتا ، والأفتا من الدواب خلاف المسان ، وقد يعبر بالفتى
عن المملوك مطلقاً. كما قال تعالى: (مِّن فَنَيَتِّكُمُ الْمُؤْمِنَتِ).
ولما كان الشاب ألين عريكة من الشيخ صار فى طبعه من السخاء
والكرم مالا يوجد فى الشيوخ . فصاروا يعبرون بلفظ الفتى عن السخي
الكريم . يقال: هو فتى بين الفتوة وقد يفتى. ويفاتى. والجمع
فتيان وفتية .
واستعمال لفظ الفتى بمعنى المتصف بمكارم الأخلاق موجود فى كلام
كثير من المشايخ ، وقد يظن أن لفظ القرآن يدل على هذا . ومنه قول
بعض الشيوخ : طريقنا نفتى وليس تنصر ، يعنى هو استعمال مكارم
٨٣

الأخلاق ؛ ليس هو النسك اليابس. ومنه قول أبي إسماعيل الأنصاري :
الفتوة أن تقرب من يقصدك ، وتكرم من يؤذيك ، ويحسن إلى من
يسيء إليك ، سماحة لاكظما، وموادة لا مصابرة .
ونقل عن أحمد بن حنبل - رضى الله عنه - أنه قال : الفتوة
ترك ما تهوى لما نخشى. كما قال تعالى: ( وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ ،وَنَهَى
النَّفْسَ عَنِ الْوَى ) فمن دعا إلى ما دعا إليه الله ورسوله من
مكارم الأخلاق كان محسناً ، سواء سمى ذلك فتوة أو لم يسمه ، ومن
أحدث فى دين الله ما ليس منه فهو رد.
والغالب أنهم يدخلون فى الفتوة أموراً ينهى عنها فينهون عن ذلك ،
ويؤمرون بما أمر الله به ورسوله، كما ينهون عن الإلباس، والإسقاء.
وإسناد ذلك إلى علي - رضى الله عنه - وأمثال ذلك .
٨٤

سئل الشيخ الإمام العالم العلامة
إمام الوقت ، فريد الدهر ، جوهر العلم، لب الإيمان، قطب الزمان
مفتى الفرق ، شيخ الإسلام ، تقي الدين أبو العباس أحمد بن الشيخ
الإمام شهاب الدين عبد الحليم بن الشيخ الإمام العلامة مؤيد السنة مجد الدين
عبد السلام بن تيمية الحرانى .- رضي الله عنه ـ ونفع به آمين .
فى جماعة يجتمعون فى مجلس، ويلبسون لشخص منهم لباس ((الفتوة))
ويديرون بينهم فى مجلسهم شربة فيها ملح وماء بشربونها
ويزعمون أن هذا من الدين ، ويذكرون فى مجلسهم ألفاظاً لا تليق
بالعقل والدين .
فمنها أنهم يقولون : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألبس علي
ابن أبى طالب - رضي الله تعالى عنه - لباس الفتوة ، ثم أمره أن
يلبس من شاء ، ويقولون: إن اللباس أنزل على النبى - صلى الله تعالى
عليه وسلم - فى صندوق، ويستدلون عليه بقوله تعالى: (يَبَنِىّءَادَمَ قَدْ
أَنْزَلْنَا عَلَيْكُلِبَاسًا يُؤَرِى سَوْءَاتِكُمْ ) الآية - فهل هو كما زعموا ؟ أم
٨٥

كذب مختلق؟ وهل هو من الدين أم لا؟ وإذا لم يكن من الدين فما يجب على
من يفعل ذلك أو يعين عليه ؟ ومنهم من ينسب ذلك إلى الخليفة الناصر لدين
الله . إلى عبد الجبار ويزعم أن ذلك من الدين ؛ فهل لذلك أصل أم لا ؟
وهل الأسماء التى يسمون بها بعضهم بعضاً من اسم الفتوة ، ورؤوس
الأحزاب والزعماء فهل لهذا أصل أم لا ؟ ويسمون المجلس الذي يجتمعون
فيه (( دسكرة)) ويقوم للقوم نقيب إلى الشخص الذي يلبسونه فينزعه
اللباس الذي عليه بيده ، ويلبسه اللباس الذي يزعمون أنه لباس الفتوة
بيده، فهل هذا جلْ. أم لا؟ وإذا قيل: لا يجوز فعل ذلك ولا الإعانة
عليه ، فهل يجب على ولي الأمر منعهم من ذلك؟
وهل للفتوة أصل فى الشريعة أم لا ؟ وإذا قيل : لا أصل لها فى
الشريعة فهل يجب على غير ولي الأمر أن ينكر عليهم، ويمنعهم من ذلك
أم لا ؟ مع تمكنه من الإنكار، وهل أحد من الصحابة - رضي الله
تعالى عنهم، أو التابعين، أو من بعدهم من أهل العلم فعل هذه الفتوة المذكورة
أو أمر بها أم لا؟
وهل خلق النبي صلى الله عليه وسلم من النور؟ أم خلق من
الأربع عناصر؟ أم من غير ذلك ؟ وهل الحديث الذي يذكره بعض
الناس: ((لولاك ما خلق الله عرشاً. ولاكرسياً، ولا أرضاً، ولا سماء،
٨٦

ولا شمساً، ولا قمراً. ولا غير ذلك)) صحيح هو أم لا؟
وهل ((الأخوة)) التى يؤاخيها المشايخ بين الفقراء فى السماع وغيره
يجوز فعلها فى السماع ونحوه أم لا ؟ وهل آخى رسول الله صلى الله
تعالى عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار ؟ أم بين كل مهاجري
وأنصاري ؟ وهل آخى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم علي بن
أبي طالب - كرم الله وجهه - أم لا؟ بينوا لنا ذلك بالتعليل والحجة
المبينة، وابسطوا لنا الجواب فى ذلك بسطا شافياً مأجورين . أتابكم
الله تعالى .
فأحاب :
الحمد لله. أما ما ذكر من إلباس لباس ((الفتوة)) السراويل أو
غيره، وإسقاء الملح والماء فهذا باطل ، لا أصل له، ولم يفعل هذا رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، ولا أحد من أصحابه . لا علي بن أبي طالب ولا
غيره ، ولا من التابعين لهم بإحسان .
والإسناد الذي يذكرونه من طريق الخليفة الناصر إلى عبد الجبار
إلى تمامة ، فهو إسناد لا تقوم به حجة ، وفيه من لا يعرف ، ولا يجوز
لمسلم أن ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بمثل هذا الإسناد المجهول
٨٧

الرجال أمراً من الأمور التى لا تعرف عنه ، فكيف إذا نسب إليه ما يعلم
أنه كذب وافتراء عليه ؟! فإن العالمين بسنته وأحواله متفقون على أن
هذا من الكذب المختلق عليه وعلى علي بن أبى طالب رضي الله تعالى
عنه ، وما ذكروه من نزول هذا اللباس فى صندوق هو من أظهر
الكذب ، باتفاق العارفين بسنته .
و((اللباس الذي يواري السوءة)) هو كل ماستر العورة من جميع
أصناف اللباس المباح . أنزل الله تعالى هذه الآية لما كان المشركون
يطوفون بالبيت عراة ، ويقولون : ثياب عصينا الله فيها لا نطوف فيها
فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأنزل قوله: (خُذُواْزِينَتَّكُمْ عِندَكُلِّ
مَسْجِدٍ ) .
والكذب فى هذا أظهر من الكذب فيما ذكر من لباس الخرقة ،
وأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم تواجد حتى سقطت البردة عن
ردائه ، وأنه فرق الخرق على أصحابه ، وأن جبريل أتاه وقال له : إن
ربك يطلب نصيبه من زيق الفقر وأنه علق ذلك بالعرش . فهذا أيضاً
كذب باتفاق أهل المعرفة ؛ فإن النبى صلى الله عليه وسلم لم يجتمع هو
وأصحابه على سماع كف ، ولا سماع دفوف وشبابات ، ولا رقص ولا
سقط عنه ثوب من ثيابه فى ذلك، ولا قسمه على أصحابه ، وكل ما يروى
من ذلك فهو كذب مختلق باتفاق أهل المعرفة بسنته .
٨٨

فصل
والشروط التى تشترطها شيوخ ((الفتوة)) ما كان منها مما أمر الله
به ورسوله كصدق الحديث ، وأداء الأمانة، وأداء الفرائض، واجتناب المحارم
ونصر المظلوم، وصلة الأرحام والوفاء بالعهد . أو كانت مستحبة: كالعفو
عن الظالم واحتمال الأذى، وبذل المعروف الذي يحبه الله ورسوله وأن
يجتمعوا على السنة ، ويفارق أحدهما الآخر إذا كان على بدعة ، ونحو
ذلك . فهذه يؤمن بها كل مسلم سواء شرطها شيوخ الفتوة أو لم
بشرطوها، وما كان منها مما نهى الله عنه ورسوله : مثل التحالف الذي
يكون بين أهل الجاهلية، أن كلا منهما يصادق صديق الآخر فى الحق
والباطل ، ويعادي عدوه فى الحق والباطل ، وينصره على كل من يعاديه
سواء كان الحق معه أو كان مع خصمه، فهذه شروط تحلل الحرام وتحرم
الحلال ، وهي شروط ليست فى كتاب الله .
وفي السنن عنه أنه قال: ((المسلمون عند شروطهم : إلا شرطا
أحل حراما أو حرم حلالا )) وكل ما كان من الشروط التى بين القبائل
والملوك والشيوخ والأحلاف وغير ذلك فإنها على هذا الحكم باتفاق
علماء المسلمين، ما كان من الأمر المشروط الذي قد أمر الله به ورسوله
٨٩

فإنه يؤمر به كما أمر الله به ورسوله . وإن كان مما نهى الله عنه ورسوله
فإنه ينهى عنه، كما نهى الله عنه ورسوله، وليس لبني آدم أن يتعاهدوا ولا
يتعاقدوا ولا يتحالفوا ولا يتشارطوا على خلاف ما أمر الله به ورسوله؛
بل على كل منهم أن يوفوا بالعقود والعهود التى عهدها الله إلى بني آدم
كما قال الله تعالى: (وَأَوْفُواْبِعَهْدِىّ أُوْفِ بِعَهْدِكُمْ ) .
وكذلك ما يعقده المرء على نفسه كعقد النذر أو يعقده الاثنان :
كعقد البيع والإجارة، والهبة وغيرهما . أو ما يكون تارة من واحد وتارة
من اثنين : كعقد الوقف والوصية ؛ فإنه فى جميع هذه العقود متى اشترط
العاقد شيئاً مما نهى الله عنه ورسوله كان شرطه باطلا . وفى الصحيح
عن عائشة رضي الله عنها عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال:
((من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه)).
والعقود المخالفة لما أمر الله به ورسوله هي من جنس دين الجاهلية، وهي
شعبة من دين المشركين وأهل الكتاب الذين عقدوا عقوداً أمروا فيها
بما نهى الله عنه ورسوله، ونهوا فيها عما أمر الله به ورسوله.
فهذا أصل عظيم يجب على كل مسلم أن يتجنبه .
٩٠

فصل
وأما لفظ ((الفتى)) فمعناه في اللغة الحدث كقوله تعالى: ( إِنَّهُمْ
فِتْيَةُ ءَامَنُواْبِرَّهِمْ ) وقوله تعالى: ( قَالُوْ سَمِعْنَا فَتَّى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ:
إِبْرَهِيمُ ) ومنه قوله تعالى: (وَإِذْقَالَ مُوسَى لِفَتَنَهُ)؛ لكن لما كانت
أخلاق الأحداث اللين صار كثير من الشيوخ يعبرون بلفظ ((الفتوة))
عن مكارم الأخلاق . كقول بعضهم : طريقنا تفتى وليس تنصر . وقول
بعضهم.(الفتوة)) أن تقرب من يقصيك، وتكرم من يؤذيك وتحسن إلى [من](١)
يسيء إليك. سماحة لاكظا، ومودة لامضارة. وقول بعضهم: ((الفتوة))
ترك ما تهوى لما تخشى . وأمثال هذه الكلمات التى توصف فيها
الفتوة بصفات محمودة محبوبة ، سواء سميت فتوة أو لم تسم ، وهي لم
تستحق المدح فى الكتاب والسنة إلا لدخولها فيما حمده الله ورسوله من
الأسماء . كلفظ الإحسان والرحمة ، والعفو، والصفح، والحلم ، وكظم
الغيظ ، والبر والصدقة ، والزكاة والخير . ونحو ذلك من الأسماء الحسنة
التى تتضمن هذه المعانى ، فكل اسم علق الله به المدح والثواب في
الكتاب والسنة كان أهله ممدوحين ، وكل اسم علق به الذم والعقاب
في الكتاب والسنة كان أهله مذمومين ، كلفظ الكذب ، والخيانة ،
(١) أضيفت حسب مفهوم السياق .
٩١

والفجور ، والظلم والفاحشة ونحو ذلك .
وأما لفظ ((الزعيم)) فإنه مثل لفظ الكفيل والقبيل والضمين ،
قال تعالى: ( وَلِمَنْ جَآءَبِهِ، حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَأْبِهِ زَعِيمٌ ) فمن تكفل بأمر
طائفة فإنه يقال هو زعيم ؛ فإن كان قد تكفل بخير كان محموداً على
ذلك ، وإن كان شراً كان مذموما على ذلك .
وأما ((رأس الحزب)) فإنه رأس الطائفة التى تتحزب ، أي تصير
حزبا ، فإن كانوا مجتمعين على ما أمر الله به ورسوله من غير زيادة ولا
نقصان فهم مؤمنون ، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم . وإن كانوا قد
زادوا فى ذلك ونقصوا مثل التعصب لمن دخل فى حزبهم بالحق والباطل ،
والإعراض عمن لم يدخل فى حزبهم ، سواء كان على الحق والباطل ،
فهذا من التفرق الذي ذمه الله تعالى ورسوله ، فإن الله ورسوله أمرا
بالجماعة والائتلاف ، ونهيا عن التفرقة والاختلاف ، وأمرا بالتعاون على
البر والتقوى ، ونهيا عن التعاون على الإثم والعدوان .
وفي الصحيحين عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: ((مثل
المؤمنين فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو
تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)) وفى الصحيحين عنه صلى الله تعالى
عليه وسلم أنه قال: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا)) وشبك بين
٩٢

أصابعه. وفى الصحيح عنه أنه قال: ((المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يخذله))
وفي الصحيح عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: ((انصر أخاك ظالما
أو مظلوماً)) قيل: يارسول الله! أنصره مظلوماً، فكيف أنصره ظالما؟!
قال: (( "تمنعه من الظلم؛ فذلك نصرك إياه)). وفى الصحيح عنه أنه قال:
((خمس تجب للمسلم على المسلم: يسلم عليه إذا لقيه ؛ ويعوده إذا مرض،
ويشمته إذا عطس؛ ويجيبه إذا دعاه . ويشيعه إذا مات)). وفى
الصحيح عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: ((والذي نفسي بيده
لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه من الخير ما يحب لنفسه ))
فهذه الأحاديث وأمثالها فيها أمر الله ورسوله بما أمر به من
حقوق المؤمنين بعضهم على بعض . وفي الصحيحين عن النبى صلى الله
تعالى عليه وسلم أنه قال: (( لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا
تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا)). وفي الصحيحين عنه صلى الله تعالى
عليه وسلم أنه قال: (( إن الله يرضى لكم ثلاثاً: أن تعبدوه ولا تشركوا
به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا؛ وأن تناصحوا من
ولاه الله أمركم))
وفى السنن عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: ((ألا أنبئكم
بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر؟)) قالوا: بلى يارسول الله! قال: ((صلاح ذات البين فإن
٩٣

فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر . ولكن يحلق الدين )»
فهذه الأمور مما نهى الله ورسوله عنها .
وأما لفظ ((الدسكرة)) فليست من الألفاظ التى لها أصل فى
الشريعة فيتعلق بها حمد أو نم ؛ ولكن هى في عرف الناس يعبر بها
عن المجامع . كما فى حديث هرقل : أنه جمع الروم فى دسكرة ؛ ويقال
للمجتمعين على شرب الخمر : إنهم فى دسكرة ؛ فلا يتعلق بهذا اللفظ
حمد ولانم ؛ وهو إلى النم أقرب ؛ لأن الغالب في عرف الناس أنهم يسمون
بذلك الاجتماع على الفواحش والخمر والغناء .
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على كل مسلم ؛ لكنه
من فروض الكفايات ؛ فإن قام بهما من يسقط به الفرض من ولاة
الأمر؛ أو غيرم . والأوجب على غيرهم أن يقوم من ذلك بما
يقدر عليه .
فصل
والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم خلق مما يخلق منه البشر ؛
ولم يخلق أحد من البشر من نور ؛ بل قد ثبت في الصحيح عن النبي
٩٤

صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: (( إن الله خلق الملائكة من نور ؛
وخلق إبليس من مارج من نار ؛ وخلق آدم مما وصف لكم ))
وليس تفضيل بعض المخلوقات على بعض باعتبار ما خلقت منه فقط ؛
بل قد يخلق المؤمن من كافر ؛ والكافر من مؤمن ؛ كابن نوح منه
وكإبراهيم من آزر ؛ وآدم خلقه الله من طين ؛ فلما سواه ؛ ونفخ فيه
من روحه ؛ وأسجد له الملائكة ؛ وفضله عليهم بتعليمه أسماء كل شيء
وبأن خلقه بيديه : وبغير ذلك . فهو وصالحوا ذريته أفضل من
الملائكة ؛ وإن كان هؤلاء مخلوقين من طين ؛ وهؤلاء من نور .
وهذه ((مسألة كبيرة)) مبسوطة فى غير هذا الموضع ؛ فإن فضل
بني آدم هو بأسباب يطول شرحها هنا . وإنما يظهر فضلهم إذا دخلوا
دار القرار: (وَالْمَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمِ مِن كُلِ بَادٍ * سَلَمُ عَلَيْكُم بِمَا صَبْتُمْ
فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) . والآدمي خلق من نطفة؛ ثم من مضغة؛
ثم من علقة، ثم انتقل من صغر إلى كبر ، ثم من دار إلى دار ، فلا
يظهر فضله وهو فى ابتداء أحواله ؛ وإنما يظهر فضله عند كمال أحواله ؛
بخلاف الملك الذي تشابه أول أمره وآخره . ومن هنا غلط من فضل
الملائكة على الأنبياء حيث نظر إلى أحوال الأنبياء . وهم فى أثناء
الأحوال ؛ قبل أن يصلوا إلى ما وعدوا به فى الدار الآخرة من
نهايات الكمال .
٩٥

وقد ظهر فضل نبينا على الملائكة ليلة المعراج لما صار بمستوى
يسمع فيه صريف الأقلام ؛ وعلا على مقامات الملائكة ؛ والله تعالى
أظهر من عظيم قدرته ومجيب حكمته من صالحي الآدميين من الأنبياء
والأولياء ما لم يظهر مثله من الملائكة ، حيث جمع فيهم ما تفرق فى
المخلوقات . حلق بدنه من الأرض ، وروحه من الملأ الأعلى ، ولهذا
يقال : هو العالم الصغير ، وهو نسخة العالم الكبير .
ومحمد سيد ولد آدم. وأفضل الخلق : وأكرمهم عليه ، ومن
هنا قال من قال : إن الله خلق من أجله العالم ، أو إنه لولا هو لما
خلق عرشاً ، ولا كرسياً ، ولا سماء ولا أرضاً ولا شمسا ولا قراً.
لكن ليس هذا حديثا عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لا صحيحا
ولا ضعيفاً ، ولم ينقله أحد من أهل العلم بالحديث . عن النبي صلى
الله تعالى عليه وسلم ؛ بل ولا يعرف عن الصحابة ، بل هو كلام
لا يدرى قائله. ويمكن أن يفسر بوجه صحيح كقوله: ( سَخَّرَلَكُمْ
مَّا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ ) وقوله: ( وَسَخَّرَلَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِىَ
فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ، وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَرَ * وَسَخَّرَلَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَدَآْبِبَيْنِّ
ج
وَسَخَّرَلَكُمُ الَّيْلَ وَاَلنَّهَارَ * وَءَاتَنْكُمْ مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَ إِن تَعُدُّ وانِعْمَتَ اللَّهِ
لَا تُصُوهَآَ ) وأمثال ذلك من الآيات التى يبين فيها أنه
خلق المخلوقات لبني آدم ، ومعلوم أن الله فيها حكماً عظيمة غير ذلك،
٩٦

وأعظم من ذلك ، ولكن يبين لبني آدم ما فيها من المنفعة، وما أسبغ
عليهم من النعمة .
فإذا قيل : فعل كذا لكذا لم يقتض أن لا يكون فيه حكمة أخرى .
وكذلك قول القائل : لو لا كذا ما خلق كذا ، لا يقتضي أن لا يكون
فيه حكم أخرى عظيمة ، بل يقتضي إذا كان أفضل صالحي بني آدم محمد،
وكانت خلقته غاية مطلوبة ، وحكمة بالغة مقصودة [ أعظم ] من غيره،
صار تمام الخلق ، ونهاية الكمال ، حصل بمحمد صلى الله تعالى
عليه وسلم (١) .
والله خلق السموات والأرض وما بينهما فى ستة أيام ، وكان آخر
الخلق يوم الجمعة ، وفيه خلق آدم وهو آخر ما خلق ، خلق يوم الجمعة
بعد العصر فى آخر يوم الجمعة. وسيد ولد آدم هو محمد - صلى الله
تعالى عليه وسلم - آدم فمن دونه تحت لوائه - قال صلى الله تعالى
عليه وسلم: ((إنى عند الله لمكتوب خاتم النبيين وإن آدم لمنجدل
فى طينته )) أي كتبت نبوتي وأظهرت لما خلق آدم قبل نفخ الروح فيه
كما يكتب الله رزق العبد وأجله وعمله وشقي أو سعيد إذا خلق الجنين
قبل نفخ الروح فيه . فإذا كان الإنسان هو خاتم المخلوقات وآخرها
(١) كان بالأصل شيء من التحريف .
٩٧

وهو الجامع لما فيها ، وفاضله هو فاضل المخلوقات مطلقاً ، ومحمد إنسان هذا
العين ؛ وقطب هذه الرحى ، وأقسام هذا الجمع كان كأنها غاية الغايات
فى المخلوقات ، فما ينكر أن يقال: إنه لأجله خلقت جميعها ، وإنه
لولاه لما خلقت ، فإذا فسر هذا الكلام ونحوه بما يدل عليه الكتاب
والسنة قبل ذلك .
وأما إذا حصل فى ذلك غلو من جنس غلو النصارى بإشراك
بعض المخلوقات فى شيء من الربوبية ، كان ذلك مردوداً غير مقبول ؛
فقد صح عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: ((لا تطرونى كما
أطرت النصارى عيسى بن مريم ، فإنما أنا عبد، فقولوا : عبد الله
ورسوله )) وقد قال تعالى: (يَأَهْلَ اُلْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ
وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ:
أَلْقَتُهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوٌ مِّنْهُ فَنَا مِنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِّهِ، وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةُ أَنْتَهُواْ خَيْرَاً لَّكُمْ
إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهُ وَاحِدٌ)
والله قد جعل له حقاً لا يشركه فيه مخلوق فلا تصلح العبادة إلا
له ، ولا الدعاء إلا له ، ولا التوكل إلا عليه ، ولا الرغبة إلا إليه ،
ولا الرهبة إلا منه ، ولا ملجأ ولا منجا منه إلا إليه، ولا يأتى
بالحسنات إلا هو ، ولا يذهب السيئات إلا هو ، ولا حول ولا قوة
إلا به ( وَلَ نَتَفَعُ الشَّفَعَةُ عِندَهُ: إِلَّلِمَنْ أَذِنَ لَهُ) (مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ
٩٨

عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ). (إِن كُلُّ مَنْ فِىِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ ءَاتِى الرَّحْمَنِ عَبْدًا *
لَّقَدْ أَخْصَنُ وَعَدَّهُمْ عَدَّا * وَكُلُّهُمْءَاتِهِ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فَرْدًا )
وقال تعالى: ( وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ
اٌلْفَابِزُونَ ) فجعل الطاعة لله وللرسول، وجعل الخشية والتقوى لله
وحده، وكذلك فى قوله: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْمَآءَاتَنُهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِيْنَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَرَسُولُهُ إِنَّ إِلَى اللَّهِ رَغِبُونَ)
فالإيتاء الله والرسول . وأما التوكل فعلى الله وحده، والرغبة إلى الله
وحده .
فصل
وأما ((المؤاخاة)) فإن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين المهاجرين
والأنصار، لما قدم المدينة ، كما آخى بين سلمان الفارسي وبين أبي
الدرداء ، وبين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع ، وكانوا
يتوارثون بتلك المؤاخاة، حتى أنزل الله تعالى: (وَأُوْلُواْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ
أَوْلَى بِبَعْضِ فِ كِتَبِ اللَّهِ) فصاروا يتوارثون بالقرابة. وفى ذلك أنزل
الله تعالى : (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ فَشَاتُوُهُمْ نَصِيَهُمْ) وهذا هو المحالفة.
واختلف العلماء هل التوارث بمثل ذلك عند عدم القرابة والولاء محكم
أو منسوخ ؟ على قولين :
٩٩

( أحدما ) : أن ذلك منسوخ ، وهو مذهب مالك والشافعى
وأحمد فى أشهر الروايتين عنه، ولما ثبت فى صحيح مسلم عنه أنه قال :
(( لا حلف فى الإسلام ، وما كان من حلف فى الجاهلية فلم يزده
الإسلام إلا شدة)»
و ( الثاني ) أن ذلك محكم وهو مذهب أبى حنيفة وأحمد فى
الرواية الأخرى عنه .
وأما (( المؤاخاة)) بين المهاجرين كما يقال: إنه آخى بين أبي
بكر وعمر ، وإنه آخى علياً ونحو ذلك ، فهذا كله باطل ، وإن كان بعض
الناس ذكر أنه فعل بمكة ، وبعضهم ذكر أنه فعل بالمدينة ، وذلك
نقل ضعيف : إما منقطع ، وإما بإسناد ضعيف . والذي فى الصحيح هو
ما تقدم ، ومن تدبر الأحاديث الصحيحة ، والسيرة النبوية الثابتة ، تيقن
أن ذلك كذب .
وأما عقد ((الأخوة)) بين الناس فى زماننا ، فإن كان المقصود منها
التزام الأخوة الإيمانية التى أثبتها الله بين المؤمنين بقوله : ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ
إِخْوَةٌ) وقول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: ((المسلم أخو المسلم
لا يسلمه ولا يظلمه)) وقوله: (( لا يبح أحدكم على بيع أخيه ، ولا
يستام على سوم أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه)) وقوله: ((والذي
١٠٠