Indexed OCR Text
Pages 361-380
البصري ، وكذلك متكلمة الكلابية والأشعرية : كعبد الله بن سعيد ابن كلاب؛ وأبى الحسن الأشعري وصاحبه أبى الحسن الباهلى والقاضي أبى بكر بن الباقلانى وغيرم . وكذلك كتب (( المتصوفة ومن خلط التصوف بالحديث والكلام)» ككتب الحارث بن أسد المحاسبى ، وأبى الحسن بن سالم، وأبى سعيد الأعرابى وأبى طالب المكي . وقد شرك هؤلاء من البغداديين والخراسانيين والشاميين خلق . لكن الغرض أن الأصول من ثم . كما أن ((على النبوة)) من الإيمان والقرآن؛ وما يتبع ذلك من الفقه والحديث وأعمال القلوب إنما خرجت من الأمصار التى يسكنها جمهور أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وهي الحرمان والعراقان والشام : المدينة ومكة والكوفة والبصرة والشام ، وسائر الأمصار تبع . ء فالقراء السبعة من هذه الأمصار ؛ وكذلك أئمة أهل الحديث وأثبتهم أهل المدينة وأهل البصرة كالزهري ومالك ، وكقتادة وشعبة ويحيى ابن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي . ٣٦١ وأهل الكوفة فيهم الصادق والكاذب . وأهل الشام لم يكن فيهم كثير كاذب ، ولا أئمة كبار فى القراءة والحديث ، وكذلك أئمة الفقهاء ، فمالك عالم أهل المدينة. والثوري وأبو حنيفة وغيرهما من أهل الكوفة . وابن جريج وغيره من أهل مكة ؛ وحماد بن سلمة وحماد بن زيد من أهل البصرة ، والأوزاعي وطبقته بالشام ، وقد قيل إن مالكا إنما احتذى موطأ. على كتاب حماد بن سلمة ، وقيل : إن كتاب ابن جريج قبل ذلك . ثم الشافعي وإن كان أصله مكياً فإنه تفقه على طريقة أهل الحديث غير متقيد بمصره . وكذلك الإمام أحمد : وإن كان أجداده بصريين فإنه تفقه على طريقة أهل الحديث غير متقيد بالبصريين ، ولا غيرم . كما أن عبد الله ابن المبارك ، وإسحاق بن إبراهيم ، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وغيرم من الخراسانيين ، وكذلك أئمة الزهاد والعباد من هذه الأمصار ، كما ذكره أبو الفرج بن الجوزي فى ((صفوة الصفوة)). فالعلم المشروع والنسك المشروع مأخوذ عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما ما جاء عمن بعدم فلا ينبغي أن يجعل ٣٦٢ أصلاً ، وإن كان صاحبه معذوراً ، بل مأجوراً لاجتهاد أو تقليد . فمن بنى الكلام فى العلم: الأصول والفروع على الكتاب والسنة والآثار المأثورة عن السابقين فقد أصاب طريق النبوة ، وكذلك من بى الإرادة والعبادة والعمل والسماع المتعلق بأصول الأعمال وفروعها من الأحوال القلبية والأعمال البدنية على الإيمان والسنة والهدى الذي كان عليه محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقد أصاب طريق النبوة، وهذه طريق أئمة الهدى . تجد (( الإمام أحمد ، إذا ذكر أصول السنة قال: هي التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . وكتب كتب التفسير المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين . وكتب الحديث والآثار المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين ، وعلى ذلك يعتمد فى أصوله العلمية وفروعه ، حتى قال فى رسالته إلى خليفة وقته ((المتوكل)): لا أحب الكلام فى شيء من ذلك إلا ما كان فى كتاب الله، أو في حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . أو الصحابة أو التابعين ، فأما غير ذلك فالكلام فيه غير محمود . ٣٦٣ وكذلك فى ((الزهد)) و((الرقاق)) و((الأحوال))، فإنه اعتمد فى ((كتاب الزهد )) على المأثور عن الأنبياء صلوات الله عليهم من آدم إلى محمد، ثم على طريق الصحابة والتابعين ، ولم يذكر من بعده، وكذلك وصفه لآخذ العلم أن يكتب ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم عن الصحابة ، ثم عن التابعين . - وفى رواية أخرى - ثم أنت في التابعين مخير . وله كلام فى «الكلام الكلامي»، و «الرأي الفقهي » وفي ((الكتب الصوفية))، و((السماع الصوفى)) ليس هذا موضعه. يحتاج تحريره إلى تفصيل ، وتبيين كيفية استعماله فى حال دون حال . فإنه ينبي على الأصل الذي قدمناه من أنه قد يقترن بالحسنات سيئات إما مغفورة ، أو غير مغفورة ، وقد يتعذر أو يتصر على السالك سلوك الطريق المشروعة المحضة إلا بنوع من الحدث لعدم القائم بالطريق المشروعة علماً وعملاً. فإذا لم يحصل النور الصافي، بأن لم يوجد إلا النور الذي ليس بصاف . وإلا بقي الإنسان فى الظلمة ، فلا ينبغي أن يعيب الرجل وينهى عن نور فيه ظلمة . إلا إذا حصل نور لا ظلمة فيه ، وإلا فكم ممن عدل عن ذلك يخرج عن النور بالكلية، إذا خرج غيره عن ذلك؛ لما رآه فى طرق الناس من الظلمة . ٣٦٤ وإنما قررت هذه ((القاعدة)) ليحمل ذم السلف والعلماء للشيء على موضعه ، ويعرف أن العدول عن كمال خلافة النبوة المأمور به شرعا : قارة يكون لتقصير بترك الحسنات علماً وعملا، وتارة بعدوان بفعل السيئات علماً وعملا، وكل من الأمرين قد يكون عن غلبة، وقد يكون مع قدرة . ((فالأول)) قد يكون لعجز وقصور ، وقد يكون مع قدرة وإمكان . و ((الثاني)»: قد يكون مع حاجة وضرورة ، وقد يكون مع غنى وسعة ، وكل واحد من العاجز عن كمال الحسنات ، والمضطر إلى بعض السيئات معذور، فإن الله يقول: (فَأَنَّقُواْاللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) وقال : (لَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) - فى البقرة والطلاق - وقال: وَاُلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصََّلِحَتِ لَأَتُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ ) الْجَنَّةِ هُمْ فِيَهَا خَلِدُونَ) وقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) وقال سبحانه: ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الذِينِ مِنْ حَرَجٍ ) وقال: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجِ ) وقال : ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اَلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) وقال: (فَمَنِ أَضْطُرَّ غَيْرَ بَاِخٍ وَلَا عَادٍ فَ إِثْمَ عَلَيْهِ ) وقال: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ ). م ٣٦٥ وهذا ( أصل عظيم ) وهو : أن تعرف الحسنة فى نفسها علماً وعملا ، سواء كانت واجبة أو مستحبة . وتعرف السيئة فى نفسها علماً وقولاً وعملا، محظورة كانت أو غير محظورة - إن سميت غير المحظورة سيئة - وإن الدين تحصيل الحسنات والمصالح، وتعطيل السيئات والمفاسد . وإنه كثيراً ما يجتمع في الفعل الواحد ، أو فى الشخص الواحد الأمران ، فالنم والنهي والعقاب قد يتوجه إلى ما تضمنه أحدهما، فلا يغفل عما فيه من النوع الآخر ، كما يتوجه المدح والأمر والثواب إلى ما تضمنه أحدهما فلا يغفل عما فيه من النوع الآخر ، وقد يمدح الرجل بترك بعض السيئات البدعية والفجورية ، لكن قد يسلب مع ذلك ما حمد به غيره على فعل بعض الحسنات السنية البرية . فهذا طريق الموازنة والمعادلة ، ومن سلكه كان قائماً بالقسط الذي أنزل الله له الكتاب والميزان . فصــ ثم المتقدمون الذين وضعوا طرق ((الرأي)) و((الكلام)) و ((التصوف)) وغير ذلك : كانوا يخلطون ذلك بأصول من الكتاب ٣٦٦ والسنة والآثار ، إذ العهد قريب . وأنوار الآثار النبوية بعد فيها ظهور ، ولها برهان عظيم ، وإن كان عند بعض الناس قد اختلط نورها بظلمة غيرها . فأما المتأخرون فكثير منهم جرد ماوضعه المتقدمون . مثل من صنف فى ((الكلام)) من المتأخرين فلم يذكر إلا الأصول المبتدعة وأعرض عن الكتاب والسنة ، وجعلهما إما فرعين، أو آمن بها مجملا ، أو خرج به الأمر إلى نوع من الزندقة ، ومتقدموا المتكلمين خير من متأخريهم. وكذلك من صنف فى ((الرأي)) فلم يذكر إلا رأى متبوعه وأصحابه ، وأعرض عن الكتاب والسنة ، ووزن ما جاء به الكتاب والسنة على رأى متبوعه ككثير من اتباع أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم . وكذلك من صنف فى ((التصوف)) و((الزهد)) جعل الأصل ماروى عن متأخري الزهاد - وأعرض عن طريق الصحابة والتابعين ، كما فعل صاحب ((الرسالة)) أبو القاسم القشيري، وأبو بكر محمد بن إسحاق الكلاباذي، وابن خميس الموصلي في ((مناقب الأبرار))؛ وأبو عبد الرحمن السلمى فى تاريخ الصوفية ، لكن أبو عبد الرحمن صنف أيضاً ((سير السلف)) من الأولياء والصالحين. وسير الصالحين من السلف، كما صنف فى سير الصالحين من الخلف ونحوم من ذكرهم لأخبار أهل ٣٦٧ ((الزهد والأحوال)) من بعد القرون الثلاثة، من عند إبراهيم بن أدهم ، والفضيل بن عياض ، وأبي سليمان الداراني ، ومعروف الكرخي ، ومن بعدهم، وإعراضهم عن حال الصحابة والتابعين الذين نطق الكتاب والسنة بمدحهم ، والثناء عليهم، والرضوان عنهم . وكان أحسن من هذا أن يفعلوا كما فعله أبو نعيم الأصبهاني فى ((الحلية)) من ذكره للمتقدمين والمتأخرين. وكذلك أبو الفرج بن الجوزي فى ((صفوة الصفوة)) وكذلك أبو القاسم التيمي فى («سير السلف)) وكذلك(١) ابن أسد بن موسى، إن لم يصعدوا إلى طريقة عبد الله بن المبارك. وأحمد بن حنبل . وهنا دين السرى وغيرهم فى كتبهم فى الزهد، فهذا هذا. والله أعلم وأحكم . فإن معرفة أصول الأشياء ومبادئها . ومعرفة الدين وأصله، وأصل ما تولد فيه من أعظم العلوم نفعاً. إذ المرء ما لم يحط علماً بحقائق الأشياء التى يحتاج إليها يبقى فى قلبه حسكة . وكان ((للزهاد)) عدة أسماء يسمون بالشام ((الجوعية)) ويسمون بالبصرة ((الفقرية)) و((الفكرية)) ويسمون بخراسان ((المغاربة)) ويسمون أبضاً ((الصوفية والفقراء)). (١) بياض قدر كلمة . ٣٦٨ والنسبة فى (( الصوفية)) إلى الصوف ؛ لأنه غالب لباس الزهاد ؛ وقد قيل هو نسبة إلى ((صوفة)) بن مراد بن أد بن طابخة قبيلة من العرب كانوا بجاورون حول البيت. وأما من قال: ثم نسبة إلى ((الصفة)) فقد قيل : كان حقه أن يقال: صفية ، وكذلك من قال : نسبة إلى الصفا ؛ قيل له: كان حقه أن يقال : صفائية . ولو كان مقصوراً لقيل صفوية ؛ وإن نسب إلى الصفوة قيل : صفوية . ومن قال : نسبة إلى الصف المقدم بين بدي الله . قيل له : كان حقه أن يقال : صفية، ولا ريب أن هذا يوجب النسبة والإضافة ؛ إذا أعطى الاسم حقه من جهة العربية . لكن ((التحقيق)) أن هذه النسب إنما أطلقت على طريق الاشتقاق الأكبر والأوسط، دون الاشتقاق الأصغر؛ كما قال أبو جعفر ((العامة)) اسم مشتق من العمى ؛ فراعوا الاشتراك فى الحروف دون الترتيب ، وهو الاشتقاق الأوسط ، أو الاشتراك فى جنس الحروف دون أعيانها وهو الأكبر. وعلى الأوسط قول نحاة الكوفيين ((الاسم)) مشتق من السمة . وكذلك إذا قيل الصوفي من «الصفا )) وأما إذا قيل هو من ((الصفة)) أو ((الصف)) فهو على الأكبر. وقد تكلم بهذا الاسم قوم من الأئمة : كأحمد بن حنبل ، وغيره ٣٦٩ وقد تكلم به أبو سليمان الداراني وغيره ، وأما الشافعى فالمنقول عنه غم الصوفية، وكذلك مالك - فيما أظن - وقد خاطب به أحمد لأبي حمزة الخراساني ، وليوسف بن الحسين الرازي ، ولبدر بن أبى بدر المغازلي ، وقد ذم طريقهم طائفة من أهل العلم ، ومن العباد أيضاً من حنيفة وأهل الحديث والعباد ، ـم أصحاب أحمد ومالك والشافعي وأبى ومدحه آخرون . و ((التحقيق)) فيه : أنه مشتمل على الممدوح والمذموم ، كغيره من الطريق ، وأن المذموم منه قد يكون اجتهاديا ، وقد لا يكون ، وأنهم فى ذلك بمنزلة الفقهاء في ((الرأي)) فإنه قد ذم الرأي من العلماء والعباد طوائف كثيرة، و (( القاعدة)) التى قدمتها تجمع ذلك كله . وفى المتسمين بذلك من أولياء الله وصفوته وخيار عباده مالا يحصى عده. كما فى أهل ((الرأي)) من أهل العلم والإيمان من لا يحصى عدده إلا الله. والله سبحانه أعلى ٠ وبهذا يتبين لك أن البدعة فى الدين وإن كانت فى الأصل مذمومة كما دل عليه الكتاب والسنة ، سواء فى ذلك البدع القولية والفعلية . وقد كتبت فى غير هذا الموضع أن المحافظة على عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((كل بدعة ضلالة)) متعين، وأنه يجب العمل بعمومه، وأن من أخذ يصنف («البدع)) إلى حسن وقبيح ، ويجعل ذلك ٣٧٠ ذريعة إلى أن لا يحتج بالبدعة على النهي فقد أخطأ ، كما يفعل طائفة من المتفقهة، والمتكلمة والمتصوفة، والمتعبدة؛ إذا نهوا عن ((العبادات المبتدعة)) و((الكلام في التدين المبتدع)) ادعوا أن لا بدعة مكروهة إلا ما نهى عنه، فيعود الحديث إلى أن يقال: ((كل ما نهى عنه)) أو ((كل ما حرم)) أو ((كل ما خالف نص النبوة فهو ضلالة)) وهذا أوضح من أن يحتاج إلى بيان ، بل كلما لم يشرع من الدين فهو ضلالة . وما سمى ((بدعة)) وثبت حسنه بأدلة الشرع فأحد ((الأمرين)) فيه لازم : إما أن يقال : ليس ببدعة فى الدين ، وإن كان يسمى بدعة من من حيث اللغة. كما قال عمر: ((نعمت البدعة هذه)) وإما أن يقال : هذا عام خصت منه هذه الصورة لمعارض راجح، كما يبقى فيما عداها على مقتضى العموم كسائر عمومات الكتاب والسنة وهذا قد قررته فى ((اقتضاء الصراط المستقيم)) وفى ((قاعدة السنة والبدعة)) وغيره. وإنما (( المقصود هنا)) أن ما ثبت قبحه من البدع وغير البدع من المنهى عنه في الكتاب والسنة ، أو المخالف للكتاب والسنة إذا صدر عن شخص من الأشخاص فقد يكون على وجه يعذر فيه ؛ إما ٣٧١ لاجتهاد أو تقليد يعذر فيه ، وإما لعدم قدرته كما قد قررته في غير هذا الموضع، وقررته أيضاً فى أصل («التكفير والتفسيق)» المبنى على أصل الوعيد . فإن نصوص ((الوعيد)) التى فى الكتاب والسنة ، ونصوص الأئمة بالتكفير والتفسيق ونحو ذلك لا يستلزم ثبوت موجبها فى حق المعين ، إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع ، لا فرق في ذلك بين الأصول والفروع . هذا فى عذاب الآخرة فإن المستحق للوعيد من عذاب الله ولعنته وغضبه فى الدار الآخرة خالد فى النار، أو غير خالد ، وأسماء هذا الضرب من الكفر والفسق ، يدخل فى هذه ((القاعدة)) سواء كان بسبب بدعة اعتقادية أو عبادية ، أو بسبب فجور فى الدنيا ، وهو الفسق بالأعمال . فأما أحكام الدنيا فكذلك أيضاً ؛ فإن جهاد الكفار يجب أن يكون مسبوقاً بدعوتهم ؛ إذ لا عذاب إلا على من بلغته الرسالة ، وكذلك عقوبة الفساق لا تثبت إلا بعد قيام الحجة . ٣٧٢ وهنا قاعدة شريف ينبغي التفطن لها : وهو أن ما عاد من الذنوب بإضرار الغير فى دينه ودنياه فعقوبتنا له فى الدنيا أكبر ، وأما ما عاد من الذنوب بمضرة الإنسان فى نفسه فقد تكون عقوبته فى الآخرة أشد، وإن كنا نحن لا نعاقبه فى الدنيا . وإضرار العبد فى دينه ودنياه هو ظلم الناس ؛ فالظلم للغير يستحق صاحبه العقوبة فى الدنيا لا محالة لكف ظلم الناس بعضهم عن بعض ، ثم هو نوعان : ( أحدهما ) : منع ما يجب لهم من الحقوق ، وهو التفريط . و (الثاني): فعل ما يضر به وهو العدوان . فالتفريط في حقوق العباد (١) . (١) خروم في الاصل . ٣٧٣ ولهذا يعاقب الداعية إلى البدع بما لا يعاقب به الساكت ، ويعاقب من أظهر المنكر بمالا يعاقب به من استخفى به ، ونمسك عن عقوبة المنافق فى الدين وإن كان فى الدرك الأسفل من النار . وهذا لأن الأصل أن تكون العقوبة من فعل الله تعالى ، فإنه الذي يجزي الناس على أعمالهم فى الآخرة ، وقد يجزيهم أيضاً في الدنيا. وأما محن فعقوبتنا للعباد بقدر ما يحصل به أداء الواجبات وترك المحرمات بحسب إمكاننا ، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحمقها وحسابهم على الله )) وقال تعالى : (وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) وقال: (وَاُلْفِتْنَةُ أَكْبرُ مِنَ الْقَتْلِ ) . ولهذا من تاب من الكفار والمحاربين وسائر الفساق قبل القدرة عليه سقطت عنه العقوبة التى لحق اللّه، فإذا أسلم الحربي قبل القدرة عليه عصم دمه وأهله وماله، وكذلك قاطع الطريق والزانى والسارق ، والشارب إذا تابوا قبل القدرة عليهم لحصول المقصود بالتوبة وأما إذا تابوا بعد القدرة لم تسقط العقوبة كلها ؛ لأن ذلك يفضي إلى تعطيل الحدود وحصول الفساد ؛ ولأن هذه التوبة غير موثوق بها ؛ ولهذا إذا أسلم الحربي عند القتال صح إسلامه لأنه أسلم قبل القدرة عليه ، ٣٧٤ بخلاف من أسلم بعد الأسر فإنه لا يمنع استرقاقه وإن عصم دمه . ويبنى على هذه ((القاعدة)): أنه قد بقر من الكفار والمنافقين بلا عقوبة من يكون عذابه فى الآخرة أشد إذا لم يتعد ضرره إلى غيره : كالذين يؤتون الجزية عن يد وهم صاغرون، والذين أظهروا الإسلام والتزموا شرائعه ظاهراً مع نفاقهم ؛ لأن هذين الصنفين كفوا ضررم فى الدين والدنيا عن المسلمين ، ويعاقبون فى الآخرة على ما اكتسبوه من الكفر والنفاق، وأما من أظهر مافيه مضرة فإنه تدفع مضرته ولو بعقابه وإن كان مسلماً فاسقاً أو عاصياً أو عدلاً مجتهداً مخطئاً، بل صالحاً أو عالماً ، سواء فى ذلك المقدور عليه والممتنع . مثال المقدور عليه إنما يعاقب من أظهر الزنا والسرقة وشرب الخمر وشهادة الزور ، وقطع الطريق وغير ذلك لما فيه من العدوان على النفوس والأموال والأبضاع، وإن كان [مع] هذا حال الفاسق فى الآخرة خيرا من حال أهل العهد الكفار ، ومن حال المنافقين ؛ إذ الفاسق خير من الكافر والمنافق بالكتاب والسنة والإجماع . وكذلك يعاقب من دعا إلى بدعة تضر الناس فى دينهم؛ وإن كان قد يكون معذوراً فيها فى نفس الأمر لاجتهاد أو تقليد . ٣٧٥ وكذلك يجوز قتال ((البغاة)): وم الخارجون على الإمام أو غير الإمام بتأويل سائغ مع كونهم عدولا . ومع كوننا تنفذ أحكام قضائهم ونسوغ ما قبضوه من جزية أو خراج أو غير ذلك. إذ الصحابة لاخلاف فى بقائهم على العدالة ، وذلك أن التفسيق انتفى للتأويل السائغ . وأما القتال : فليؤدوا ما تركوه من الواجب، وينتهوا عما ارتكبوه من المحرم وإن كانوا متأولين. وكذلك نقيم الحد على من شرب النبيذ المختلف فيه، وإن كانوا قوما صالحين ، فتدبر كيف عوقب أقوام فى الدنيا على ترك واجب أو فعل محرم بين فى الدين أو الدنيا ، وإن كانوا معذورين فيه لدفع ضرر فعلهم فى الدنيا ، كما يقام الحد على من تاب بعد رفعه إلى الإمام وإن كان قد تاب توبة نصوحا ، وكما يغزو هذا البيت جيش من الناس فييما ثم ببيداء من الأرض إذا خسف بهم وفيهم المكره فيحشرون على نياتهم وكما يقاتل جيوش الكفار وفيهم المكره كأهل بدر لما كان فيهم العباس وغيره، وكما لو تترس الكفار بمسلمين ولم يندفع ضرر الكفار إلا بقتالهم ، فالعقوبات المشروعة والمقدورة قد تتناول فى الدنيا من لا يستحقها فى الآخرة ، وتكون فى حقه من جملة المصائب كما قيل فى بعضهم : القاتل مجاهد والمقتول شهيد . وعلى هذا فما أمر به آخر أهل السنة من أن داعية أهل البدع ٣٧٦ يهجر فلا يستشهد ولا يروى عنه ، ولا يستفتى ولا يصلى خلفه، قد يكون من هذا الباب ؛ فإن هجره تعزير له وعقوبة له جزاء لمنع الناس من ذلك الذنب الذي هو بدعة أو غيرها ، وإن كان فى نفس الأمر تائباً أو معذوراً؛ إذ الهجرة مقصودها أحد شيئين: إما ترك الذنوب المهجورة وأصحابها، وإما عقوبة فاعلها ونكاله. فأما هجره بترك (١) فى غير هذا الموضع . ومن هذا الباب هجر الإمام أحمد للذين أجابوا فى المحنة قبل القيد ولمن تاب بعد الإجابة ، ولمن فعل بدعة ما ؛ مع أن فيهم أمّة في الحديث والفقه والتصوف والعبادة ؛ فإن هجره لهم والمسلمين معه لا يمنع معرفة قدر فضلهم، كما أن الثلاثة الذين خلفوا لما أمر النبى صلى الله عليه وسلم المسلمين بهجرم لم يمنع ذلك ما كان لهم من السوابق. حتى قد قيل إن اثنين منهما شهدا بدراً، وقد قال الله لأهل بدر: ((اعملوا ماشئتم فقد غفرت لكم)) وأحدهم كعب بن مالك شاعر النبي صلى الله عليه وسلم وأحد أهل العقبة، فهذا ((أصل عظيم)) أن عقوبة الدنيا المشروعة من الهجران إلى القتل لا يمنع أن يكون المعاقب عدلا أو رجلا صالحاً كما بينت من الفرق بين عقوبة الدنيا المشروعة والمقدورة ؛ وبين عقوبة الآخرة ، والله سبحانه أعلم (١) خرم في الاصل مقدار نصف سطر . ٣٧٧ فصل ومما يناسب ((هذا الباب، قولهم: فلان يسلم إليه حاله أو لا يسلم إليه حاله ؛ فإن هذا كثيراً ما يقع فيه النزاع فيما قد يصدر عن بعض المشايخ والفقراء والصوفية من أمور يقال : إنها تخالف الشريعة، فمن يرى أنها منكرة وأن إنكار المنكر من الدين ، ينكر تلك الأمور، وينكر على ذلك الرجل ، وعلى من أحسن به الظن ويبغضه ويذمه ويعاقبه ، ومن رأى ما فى ذلك الرجل من صلاح وعبادة : كزهد وأحوال وورع وعلم لا ينكرها بل يراها سائغة أو حسنة أو يعرض عن ذلك . وقد يغلو كل واحد من هذين: حتى يخرج ((بالأول)) إنكاره إلى التكفير والتفسيق في مواطن الاجتهاد، متبعاً لظاهر من أدلة الشريعة، ويخرج ((بالثاني)) إقراره إلى الإقرار بما يخالف دين الإسلام مما يعلم بالاضطرار أن الرسول جاء بخلافه ، اتباعاً في زعمه لما يشبه قصة موسى والخضر، و((الأول)) يكثر فى الموسوية ومن انحرف منهم إلى يهودية و((الثاني)» يكثر فى العيسوية ومن انحرف منهم إلى نصرانية . ٣٧٨ و (الأول) كثيراً ما يقع فى ذوي العلم لكن مقروناً بقسوة وهوى. و (الثانى): كثيراً ما يقع في ذوي الرحمة لكن مقروناً بضلال وجهل . فأما (( الأمة الوسط)): فلهم العلم والرحمة ، كما أخبر عن نفسه بقوله : (رَبَّنَاوَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا) وقال تعالى: (وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ ) وقال: (إِنَّهَا إِلَهُكُمُ اللهُالَّذِى لَآ إِلَهَ إِلَّهُوَ وَسِعَ كُلَّشَىْءٍ عِلْمًا ) وكذلك وصف العبد الذي لقيه موسى حيث قال: (ءَانَيْنَهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَاعِلْمًا ). والعدل في « هذا الباب)) قولاً وفعلاً أن تسليم الحال له معنيان : ( أحدهما ) : رفع اللوم عنه بحيث لا يكون مذموماً ولا مأثوماً (١). (والثانى): تصويبه على ما فعل بحيث يكون محموداً مأجوراً. ((فالأول)) عدم الذم والعقاب. و ((الثانى)): وجود الحمد والثواب. ((الأول)): عدم سخط الله وعقابه، و((الثانى)): وجود رضاه وثوابه . ولهذا (١) خرم في الأصل . ٣٧٩ تجد المنكرين غالباً فى إثبات السخط والذم والعقاب ، والمقرين فى إثبات الرضا والحمد والثواب، وكلاهما قد يكون مخطئاً ويكون الصواب في «أمر ثالث وسط))، وهو أنه لا حمد ولا ذم ولا ثواب ولا عقاب. وبيان ذلك : أن ذلك الأمر الصادر عنه سواء كان قولاً أو فعلاً ، إذا علم أنه مخالف للكتاب والسنة ، بحيث يكون قولاً باطلاً أو عملاً محرماً فإنه يعذر فى موضعين : ( أحدهما ) : عدم تمكنه من العلم به . و ( الثانى ) عدم قدرته على الحق المشروع . مثال ( الأول ) : أن يكون صاحب الحال مولها مجنوناً قد سقط عنه القلم ، فهذا إذا قيل فيه : يسلم له حاله ، بمعنى أنه لا يذم ولا يعاقب ؛ لا بمعنى تصويبه فيه ؛ كما يقال فى سائر المجانين فهو صحيح. وإن عنى به أن ذلك القول صواب فهذا خطأ . وكذلك إذا كان ذلك الحال صادراً عنه باجتهاد ، كمسائل الاجتهاد المتنازع فيها بين أهل العلم والدين . فإن هذا إذا قيل : يسلم إليه حاله ، كما يقال : يقر على اجتهاده ، بمعنى أنه لا يذم ولا يعاقب فهو صحيح . ٣٨٠