Indexed OCR Text

Pages 161-180

إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ ) إلى قوله: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ فِى إِنَّرِهِيمَ وَالَّذِينَ
مَعَهُ إِذْقَالُواْلِقَوْمِهِمْ إِنَّابُرَءَوَ أْ مِنْكُمْ وَمِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الَّهِ كَفَرْنَابِكُمْوَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَوَةُ
وقال تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا
وَاُلْبَغْضَآءُ أَبَدًّا حَتَّى تُؤْمِنُواْبِاللَّهِوَحْدَهُ ) ،
إلى قوله :
يُؤْمِنُونَ بِالَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِيُوَآَذُونَ مَنْ حَادَّاللَّهَ وَرَسُولَهُ )
(أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِ قُلُوبِهِمُ الْإِيمَنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ )
( أَفْتَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَلْتُجْرِمِينَ)
وقال تعالى :
وقال :
(أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِ الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَارِ )
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ أَجْتَرَحُواْالسَّيِّئَاتِ أَنْ تَّجْعَلَهُمْ كَلَّذِينَ
وقال تعالى :
ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَِّحَتِ سَوَآءَ تَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمَّسَاءَ مَا يَحْكُمُونَ)
وَلَ الظُّلُمَتُ وَلَا النُّورُ
وقال تعالى: ( وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ *
وَمَا يَسْتَوِى الْأَحْيَُّ وَلَ اْأَمْوَتُ )
وَلَا الْظِلُّ وَلَا الْحَرُورُ
وقال تعالى: ( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاَ رَّجُلَا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمَّا لِّرَجُلٍ
) وقال تعالى: ( ضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمُلُوكًا لََّيَقْدِرُ
هَلْيَسْتَوِيَانِمَثَلًا
عَلَى شَىْءٍ) إلى قوله: (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا
رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ ) إلى قوله: (وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ
مُسْتَقِيمٍ ) وقال تعالى: (لَا يَسْتَوِىّ أَصْحَبُ النَّارِ وَأَصْحَبُ الْجَنَّةِ أَصْحَبُ اُلْجَنَّةِ
هُمُ الْفَآبِزُونَ ).
ونظائر ذلك مما يفرق الله فيه بين أهل الحق والباطل، وأهل الطاعة وأهل
١٦١

المعصية، وأهل البر وأهل الفجور، وأهل الهدى والضلال، وأهل الغي والرشاد
وأهل الصدق والكذب.
فمن شهد (الحقيقة الكونية)) دون ((الدينية)) سوى بين هذه
الأجناس المختلفة التى فرق الله بينها غابة التفريق حتى يؤول به الأمر إلى
ثَاللَّهِإِن كُنَّا لَفِ ضَلَلٍ
أن بسوى الله بالأصنام، كما قال تعالى عنهم: (
) بل قد آل الأمر بهؤلاء إلى أن
◌ُّبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيَكُم بِرَبِّ الْعَلَمِينَ
سووا الله بكل موجود ، وجعلوا ما يستحقه من العبادة والطاعة حقاً
لكل موجود إذ جعلوه هو وجود المخلوقات، وهذا من أعظم الكفر
والإلحاد برب العباد.
وهؤلاء يصل بهم الكفر إلى أنهم لا يشهدون أنهم عباد لا بمعنى
أنهم معبدون، ولا بمعنى أنهم عابدون؛ إذ يشهدون أنفسهم هي الحق، كما
صرح بذلك طواغيتهم كابن عربي صاحب ((الفصوص))، وأمثاله من
الملحدين المفترين كابن سبعين وأمثاله، ويشهدون أنهم م العابدون
والمعبودون ، وهذا ليس بشهود لحقيقة ؛ لاكونية ولا دينية ؛ بل هو
خلال وعمى عن شهود الحقيقة الكونية ، حيث جعلوا وجود الخالق هو
وجود المخلوق ، وجعلوا كل وصف مذموم وممدوح نعتاً الخالق والمخلوق ،
إذ وجود هذا هو وجود هذا عندهم .
١٦٢

وأما المؤمنون بالله ورسوله عوامهم وخواصهم الذين م أهل
الكتاب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (( إن اللّه أهلين من الناس.
قيل : من هم يا رسول الله؟ قال أهل القرآن هم أهل الله، وخاصته))
فهؤلاء يعلمون أن اللّه رب كل شيء ومليكه وخالقه، وأن الخالق
سبحانه مباين للمخلوق ليس هو حالاً فيه، ولا متحداً به، ولا
وجوده وجوده .
و ((النصارى)» كفرهم الله بأن قالوا: بالحلول والاتحاد بالمسيح خاصة،
فكيف من جعل ذلك عاماً فى كل مخلوق ؟ !.
ويعلمون مع ذلك أن الله أمر بطاعته وطاعة رسوله ونهى عن
معصيته ومعصية رسوله ، وأنه لا يحب الفساد، ولا يرضى لعباده الكفر
وأن على الخلق أن يعبدوه فيطيعوا أمره، ويستعينوا به على ذلك، كما قال
( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيََّ نَسْتَعِينٌ).
ومن عبادته وطاعته الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .- بحسب
الإمكان - والجهاد فى سبيله لأهل الكفر والنفاق . فيجتهدون فى
إقامة دينه ، مستعينين به ، دافعين مزيلين بذلك ما قدر من السيئات ،
دافعين بذلك ما قد يخاف من ذلك ، كما يزيل الإنسان الجوع الحاضر
بالأكل ، ويدفع به الجوع المستقبل ، وكذلك إذا آن أوان البرد
١٦٣

دفعه باللباس ، وكذلك كل مطلوب يدفع به مكروه. كما قالوا للنبي صلى
الله عليه وسلم (( يا رسول الله أرأيت أدوية نتداوى بها، ورقى نسترقي
بها ونقاة نتقي بها هل ترد من قدر الله شيئاً؟ فقال: هي من قدر
اللّه)). وفى الحديث ((إن الدعاء والبلاء ليلتقيان فيعتلجان بين
السماء والأرض)) فهذا حال المؤمنين بالله ورسوله العابدين لله وكل ذلك
من العبادة.
وهؤلاء الذين يشهدون ((الحقيقة الكونية)) وهي ربوبيته تعالى
لكل شيء ، ويجعلون ذلك مانعاً من اتباع أمره الديني الشرعي على
مراتب فى الضلال .
فغلاتهم يجعلون ذلك مطلقاً عاماً ، فيحتجون بالقدر فى كل ما يخالفون
فيه الشريعة . وقول هؤلاء شر من قول اليهود والنصارى ، وهو من
جنس قول المشركين الذين قالوا: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوَشَآءَ اللّهُ مَآ أَشْرَكْنَا
وَلَآ ءَابَآ ؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَىْءٍ ). وقالوا: ( لَوْشَآءَ الرَّحْمَنُ مَاعَبَدْنَهُم ).
وهؤلاء من أعظم أهل الأرض تناقضاً ؛ بل كل من احتج بالقدر
فإنه متناقض ، فإنه لا يمكن أن يقر كل آدمي على ما فعل ؛ فلا بد إذا
ظلمه ظالم، أو ظلم الناس ظالم، وسعى فى الأرض بالفساد وأخذ يسفك
دماء الناس، ويستحل الفروج، ويهلك الحرث والنسل ونحو ذلك من
١٦٤

أنواع الضرر التى لا قوام للناس بها أن يدفع هذا القدر ؛ وأن يعاقب
الظالم بما يكف عدوان أمثاله . فيقال له إن كان القدر حجة فدع كل
أحد يفعل ما يشاء بك وبغيرك ، وإن لم يكن حجة بطل أصل قولك :
حجة . وأصحاب هذا القول [ الذين ] يحتجون بالحقيقة الكونية
لا يطردون هذا القول ولا يلتزمونه، وإنما هم بحسب آرائهم وأهوائهم؛
كما قال فيهم بعض العلماء: أنت عند الطاعة قدري ، وعند المعصية جبري؛
أي مذهب وافق هواك تمذهبت به .
ومنهم ((صنف)) يدعون التحقيق والمعرفة فيزعمون أن الأمر
والنهي لازم لمن شهد لنفسه فعلاً وأثبت له صنعاً ؛ أما من شهد أن
أفعاله مخلوقة ؛ أو أنه مجبور على ذلك ؛ وأن الله هو المتصرف فيه ،
كما تحرك سائر المتحركات؛ فإنه يرتفع عنه الأمر والنهي
والوعد والوعيد .
وقد يقولون: من شهد ((الإرادة)) سقط عنه التكليف، ويزعم أحدم
أن الخضر سقط عنه التكليف لشهوده الإرادة، فهؤلاء لا يفرقون بين العامة
والخاصة الذين شهدوا الحقيقة الكونية، فشهدوا أن الله خالق أفعال العباد
وأنه بدبر جميع الكائنات، وقد يفرقون بين من يعلم ذلك علماً وبين من يراه
شهوداً ، فلا يسقطون التكليف عمن يؤمن بذلك ويعلمه فقط ، ولكن عمن
١٦٥

يشهده، فلا يرى لنفسه فعلاً أصلاً، وهؤلاء لا يجعلون الجبر وإثبات القدر
مانعاً من التكليف على هذا الوجه .
وقد وقع فى هذا طوائف من المنتسبين إلى التحقيق والمعرفة
والتوحيد .
وسبب ذلك أنه ضاق نطاقهم عن كون العبد يؤمر بما يقدر عليه
خلافه، كما ضاق نطاق المعتزلة ومحوم من القدرية عن ذلك. ثم المعتزلة أثبتت
الأمر والنهى الشرعيين دون القضاء والقدر الذي هو إرادة الله العامة ، وخلقه
لأفعال العباد، وهؤلاء أثبتوا القضاء والقدر، ونفوا الأمر والنهي فى حق من
شهد القدر ، إذ لم يمكنهم نفى ذلك مطلقاً . وقول هؤلاء شر من
قول المعتزلة؛ ولهذا لم يكن فى السلف من هؤلاء أحد ، وهؤلاء يجعلون
الأمر والنهي للمحجوبين الذين لم يشهدوا هذه الحقيقة الكونية
ولهذا يجعلون من وصل إلى شهود هذه الحقيقة يسقط عنه الأمر والنهي،
وصار من الخاصة .
وربما تأولوا على ذلك قوله تعالى: (وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى ◌َأَنِيَكَ
الْيَقِينُ ) وجعلوا اليقين هو معرفة هذه الحقيقة ، وقول هؤلاء كفر
صريح . وإن وقع فيه طوائف لم يعلموا أنه كفر ؛ فإنه قد علم بالاضطرار
من دين الإسلام أن الأمر والنهي لازم لكل عبد ما دام عقله حاضراً
١٦٦

إلى أن يموت ، لا يسقط عنه الأمر والنهي لا بشهوده القدر، ولا بغير
ذلك ، فمن لم يعرف ذلك عرفه، وبين له فإن أصر على اعتقاد سقوط الأمر
والنهي فإنه يقتل .
وقد كثرت مثل هذه المقالات في المستأخرين .
وأما المستقدمون من هذه الأمة فلم تكن هذه المقالات
معروفة فيهم .
وهذه المقالات هي محادة لله ورسوله ، ومعاداة له ، وصد عن
سبيله، ومشاقة له ؛ وتكذيب لرسله ؛ ومضادة له في حكمه ، وإن كان
من يقول هذه المقالات قد يجهل ذلك ويعتقد أن هذا الذي هو عليه
هو طريق الرسول ؛ وطريق أولياء الله المحققين ؛ فهو فى ذلك بمنزلة
من يعتقد أن الصلاة لا تجب عليه لاستغنائه عنها بما حصل له من
الأحوال القلبية ، أو أن الخمر حلال له لكونه من الخواص الذين لا يضرهم
شرب الخمر ؛ أو أن الفاحشة حلال له ؛ لأنه صار كالبحر لا تكدره
الذنوب ؛ ونحو ذلك.
ولا ريب أن المشركين الذين كذبوا الرسل يترددون بين البدعة المخالفة
لشرع الله ؛ وبين الاحتجاج بالقدر على مخالفة أمر الله؛ فهؤلاء الأصناف
١٦٧

فيهم شبه من المشركين ، إما أن يبتدعوا ، وإما أن يحتجوا بالقدر
وإما أن يجمعوا بين الأمرين كما قال تعالى عن المشركين: (وَإِذَا فَعَلُواْ
فَاحِشَةٌ قَالُواْ وَجَدْ نَا عَلَيْهَا ءَابَآءَنَا وَاَللَّهُ أَمَ نَا بِهَأْقُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ
سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَُّواْ
)
مَا لَا تَعْلَمُونَ ) وكما قال تعالى عنهم:
لَوْشَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَ كْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَىْءٍ)
وقد ذكر عن المشركين ما ابتدعوه من الدين الذي فيه تحليل الحرام ،
وَقَالُواْ هَذِهِءَ أَنْعَهٌ وَحَرْثُ
والعبادة التى لم يشرعها الله بمثل قوله تعالى: (
حِجْرٌلَّا يَطْعَمُهَآ إِلَّا مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَمُ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَهٌ لَّ يَذْكُرُونَ أَسْمَ
إلى آخر السورة. وكذلك في سورة الأعراف
اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَآءَ عَلَيْهِ )
(
يَبَنِيّءَآدَمَ لَا يَفْنِنَّكُمُ الشَّيْطَنُّ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ
فى قوله: (
وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةٌ قَالُواْ وَجَدْ نَا عَلَيْهَاءَ ابَآءَ نَا وَاَللَّهُ أَمَرَنَا بِهَأْقُلْ إِنَّ اللَّهَ
إلی قوله (
لَا يَأْمُ بِالْفَحْشَآءِ ) إلى قوله: (قُلْ أَمَرَرَبِى ◌ِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ
وَكُلُوَشْرَبُواْ وَلَا تُسْرِفُوَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ
) إلى قوله : (
كُلِّمَسْجِدٍ
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِىَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَالطَّيِّبَتِ
اُلْمُسْرِفِينَ
قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِيَ اُلْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَمِنْهَا
إلى قوله : (
(
مِنَالرِزْقِ
وَمَا بَطَنَ وَآلْإِثْمَ وَالْبَغْىَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوْبِاللَّهِ مَالَمْيُنْزِّلْ بِهِ، سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ
. (
مَا لَا نَعْلَمُونَ
١٦٨

وهؤلاء قد يسمون ما أحدثوه من البدع ((حقيقة))، كما يسمون ما
يشهدون من القدر ((حقيقة)). وطريق الحقيقة عندم هو السلوك الذي لا
يتقيد صاحبه بأمر الشارع ونهيه ، ولكن بما يراه ويذوقه ويجده ونحو ذلك .
وهؤلاء لا يحتجون بالقدر مطلقاً ؛ بل عمدتهم اتباع آرائهم وأهوائهم وجعلهم
لما يرونه ويهوونه حقيقة، وأمرهم باتباعها دون اتباع أمر الله ورسوله، نظير
بدع أهل الكلام من الجهمية وغيرهم، الذين يجعلون ما ابتدعوه من الأقوال
المخالفة للكتاب والسنة حقائق عقلية يجب اعتقادها، دون مادلت
عليه السمعيات . ثم الكتاب والسنة إما أن يحرفوه عن مواضعه، وإما أن
يعرضوا عنه بالكلية، فلا يتديرونه ولا يعقلونه، بل يقولون : نفوض معناه
إلى الله، مع اعتقادهم نقيض مدلوله . وإذا حقق على هؤلاء ما يزعمونه من
العقليات المخالفة للكتاب والسنة وجدت جهليات واعتقادات فاسدة .
وكذلك أولئك إذا حقق عليهم مايزعمونه من حقائق أولياء الله المخالفة
للكتاب والسنة وجدت من الأهواء التى يتبعها أعداء الله لا أولياؤه.
وأصل ضلال من ضل هو بتقديم قياسه على النص المنزل من عند الله ،
واختياره الهوى على اتباع أمر الله، فإن الذوق والوجد ونحو ذلك هو بحسب
ما يحبه العبد، فكل محب له ذوق ووجد بحسب محبته . فأهل الإيمان لهم من
الذوق والوجد مثل مابينه النبى صلى الله عليه وسلم بقوله فى الحديث الصحيح:
(( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : من كان الله ورسوله أحب إليه مما
١٦٩

سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع فى
الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار)). وقال صلى الله عليه
وسلم فى الحديث الصحيح ((ذاق طعم الإيمان من رضى بالله ربا وبالإسلام دينا
وبمحمد نبياً )).
وأما أهل الكفر والبدع والشهوات فكل بحسبه، قيل لسفيان بن عيينة:
ما بال أهل الأهواء لهم محبة شديدة لأهوائهم ؟! فقال أنسيت قوله تعالى:
(وَأُشْرِبُواْ فِ قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ) أو نحو هذا من الكلام؟ ! فعباد
الأصنام يحبون المتهم، كما قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَنَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ
أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبّ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَامَنُوْ أَشَدُّ حُبَّالِلَّهِ) وقال: (فَإِ لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ
لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّعُونَ أَهْوَآءَ هُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَنِ اتََّعَ هَوَئُهُ بِغَيْرِ هُدَّى مِّنَ اللَّهِ )
وقال: ( إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الََّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُّ وَلَقَدْ جَآءَ هُمْ مِّن نَّتِهِمُ الْهُدَىّ)
ولهذا يميل هؤلاء إلى سماع الشعر والأصوات التى تهيج المحبة المطلقة التى
لا تختص بأهل الإيمان، بل يشترك فيها محب الرحمن ، ومحب الأوثان، ومحب
الصلبان ومحب الأوطان ، ومحب الإخوان، ومحب المردان ، ومحب النسوان.
ء
وهؤلاء الذين يتبعون أذواقهم ومواجيدم من غير اعتبار لذلك بالكتاب والسنة
وما كان عليه سلف الأمة .
فالمخالف لما بعث به رسوله من عبادته وطاعته وطاعة رسوله لا يكون
متبعا لدين شرعه الله، كما قال تعالى: ( ثُمَّ جَعَلْنَكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَتَّبِعْهَا
١٧٠

وَلَا نَتَّبِعْ أَهْوَءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُواْعَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ) إلى قوله .
(وَاللَّهُ وَلِىُّ الْمُنَّقِينَ)، بل يكون متبعا لهواه بغير هدى من الله قال تعالى: (أَمْ
لَهُمْ شُرَكَُّوا شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ الّذِينِ مَا لَمْ يَأْذَنَّ بِهِ اللَّهُ ) وهم فى ذلك تارة يكونون
على بدعة بسمونها حقيقة بقدمونها على ما شرعه الله، وتارة محتجون بالقدر
الكونى على الشريعة، كما أخبر الله به عن المشركين كما تقدم.
ومن هؤلاء طائفة م أعلام قدراً وم مستمسكون بالدين فى أداء الفرائض
المشهورة، واجتناب المحرمات المشهورة ، لكن يغلطون فى ترك ما أمروا به
من الأسباب التى هي عبادة، ظانين أن العارف إذا شهد ((القدر)) أعرض
عن ذلك . مثل من يجعل التوكل منهم أو الدعاء ونحو ذلك من مقامات العامة
دون الخاصة، بناء على أن من شهد القدر على أن ماقدر سيكون ، فلا حاجة إلى
ذلك، وهذا غلط عظيم. فإن اللّه قدر الأشياء بأسبابها كما قدر السعادة
والشقاوة بأسبابها. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (( إن الله خلق للجنة
أهلا خلقها لهم وم فى أصلاب آباتهم ، وبعمل أهل الجنة يعملون)) وكما قال
النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبرهم بأن الله كتب المقادير فقالوا: يارسول الله
أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب؟ فقال: ((لا. اعملوا فكل
ميسر لما خلق له . أما من كان من أهل السعادة فسييسر
لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل
أهل الشقاوة )).
١٧١

فما أمر الله به عباده من الأسباب فهو عبادة والتوكل مقرون بالعبادة كما
فى قوله تعالى: (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ) وفى قوله: (قُلْ هُوَرَبِّ لَا إِلَهَ إِلََّ هُوَ
عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَنَّابٍ ) وقول شعيب عليه السلام (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ
وَإِلَيْهِ أَنِبُ
(
ومنهم طائفة قد تترك المستحبات من الأعمال دون الواجبات ، فتنقص
بقدر ذلك .
ومنهم طائفة يغترون بما يحصل لهم من خرق عادة مثل مكاشفة ؛ أو
استجابة دعوة مخالفة للعادة العامة ، ونحو ذلك ، فيشتغل أحدم عما أمر به
من العبادة والشكر ونحو ذلك .
فهذه الأمور ونحوها كثيراً ما تعرض لأهل السلوك والتوجه ؛ وإنما
ينجو العبد منها بملازمة أمر الله الذي بعث به رسوله في كل وقت . كما قال
الزهري : كان من مضى من سلفنا يقولون : الاعتصام بالسنة نجاة . وذلك
أن السنة - كما قال مالك رحمه الله - مثل سفينة نوح من ركبها بجا ، ومن
تخلف عنها غرق .
والعبادة والطاعة والاستقامة ولزوم الصراط المستقيم ونحو ذلك من
الأسماء مقصودها واحد، ولها أصلان :
١٧٢

((أحدهما)) ألا يعبد إلا الله.
و ((الثاني)) أن يعبد بما أمر وشرع لا بغير ذلك من البدع . قال تعالى:
(فَ كَانَ يَرْجُوْ لِقَآءَرَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِ هَا وَلَا يُشْرِكِ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً)
(بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِوَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَرَبِّهِ،
وقال تعالى :
وَلَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ ) وقال تعالى: ( وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ
أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَأَتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفً وَأَنَّخَذَ الَهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا)
فالعمل الصالح هو الإحسان وهو فعل الحسنات. و((الحسنات)) هي ما أحبه
الله ورسوله ، وهو ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب ، فما كان من
البدع في الدين التى ليست مشروعة فإن الله لايحبها ولا رسوله،
فلا تكون من الحسنات ولا من العمل الصالح ، كما أن من يعمل
مالا يجوز كالفواحش والظلم ليس من الحسنات ، ولا من العمل الصالح .
) وقوله: ( أَسْلَمَ
وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً
وأما قوله : (
وَجْهَهُلِلَّهِ ) فهو إخلاص الدين لله وحده ، وكان عمر بن الخطاب
يقول: اللهم اجعل عملي كله صالحاً ، واجعله لوجهك خالصاً، ولا تجعل
لأحد فيه شيئاً .
(
وقال الفضيل بن عياض فى قوله: ( ◌ِلُوَّكُمْ أَيُّكُمْأَحْسَنُعَمَلًا
قال : أخلصه وأصوبه ، قالوا : يا أبا على ما أخلصه وأصوبه ؟ قال :
١٧٣

إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صوابا لم يقبل ، وإذا كان صوابا ولم
يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا، والخالص أن يكون لله،
والصواب أن يكون على السنة .
فإن قيل فإذا كان جميع ما يحبه الله داخلاً فى اسم العبادة فلماذا
عطف عليها غيرها ؛ كقوله: ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيثٌ ) وقوله :
(
(فَأَعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ) وقول نوح: ( أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ
وكذلك قول غيره من الرسل، قيل هذا له نظائر كما فى قوله (إِنك
اُلصّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ) والفحشاء من المنكر وكذلك قوله: (إِنَّاللَّهَ
يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ وَ إِيتَآٍ ذِى الْقُرْفَ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغِى )
وإيتاء ذي القربى هو من العدل والإحسان ، كما أن الفحشاء والبغي
من المنكر . وكذلك قوله: ( وَالَّذِينَ يُمَسِكُونَ بِالْكِتَبِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوةَ ﴾
وإقامة الصلاة من أعظم التمسك بالكتاب. وكذلك قوله : (إِنَّهُمْ
كَانُو ◌ْيُسَرِعُونَ فِ الْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَارَغَبًّاوَرَهَبًا ) ودعاؤم رغباً ورهبا
من الخيرات ، وأمثال ذلك فى القرآن كثير .
وهذا الباب يكون تارة مع كون أحدهما بعض الآخر، فيعطف
عليه تخصيصاً له بالذكر لكونه مطلوبا بالمعنى العام ، والمعنى الخاص .
وتارة تكون دلالة الاسم تتنوع بحال الانفراد والاقتران ، فإذا أفرد
مم، وإذا قرن بغيره خص، كاسم ((الفقير)) و((المسكين)) لما
١٧٤

أفرد أحدهما في مثل قوله: (لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحْصِرُ واْفِى سَبِيلِ اللَّهِ)
) دخل فيه الآخر ، ولما قرن بينهما
وقوله: ( إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ
فى قوله : (إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ ) صارا نوعين.
وقد قيل : إن الخاص المعطوف على العام لا يدخل فى العام حال
الاقتران ؛ بل يكون من هذا الباب . والتحقيق أن هذا ليس لازما
قال تعالى: (مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَتَبِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَجِبْرِيلَ وَمِيكَلَ)
وقال تعالى: ( وَإِذْأَ خَذْنَا مِنَ النَِّعِنَ مِشَقَّهُمْ وَمِنكَ وَمِنْ تُوِعِ وَإِبْرَهِيَمَ وَمُوسَى
وَعِيسَى أَبْنِ مَنْيَ)
وذكر الخاص مع العام يكون لأسباب متنوعة : تارة لكونه له خاصية
ليست لسائر أفراد العام ؛ كما في نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، وتارة
لكون العام فيه إطلاق قد لا يفهم منه العموم ، كما فى قوله :
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيٍْ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَمَمَا رَزَقْهُمْ
*
( هُدَى لِلْنَّقِينَ
) فقوله :
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ
*
يُفِقُونَ
يؤمنون بالغيب ؛ يتناول الغيب الذي يجب الإيمان به ؛ لكن فيه إجمال
فليس فيه دلالة على أن من الغيب ما أزل إليك وما أنزل من قبلك. وقد يكون
المقصود أنهم يؤمنون بالمخبر به وهو الغيب ، وبالإخبار بالغيب وهو ما
أنزل إليك وما أنزل من قبلك .
١٧٥

ومن هذا الباب قوله تعالى: ( أُتْلُ مَآ أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَبِ وَأَقِمِ
الصَّلَوةَ ) وقوله: ( وَالَّذِينَ يُمَسِكُونَ بِالْكِتَبِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوةَ
و ((تلاوة الكتاب)» هي اتباعه ، كما قال ابن مسعود فى قوله تعالى
) قال يحللون حلاله ويحرمون
الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ يَتْلُونَهُحَقَّتِلاوَتِهِ
حرامه ، ويؤمنون بمتشابهه ويعملون بمحكمه ، فاتباع الكتاب يتناول
الصلاة وغيرها ، لكن خصها بالذكر لمزيتها ، وكذلك قوله لموسى :
وإقامة
( إِنَِّى أَنَا اللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا أَنَاْ فَأَعْبُدْنِ وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ)
الصلاة لذكره من أجل عبادته ، وكذلك قوله تعالى: ( أَتَّقُواْاُللَّهَ
وَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا ) وقوله ( اتَّقُواْ اللَّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ) وقوله:
(أَتَّقُواْاللّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّدِقِينَ ) فإن هذه الأمور هي أيضاً من تمام
تقوى الله، وكذلك قوله: (فَأَعْبُدُهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ) فإن التوكل والاستعانة
هي من عبادة الله: لكن خصت بالذكر ليقصدها المتعبد بخصوصها ؛ فإنها
هي العون على سائر أنواع العبادة إذ هو سبحانه لا يعبد إلا بمعونته .
إذا تبين هذا فكال المخلوق في تحقيق عبوديته لله ، وكلما ازداد
العبد تحقيقاً للعبودية ازداد كماله وعلت درجته ، ومن توم أن المخلوق
يخرج عن العبودية بوجه من الوجوه . أو أن الخروج عنها أكمل فهو
وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدَّأْ
قال تعالى : (
من أجهل الخلق وأضلهم .
سُبْحَتَهُ، بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ
(
١٧٦

إلى قوله: ( وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ) وقال تعالى: (وَقَالُواْ أَتَّخَذَ
لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِذَّا ) إلى قوله: ( إِن كُلُّ مَنْ فِى
الرَّحْمَنُ وَلَدًا
لَقَدْأَخْصَنْهُ وَعَدَّهُمْ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ ءَاتِى الرَّحْمَنِ عَبْدًا
) وقال تعالى فى المسيح :
وَكُلُّهُمْ ءَاتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِفَرْدًا
*
عَدًّا
( إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدُ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَهُ مَثَلًا لِبَنِىّ إِسْرَّوِيلَ )
وقال تعالى: (وَلَهُمَنْ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَمَنْ عِندَهُلَا يَسْتَكِْرُونَ عَنْعِبَادَتِهِ،
يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُّرُونَ ) وقال تعالى :
وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ *
(َّنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدَاللّهِ وَلَ الْمَلَئِكَةُ الْمُقْرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنْكِفْ
عَنْ عِبَادَتِّهِ، وَيَسْتَكْبِ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا) إلى قوله (وَلَا يَجِدُونَ
لَهُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) وقال تعالى: ( وَقَالَ رَبُّكُمُ أَدْعُونِيّ
ج
(
أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكِْرُونَ عَنْ عِبَادَتِ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِین
وقال تعالى: ( وَمِنْءَايَتِهِ الَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَاُلْقَمَرُ لَا تَسْجُدُواْ
لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَأَسْجُدُ واْلِلَّهِ الَّذِى خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ *
فَإِنِ اسْتَكْبَرُواْ فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِوَهُمْ لَا يَسْتَمُونَ)
) إلى قوله :
وقال تعالى: ( وَأَذْكُرُرَّبَّكَ فِنَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً
إِنَّ الَّذِينَ عِندَرَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَيُسَبِّحُونَهُ، وَلَهُ يَسْجُدُونَ).
وهذا ونحوه مما فيه وصف أكابر المخلوقات بالعبادة وذم من خرج
عن ذلك متعدد فى القرآن ، وقد أخبر أنه أرسل جميع الرسل بذلك.
١٧٧

فقال تعالى: (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىَ إِلَيْهِ أَنَهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا
فَاعْبُدُونِ ) وقال: ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُ واْاللّهَ
) وقال تعالى لبنى إسرائيل: ( يَعِبَادِىَ الَّذِينَ
وَأَجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ
ءَامَنُواْإِنَّأَرْضِ وَسِعَةٌ فَإِنَّنَ فَأَعْبُدُونِ ) ( وَإِنَّنَ فَتَّقُونِ) وقال ( يَأَيُّهَا
النَّاسُ أَعْبُدُ وارَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) وقال :
( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَاُلْإِنسَ إِلَّلِيَعْبُدُونِ ) وقال تعالى: (قُلْ إِّ أُمِرْتُ أَنْ
أَعْبُدَ اللَّهُ مُخْلِصَ لَّهُ الَّذِينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِينَ * قُلْ إِّ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُرَبِ
عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمِ * قُلِ الهَ أَ عْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِ * فَأَعْبُدُ وأَمَا سِتْتُم مِّنْ دُونِهِ ).
وكل رسول من الرسل افتتح دعوته بالدعاء إلى عبادة الله كقول
نوح ومن بعده عليهم السلام: ( أَعْبُدُ واْاللَّهَ مَلَكُمِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)
وفى المسند عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
(( بعثت بالسيف بين بدي الساعة حتى يعبد الله وحده لاشريك له،
وجعل رزقى تحت ظل رمحي ، وجعل الذلة والصغار على من
خالف أمري )).
وقد بين أن عباده م الذين ينجون من السيئات قال الشيطان :
رَبِّبِمَآ أَغْوَيْنَنِى لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِ الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّعِبَادَكَ مِنْهُمُ
)
اُلْمُخْلَصِينَ ) قال تعالى: ( إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُّ إِلَّا مَنِ
١٧٨

◌ُتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ) وقال: (فَبِعِزَّنِكَ لَأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ
اَلْمُخْلَصِينَ ) وقال فى حق يوسف: ( كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ
وَالْفَحْشَآءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) وقال: ( سُبْحَنَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ *
إِلَّا عِبَادَاللَّهِالْمُخْلَصِينَ ) وقال: ( إِنَّهُ لَيْسَ لَهُسُلْطَرُّ عَلَى الَّذِينَءَامَنُواْ
وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ،
مُشْرِكُونَ) وبها نعت كل من اصطفى من خلقه كقوله : ( وَأَذَكُرْ
عِبَدَنَّ إِنَهِيَمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِ الْأَيْدِى وَالْأَبْصَرِ * إِنَّا أَخْلَصْنَهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى
الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِندَ نَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ) وقوله: ﴿ وَأَذْكُرُ عَبْدَنَا
) وقال عن سليمان: ( نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابُ)
دَأُرَدَذَاْأَيْدِّإِنَّهُ أَوَابُ
وعن أيوب: (نِعْمَ الْعَبْدُ) وقال: ( وَأَذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُوبَ إِذْنَادَى
ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٌ
رَبَّهُ ) وقال عن نوح عليه السلام : (
سُبْحَنَ اُلَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا
) وقال: (
إِنَّهُ كَانَ عَبْدًاشَكُورًا
مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ اَلْأَقْصَا ) وقال: ( وَنَّهُ لَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ
) وقال
يَدْعُوهُ ) وقال: ( وَإِن كُنْتُمْ فِ رَيْبٍ مِّعَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا
فَأَوْحَ إِلَى عَبْدِهِ، مَا أَوْحَى ) وقال: (
عَيْنَا يَشْرَبُ بِهَاِعِبَادُ اُللَّهِ
(
وقال: ( وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ) ومثل هذا
كثير متعدد فى القرآن .
١٧٩

فصل
إذا تبين ذلك : فمعلوم أن هذا الباب يتفاضلون فيه تفاضلا عظيما .
وهو تفاضلهم في حقيقة الإيمان ، وهم ينقسمون فيه : إلى عام ، وخاص ،
ولهذا كانت ربوبية الرب لهم فيها عموم وخصوص. ولهذا كان الشرك
فى هذه الأمة أخفى من دبيب النمل . وفى الصحيح عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه قال: (( تعس عبد الدرم تعس عبد الدينار تعس عبد القطيفة
تعس عبد الخميصة، نعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش، إن أعطى رضي
وإن منع سخط )) .
فسماء النبى صلى الله عليه وسلم عبد الدرم ، وعبد الدينار ، وعبد
القطيفة ، وعبد الخميصة . وذكر ما فيه دعاء وخبر، وهو قوله: ((تعس
وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش)) والنقش إخراج الشركة من الرجل
والمنقاش ما يخرج به الشوكة ، وهذه حال من إذا أصابه شر لم يخرج منه
ولم يفلح لكونه تعس وانتكس ، فلا نال المطلوب ولا خلص من المكروه
وهذه حال من عبد المال، وقد وصف ذلك بأنه ((إذا أعطى رضى ،
وإذا منع سخط)) كما قال تعالى: (وَمِنْهُمْ مَن يَلْمِزُكَ فِى الصَّدَقَتِ فَإِنْ أُعْطُواْ
١٨٠