Indexed OCR Text
Pages 201-220
إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرِّ هَلْ هُنَّ كَشِفَتُ ضُرٍِّ أَوْأَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَتُ رَحْمَتِّهِ، قُلْ حَسْىَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَنَوَكَّلُ الْمُتَوَّكِلُونَ ) وقال تعالى: (وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلَ كَاشِفَ لَهُ: إِلَّ هُوَ وَ إِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرِفَهُوَ عَلَى ( قَالَ يَقَّوْمِ وقال تعالى عن الخليل : كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ) إِى بَرِىٌّ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِ وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ، قَالَ أَتُحَجُوْنِّ فِىِ اللَّهِ وَقَدْ هَدَئِنَّ وَلَآَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ: إِلَّ أَن يَشَآءَ رَبِ شَيْئًا) إلى قوله تعالى : ( الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْ إِيمَنَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَتِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) وفى الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه ((أن هذه الآية لما نزلت شق ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا : يارسول الله ؛ أينا لم يلبس إيمانه بظلم ، فقال: إنما هو الشرك، ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلٌْ عَظِيمٌ))) وإبراهيم الخليل إمام الحنفاء المخلصين ، حيث بعث وقد طبق الأرض دين المشركين ، قال الله تعالى : (وَإِذِابْتَلَىَ إِرَهِوَ رَبُّهُ بِكَلِمَةٍ فَأَتَّمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَا مِّ قَالَ وَمِن ذُرِيَِّ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى الَّلِمِينَ ) فيين أن عهده بالإمامة لا يتناول الظالم، فلم يأمر الله سبحانه أن يكون الظالم إماماً ، وأعظم الظلم الشرك . ٢٠١ وقال تعالى : (إِنَّ إِبْرَهِيوَ كَانَ أُمَّةً قَانِتَّا لِلِّ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) و ((الأمة)) هو معلم الخير الذي يؤنتم به، كما أن ((القدوة)) الذي يقتدى به . والله تعالى جعل فى ذريته النبوة والكتاب، وإنما بعث الأنبياء بعده بملته قال تعالى: (ثُمَّأَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِنْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) وقال تعالى: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِىُّ وَالَّذِينَءَامَنُواْ وَاللّهُوَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) وقال تعالى : (مَا كَانَ إِنْزَهِيمُ بَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) وقال تعالى: (وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْنَصَرَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِنَزَهِمَ حَنِيفًاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُولُوَاْءَامَنَّا بِاللَّهِوَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىَ إِبْرَهِمَ وَ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ - إلى قوله - وَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) وقد ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم (( أن إبراهيم خير البرية)) فهو أفضل الأنبياء بعد النبي صلى الله عليه وسلم وهو خليل اللّه تعالى. وقد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه أنه قال: ((إن اللّه اتخذفى خليلا كما انخذ إبراهيم خليلا)) وقال: « لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الله)) - يعنى نفسه - وقال: ((لا يبقين ٢٠٢ فى المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبى بكر)) وقال: ((إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإنى أنهاكم عن ذلك)) وكل هذا فى الصحيح. وفيه أنه قال : ذلك قبل موته بأيام ، وذلك من تمام رسالته . فإن في ذلك تحقيق تمام مخالته للّه التى أصلها محبة الله تعالى للعبد، ومحبة العبد لله خلافا للجهمية. وفي ذلك تحقيق توحيد الله، وأن لا يعبدوا إلا إياه ، ورد على أشباه المشركين . وفيه رد على الرافضة الذين يبخسون الصديق حقه ، وم أعظم المنتسبين إلى القبلة إشراكا بالبشر . و«الخلة)) هي كمال المحبة المستلزمة من العبد كمال العبودية لله، ومن الرب سبحانه كمال الربوبية لعباده الذين يحبهم ويحبونه ، ولفظ العبودية يتضمن كمال الذل ، وكمال الحب ، فإنهم يقولون : قلب متيم إذا كان متعبدأ للمحبوب ، والمتيم المتعبد ، وتيم الله عبده ، وهذا على الكمال حصل لإبراهيم، ومحمد صلى الله عليها وسلم؛ ولهذا لم يكن له من أهل الأرض خليل ؛ إذ الخلة لا تحتمل الشركة فإنه كما قيل فى المعنى . ٢٠٣ وبذا سمى الخليلُ خليلا قد تخللت مسلك الروح منی بخلاف أصل الحب فإنه صلى الله عليه وسلم قد قال فى الحديث الصحيح فى الحسن وأسامة: (( اللهم إنى أحبها فأحبها وأحب من يحبها)) وسأله عمرو بن العاص (( أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة قال فمن الرجال؟ قال أبوها)) وقال لعلي رضي الله عنه: ((لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله)» وأمثال ذلك كثير . وقد أخبر تعالى أنه يحب المتقين ، ويحب المحسنين ، ويحب المقسطين ، ويحب التوابين ، ويحب المتطهرين ، ويحب الذين يقاتلون فى سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص، وقال: (فَسَوْفَ يَأَتِى اَللَّهُ بِقَوْمِ يُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ) فقد أخبر بمحبته لعباده المؤمنين ، ومحبة المؤمنين له، حتى قال : ( وَالَّذِينَ ءَامَنُواْأَشَدُّ حُبَّالِلَّهِ ) وأما الخلة خاصة . وقول بعض الناس : إن محمداً حبيب الله . وإبراهيم خليل الله، وظنه أن المحبة فوق الخلة قول ضعيف ، فإن محمداً أيضاً خليل اللّه كما ثبت ذلك فى الأحاديث الصحيحة المستفيضة. وما يروى ((أن العباس يحشر بين حبيب وخليل)) وأمثال ذلك ، فأحاديث موضوعة لا تصلح أن يعتمد عليها . ٢٠٤ وقد قدمنا أن من محبة الله تعالى محبة ما أحب، كما فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع فى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى فى النار)) أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان؛ لأن وجد الحلاوة بالشيء يتبع المحبة له ، فمن أحب شيئاً أو اشتهاء إذا حصل له مراده فإنه يجد الحلاوة واللذة والسرور بذلك ، واللذة أمر يحصل عقيب إدراك الملائم الذي هو المحبوب أو المشتهى . ومن قال إن اللذة إدراك الملائم كما يقوله من يقوله من المتفلسفة والأطباء ، فقد غلط فى ذلك غلطاً بيناً ؛ فإن الإدراك يتوسط بين المحبة واللذة ، فإن الإنسان مثلا يشتهى الطعام فإذا أكله حصل له عقيب ذلك اللذة ، فاللذة تتبع النظر إلى الشيء ، فإذا نظر إليه التذ ، فاللذة تتبع النظر ليست نفس النظر ، وليست هي رؤية الشىء ؛ بل محمل عقيب رؤيته ، وقال تعالى: (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُُّ ) وهكذا جميع ما يحصل للنفس من اللذات ، والآلام من فرح وحزن ونحو ذلك يحصل بالشعور بالمحبوب ، أو الشعور بالمكروه ، وليس نفس الشعور هو الفرح ولا الحزن . فحلاوة الإيمان المتضمنة من اللذة به ٢٠٥ والفرح ما يجده المؤمن الواجد من حلاوة الإيمان تتبع كمال محبة العبد لله، وذلك بثلاثة أمور . تكميل هذه المحبة ، وتفريعها ، ودفع ضدها . ((فتكميلها)) أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ؛ فإن محبة اللّه ورسوله لا يكتفى فيها بأصل الحب ، بل لابد أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما كما تقدم . و ((تفريعها، أن يحب المرء لا يحبه إلا لله . و((دفع ضدها)) أن يكره ضد الإيمان أعظم من كراهته الالقاء فى النار ، فإذا كانت محبة الرسول والمؤمنين من محبة الله ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب المؤمنين الذين يحبهم الله؛ لأنه أكمل الناس محبة لله، وأحقهم بأن يحب ما يحبه الله ، ويبغض ما يبغضه الله ، و («الخلة)) ليس لغير الله فيها نصيب، بل قال: ((لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا)) على مزيد مرتبة الخلة على مطلق المحبة . و (المقصود) هو أن ((الخلة)) و((المحبة لله)) تحقيق عبوديته ؛ وإنما يغلط من يغلط فى هذه من حيث يتوهمون أن العبودية مجرد ذل ٢٠٦ وخضوع فقط ، لا محبة معه ، أو أن المحبة فيها انبساط فى الأهواء أو إذلال لا تحتمله الربوبية ، ولهذا يذكر عن ((ذي النون)) أنهم تكلموا عنده فى مسألة المحبة . فقال : أمسكوا عن هذه المسألة لا تسمعها النفوس فتدعيها . وكره من كره من أهل المعرفة والعلم مجالسة أقوام يكثرون الكلام فى المحبة بلا خشية ؛ وقال من قال من السلف: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق ، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجي ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد. ولهذا وجد في المستأخرين من انبسط فى دعوى المحبة حتى أخرجه ذلك إلى نوع من الرعونة ، والدعوى التى تنافى العبودية وتدخل العبد في نوع من الربوبية التى لا تصلح إلا لله ؛ ويدعى أحدهم دعاوى تتجاوز حدود الأنبياء والمرسلين ، أو يطلبون من الله مالا يصلح - بكل وجه - إلا اللّه لا يصلح للأنبياء والمرسلين. وهذا باب وقع فيه كثير من الشيوخ . وسببه ضعف تحقيق العبودية التى بينتها الرسل وحررها الأمر والنهي الذي جاءوا به ، بل ضعف العقل الذي به يعرف العبد حقيقته ، وإذا ضعف العقل، وقل العلم بالدين وفى النفس محبة انبسطت النفس بحمقها فى ذلك، كما ينبسط الإنسان فى محبة الإنسان مع حمقه وجهله، ويقول: أنا محب فلا أؤاخذ بما أفعله من أنواع يكون فيها عدوان وجهل ، فهذا ٢٠٧ عين الضلال، وهو شبيه بقول اليهود والنصارى : ( غَحْنُ أَبْنَوُاْاللَّهِ وَأَحِبَُّهُ ) قال الله تعالى: (قُلْ فَلِمَ يُعَذِّ بُكُمْ بِذُنُوبِكُمْبَلّ ◌َنْتُمْ بَشَرٌ مِّمَنْ خَلَقَّ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ) فإن تعذيبه لهم بذنوبهم يقتضي أنهم غير محبوبين ولا منسوبين إليه بنسبة البنوة ، بل يقتضى أنهم حربوبون مخلوقون . فمن كان الله يحبه استعمله فيما يحبه محبوبه ، لا يفعل ما يبغضه الحق ويسخطه من الكفر والفسوق والعصيان ، ومن فعل الكبائر وأصر عليها، ولم يتب منها فإن اللّه يبغض منه ذلك؛ كما يحب منه ما يفعله من الخير ؛ إذ حبه للعبد بحسب إيمانه وتقواه ، ومن ظن أن الذنوب لا تضره لكون الله يحبه مع إصراره عليها كان بمنزلة من زعم أن تناول السم لايضره مح مداومته عليه، وعدم تداويه منه بصحة مزاجه . ولو تدبر الأحمق ماقص الله فى كتابه من قصص أنبيائه ؛ وما جرى لهم من التوبة والاستغفار ، وما أصيبوا به من أنواع البلاء الذي فيه تمحيص لهم وتطهير بحسب أحوالهم ؛ علم بعض ضرر الذنوب بأصحابها ولو كان أرفع الناس مقاما ؛ فإن المحب للمخلوق إذا لم يكن عارفاً بمصلحته ولا حريداً لها ؛ بل يعمل بمقتضى الحب - وإن كان جهلا وظلماً - كان ذلك سبباً لبغض المحبوب له ونفوره عنه ؛ بل لعقوبته . ٢٠٨ وكثير من السالكين سلكوا فى دعوى حب الله أنواعا من أمور الجهل بالدين؛ إما من تعدِّى حدود اللّه؛ وإما من تضيع حقوق الله، وإما من ادعاء الدعاوي الباطلة التى لاحقيقة لها، كقول بعضهم: أي مريد لي ترك فى النار أحداً فأنا منه بريء؛ فقال الآخر : أي مريد لي ترك أحداً من المؤمنين يدخل النار فأنا منه بريء . فالأول جعل مريده يخرج كل من في النار ؛ والثانى جعل مريده يمنع أهل الكبائر من دخول النار . ويقول بعضهم: إذا كان يوم القيامة نصبت خيمتى على جهنم حتى لايدخلها أحد . وأمثال ذلك من الأقوال التى تؤثر عن بعض المشايخ المشهورين ؛ وهي إما كذب عليهم ، وإما غلط منهم ؛ ومثل هذا قد يصدر فى حال سكر وغلبة وفناء يسقط فيها تمييز الإنسان؛ أو يضعف حتى لا يدري ماقال، و «السكر)» هو لذة مع عدم تمييز . ولهذا كان بين هؤلاء من إذا صحا استغفر من ذلك الكلام . والذين توسعوا من الشيوخ في سماع القصائد المتضمنة للحب والشوق واللوم والعدل والغرام كان هذا أصل مقصدهم ؛ ولهذا أنزل الله للمحبة محنة يمتحن بها المحب فقال: ( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) فلا يكون محباً لله إلا من يتبع رسوله، وطاعة الرسول ومتابعته تحقيق العبودية . وكثير ممن يدعي المحبة يخرج عن شريعته وسنته ، ويدعي من •٠ ٢٠٩ الخيالات مالا يتسع هذا الموضع لذكره. حتى قد يظن أحدم سقوط الأمر وتحليل الحرام له وغير ذلك مما فيه مخالفة شريعة الرسول وسنته وطاعته ، بل قد جعل محبة الله ومحبة رسوله الجهاد فى سبيله. و ((الجهاد)) يتضمن كمال محبة ما أمر الله به، وكمال بغض ما نهى الله عنه، ولهذا قال فى صفة من يحبهم ويحبونه: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكَفِرِينَ يُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ). ولهذا كانت محبة هذه الأمة لله أكمل من محبة من قبلها، وعبوديتهم لله أكمل من عبودية من قبلهم. وأكمل هذه الأمة في ذلك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ومن كان بهم أشبه كان ذلك فيه أكمل، فأين هذا من قوم يدعون المحبة ؟ ! . و [ فى ] كلام بعض الشيوخ: المحبة نار تحرق فى القلب ما سوى مراد المحبوب . وأرادوا أن الكون كله قد أراد اللّه وجوده ، فظنوا أن كمال المحبة أن يحب العبد كل شيء ، حتى الكفر والفسوق والعصيان، . ولا يمكن أحد أن يحب كل موجود بل يحب مايلائمه وينفعه ويبغض ما ينافيه ويضره ، ولكن استفادوا بهذا الضلال اتباع أهوائهم ، فهم يحبون ما يهوونه كالصور والرئاسة وفضول المال ، والبدع المضلة ، زاعمين أن هذا من محبة الله، ومن محبة الله بغض ما يبعضه الله ورسوله، وجهاد أهله بالنفس والمال . ٢١٠ وأصل ضلالهم أن هذا القائل الذي قال: ((إن المحبة نار تحرق ماسوى مراد المحبوب)) قصد بمراد الله تعالى الإرادة الدينية الشرعية التى هي بمعنى محبته ورضاء، فكأنه قال تحرق من القلب ما سوى المحبوب اللّه، وهذا معنى صحيح. فإن من تمام الحب أن لا يحب إلا ما يحبه الله، فإذا أحببت مالا يحب كانت المحبة ناقصة، وأما قضاؤه وقدره فهو يبغضه ويكرهه ويسخطه وينهى عنه ، فإن لم أوافقه فى بغضه وكراهته وسخطه لم أكن محباً له ، بل محباً لما يبغضه . فانباع الشريعة، والقيام بالجهاد من أعظم الفروق بين أهل محبة الله وأولياته الذين يحبهم ويحبونه وبين من يدعي محبة الله ناظراً إلى عموم ربوبيته ، أو متبعاً لبعض البدع المخالفة لشريعته ، فإن دعوى هذه المحبة لله من جنس دعوى اليهود والنصارى المحبة لله، بل قد تكون دعوى هؤلاء شراً من دعوى اليهود والنصارى لما فيهم من النفاق الذين هم به فى الدرك الأسفل من النار ، كما قد تكون دعوى اليهود والنصارى شراً من دعواه إذا لم يصلوا إلى مثل كفرهم، وفى التوراة والإنجيل من محبة اللّه مام متفقون عليه، حتى إن ذلك عندم أعظم وصايا الناموس . ففي الإنجيل أن المسيح قال: ((أعظم وصايا المسيح أن تحب الله بكل قلبك وعقلك ونفسك))، والنصارى يدعون قيامهم بهذه المحبة ، وأن مام فيه من الزهد والعبادة هو من ذلك، وم برآء من محبة الله إذ لم ٢١١ يتبعوا ما أحبه ، بل اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم ، والله يبغض الكافرين ويمقتهم ، ويلعنهم. وهو سبحانه يحب من يحبه ؛ لا يمكن أن يكون العبد محباً لله والله تعالى غير محب له ؛ بل بقدر محبة العبد لربه يكون حب الله له؛ وإن كان جزاء الله لعبده أعظم. كما فى الحديث الصحيح الإلهي عن الله تعالى أنه قال: ((من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعا ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا ومن أتانى يمشي أتيته هرولة )». وقد أخبر سبحانه أنه يحب المتقين ، والمحسنين والصابرين ، ويجب التوابين ، ويحب المتطهرين ، بل هو يحب من فعل ما أمر به من واجب ومستحب ، كما فى الحديث الصحيح: (( لايزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به)) الحديث . وكثير من المخطئين الذين اتبعوا أشياخا فى «الزهد والعبادة)» وقعوا فى بعض ما وقع فيه النصارى : من دعوى المحبة لله مع مخالفة شريعته، وترك المجاهدة فى سبيله ونحو ذلك ، ويتمسكون فى الدين الذي يتقربون به إلى اللّه بنحو ماتمسك به النصارى من الكلام المتشابه، والحكايات التى لايعرف صدق قائلها ، ولو صدق لم يكن قائلها معصوما ، فيجعلون متبوعيهم شارعين لهم دينا ، كما جعل النصارى قسيسيهم ورهبانهم شارعين ٢١٢ لهم ديناً ، ثم إنهم ينتقصون العبودية ويدعون أن الخاصة بتعدونها كما يدعي النصارى فى المسيح، ويثبتون للخاصة من المشاركة فى الله من جنس ماتثبته النصارى فى المسيح وأمه . إلى أنواع أخر يطول شرحها فى هذا الموضع . وإنما دين الحق هو تحقيق العبودية لله بكل وجه ، وهو تحقيق محجبة الله بكل درجة وبقدر تكميل العبودية تكمل محبة العبد لربه، وتكمل محبة الرب لعبده، وبقدر نقص هذا يكون نقص هذا ؛ وكلما كان فى القلب حب لغير الله كانت فيه عبودية لغير الله بحسب ذلك، وكلما كان فيه عبودية لغير الله كان فيه حب لغير اللّه بحسب ذلك، وكل محبة لا تكون لله فهي باطلة، وكل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل. فالدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان الله ، ولا يكون للّه إلا ما أحبه الله ورسوله، وهو المشروع. فكل عمل أريد بسه غير اللّه لم يكن لله، وكل عمل لا يوافق شرع الله لم يكن لله، بل لا يكون لله إلا ما جمع الوصفين: أن يكون لله، وأن يكون موافقاً لمحبة الله ورسوله، وهو الواجب والمستحب. كما قال: (فَنْ كَانَيَرْجُوْ لِقَآءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُشْرِكِ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً) فلابد من العمل الصالح ، وهو الواجب والمستحب ، ولا بد أن يكون خالصاً لوجه الله تعالى، كما قال تعالى: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ، وَلَآخَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ). وقال ٢١٣ النبى صلى الله عليه وسلم: ((من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ؛ فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه )) . وهذا الأصل هو أصل الدين ، وبحسب تحقيقه يكون تحقيق الدين وبه أرسل الله الرسل ، وأنزل الكتب ، وإليه دعا الرسول ، وعليه جاهد : وبه أمر ، وفيه رَغّب ؛ وهو قطب الدين الذي تدور عليه رحاه . والشرك غالب على النفوس. وهو كما جاء فى الحديث. (( وهو فى هذه الأمة أخفى من دبيب النمل)) وفى حديث آخر ((قال أبو بكر: يارسول الله. كيف تنجو منه، وهو أخفى من دبيب النمل؟ فقال النبى صلى الله عليه وسلم لأبي بكر : ألا أعلمك كلمة إذا قلتها نجوت من دقه وجله ؟ قل : اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلى ، وأستغفرك لما لا أعلم)). وكان عمر يقول فى دعائه : اللهم اجعل عملي كله صالحاً ، واجعله لوجهك خالصاً ، ولا تجعل لأحد فيه شيئاً . وكثيراً ما يخالط النفوس من الشهوات الخفية ما يفسد عليها تحقيق ٢١٤ محبتها لله وعبودیتها له . وإخلاص دیها له ، كما قال شداد بن أوس : يا بقايا العرب إن أخوف ما أخاف عليكم الرياء والشهوة الخفية . قيل لأبي داود السجستانى : وما الشهوة الخفية ؟ قال : حب الرئاسة ، وعن كعب بن مالك عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ما ذئبان جائعان أرسلا فى زريبة غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه)) قال الترمذي حديث حسن صحيح . فبين صلى الله عليه وسلم أن الحرص على المال والشرف فى فساد الدين لا ينقص من فساد الذئبين الجائعين لزريبة الغنم ، وذلك بين ؛ فإن الدين السليم لايكون فيه هذا الحرص ، وذلك أن القلب إذا ذاق حلاوة عبوديته لله ومحبته له لم يكن شيء أحب إليه من ذلك حتى يقدمه عليه ، وبذلك يصرف عن أهل الإخلاص لله السوء والفحشاء ، كما قال تعالى: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَآءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) فإن المخلص لله ذاق من حلاوة عبوديته لله ما يمنعه عن عبوديته لغيره، ومن حلاوة محبته لله ما يمنعه عن محبة غيره، إذ ليس عند القلب لا أحلى ولا ألذ ولا أطيب ولا ألين ولا أنعم من حلاوة الإيمان المتضمن عبوديته لله، ومحبته له ، وإخلاصه الدين له ، وذلك يقتضى انجذاب القلب إلى الله فيصير القلب منيباً إلى الله خائفاً منه راغباً راهباً، كما قال تعالى: ( مَّنْخَشِىَ ) إذ المحب يخاف من زوال مطلوبه وحصول الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ٢١٥ مرغوبه، فلا يكون عبد الله ومحبه إلا بين خوف ورجاء ؛ قال تعالى: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيْهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ. ( وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا وإذا كان العبد مخلصاً له اجتباه ربه فيحيي قلبه ، واجتذبه إليه فينصرف عنه ما يضاد ذلك من السوء والفحشاء ، ويخاف من حصول ضد ذلك ؛ بخلاف القلب الذي لم يخلص لله ، فإنه في طلب وإرادة وحب مطلق ، فيهوى ما يسنح له ويتشبث بما يهواه ، كالغصن أي نسيم مر بعطفه أماله . فتارة تجتذبه الصور المحرمة وغير المحرمة ؛ فيبقى أسيراً عبداً لمن لو اتخذه هو عبداً له لكان ذلك عيباً ونقصاً وذماً . وتارة يجتذبه الشرف والرئاسة ، فترضيه الكلمة وتغضبه الكلمة ويستعبده من يثنى عليه ولو بالباطل ، ويعادى من بذمه ولو بالحق . وتارة يستعبده الدرهم والدينار ، وأمثال ذلك من الأمور التى تستعبد القلوب ، والقلوب تهواها فيتخذ إلهه هواه ويتبع هواه بغير هدى من الله . ومن لم يكن خالصاً للّه عبداً له قد صار قلبه معبداً لربه وحده لاشريك له ، بحيث يكون الله أحب إليه من كل ما سواه ، ويكون ذليلا له خاضعاً وإلا استعبدته الكائنات ، واستولت على قلبه الشياطين ، وكان من الغاوين إخوان الشياطين ، وصار فيه من السوء والفحشاء مالا يعلمه إلا الله، وهذا أمر ضروري لا حيلة فيه ؛ فالقلب إن لم يكن حنيفاً مقبلا على الله معرضاً عما ٢١٦ سواه وإلا كان مشركا . قال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلِدِينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الّذِينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) إلى قوله: (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) وقد جعل الله سبحانه إبراهيم وآل إبراهيم أئمة لهؤلاء الخفاء المخلصين أهل محبة الله وعبادته وإخلاص الدين له؛ كما جعل فرعون وآل فرعون أئمة المشركين المتبعين أهواءهم. قال تعالى فى إبراهيم: (وَوَهَبْنَا لَهُوَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةٌ وَكُلََّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَهُمْ أَيِعَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَاً إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَتِ وَإِقَامَ الصَّلَوْةِ وَإِسَآءَ الزَّكَوَةِ وَكَانُوْلَنَاعَبِدِينَ ) وقال فی فرعون وقومه : ( وَجَعَلْنَهُمْ أَبِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَهُمْ فِ هَذِهِالذُّنْيَا لَغْنَةٌ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ اُلْمَقْبُوحِينَ ) : ولهذا بصير أتباع فرعون أولاً إلى أن لا يميزوا بين ما يحبه الله ويرضاه. وبين ما قدر الله وقضاه ؛ بل ينظرون إلى المشيئة المطلقة الشاملة . ثم فى آخر الأمر لا يميزون بين الخالق والمخلوق ، بل يجعلون وجود هذا وجود هذا ، ويقول محققوم الشريعة فيها طاعة ومعصية . والحقيقة فيها معصية بلا طاعة ؛ والتحقيق ليس فيه طاعة ولا معصية ، وهذا تحقيق مذهب فرعون وقومه الذين أنكروا الخالق وأنكروا تكليمه لعبده موسى وما أرسله به من الأمر والنهي . ٢١٧ وأما إبراهيم وآل إبراهيم الحنفاء والأنبياء فهم يعلمون أنه لا بد من الفرق بين الخالق والمخلوق ، ولا بد من الفرق بين الطاعة والمعصية . وأن العبد كلما ازداد تحقيقاً ازدادت محبته لله وعبوديته له وطاعته له وإعراضه عن عبادة غيره ومحبة غيره وطاعة غيره . وهؤلاء المشركون الضالون يسوون بين الله وبين خلقه. والخليل يقول: ( أَفَرَءَيْتُمْمَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَءَآبَاؤُ كُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَهُمْ عَدُوٌّلِلََّ رَبَ اْعَلَمِينَ ) ويتمسكون بالمتشابه من كلام المشايخ كما فعلت النصارى . مثال ذلك اسم ((الفناء)) فإن (( الفناء ثلاثة أنواع)): نوع للكاملين من الأنبياء والأولياء : ونوع للقاصدين من الأولياء والصالحين ؛ ونوع للمنافقين الملحدين المشبهين . (فأما الأول) فهو ((الفناء عن إرادة ما سوى الله)) بحيث لا يحب إلا الله . ولا يعبد إلا إياه ولا يتوكل إلا عليه، ولا يطلب غيره ؛ وهو المعنى الذي يجب أن يقصد بقول الشيخ أبي يزيد حيث قال : أريد أن لا أريد إلا ما يريد . أي المراد المحبوب المرضي ؛ وهو المراد بالإرادة الدينية وكمال العبد أن لا يريد ولا يحب ولا يرضى إلا ما أراده الله ورضيه وأحبه، وهو ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب؛ ولا يحب إلا ما يحبه الله كالملائكة والأنبياء والصالحين. وهذا معنى قولهم فى قوله: (إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّه ◌ِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) قالوا: هو السليم مما سوى الله، أو مما سوى عبادة الله. أو مما سوى ٢١٨ إرادة الله . أو مما سوى محبة الله، فالمعنى واحد وهذا المعنى إن سمى فناء أو لم يسم هو أول الإسلام وآخره. وباطن الدين وظاهره. ( وأما النوع الثاني) فهو ((الفناء عن شهود السوى)). وهذا يحصل لكثير من السالكين؛ فإنهم لفرط انجذاب قلوبهم إلى ذكر الله وعبادته ومحبته وضعف قلوبهم عن أن تشهد غير ما تعبد وترى غير ما تقصد؛ لا يخطر بقلوبهم غيرِ اللّه؛ بل ولا يشعرون؛ كما قيل فى قوله: (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىْ فَرِغَا إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ، لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا) قالوا : فارغا من كل شىء إلا من ذكر موسى . وهذا كثير يعرض لمن فقمه أمر من الأمور إما حب وإما خوف . وإما رجاء يبقى قلبه منصرفاً عن كل شيء إلا عما قد أحبه أو خافه أو طلبه ؛ بحيث يكون عند استغراقه فى ذلك لا يشعر بغيره . فإذا قوى على صاحب الفناء هذا فإنه يغيب بموجوده عن وجوده ، وبمشهوده عن شهوده ، وبمذ كوره عن ذكره ، وبمعروفه عن معرفته ، حتى يفنى من لم يكن وهي المخلوقات المعبدة ممن سواه ، ويبقى من لم يزل وهو الرب تعالى. والمراد فناؤها فى شهود العبد وذكره ، وفناؤه عن أن يدركها أو يشهدها . وإذا قوى هذا ضعف المحب حتى اضطرب في تمييزه فقد يظن أنه هو محبوبه ، كما يذكر : أن رجلاً ألقى نفسه فى اليم فألقى محبه نفسه خلفه ، فقال : أنا وقعت فما أوقعك خلفى قال : غبت بك عني ، فظننت أنك أنا . ٢١٩ و ((هذا الموضع)» زل فيه أقوام وظنوا أنه اتحاد ، وأن المحب يتحد بالمحبوب حتى لا يكون بينهما فرق فى نفس وجودهما ، وهذا غلط ؛ فإن الخالق لا يتحد به شيء أصلا ، بل لا يتحد شيء بشيء إلا إذا استحالا وفسدا وحصل من اتحادهما أمر ثالث لا هو هذا ولا هذا ، كما إذا انحد الماء واللبن، والماء والخمر ، ونحو ذلك . ولكن يتحد المراد والمحبوب والمكروه ويتفقان فى نوع الإرادة والكراهة ، فيحب هذا ما يحب هذا . ويبغض هذا ما يبغض هذا ، ويرضى ما يرضى ويسخط ما يسخط ويكره ما يكره، ويوالي من يوالي ويعادي من يعادي وهذا الفناء كله فيه نقص . وأكبر الأولياء كأبي بكر وعمر والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار : لم يقعوا فى هذا الفناء ، فضلا عمن هو فوقهم من الأنبياء وإنما وقع شيء من هذا بعد الصحابة . وكذلك كل ما كان من هذا النمط مما فيه غيبة العقل والتمييز لما يرد على القلب من أحوال الإيمان ؛ فإن الصحابة رضي الله عنهم كانوا أكمل وأقوى وأثبت فى الأحوال الإيمانية من أن تغيب عقولهم . أو يحصل لهم غشى أو صعق أو سكر أو فناء أو وله أو جنون . وإنما كان مبادىء هذه الأمور فى التابعين من عباد البصرة ، فإنه كان فيهم من يغشى عليه إذا سمع القرآن . ومنهم من يموت : كأبي جهير الضرير . وزرارة بن أو فى قاضي البصرة . وكذلك صار فى شيوخ الصوفية من يعرض له من الفناء والسكر ما ٢٢٠