Indexed OCR Text
Pages 721-740
والنبى صلى الله عليه وسلم قال: (( ما لم تعمل به أو تتكلم)) وهذا قد تكلم ، وقد وقع فى هذه المسألة كلام كثير ، واحتيج إلى بيانها مطولا مكشوفاً مستوفاً . فأجاب: شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه ونور ضريحه. الحمد لله، هذه المسألة ونحوها تحتاج قبل الكلام فى حكمها إلى حسن التصور لها، فإن اضطراب الناس فى هذه المسائل وقع عامته من أمرين . ( أحدهما) عدم تحقيق أحوال القلوب وصفاتها، التى هي مورد الكلام. و ( الثاني ) عدم إعطاء الأدلة الشرعية حقها ؛ ولهذا كثر اضطراب كثير من الناس فى هذا الباب، حتى يجد الناظر في كلامهم أنهم يدعون إجماعات متناقضة فى الظاهر . فينبغي أن يعلم أن كل واحد من صفات الحي التى هي العلم والقدرة والإرادة ونحوها له من المراتب ما بين أوله وآخره ما لا يضبطه العباد: كالشك، ثم الظن ، ثم العلم، ثم اليقين، ومراتبه؛ وكذلك الهم والإرادة والعزم وغير ذلك؛ ولهذا كان الصواب عند جماهير أهل السنة - وهو ٧٢١ ظاهر مذهب أحمد، وهو أصح الروايتين عنه، وقول أكثر أصحابه - أن العلم والعقل وبحوهما يقبل الزيادة والنقصان، بل وكذلك الصفات التى تقوم بغير الحي : كالألوان والطعوم والأرواح . فنقول أولا الإرادة الجازمة هي التى يجب وقوع الفعل معها ، إذا كانت القدرة حاصلة فإنه متى وجدت الإرادة الجازمة مع القدرة التامة وجب وجود الفعل ، لكال وجود المقتضى السالم عن المعارض المقاوم ، ومتى وجدت الإرادة والقدرة التامة ولم يقع الفعل لم تكن الإرادة جازمة ، وهو إرادات الخلق لما يقدرون عليه من الأفعال، ولم يفعلوه، وإن كانت هذه الإرادات متفاوتة فى القوة والضعف تفاوناً كثيراً؛ لكن حيث لم يقع الفعل المراد مع وجود القدرة التامة فليست الإرادة حازمة جزماً تاماً . وهذه ((المسألة)) إنما كثر فيها النزاع ؛ لأنهم قدروا إرادة جازمة للفعل لا يقترن بها شيء من الفعل ، وهذا لا يكون. وإنما يكون ذلك في العزم على أن يفعل ، فقد يعزم على الفعل في المستقبل من لا يفعل منه شيئا فى الحال ، والعزم على أن يفعل فى المستقبل لا يكفي فى وجود الفعل ، بل لا بد عند وجوده من حدوث تمام الإرادة المستلزمة للفعل ، وهذه هي الإرادة الجازمة . و((الإرادة الجازمة)) إذا فعل معها الإنسان ما يقدر عليه كان فى الشرع بمنزلة الفاعل التام له ثواب الفاعل التام ، وعقاب الفاعل التام ٧٢٢ الذي فعل جميع الفعل المراد حتى يثاب ويعاقب على ما هو خارج عن محل قدرته ، مثل المشتركين والمتعاونين على أفعال البر، ومنها ما يتولد عن فعل الإنسان كالداعي إلى هدى أو إلى ضلالة، والسَّانّ سنة حسنة، وسنة سيئة، كما ثبت فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه ، من غير أن ينقص من أجورهم شيء ، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزر مثل أوزار من تبعه ، من غير أن ينقص(١) أوزارهم شيء)) وثبت عنه فى الصحيحين أنه قال: (( من سن سنة حسنة كان له أجرها ، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ، من غير أن ينقص من أجورهم شيء)). فالداعي إلى الهدى وإلى الضلالة ، هو طالب مريد كامل الطلب والإرادة لما دعا إليه ؛ لكن قدرته بالدعاء والأمر ، وقدرة الفاعل بالاتباع والقبول ؛ ولهذا قرن الله تعالى فى كتابه بين الأفعال المباشرة والمتولدة فقال: ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأْ وَلَا نَصَبٌّ وَلَ مَخْمَصَةٌ فِى سَبِيلِ الَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوِْنًا يَغِيَظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوِّنَّيْلًا إِلََّ كُتِبَ لَهُم بِهِ، عَمَلٌ صَلِحُ إِنَّ اللَّهَ لَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَّعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ). فذكر فى الآية الأولى ما يحدث عن أفعالهم بغير قدرتهم المنفردة: (١) هكذا وردت في المطبوع ولعل الصواب ( من أوزارهم) ٧٢٣ وهو ما يصيبهم من العطش والجوع والتعب ، وما يحصل للكفار بهم من الغيظ، وما ينالونه من العدو. وقال: (كُتِبَ لَهُم بِهِ، عَمَلٌ صَلِيمٌ) فأخبر أن هذه الأمور التى تحدث وتتولد من فعلهم وفعل آخر منفصل عنهم يكتب لهم بها عمل صالح ، وذكر فى الآية الثانية نفس أعمالهم المباشرة التى باشروها بأنفسهم : وهي الإنفاق ، وقطع المسافة ، فلهذا قال فيها : ( إِلَّاكُتِبَ لَهُم ) فإن هذه نفسها عمل صالح، وإرادتهم فى الموضعين جازمة على مطلوبهم الذي هو أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا ، فما حدث مع هذه الإرادة الجازمة من الأمور التى تعين فيها قدرتهم بعض الإعانة هي لهم عمل صالح . وكذلك «الداعي إلى الهدى والضلالة)) لما كانت إرادته حازمة كاملة فى هدى الأتباع وضلالهم ، وأتى من الإعانة على ذلك بما يقدر عليه ، كان بمنزلة العامل الكامل ، فله من الجزاء مثل جزاء كل من اتبعه: للهادي مثل أجور المهتدين ، وللمضل مثل أوزار الضالين وكذلك السان سنة حسنة وسنة سيئة ؛ فإن السنة هي ما رسم للتحري فإن السان كامل الإرادة لكل ما يفعل من ذلك، وفعله بحسب قدرته. ومن هذا قوله فى الحديث المتفق عليه عن ابن مسعود عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه أول من سن القتل» فالكفل ٧٢٤ النصيب مثل نصيب القاتل ، كما فسره الحديث الآخر، وهو كما استباح جنس قتل المعصوم. لم يكن مانع يمنعه من قتل نفس معصومة ، فصار شريكا في قتل كل نفس، ومنه قوله تعالى: ( مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِىّ إِسْرََّهِ يلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى الْأَرْضِ فَكَأَ نَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ). ويشبه هذا أنه من كذب رسولاً معيناً كان كتكذيب جنس الرسل، كما قيل فيه: (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوجِ الْمُرْسَلِينَ) (كَذَّبَتْ عَدُ الْمُرْسَلِينَ) ونحو ذلك . ومن هذا الباب قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَءَامَنُواْ أَتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَيَكُمْ وَمَاهُمْ يَحَمِلِينَ مِنْ خَطَهُمْ مِّنْ شَىْءٍ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ * وَلَيَحْمِلُنَّ أَنْقَالَهُمْ وَأَنْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمِّ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيمَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ) فأخبر أن أئمة الضلال لا يحملون من خطايا الأتباع شيئاً ، وأخبر أنهم يحملون أنقالهم ، وهي أوزار الأتباع ، من غير أن ينقص من أوزار الأتباع شيء ؛ لأن إرادتهم كانت جازمة بذلك ، وفعلوا مقدورم ، فصار لهم جزاء كل عامل ؛ لأن الجزاء على العمل يستحق مع الإرادة الجازمة ، وفعل المقدور منه . وهو كما ثبت فى الصحيحين من حديث ابن عباس عن أبي سفيان : ٧٢٥ أن النبى صلى الله عليه وسلم كتب إلى هرقل: ((فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين )) فأخبر أن هرقل لما كان إمامهم المتبوع فى دينهم أن عليه إثم الأريسيين ، وهم الأتباع ، وإن كان قد قيل : إن أصل هذه الكلمة من الفلاحين والأكرة ، كلفظ الطاء بالتركي ، فإن هذه الكلمة تقلب إلى ما هو أعم من ذلك ، ومعلوم أنه إذا تولى عن اتباع الرسول كان عليه [ مثل] آثامهم من غير أن ينقص من آثامهم شيء كما دل عليه سائر نصوص الكتاب والسنة . ومن هذا قوله تعالى: (إِلَهُكُمْإِلَهٌ وَجِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلَآَخِرَةِ قُلُوبُهُم مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبُونَ * لَاجَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَهُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ اَلْمُسْتَكْبِينَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْأَسَطِيرُ الْأَوَِّينَ * لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ) . فقوله: ( وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم ) هي الأوزار الحاصلة لضلال الأتباع ، وهي حاصلة من جهة الآمر ، ومن جهة المأمور الممثل فالقدرتان مشتركتان فى حصول ذلك الضلال ؛ فلهذا كان على هذا بعضه ، وعلى هذا بعضه ، إلا أن كل بعض من هذين البعضين هو مثل وزر عامل كامل ، كما دلت عليه سائر النصوص ، مثل قوله : ٧٢٦ (« من دعا إلى الضلالة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة )) . ومن هذا الباب قوله تعالى: (قَالَ ادْخُلُواْ فِيَ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ اُلْجِنِّوَالْإِنسِ فِ النَّارِ كُلَمَادَ خَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا أَدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَهُمْ لِأُولَنُهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءٍ أَضَلُونَا فَاتِهِمْ عَذَا بَاضِعْفًّا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلِّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَّانَعْلَمُونَ ). فأخبر سبحانه أن الأتباع دعوا على أئمة الضلال بتضعيف العذاب ، كما أخبر عنهم بذلك فى قوله تعالى: (وَقَالُوارَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبِرَاءَنَا فَأَضَلُّونَالسَّبِيلاً * رَبََّآءَِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنَّا كَبِيرًاً ). وأخبر سبحانه أن لكل من المتبعين والأتباع تضعيفاً من العذاب . ولكن لا يعلم الأتباع التضعيف . ولهذا وقع عظيم المدح والثناء لأئمة الهدى ، وعظيم الذم واللعنة لأئمة الضلال ، حتى روى فى أثر - لا يحضرنى إسناده - ((إنه ما من عذاب في النار إلا يبدأ فيه بإيليس ثم يصعد بعد ذلك إلى غيره ، وما من نعيم فى الجنة إلا يبدأ فيه بالنبى صلى الله عليه وسلم ثم ينتقل إلى غيره )) فإنه هو الإمام المطلق في الهدى لأول بنى آدم وآخرم. كما قال: (( أنا سيد ولد آدم ولا غر، آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة ٧٢٧ ولا خير )) وهو شفيع الأولين والآخرين فى الحساب بينهم ؛ وهو أول من يستفتح باب الجنة . وذلك أن جميع الخلائق أخذ اللّه عليهم ميثاق الإيمان به كما أخذ على كل نى أن يؤمن بمن قبله من الأنبياء ؛ ويصدق بمن بعده . قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ النَّبِيِّنَ لَمَآءَاتَيْتُكُمْ مِّنْ كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّجَاءَ كُمْ الآية . فافتتح الكلام رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنْصُرُنَّهُ) باللام الموطئة للقسم التى يؤتى بها إذا اشتمل الكلام على قسم وشرط ؛ وأدخل اللام على ما الشرطية ليبين العموم ، ويكون المعنى : مها آتيكم من كتاب وحكمة فعليكم إذا جاءكم ذلك النبى المصدق الإيمان به ونصره . كما قال ابن عباس : ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه . والله تعالى قد نوه بذكره وأعلنه في الملأ الأعلى، ما بين خلق جسد آدم ونفخ الروح فيه؛ كما فى حديث ميسرة الفجر قال: ((قلت : يا رسول الله ! متى كنت نبياً ؟ - وفى رواية - متى كتبت نبياً؟ فقال: وآدم بين الروح والجسد )) رواه أحمد . وكذلك فى حديث العرباض بن سارية الذي رواه أحمد وهو حديث حسن عن النبى صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: ((إنى عند الله لخاتم النبيين. وإن آدم لمنجدل في طينته )) الحديث . ٧٢٨ فكتب الله وقدر فى ذلك الوقت وفى تلك الحال أمر أمام الذرية كما كتب وقدر حال المولود من ذرية آدم بين خلق جسده ونفخ الروح فيه ، كما ثبت ذلك فى الصحيحين من حديث ابن مسعود . فمن آمن به من الأولين والآخرين أثيب على ذلك ، وإن كان ثواب من آمن به وأطاعه فى الشرائع المفصلة أعظم من ثواب من لم يأت إلا بالإيمان المجمل : على أنه إمام مطلق لجميع الذرية ، وأن له نصيباً من إيمان كل مؤمن من الأولين والآخرين ؛ كما أن كل ضلال وغواية في الجن والإنس لإبليس منه نصيب ؛ فهذا يحقق الأثر المروي ويؤيد ما فى نسخة شعيب بن أبى حمزة عن الزهري عن النبى صلى الله عليه وسلم مرسلاً - إما من مراسيل الزهري ؛ وإما من مراسيل من فوقه من التابعين - قال: ((بعثت داعياً وليس إلى من الهداية شيء ، وبعث إبليس مزيناً ومغوياً وليس إليه من الضلالة شيء)). ومما يدخل فى هذا الباب من بعض الوجوه قوله فى الحديث الذي فى السنن: ((وزنت بالأمة فرجحت ، ثم وزن أبو بكر بالأمة فرجح ثم وزن عمر بالأمة فرجح، ثم رفع الميزان )) فأماكون النبى صلى الله عليه وسلم راجحاً بالأمة فظاهر ؛ لأن له مثل أجر جميع الأمة مضافاً إلى أجره ، وأما أبو بكر وعمر فلأن لهما ٧٢٩ معاونة مع الإرادة الجازمة فى إيمان الأمة كلها ، وأبو بكر كان فى ذلك سابقاً لعمر وأقوى إرادة منه ؛ فإنهما هما اللذان كانا يعاونان النبى صلى الله عليه وسلم على إيمان الأمة فى دقيق الأمور وجليلها ؛ فى محياه وبعد وفاته . ولهذا سأل أبو سفيان يوم أحد: (( أفى القوم محمد ؟ أفى القوم ابن أبى قحافة ؟ أفى القوم ابن الخطاب ؟ فقال النبى صلى الله عليه وسلم (( لا يجيبوه . فقال : أما هؤلاء فقد كفيتموم . فلم يملك عمر نفسه أن قال: كذبت يا عدو الله! إن الذي ذكرت لأحياء وقد بقي لك ما يسوءك)) رواه البخاري ومسلم ، حديث البراء بن عازب . فأبو سفيان - رأس الكفر حينئذ - لم يسأل إلا عن هؤلاء الثلاثة ؛ لأنهم قادة المؤمنين . كما ثبت فى الصحيحين أن علي بن أبي طالب لما وضعت جنازة عمر قال: ((والله ما على وجه الأرض أحد أحب أن ألقى الله بعمله من هذا المسجى، والله إني لأرجو أن يحشرك الله مع صاحبيك ؛ فإني كثيراً ما كنت أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: دخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر، وذهبت أنا وأبو بكر وعمر)) وأمثال هذه النصوص كثيرة ، تبين سبب استحقاقها أن كان لهما مثل أعمال جميع الأمة ؛ لوجود الإرادة الجازمة مع التمكن من القدرة ٧٣٠ على ذلك كله بخلاف من أعان على بعض ذلك دون بعض ووجدت منه إرادة فى بعض ذلك دون بعض . و «أيضاً)) فالمريد إرادة جازمة مع فعل المقدور هو بمنزلة العامل الكامل ، وإن لم يكن إماماً وداعياً، كما قال سبحانه: (لََّ يَسْتَوِى اُلْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرٌ أُوْلِ الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَعِدِينَ دَرَجَةُ وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْقَعِدِينَ أَجْرَّاً عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًارَّحِيمًا) فاللّه تعالى نفى المساواة بين المجاهد والقاعد الذي ليس بعاجز ؛ ولم ينف المساواة بين المجاهد وبين القاعد العاجز ؛ بل يقال: دليل الخطاب يقتضى مساواته إياه. ولفظ الآية صريح . استثنى أولو الضرر من نفي المساواة، فالاستثناء هنا هو من النفي، وذلك يقتضي أن أولى الضرر قد يساوون القاعدين ، وإن لم يساووم في الجميع ، ويوافقه ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فى غزوة تبوك: ((إن بالمدينة رجالاً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم . قالوا : وثم بالمدينة. قال: وهم بالمدينة حبسهم العذر، فأخبر أن القاعد بالمدينة الذي لم يحبسه إلا العذر هو مثل من معهم فى هذه الغزوة . ومعلوم أن الذي معه فى الغزوة يثاب كل واحد منهم ثواب غاز على قدر نيته ٧٣١ فكذلك القاعدون الذين لم يحبسهم إلا العذر . ومن هذا الباب ما ثبت في الصحيحين عن أبى موسى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل وهو صحيح مقيم)) فإنه إذا كان يعمل فى الصحة والإقامة عملا ثم لم يتركه إلا لمرض أو سفر ثبت أنه إنما ترك لوجود العجز والمشقة، لا لضعف النية وفتورها ، فكان له من الإرادة الجازمة التى لم يتخلف عنها الفعل إلا لضعف القدرة ، ما للعامل، والمسافر وإن كان قادراً مع مشقة كذلك بعض المرض ، إلا أن القدرة الشرعية هي التى يحصل بها الفعل من غير مضرة راجحة ، كما فى قوله تعالى: ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ اُلْبَيْتِ مَنِ أُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ) وقوله: (فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِينَ مِسْكِينًا ) ونحو ذلك ليس المعتبر فى الشرع القدرة التى يمكن وجود الفعل بها على أي وجه كان ، بل لا بد أن تكون المكنة خالية عن مضرة راجحة ، بل أو مكافية . ومن هذا الباب ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من جهز غازياً فقد غزا ، ومن خلفه فى أهله بخير فقد غزا )) وقوله : ((من فطر صائماً فله مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء )) فإن الغزو يحتاج إلى جهاد بالنفس ، وجهاد بالمال ، فإذا بذل هذا بدنه ، وهذا ماله مع وجود الإرادة الجازمة فى كل منهما كان كل منهما مجاهداً ٧٣٢ بإرادته الجازمة ، ومبلغ قدرته ، وكذلك لا بد للغازي من خليفة فى الأهل ، فإذا خلفه فى أهله بخير فهو أيضاً غاز ، وكذلك الصيام لا بد فيه من إمساك ، ولا بد فيه من العشاء الذي به بتم الصوم ، وإلا فالصائم الذي لا يستطيع العشاء لا يتمكن من الصوم . وكذلك قوله في الحديث الصحيح: (( إذا أنفقت المرأة من مال زوجها غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت ، ولزوجها مثل ذلك ، لا ينقص بعضهم من أجور بعض شيئاً )) وكذلك قوله فى حديث أبى موسى: (( الخازن الأمين الذي يعطي ما أمر به كاملاً موفراً طيبة به نفسه أحد المتصدقين )) أخرجاه . وذلك أن إعطاء الخازن الأمين الذي يعطي ما أمر به موفراً طيبة به نفسه لا يكون إلا مع الإرادة الجازمة الموافقة لإرادة الآمر ، وقد فعل مقدوره وهو الامتثال ، فكان أحد المتصدقين . ومن هذا الباب حديث أبي كبشة الأنماري الذي رواه أحمد وابن ماجه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((إنما الدنيا لأربعة: رجل آتاه الله علماً ومالاً فهو يعمل فيه بطاعة الله ، فقال رجل : لو أن لي مثل فلان لعملت بعمله ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم فها فى الأجر سواء)) وقد رواه الترمذي مطولاً وقال حديث حسن صحيح فهذا التساوي مع ((الأجر والوزر)) هو في حكاية حال من قال ذلك ، ٧٣٣ وكان صادقاً فيه، وعلى الله منه إرادة جازمة لا يتخلف عنها الفعل إلا لفوات القدرة ؛ فلهذا استويا فى الثواب والعقاب . وليس هذه الحال تحصل لكل من قال: ((لو أن لي ما لفلان لفعلت مثل ما يفعل)) إلا إذا كانت إرادته جازمة يجب وجود الفعل معها إذا كانت القدرة حاصلة ، وإلا فكثير من الناس يقول ذلك عن عزم ، لو اقترنت به القدرة لا نفسخت عزيمته ، كعامة الخلق يعاهدون وينقضون ، وليس كل من عزم على شيء عزماً جازماً قبل القدرة عليه [وعدم] الصوارف عن الفعل تبقى تلك الإرادة عند القدرة المقارنة ( وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ اَلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ للصوارف ، كما قال تعالى : فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ نَنْظُرُونَ ) وكما قال تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ) وكما قال: (وَمِنْهُم مَّنْ عَهَدَ اللَّهَ لَإِنْ ءَاتَنْنَا مِن فَضْلِهِ، لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّلِحِينَ * فَلَمَّآءَاتَمُهُمْ مِن فَضْلِهِ ، بَخْلُواْ بِهِ، وَتَوَلَّواْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ) وحديث أبى كبشة فى النيات مثل حديث البطاقة فى الكلمات . وهو الحديث الذي رواه الترمذي وغيره عن عبد الله بن عمرو عن النبى صلى الله عليه وسلم: (( أن رجلاً من أمة النبى صلى الله عليه وسلم ينشر الله له يوم القيامة تسعة وتسعين سجلاً كل سجل منها مدى البصر ، ويقال له هل تنكر من هذا شيئاً ؟ هل ظلمتك ؟ فيقول : ٧٣٤ لا يارب . فيقال له : لا ظلم عليك اليوم فيؤتى ببطاقة فيها التوحيد ؛ فتوضع فى كفة والسجلات فى كفة ، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة)) فهذا لما اقترن بهذه الكلمة من الصدق والإخلاص والصفاء وحسن النية ؛ إذ الكلمات والعبادات وإن اشتركت فى الصورة الظاهرة فإنها تتفاوت بحسب أحوال القلوب تفاوناً عظيما . ومثل هذا الحديث الذي في حديث : المرأة البغي التى سقت كلباً فغفر اللّه لها ؛ فهذا لما حصل فى قلبها من حسن النية والرحمة إذ ذاك ومثله قوله صلى الله عليه وسلم ((إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان اللّه ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم القيامة، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت . يكتب الله له بها سخطه إلى يوم القيامة )) فصل وبهذا تبين : أن الأحاديث التى بها التفريق بين الهام والعامل وأمثالها ، إنما هى فيما دون الإرادة الجازمة التى لا بد أن يقترن بها الفعل . كما في الصحيحين عن أبي رجاء العطاردي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: ٧٣٥ ((إن الله كتب الحسنات والسيئات ؛ ثم بين ذلك: فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة. فإن م بها وعملها كتبها الله عنده عشر حسنات ومن هم بسيئة ولم يعملها كتبها الله له حسنة كاملة . فإن هم بها وعملها كتبها الله له عنده سيئة واحدة » وفى الصحيحين محوه من حديث أبى هريرة . فهذا التقسيم هو في رجل يمكنه الفعل؛ ولهذا قال: ((فعملها)) ((فلم يعملها)) ومن أمكنه الفعل فلم يفعل لم تكن إرادته جازمة ؛ فإن الإرادة الجازمة مع القدرة مستلزمة للفعل ، كما تقدم أن ذلك كاف فى وجود الفعل، وموجب له؛ إذ لو توقف على شيء آخر لم تكن الإرادة الجازمة مع القدرة تامة كافية فى وجود الفعل ، ومن المعلوم المحسوس أن الأمر بخلاف ذلك، ولا ريب أن ((الهم)) و((العزم)) و((الإرادة)) ونحو ذلك قد يكون جازماً لا يتخلف عنه الفعل إلا للعجز ، وقد لا يكون هذا على هذا الوجه من الجزم . فهذا (( القسم الثاني)) يفرق فيه بين المريد والفاعل ؛ بل يفرق بين إرادة وإرادة ، إذ الإرادة هي عمل القلب الذي هو ملك الجسد . كما قال أبو هريرة : القلب ملك ، والأعضاء جنوده، فإذا طاب الملك طابت جنوده ، وإذا خبث الملك خبثت جنوده . وتحقيق ذلك ما فى الصحيحين من حديث النعمان بن بشير عن النبى صلى الله عليه وسلم ٧٣٦ ((إن فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب )) فإذا هم بحسنة فلم يعملها كان قد أتى بحسنة ، وهي الهم بالحسنة فتكتب له حسنة كاملة ، فإن ذلك طاعة وخير ، وكذلك هو فى عرف الناس كما قيل : إن اهتمامك بالمعروف معروف لأشكرنك معروفاً هممت به ولا ألومك إن لم يمضه قدر فالشئ بالقدر المحتوم مصروف فإن عملها كتبها الله له عشر حسنات ، لما مضى من رحمته أن من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف. كما قال تعالى: (مَثَلُ اٌلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِكُلِّسُنْبُلَةٍ وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث مِائَةُ حَبَّةٍ ) الصحيح لمن جاء بناقة «لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة مخطومة . مزمومة)) إلى أضعاف كثيرة. وقد روى عن أبى هريرة مرفوعا (( أنه يعطى به ألف ألف حسنة)). وأما الهام بالسيئة الذي لم يعملها وهو قادر عليها فإن الله لا يكتبها عليه كما أخبر به في الحديث الصحيح . وسواء سمي همه إرادة أو عزماً أو لم بسم ، متى كان قادراً على الفعل وهم به وعزم عليه ولم يفعله مع القدرة فليست إرادته جازمة ، وهذا موافق لقوله فى الحديث الصحيح ٧٣٧ حديث أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ((إن الله تجاوز لأمتى ما حدثت به أنفسها ما لم تكلم به أو تعمل به )) فإن ما هم به العبد من الأمور التى يقدر عليها من الكلام والعمل ولم يتكلم بها ولم يعملها لم تكن إرادته لها جازمة ، فتلك مما لم يكتبها اللّه عليه، كما شهد به قوله: ((من هم بسيئة فلم يعملها )) ومن حكى الإجماع كابن عبد البر وغيره . فى هذه المسألة على هذا الحديث فهو صحيح بهذا الاعتبار . وهذا الهام بالسيئة : فإما أن يتركها لخشية الله وخوفه ، أو يتركها لغير ذلك؛ فإن تركها لخشية الله كتبها الله له عنده حسنة كاملة كما قد صرح به فى الحديث ، وكما قد جاء فى الحديث الآخر ((اكتبوها له حسنة فإنما تركها من أجلي)) أوقال: ((من جرائى)) وأما إن تركها لغير ذلك لم تكتب عليه سيئة، كما جاء فى الحديث الآخر ((فإن لم يعملها لم تكتب عليه)). وبهذا تتفق معانى الأحاديث. وإن عملها لم تكتب عليه إلا سيئة واحدة ، فإن الله تعالى لا يضعف السيئات بغير عمل صاحبها ، ولا يجزي الإنسان فى الآخرة إلا بما عملت نفسه ، ولا تمتلئ جهنم إلا من أتباع إبليس من الجنة والناس ، كما قال تعالى: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنََّ مِنْكَ وَمِمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ)؛ ولهذا ثبت فى الصحيحين من حديث أبي هريرة وأنس (( أن الجنة يبقى فيها فضل فينشئ الله لها أقواماً فى الآخرة، وأما النار فإنه ينزوى بعضها إلى ٧٣٨ بعض حتى يضع عليها قدمه فتمتلئ بمن دخلها من أتباع إبليس )). ولهذا كان الصحيح المنصوص عن أئمة العدل كأحمد وغيره الوقف في أولاد المشركين ، وأنه لا يجزم لمعين منهم بجنة ولا نار ، بل يقال فيهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديثين الصحيحين : حديث أبى هريرة وابن عباس: ((اللّه أعلم بما كانوا عاملين)). تحديث أبي هريرة فى الصحيحين ، وحديث ابن عباس فى البخاري ، وفى حديث سمرة بن جندب الذي رواه البخاري ((أن منهم من يدخل الجنة))، وثبت ((أن منهم من يدخل النار)) كما فى صحيح مسلم فى قصة الغلام الذي قتله الخضر، وهذا يحقق ما روى من وجوه: أنهم يمتحنون يوم القيامة فيظهر على علم الله فيهم، فيجزيهم حينئذ على الطاعة والمعصية ، وهذا هو الذي حكاه الأشعري عن أهل السنة والحديث واختاره . وأما أئمة الضلال - الذين عليهم أوزار من أضلوه - ونحوم فقد بينا أنهم إنما عوقبوا لوجود الإرادة الجازمة مع التمكن من الفعل ؛ بقوله في حديث أبي كبشة (( فها فى الوزر سواء )) وقوله: (( من دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزر مثل أوزار من تبعه )) فإذا وجدت الإرادة الجازمة ، والتمكن من الفعل صاروا بمنزلة الفاعل التام ، والهام بالسيئة التى لم يعملها مع قدرته عليها لم توجد منه إرادة جازمة ، وفاعل ٧٣٩ السيئة التى تمضي لا يجزى بها إلا سيئة واحدة ، كما شهد به النص وبهذا يظهر قول الأئمة حيث قال الإمام أحمد: ((الهم)» همان: م خطرات ، وهم إصرار . فهم الخطرات يكون من القادر ، فإنه لو كان همه إصراراً جازما وهو قادر لوقع الفعل . ومن هذا الباب هم ((يوسف)) حيث قال تعالى: ( وَلَقَدْهَمَّتْ ◌ِ، وَهَمَّبِهَا لَوْلَا أَنْ رَّءَبُرْهَنَ رَبِّهِ ) الآية. وأما م المرأة التى راودته فقد قيل : إنه كان م إصرار لأنها فعلت مقدورها ، وكذلك ما ذكره عن المنافقين فى قوله تعالى: (وَهَمُواْبِمَا لَمْ يَنَالُواْ) فهذا الهم المذكور عنهم هم مذموم : كما ذمهم الله عليه ، ومثله يذم وإن لم يكن جازماً، كما سنبينه في آخر الجواب من الفرق بين ما ينافى الإيمان ، وبين ما لا ينافيه ، وكذلك الحريص على السيئات الجازم بإرادة فعلها، إذا لم يمنعه إلا مجرد العجز ، فهذا يعاقب على ذلك عقوبة الفاعل ، لحديث أبي كبشة، ولما فى الحديث الصحيح ((إذا التقى المسلمان بسيفيها فالقاتل والمقتول فى النار قيل : هذا القاتل ، فما بال المقتول ؟ قال : إنه كان حريصاً على قتل صاحبه)) وفى لفظ: ((إنه أراد قتل صاحبه)). فهذه ((الإرادة)) هي الحرص ، وهي الإرادة الجازمة ، وقد وجدمعها المقدور ، وهو القتال لكن عجز عن القتل ، وليس هذا من الهم الذي لا يكتب، ولا يقال إنه استحق ذلك بمجرد قوله : لو أن لي ما لفلان ٧٤٠