Indexed OCR Text
Pages 521-540
كان فيه فتنة وهلاك ومكر من الله وامتحان فاصبر حتى يكون عز وجل هو الفاعل فيك، فإذا تجرد الفعل وحملت إلى هناك واستقبلتك فتنة كنت محمولاً محفوظاً فيها ؛ لأن الله تعالى لا يعاقبك على فعله، وإنما تتطرق العقوبات نحوك لكونك فى الشيء)». قلت: فقد أمر - رضي الله عنه - بأن ما كان محظوراً فى الشرع يجب تركه ولا بد ، وما كان معلوماً أنه مباح بعينه لكونه يفعل بحكم الهوى لا بأمر الشارع فيترك أيضاً، وأما ما لم يعلم هل هو بعينه مباح لا مضرة فيه أو فيه مضرة مثل السفر إلى مكان معين أو شخص معين ، والذهاب إلى مكان معين أو شخص معين ، فإن جنس هذا العمل ليس محرما ولا كل أفراده مباحة ؛ بل يحرم على الإنسان أن يذهب إلى حيث يحصل له ضرر فى دينه فأمره بالكف عن الذهاب حتى يظهر أو يتبين له فى الباطن ان هذا مصلحة؛ لأنه إذا لم يتبين له أن الذهاب واجب أو مستحب لم ينيغ له فعله ، وإذا خاف الضرر ينبغى له تركه، فإذا أكره على الذهاب لم يكن عليه حرج فلا يؤاخذ بالفعل . بخلاف ما إذا فعله باختياره أو شهوته ؛ وإذا تبين له أنه مصلحة راجحة كان حسناً . وقد جاءت شواهد السنة: بأن من ابتلى بغير تعرض منه أعين ومن تعرض للبلاء خيف عليه. مثل قوله صلى اللّه عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة (( لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها ، وإن أعطيتها ٥٢١ عن غير مسألة أعنت عليها)) ومنه قوله: ((لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموم فاصبروا)). وفى السنن ((من سأل القضاء واستعان عليه بالشفعاء وكل إليه، ومن لم يسأل القضاء ولم يستعن عليه أنزل الله عليه ملكا يسدده - وفى رواية - وإن أكره عليه)) وفى الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال فى الطاعون: (( إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه ؛ وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه ، وعنه أنه صلى الله عليه وسلم ((نهى عن النذر)) ومنه قوله: ((ذرونى ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم. فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه . وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)). فصل قال ( الشيخ عبد القادر ): ((وإن كنت فى حال الحقيقة ، وهي حال الولاية : مخالف هواك واتبع الأمر فى الجملة ، واتباع الأمر على ((قسمين )) : ( أحدهما ) : أن تأخذ من الدنيا القوت الذي هو حق النفس . وتترك الحظ وتؤدي الفرض وتشتغل بترك الذنوب ما ظهر منها وما بطن . ٥٢٢ و ( القسم الثاني ) : ما كان بأمر باطن ، وهو أمر الحق تبارك وتعالى يأمر عبده وينهاه ، وإنما يتحقق هذا الأمر فى المباح الذي ليس حكما في الشرع ، على معنى أنه ليس من قبيل النهي ولا من قبيل الأمر الواجب ، بل هو مهمل ترك العبد يتصرف فيه باختياره ، فسمي مباحا فلا يحدث العبد فيه شيئاً من عنده بل ينتظر الأمر فيه فإذا أمر امتثل فيصير جميع حركاته وسكناته بالله تعالى، ما فى الشرع حكمه فبالشرع ، وما ليس له حكم فى الشرع فبالأمر الباطن ، حينئذ بصير محققاً من أهل الحقيقة وما ليس فيه أمر باطن فهو مجرد الفعل حالة التسليم . وإن كنت فى حالة حق الحق وهي حالة المحق ، والفناء حالة الأبدال المنكسري القلوب ؛ لأجل الحق ، الموحدين العارفين أرباب العلوم والفعل السادة الأمراء السخى الخفراء للحق خلفاء الرحمن وأجلائه وأعيانه وأحبابه عليهم السلام ، فاتباع الأمر فيها بمخالفتك إياك بالتبري من الحول والقوة ، وأن لا تكون لك إرادة وهمة فى شيء ألبتة ، دنيا وأخرى عبد الملك لا عبد الملك، وعبد الأمر لا عبد الهوى كالطفل مع الظئر ، والميت الغسيل مع الغاسل ، والمريض المغلوب على حسه مع الطبيب فيما سوى الأمر والنهي . وقال أيضاً: «اتبع الشرع في جميع ما ينزل بك ، إن كنت فى ٥٢٣ حال التقوى التى هي القدم الأولى ، واتبع الأمر فى حالة الولاية ووجود الهوى ولا تتجاوزه ، وهي القدم الثانية ، وارض بالفعل ووافق وافن فى حالة البدلية والعينية والصديقية . وهي المنتهى . تنح عن الطريق القذر ، خل عن سبيله ، رد نفسك وهواك ، كف لسانك عن الشكوى فإذا فعلت ذلك إن كان خيراً زادك المولى طيبة ولذة وسروراً ، وإن كان شراً حفظك فى طاعته فيه ، وأزال عنك الملامة وأقعدك فيه حتى يتجاوز ويريحك عند انقضاء أجله ، كما ينقضى الليل فيسفر عن النهار والبرد فى الشتاء فيسفر عن الصيف ، ذلك النموذج عندك فاعتبر به . ثم ذنوب وآتام وأجرام وتلويث بأنواع المعاصي والخطايا ، ولا يصلح المجالسة الكريم إلا طاهر عن أنجاس الذنوب والزلات، ولا يقبل على شدته إلا طيب من دون الدعوى والهواشات ، كما لا يصلح لمجالسة الملوك إلا الطاهر من الأنجاس وأنواع النتن والأوساخ، فالبلايا مكفرات . قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((حمى يوم كفارة سنة)) . قلت : فقد بين الشيخ عبد القادر - رضي الله عنه - أن لزوم الأمر والنهي لا بد منه فى كل مقام ، وذكر الأحوال الثلاث التى جعلها حال صاحب التقوى، وحال الحقيقة، وحال حق الحق ، وقد فسر مقصوده بأنه لابد للعبد فى كل حال من أن يريد فعل ما أمر به ٥٢٤ في الشرع وترك ما نهى عنه فى الشرع، وأنه إذا أمر العبد بترك إرادته فهو فيما لم يؤمر به ولم ينه عنه ، وهذا حق. فإنه لم يؤمر به فتكون له إرادة فى وجوده ولا نهى عنه فتكون له إرادة فى عدمه فيخلو فى مثل هذا عن إرادة النقيضين . وقد بين أن صاحب الحقيقة عليه أن يلزم الأمر دائماً الأمر الشرعي الظاهر إن عرفه، أو الأمر الباطن ، وبين أن الأمر الباطن إنما يكون فيما ليس بواجب فى الشرع ولا محرم، وأن مثل هذا ينتظر فيه الأمر الخاص حتى يفعله بحكم الأمر . فإن قلت : فما الفرق بين هذا وبين صاحب التقوى الذي قبله ؟ وصاحب الحق الذي بعده ؟ . قيل: أما الذي بعده الذين سماع ((الأبدال)) فهم الذين لايفعلون إلا بأمر الحق ولا يفعلون إلا به فلا يشهدون لأنفسهم فعلا فيما فعلوه من الطاعة ؛ بل يشهدون أنه هو الفاعل بهم ما قام بهم من طاعة أمره . ولهذا قال: فاتباع الأمر فيها مخالفتك إياك بالتبري من الحول والقوة. فهؤلاء يشهدون توحيد الربوبية مع توحيد الإلهية ، فيشهدون ٥٢٥ أن الله هو الذي خلق ما قام بهم من أفعال البر والخير ، فلا يرون لأنفسهم حمداً ولا منة على أحد ، ويرون أن الله خالق أفعال العباد فلا يرون أحداً مسيئاً إليهم ، ولا يرون لهم حقاً على أحد إذ قد شهدوا أن الله خالق كل شىء من أفعال العباد وغيرها، وهم يعلمون أن العباد لا يستحقون من أنفسهم ولا بأنفسهم على الله شيئاً ، بل هو الذي كتب على نفسه الرحمة ويشهدون أنه يستحق أن يعبد، ولا يشرك به شيء وأنه يستحق أن يتقى حق تقاته، وحق تقاته أن يطاع فلا يعصى ، ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر ، فيرون أن ما قام بهم من العمل الصالح فهو جوده وفضله وكرمه له الحمد فى ذلك . ويشهدون : أنه لا حول ولا قوة إلا بالله. وأما ماقام بالعباد من أذاجٍ ، فهو خلقه وهو من عدله، وما تركه الناس من حقوقهم التى يستحقونها على الناس فهو الذي لم يخلقه ، وله الحمد على كل حال على مافعل ومالم يفعل . ولهذا كانوا منكسرة قلوبهم؛ لشهودم وجوده الكامل وعدمهم المحض، ولا أعظم انكساراً ممن لم ير لنفسه إلا العدم لا يرى له شيئاً ، ولا يرى به شيئاً . وصاحب الحقيقة الذي هو دون هذا قد شاركه فى إخلاص الدين لله، وأنه لا يفعل إلا ما أمر به ، فلا يفعل إلا لله، لكن قصر عنه فى شهود توحيد الربوبية ورؤيته ، وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله ٥٢٦ وأنه ليس له فى الحقيقة شيء ؛ بل الرب هو الخالق الفاعل لكل ما قام به ، وأن كمال هذا الشهود لا يبقى شيئاً من العجب ولا الكبر ونحو ذلك. فكلاهما قائم بالأمر مطيع الله، لكن هذا يشهد أن الله هو الذي جعله مسلماً مصلياً ، وأنه فى الحقيقة لم يحدث شيئاً، وذاك وإن كان يؤمن بهذا ويصدق به إذ كان مقراً بأن الله خالق أفعال العباد ؛ لكن قد لا يشهده شهوداً يجعله فيه بمنزلة المعدوم. و ( أيضاً ) بينهما فرق من جهة ثانية : وهي أن الأول تكون له إرادة وهمة فى أمور فیترکها ، فهو ميز فى مراداتهبينما يؤمر به وما ينهى عنه ، ومالا يؤمر به ولا ينهى عنه ؛ ولهذا لم يبق له مراد أصلا إلا ما أراده الرب ، إما أمراً به فيمتثله هو بالله، وإما فعلا فيه فيفعله الله به ، ولهذا شبه بالطفل مع الظئر ، فى غير الأمر والنهي . وأما ( الأول ) : الذي هو فى مقام التقوى العامة ، فإن له شهوات للمحرمات ، وله التفات إلى الخلق ، وله رؤية نفسه ، فيحتاج إلى المجاهدة بالتقوى ، بأن يكف عن المحرمات ، وعن تناول الشهوات بغير الأمر ، فهذا يحتاج أن يميز بين ما يفعله ومالا يفعله ، وهو التقوى ، وصاحب الحقيقة لم يبق له ما يفعله إلا ما يؤمر به فقط ، فلا يفعل إلا ما أمر به فى الشرع ، وما كان مباحاً لم يفعل إلا ما أمر به. ٥٢٧ وأما ( الثالث ): فقد تم شهوده فى أنه لا يفعل إلا الله وبالله . فلا يفعل إلا ما أمر الله به الله . ويشهد أن الله هو الذي فعل ذلك فى الحقيقة ، ولا تكون له همة إرادة أن يفعل لنفسه ولا لغير الله ، ولا يفعل بنفسه ولا بغير الله تعالى . و ( الثلاثة ) مشتركون في الطريق ، فى أن كلامنهم لا يفعل إلا الطاعة ، لكن يتفاوتون بكال المعرفة والشهادة ، وبصفاء النية والإرادة . والله أعلم. فإن قيل : كلام الشيخ كله يدور على أنه يتبح الأمر مها أمكن معرفته باطناً وظاهراً ، وما ليس فيه أمر باطناً ولا ظاهراً يكون فيه مسلماً لفعل الرب ، بحيث لا يكون له اختيار لا فى هذا ولا فى هذا بل إن عرف الأمر كان معه ، وإن لم يعرفه كان مع القدر ، فهو مع أمر الرب إن عرف وإلا فمع خلقه ، فإنه سبحانه له الخلق والأمر ، وهذا يقتضي أن من الحوادث ما ليس فيه أمر ولا نهي ، فلا يكون لله فيه حكم لا باستحباب ولا كراهة ، وقد صرح بذلك هو والشيخ حماد الدباس ، وأن السالك يصل إلى أمور لا يكون فيها حكم شرعي بأمر ولا نهي ، بل يقف العبد مع القدر ؛ وهذا الموضع هو الذي يكون السالك فيه عندم مع ((الحقيقة القدرية)) المحضة ، إذ ليس هنا حقيقة شرعية . ٥٢٨ وهذا ما ينازعهم فيه أهل العلم بالشريعة. ويقولون: ((الفعل)) إما أن يكون بالنسبة إلى الشرع وجوده راجحاً على عدمه ، وهو الواجب والمستحب . وإما أن يكون عدمه راجحاً على وجوده ، وهو المحرم والمكروه . وإما أن يستوى الأمران وهو المباح . وهذا التقسيم بحسب الأمر المطلق . ثم ((الفعل المعين)) الذي يقال هو مباح، إما أن تكون مصلحته راجحة للعبد لاستعانته به على طاعته ولحسن نيته ، فهذا يصير أيضاً محبوباً راجح الوجود بهذا الاعتبار ، وإما أن يكون مفوتا للعبد ما هو أفضل له كالمباح الذي يشغله عن مستحب ، فهذا عدمه خير له . والسالك المتقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض لا يكون المباح المعين فى حقه مستوى الطرفين ، فإنه إذا لم يستعن به على طاعته كان تركه وفعل الطاعة مكانه خيراً له ، وإنما قدر وجوده وعدمه سواء إذا كان مع عدمه يشتغل بمباح مثله . فيقال : لا فرق بين هذا وهذا فهذا يصلح للأبرار أهل اليمين الذين يتقربون إلى اللّه بالفرائض، كأداء الواجبات ، وترك المحرمات ، ويشتغلون مع ذلك بمباحات . فهؤلاء قد يكون المباح المعين يستوى وجوده وعدمه فى حقهم ، إذا كانوا عند عدمه يشتغلون بمباح آخر ، ولا سبيل إلى أن تترك النفس فعلا إن ٥٢٩ لم تشتغل بفعل آخر بضاد الأول ؛ إذ لا تكون معطلة عن جميع الحركات والسكنات . ومن هذا أنكر الكمى ((المباح)) فى الشريعة؛ لأن كل مباح فهو يشتغل به عن محرم ، وترك المحرم واجب ، ولا يمكنه تركه إلا أن يشتغل بضده ، وهذا المباح ضده ، والأمر بالشيء نهي عن ضده والنهي عنه أمر بضده إن لم يكن له إلا ضد واحد ، وإلا فهو أمر بأحد أضداده ، فأي ضد تلبس به كان واجباً من باب الواجب الخير. وسؤال الكعبي هذا أشكل على كثير من النظار ، فمنهم من اعترف بالعجز عن جوابه : كأبي الحسن الآمدي ، وقواه طائفة ، بناء على أن النهي عن الشيء أمر بضده كأبي المعالي . ومنهم من قال : هذا فيما إذا كانت أضداده محصورة ، فأما ما ليست أضداده محصورة فلا يكون النهي عنه أمراً بأحدهما ، كما يفرق بين الواجب المطلق والواجب المخير . فيقال في الخير : هو أمر بأحد الثلاثة ، ويقال فى المطلق هو أمر بالقدر المشترك . وجدنا أبو البركات يميل إلى هذا . وقد ألزموا ((الكمى)) إذا ترك الحرام بحرام آخر، وهو قد يقول : عليه ترك المحرمات كلها إلى ما ليس بمحرم، بل إما مباح وإما مستحب ، وإما واجب . ٥٣٠ و ((تحقيق الأمر )) أن قولنا : الأمر بالشيء نهي عن ضده وأضداده ، والنهي عنه أمر بضده أو بأحد أضداده ، من جنس قولنا : الأمر بالشيء أخر بلوازمه، وما لا يتم الواجب إلا به ، فهو واجب، والنهي عن الشيء نهي عما لا يتم اجتنابه إلا به . فإن وجود المأمور يستلزم وجود لوازمه وانتفاء أضداده ، بل وجود كل شيء هو كذلك يستلزم وجوده وانتفاء أضداده ، وعدم النهي عنه ؛ بل وعدم كل شيء يستلزم عدم ملزوماته ، وإذا كان لا يعدم إلا بضد يخلقه كالأكوان فلا بد عند عدمه من وجود بعض أضداده ، فهذا حق فى نفسه ؛ لكن هذه اللوازم جاءت من ضرورة الوجود وإن لم يكن مقصوده الأمر . والفرق ثابت بين ما يؤمر به قصداً ، وما يلزمه في الوجود . ( فالأول ) هو الذي يذم ويعاقب على تركه بخلاف ( الثاني ) فإن من أمر بالحج أو الجمعة وكان مكانه بعيداً فعليه أن يسعى من المكان البعيد ، والقريب يسعى من المكان القريب ، فقطع تلك المسافات من لوازم المأمور به ، ومع هذا فإذا ترك هذان الجمعة والحج لم تكن عقوبة البعيد أعظم من عقوبة القريب ، بل ذلك بالعكس أولى مع أن ثواب البعيد أعظم ، فلو كانت اللوازم مقصودة للأمر لكان يعاقب بتركها ، فكان يكون عقوبة البعيد أعظم وهذا باطل قطعاً . وهكذا إذا فعل المأمور به فإنه لا بد من ترك أضداده ، لكن ٥٣١ ترك الأضداد هو من لوازم فعل المأمور به ليس مقصوداً للأمر، بحيث إنه إذا ترك المأمور به عوقب على تركه لا على فعل الأضداد التى اشتغل بها ، وكذلك المنهي عنه مقصود الناهي عدمه ؛ ليس مقصوده فعل شيء من أضداده ، وإذا تركه متلبساً بضد له كان ذلك من ضرورة الترك . وعلى هذا إذا ترك حراماً بحرام آخر فإنه يعاقب على الثانى ، ولا يقال فعل واجباً وهو ترك الأول ؛ لأن المقصود عدم الأول ، فالمباح الذي اشتغل به عن محرم لم يؤمر به ولا بامتثاله أمراً مقصوداً؛ لكن نهي عن الحرام ومن ضرورة ترك المنهي عنه الاشتغال بضد من أضداده ، فذاك بقع لازماً لترك المنهي عنه ، فليس هو الواجب المحدود بقولنا ((الواجب ما يذم تاركه، ويعاقب تاركه))، أو ((يكون تركه سباً للنم والعقاب)). فقولنا: ((ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب))، أو ((يجب التوصل إلى الواجب بما ليس بواجب)) . يتضمن إيجاب اللوازم. والفرق ثابت بين الواجب ((الأول))، و ((الثانى)). فإن الأول يذم تاركه ويعاقب ، والثانى واجب وقوعا ، أي لا يحصل إلا به ، ويؤمر به أمراً بالوسائل ، ويثاب عليه ، لكن العقوبة ليست على تركه . ٥٣٢ ومن هذا الباب إذا اشتبهت الميتة بالمذكى فإن المحرم الذي يعاقب على فعله أحدهما ، بحيث إذا أكلهما جميعاً لم يعاقب عقوبة من أكل ميتتين ، بل عقوبة من أكل ميتة واحدة ، والأخرى وجب تركها وجوب الوسائل . فقول من قال : كلاهما محرم صحيح بهذا الاعتبار ؛ وقول من قال : المحرم فى نفس الأمر أحدهما صحيح أيضاً بذلك الاعتبار وهذا نظير قول من قال : يجب التوصل إلى الواجب بما ليس بواجب. وإنكار أبى حامد الغزالي وأبى محمد المقدسي على من قال هذا، ومن قال المحرم أحدهما لا يناسب طريقة الفقهاء ، وحاصله يرجع إلى ((نزاع لفظي)). فإن الوجوب والحرمة الثابتة لأحدهما ليست ثابتة للآخر ، بل نوع آخر ، حتى لو اشتبهت مملوكته بأجنبية بالليل ووطئها يعتقد حل وطء إحداهما وتحريم وطء الأخرى ، كان ولده من مملوكته ثابتاً نسبه بخلاف الأخرى ، ولو قدرنا أنها اشتبهت بأجنبية وتزوج إحداهما فحد مثلاً ، ثم تزوج الأخرى لم يحد حدين ، مع أنه لا حد فى ذلك لجواز أن تكون المنكوحة هي الأجنبية . وبهذا تتحل ((شبهة الكعبى)). فإن المحرم تركه مقصود، وأما الاشتغال بضد من أضداده فهو وسيلة ؛ فإذا قيل المباح واجب بمعنى وجوب الوسائل ، أي قد يتوسل به إلى فعل واجب وترك محرم فهذا حق . ٥٣٣ ثم إن هذا يعتبر فيه القصد ؛ فإن كان الإنسان يقصد أن يشتغل بالمباح ليترك المحرم مثل من يشتغل بالنظر إلى امرأته ووطئها ليدع بذلك النظر إلى الأجنبية ووطئها ، أو بأ كل طعاماً حلالاً ليشتغل به عن الطعام الحرام ، فهذا يثاب على هذه النية والفعل ؛ كما بين ذلك النبى صلى الله عليه وسلم بقوله: ((وفي بضع أحدكم صدقة . قالوا: يارسول الله؛ أبأتى أحدنا شهوته ويكون له أجر ؟! قال: أرأيتم لو وضعها فى حرام أما كان عليه وزر ، فلم يحتسبون بالحرام ولا يحتسبون بالحلال؟!)) ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما بكره أن تؤتى معصيته)) رواه أحمد وابن خزيمة فى صحيحه . وقد يقال المباح يصير واجباً بهذا الاعتبار ، وإن تعين طريقاً صار واجباً معيناً ، وإلا كان واجباً مخيراً، لكن مع هذا القصد، أما مع الذهول عن ذلك فلا يكون واجباً أصلاً ، إلا وجوب الوسائل إلى الترك وترك المحرم لا يشترط فيه القصد . فكذلك ما يتوسل به إليه ، فإذا قيل هو مباح من جهة نفسه وأنه قد يجب وجوب المخيرات من جهة الوسيلة لم يمنع ذلك . فالنزاع فى هذا الباب نزاع لفظي اعتباري . وإلا فالمعانى الصحيحة لا ينازع فيها من فهمها . و ( المقصود هنا ): أن الأبرار وأصحاب اليمين قد يشتغلون بمباح ٥٣٤ فيكون كل من المباحين يستوي وجوده وعدمه في حقهم . عن مباح آخر أما السابقون المقربون فهم إنما يستعملون المباحات إذا كانت طاعة لحسن القصد فيها ، والاستعانة على طاعة الله . وحينئذ فمباحاتهم طاعات ، وإذا كان كذلك لم تكن الأفعال في حقهم إلا ما يترجح وجوده ، فيؤمرون به شرعاً أمر استحباب ، أو ما يترجح عدمه فالأفضل لهم ألا يفعلوه ، وإن لم يكن فيه إثم ، والشريعة قد بينت أحكام الأفعال كلها فهذا «سؤال)). و ((سؤال ثان)) وهو أنه إذا قدر أن من الأفعال ما ليس فيه أمر ولا نهي كما فى حق الأبرار ، فهذا الفعل لا يحمد ولا يذم، ولا يحب ولا يبغض ، ولا ينظر فيه إلا وجود القدر وعدمه ؛ بل إن فعلوه لم يحمدوا ، وإن لم يفعلوه لم يحمدوا، فلا يجعل مما يحمدون عليه أنهم يكونون فى هذا الفعل كالميت بين يدي الغاسل ، مع كون هذا الفعل صدر باختيارهم وإرادتهم . إذ الكلام فى ذلك . «الأفعال الاختيارية)): وهو ما فعل بالإنسان كما يحمل وأما غير الإنسان وهو لا يستطيع الامتناع ، فهذا خارج عن التكليف ، مع أن العبد مأمور فى مثل هذا أن يحبه إن كان حسنة ، ويبغضه إن كان سيئة ، ويخلو عنها إن لم يكن حسنة ولا سيئة ، فمن جعل الإنسان فيما يستعمله فيه القدر من الأفعال الاختيارية كالميت بين ٥٣٥ يدي الغاسل فقد رفع الأمر والنهي عنه فى الأفعال الاختيارية ، وهذا باطل . و ((سؤال ثالث)): وهو أن حقيقة هذا القول طي بساط الأمر والنهي عن العبد فى هذه الأحوال ، مع كون أفعاله اختيارية ، وهب أنه ليس له هوى ، فليس كل ما لا هوى فيه بسقط عنه فيه الأمر والنهى ، بل عليه أن يحب ما أحبه الله ورسوله ، ويبغض ما أبغضه الله ورسوله . قيل : هذه الأسئلة أسئلة صحيحة . وفصل الخطاب أن السالك قد يخفى عليه الأمر والنهي ، بحيث لا يدري هل ذلك الفعل مأمور به شرعا أو منهي عنه شرعا ؛ فيبقى هواء لئلا يكون له هوى فيه ، ثم يسلم فيه للقدر ، وهو فعل الرب لعدم معرفته برضا الرب وأمره وحبه فى ذلك الفعل . وهذا يعرض لكثير من أئمة العباد ، وأئمة العلماء ، فإنه قد يكون عندهم أفعال وأقوال لا يعرفون حكم الله الشرعي فيها ، بل قد تعارضت عندم فيها الأدلة أو خفيت الأدلة بالكلية ، فيكونون معذورين لحفاء الشرع عليهم ، وحكم الشرع إنما يثبت فى حق العبد إذا تمكن من ٥٣٦ معرفته ، وأما ما لم يبلغه ولم يتمكن من معرفته فلا يطالب به ، وإنما عليه أن يتقي الله ما استطاع. وهذا خطأ في العلم ، وليس خطأ فى العمل ، وهو كالمجتهد المخطئ له أجر على قصده واجتهاده ، وخطؤه مرفوع عنه . فإن قيل : فإذا كان الأمر هكذا . فالواجب على العبد أن يتوقف فى مثل هذه الحال إذا لم يتبين له أن ذلك الفعل مأمور به أو منهى عنه، وهو لا يريد أن يفعل شيئاً لا مدح فيه ولا نم، فيقف لايستسلم للقدر ويصير محلا لما يستعمل فيه من الأفعال ، اللهم إلا إذا فعل غيره فعلا ، فهو لا يمدحه ولا يذمه ، ولا يرضاه ولا يسخطه ؛ إذا لم يتبين له حكمه . فأماكونه هو من أفعاله الاختيارية يصير مستسلماً لما يستعمله القدر فيه : كالطفل مع الظئر ، والميت مع الغاسل ، فهذا مما لم يأمر اللّه به ولا رسوله، بل هذا محرم، وإن عفي عن صاحبه وحسب صاحبه أن يعفى عنه ؛ لاجتهاده وحسن قصده ، أماكونه محمد على ذلك ، ويجعل هذا أفضل المقامات فليس الأمر كذلك ، وكونه مجرداً عن هواه ليس مسوغا له أن يستسلم لكل ما يفعل به . ثم يقال الأمور مع هذا نوعان : ٥٣٧ ( أحدهما ) : أن يفعل به بغير اختياره كما يحمل الإنسان ولا يمكنه الامتناع ، وكما تضجع المرأة قهراً وتوطأ ، فهذا لا إثم فيه باتفاق العلماء . وإما أن يكره بالإكراه الشرعي حتى يفعل ، فهذا أيضاً معفو عنه فى الأفعال عند الجمهور ، وهو أصح الروايتين عن أحمد لقوله تعالى: (وَمَن يُكْرِهِهُنَّ فَإِنَّاللَّهَ مِنْ بَعْدِإِكْرَهِ هِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) وأما إذا لم يكره الإكراه الشرعى فاستسلامه للفعل المطلق الذي لا يعرف أخير هو أم شر؟ ليس هو مأموراً به ، وإن جرى على بده خرق عادة أو لم يجر ، فليس هو مأموراً أن يفعل إلا ماهو خير عند الله ورسوله . قيل : هذا السؤال صحيح، وحقيقة الأمر أن السالكين إذا وصلوا إلى هذا المقام فيحسن قصدم وتسليمهم وخضوعهم لربهم ، وطلبهم منه أن يختار لهم ما هو الأصلح، إذا استعملوا فى أمورهم [ما ]لا يعرفون حكمه فى الشرع رجوا أن يكون خيراً؛ لأن معرفتهم بحكمه قد تعذرت عليهم ، والإنسان غير عالم فى كل حال بما هو الأصلح له فى دينه ، وبما هو أرضى الله ورسوله، فيبقى حالهم حال المستخير الله فيما لم يعلم عاقبته، إذا قال: ((اللهم! إنى أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك ، وأسألك من فضلك العظيم ؛ فإنك تقدر ولا أقدر ؛ وتعلم ولا أعلم ؛ وأنت علام الغيوب . اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني (١) اضيفت حسب مفهوم السياق ٥٣٨ ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي ويسره لي ، ثم بارك لي فيه. وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي فى ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان م رضني به )) فإذا استخار الله كان ما شرح له صدره وتيسر له من الأمور هو الذي اختاره الله له. إذ لم يكن معه دليل شرعي على أن عين هذا الفعل هو مأمور به فى هذه الحال ، فإن الأدلة الشرعية إنما تأمر بأمر مطلق عام ، لا بعين كل فعل من كل فاعل ، إذ كان هذا ممتنعاً ؛ وإن كان ذلك المعين يمكن إدراجه تحت بعض خطاب الشارع العام ؛ إذا كانت الأفراد المعينة داخلة تحت الأمر العام الكلي ؛ لكن لا يقدر كل أحد على استحضار هذا ، ولا على استحضار أنواع الخطاب ولهذا كان الفقهاء يعدلون إلى القياس عند خفاء ذلك عليهم . ثم ((القياس)) أيضاً قد لا يحمل فى كل واقعة، فقد يخفى على الأئمة المجتهدين من الصحابة والتابعين لهم بإحسان دخول الواقعة المعينة تحت خطاب عام ، أو اعتبارها بنظير لها ، فلا يعرف لها أصل ، ولا نظير . هذا مع كثرة نظرم فى خطاب الشارع ومعرفة معانيه ، ودلالته على الأحكام . فكيف من لم يكن كذلك ؟! ٥٣٩ ثم السالك ليس قصده معرفة الحلال والحرام ؛ بل مقصوده أن هذا الفعل المعين خير من هذا ، وهذا خير من هذا ، وأيهما أحب إلى الله فى حقه فى تلك الحال ، وهذا باب واسع لا يحيط به إلا الله ولكل سالك حال تخصه قد يؤمر فيها بما ينهى عنه غيره ، ويؤمر فى حال بما ينهى عنه فى أخرى . فقالوا : نحن نفعل الخير بحسب الإمكان ، وهو فعل ما علمنا أنا أمرنا به، ونترك أصل الشر وهو هوى النفس، ونلجأ إلى اللّه فيما سوى ذلك أن يوفقنا لما هو أحب إليه وأرضى له ؛ فما استعملنا فيه رجونا أن يكون من هذا الباب ؛ ثم إن أصبنا فلنا أجران ، وإلا فلنا أجر ، وخطؤنا محطوط عنا فهذا هذا . وحينئذ فمن قدر أنه على المشروع وفعله فهو أفضل من هذا ؛ ولكن كثير ممن يعلم المشروع لا يفعله ولا يقعد أحب الأمور إلى الله وكثير منهم يفعله بشوب من الهوى ، فيبقى هذا فعل المشروع بهوى وهذا ترك ما لم يعلم أنه مشروع بلا هوى . فهذا نقص فى العلم ، وذاك نقص فى العمل ؛ إذ العمل بهوى النفس نقص فى العمل ، ولو كان المفعول واجباً . فيقال : إن تاب صاحب الهوى من هواء كان أرفع بعلمه ، وإن ٥٤٠