Indexed OCR Text

Pages 1-20

جَمُونَ فَتَاوى
شيخ الإسلام أحمد بن تيميّة
((قَدَّسَ الله رُوحَهُ))
جَمْعْ وَتَرَتِبُ
عَبَدِ الرَّمِن ◌ْمُحَمَّدُ بْقَاسْم رَحَمَهُ الَّه)
وَسَاعَدَهُ أَبْنُّهُ مُحَمَّد ((وَفَقَهُ اللّه))
المجلّد العَاشِر-
طَبِعَ بِأمْر
خَادِ مِ الجَزَيْنِ الشَِّفَيْ المَلِكِ فَهَدِبْ عَبْدِ الْعَزْ لُون
أجْزَل اللَّهَ مَتُوبِتَه

طبعَت هذه الفتَّاوى في
مُجَعَ الَلِ فَهَلِ لْطَبَائَةِ المُصْبَحِفِ الشَّرِيف
في المدينَةِ المنوّرة
تحت إشراف
وَزَارَة الشُّؤُوْنِ الإسْلَامِيَّةِ وَالأَوْقَافِ وَاللَّهُوَّةِ وَالأَرْشَادِ
بالمملَكَةِ العَرَبَيَّةِ السُّعُوديّةِ
عام ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤م
٤ مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف ، ١٤١٥ هـ.
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية
ابن تيميه ، أحمد بن عبد الحليم
فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيميه .
٧٩٢ ص ؛ ١٧ × ٢٤ سم
ردمك ٦-٢٠-٧٧٠ -٩٩٦٠ ( مجموعة )
٣-٢٠-٧٧٠ -٩٩٦٠ ( ج ١٠)
أ - العنوان
١ - الفتاوى الإسلامية ٢- الفقه الحنبلي
١٥/٢٠٠٩
دیوي ٢٥٨,٤
رقم الإيداع : ١٥/٢٠٠٩
ردمك : ٦-٢٠ -٧٧٠ -٩٩٦٠ (مجموعة)
٣-٢٠-٧٧٠ -٩٩٦٠ ( ج ١٠)

كتاب
عَلَمُ الشَِّلُك

قال شيخ الإسلام
أحمد بن تيمية - قدس الله روحه
3
3
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
الحمد لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات
أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له ، ونشهد أن
لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله. صلى الله
عليه وآله وسلم .
أما بعد : فهذه كلمات مختصرات في أعمال القلوب - التى قد نسمي
((المقامات والأحوال)) (١) ـ- وهي من أصول الإيمان، وقواعد الدين ؛ مثل
(١) تسمى ((التحفة العراقية فى الأعمال القلبية)).
٥

محبة الله ورسوله، والتوكل على الله، وإخلاص الدين له، والشكر له، والصبر
على حكمه ، والخوف منه، والرجاء له ، وما يتبع ذلك. اقتضى ذلك بعض من
أوجب الله حقه من أهل الإيمان، واستكتبها وكل منا عجلان.
فأقول : هذه الأعمال جميعها واجبة على جميع الخلق - المأمورين فى
الأصل - باتفاق أئمة الدين، والناس فيها على ((ثلاث درجات)) كما م
فى أعمال الأبدان على ((ثلاث درجات)): ظالم لنفسه ، ومقتصد ،
وسابق بالخيرات.
فالظالم لنفسه: العاصي بترك مأمور أو فعل محظور .
والمقتصد : المؤدي الواجبات والتارك المحرمات .
والسابق بالخيرات : المتقرب بما يقدر عليه من فعل واجب ومستحب
والتارك للمحرم والمكروه . وإن كان كل من المقتصد والسابق قد يكون له
ذنوب تمحى عنه: إما بتوبة - والله يحب التوابين ويحب المتطهرين - وإما
بحسنات ماحية، وإما بمصائب مكفرة، وإما بغير ذلك. وكل من الصنفين
المقتصدين والسابقين من أولياء الله الذين ذكره فى كتابه بقوله: (أَلَاإِنّ
أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ ءَامَنُواْوَكَانُواْيَتَّقُونَ) حد أولياء
الله: م المؤمنون المتقون، ولكن ذلك ينقسم: إلى ((عام))، وم المقتصدون
٦

و((خاص)) وم السابقون ، وإن كان السابقون م أعلى درجات ،
كالأنبياء والصديقين .
وقد ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ((القسمين)) فى الحديث الذي
رواه البخاري فى صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم أنه قال: «يقول الله من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة، وما
تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي
بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر
به ، ويده التى يبطش بها، ورجله التى يمشي بها، فى يسمع وبى يبصر وبى
يبطش وبى يمشي؛ ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه. وما ترددت
عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره
مساءته ولا بد له منه)) .
وأما الظالم لنفسه من أهل الإيمان: فمعه من ولاية اللّه بقدر إيمانه وتقواه،
كما معه من ضد ذلك بقدر فجوره، إذ الشخص الواحد قد يجتمع فيه الحسنات
المقتضية للثواب، والسيئات المقتضية للعقاب، حتى يمكن أن يثاب ويعاقب،
وهذا قول جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأتمّة الإسلام
وأهل السنة والجماعة الذين يقولون : إنه لا يخلد في النار من فى قلبه مثقال
ذرة من إيمان .
٧

وأما القائلون بالتخليد : كالخوارج والمعتزلة القائلين إنه لا يخرج من النار
من دخلها من أهل القبلة، وإنه لا شفاعة للرسول ولا لغيره فى أهل الكبائر،
لا قبل دخول النار ولا بعده ؛ فعنده لا يجتمع فى الشخص الواحد ثواب
وعقاب؛ وحسنات وسيئات . بل من أثيب لا يعاقب، ومن عوقب لم يثب.
ودلائل هذا الأصل من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة كثير ليس هذا
موضعه وقد بسطناه فى مواضعه .
وينبني على هذا أمور كثيرة ، ولهذا من كان معه إيمان حقيقى فلا بد أن
يكون معه من هذه الأعمال بقدر إيمانه ، وإن كان له ذنوب كما روى البخاري
فى صحيحه عن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه - ((أن رجلا كان يسمي حماراً
وكان يضحك النبى صلى الله عليه وسلم. وكان يشرب الخمر، ويجلده النبي صلى
الله عليه وسلم، فأتى به مرة فقال رجل لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به إلى النبى
صلى الله عليه وآله وسلم فقال له النى صلى الله عليه وسلم: لا تلعنه فإنه يحب
الله ورسوله )).
فهذا يبين أن المذنب بالشرب وغيره قد يكون محباً لله ورسوله ، وحب
الله ورسوله أوثق عرى الإيمان ، كما أن العابد الزاهد قد يكون لما فى قلبه من
بدعة ونفاق مسخوطاً عليه عند الله ورسوله من ذلك الوجه ، كما استفاض فى
الصحاح وغيرها من حديث أمير المؤمنين على بن أبى طالب وأبى سعيد الخدري
وغيرهما عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه ذكر الخوارج فقال: ((يحقر
٨

أحدكم صلاته مع صلاتهم . وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون
القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ،
أينما لقيتموم فاقتلوه ؛ فإن فى قتلهم أجراً عند الله لمن قتلهم يوم القيامة، لئن
أدر كتهم لأقتلهم قتل عاد » .
وهؤلاء قاتلهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أمير المؤمنين
على بن أبى طالب بأمر النبي صلى الله عليه وسلم . وقال النبي صلى الله عليه
وسلم فيهم فى الحديث الصحيح: (« تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين
يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق )).
ولهذا قال أئمة الإسلام كسفيان الثوري وغيره إن البدعة أحب إلى
إبليس من المعصية ، لأن البدعة لا يتاب منها، والمعصية بتاب منها . ومعنى
قولهم إن البدعة لا يتاب منها : أن المبتدع الذي يتخذ ديناً لم يشرعه الله ولا
رسوله قد زين له سوء عمله فرآه حسناً فهو لا يتوب ما دام يراه حسناً ، لأن
أول التوبة العلم بأن فعله سيء ليتوب منه ، أو بأنه ترك حسناً مأموراً به أمر
إيجاب أو استحباب ليتوب ويفعله . فما دام يرى فعله حسناً وهو سيء فى نفس
الأمر فإنه لا يتوب .
ولكن التوبة منه ممكنة وواقعة بأن يهديه الله ويرشده حتى يتبين له الحق
كما هدى سبحانه وتعالى من هدى من الكفار والمنافقين وطوائف من أهل
٩

البدع والضلال ، وهذا يكون بأن يتبع من الحق ما علمه ، فمن عمل بما علم
أورثه اللّه علم ما لم يعلم كما قال تعالى: (وَالَّذِينَ أُهْتَدَوْزَادَهُمْ هُدِّى وَءَائَنْهُمْ
تَقْوَنُهُمْ ) وقال تعالى: (وَلَوْأَنَّهُمْ فَعَلُو ◌ْمَا يُوعَظُونَ بِهِ، لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَقْبِيتًا
وَإِذَا لَّ تَيْنَهُمْ مِن لَّدُنَّا أَجْرًّاً عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ) وقال تعالى:
(يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْاللّهَ وَءَامِنُواْبِرَسُولِهِ، يُؤْتِّكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ، وَيَجْعَل لَّكُمْ
نُورًا تَمْشُونَ بِهِ، وَيَغْفِرْلَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) وقال تعالى: ( اَللَّهُ وَلِىُّ الَّذِينَ
ءَامَنُوْيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ) وقال تعالى: (قَدْجَآءَ كُمْ مِّنَ
اللَّهِ نُورٌ وَكِتَبٌ مُبِيرٌ * يَهْدِى بِهِ اللَّهُ مَنْ أَتَّبَعَ رِضْوَانَهُ، سُبُلَ
السَّلَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَىَ النُّورِ بِإِذْنِهِ، وَيَهْدِ يهِمْ إِلَى صِرَاطِ
مُسْتَقِيمٍ ). وشواهد هذا كثيرة فى الكتاب والسنة .
وكذلك من أعرض عن اتباع الحق الذي يعلمه تبعاً لهواه فإن ذلك يورثه
الجهل والضلال حتى يعمى قلبه عن الحق الواضح، كما قال تعالى: (فَلَمَّا زَاغُواْ
أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَهْدِى الْقَوْمَالْفَسِقِينَ ) . وقال تعالى: ( فِي قُلُوبِهِم
وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَلِمْ لَيِن
قَرَضُ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضَّا ) وقال تعالى: (
جَآءَّتُهُمْ ءَايَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآَيَتُّ عِندَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرَ كُمْ أَنَّهَآَ إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ *
وَنُقَلِّبُ أَفِّدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْبِهِ، أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِ طُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ )
وهذا استفهام نفي وإنكار: أي وما يدريكم إنها إذا جاءت لايؤمنون ، وإنا نقلب
أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوابه أول مرة على قراءة من قرأ (إنها) بالكسرتكون
١٠

جزماً بأنها إذا جاءت لا يؤمنون ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول
مرة؛ ولهذا قال من قال من السلف كسعيد بن جبير: إن من ثواب الحسنة
الحسنة بعدها، وإن من عقوبة السيئة السيئة بعدها .
وقد ثبت فى الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه قال: ((عليكم بالصدق ! فإن الصدق يهدي إلى البر ، وإن البر
يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند
الله صديقاً. وإياكم والكذب ؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور ، وإن الفجور
يهدي إلى النار ، ولا يزال الرجل يكذب. ويتحرى الكذب حتى يكتب عند
الله كذاباً)) فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الصدق أصل يستلزم
البر، وأن الكذب يستلزم الفجور .
وقد قال تعالى: (إِنَّالْأَبْرَارَلَفِى نَعِيمِ * وَإِنَّ الْفُجَّارَلَفِىِ ◌َحِيمٍ ) ولهذا كان
بعض المشايخ إذا آخر بعض متبعيه بالتوبة وأحب أن لا ينفره ولا بشعب قلبه
أمره بالصدق . ولهذا كان يكثر فى كلام مشايخ الدين وأمته ذكر الصدق
والإخلاص حتى يقولوا : قل لمن لا يصدق: لا يتبعني . ويقولون : الصدق سيف
الله فى الأرض ، وما وضع على شيء إلا قطعه، ويقول يوسف بن أسباط وغيره:
ما صدق الله عبد إلا صنع له وأمثال هذا كثير .
والصدق والإخلاص هما فى الحقيقة تحقيق الإيمان والإسلام، فإن
١١

المظهرين للإسلام ينقسمون إلى مؤمن ومنافق، والفارق بين المؤمن والمنافق
هو الصدق فإن أساس النفاق الذي يبنى عليه هو الكذب؛ ولهذا إذا ذكر الله
حقيقة الإيمان نعته بالصدق كما فى قوله تعالى: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّأَ قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ
وَلَكِنْ قُولُواْ أَسْلَمْنَا ) إلى قوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْبِلَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّلَمْ
يَرْتَابُواْ وَجَهَدُواْبِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِ سَبِيلِ الَّهِأُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ).
وقال تعالى: (لِلْفُقَرَآءِالْمُهَجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَأَمْوَلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا
مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَ يَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّدِقُونَ).
فأخبر أن الصادقين فى دعوى الإيمان هم المؤمنون الذين لم يتعقب إيمانهم
ريبة وجاهدوا فى سبيله بأموالهم وأنفسهم ، وذلك أن هذا هو العهد المأخوذ
على الأولين والآخرين كما قال تعالى: (وَإِذْ أَ خَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ النَّبِيِّنَ لَمَآءَ اتَّيْتُكُم
مِّن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَ كُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ
ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَالِكُمْ إِصْرِىٌ قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِنَ الشَِّهِدِينَ)
قال ابن عباس مابعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث
محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث
محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه .
وقال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِنَبَ وَاَلْمِيزَانَ
لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأَسٌْ شَدِيدٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اَللَّهُ مَنْ
١٢

فذكر تعالى أنه أزل الكتاب
يَنْصُرُهُ, وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبٍ إِنَّاللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ)
والميزان ، وأنه أنزل الحديد لأجل القيام بالقسط ؛ وليعلم الله من ينصره ورسله
ولهذا كان قوام الدين بكتاب يهدي ، وسيف ينصر ، وكفى بربك هاديا
ونصيراً. والكتاب والحديد وإن اشتركا فى الإنزال فلا يمنع أن يكون أحدهما
نزل من حيث لم ينزل الآخر . حيث نزل الكتاب من الله، كما قال تعالى:
ج
(تَنزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) وقال تعالى: (الَرَكِتَبُّ أُحْكِمَتْ
ءَتُهُ ثُمَ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) وقال تعالى: (وَإِنَّكَ لَتْلَقَى الْقُرْءَانَ مِن لَُّنْ
حَكِيمٍ عَلِيمٍ ) والحديد أنزل من الجبال التى خلق فيها .
وكذلك وصف الصادقين في دعوى البر الذي هو جماع الدين في قوله
تعالى ( لَيْسَ الْبِرَّأَنْ تُوَلُواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَكِنَّ الْبِرَّمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ
الْآَخِ وَالْمَلَبِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَّبْنَ) إلى قوله (أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُوّاً
وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ ) وأما المنافقون فوصفهم سبحانه بالكذب فى آيات متعددة
كقوله تعالى: (فِي قُلُوبِهِم ◌َرَضٌّ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضَاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ
يَكْذِبُونَ ) وقوله تعالى (إِذَا جَآءَ كَ الْمُنَفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ
وقوله تعالى:
وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُونَ)
(فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِ قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَآ أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ
يَكْذِبُونَ) ونحو ذلك في القرآن كثير.
ومما ينبغي أن يعرف أن الصدق والتصديق يكون في الأقوال وفى
١٣

الأعمال، كقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم فى الحديث الصحيح: ((كتب
على ابن آدم حظه من الزنا فهو مدرك ذلك لا محالة ، فالعينان تزنيان وزناهما
النظر ، والأذنان تزنيان وزناهما السمح، واليدان تزنيان وزناهما البطش،
والرجلان تزنيان وزناهما المشي، والقلب يتمنى ويشتهي ، والفرج يصدق
ذلك أو يكذبه)). ويقال حملوا على العدو حملة صادقة إذا كانت إرادتهم
للقتال ثابتة جازمة ، ويقال فلان صادق الحب والمودة ونحو ذلك. ولهذا
يريدون بالصادق؛ الصادق فى إرادته وقصده وطلبه ، وهو الصادق فى عمله
ويريدون الصادق في خبره وكلامه، والمنافق ضد المؤمن الصادق ، وهو
الذي يكون كاذبا فى خبره أو كاذبا فى عمله كالمرائي فى عمله. قال الله تعالى:
(إِنَّالْمُنَفِقِينَ يُخَدِّعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوْاْ إِلَى الصَّلَوْةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآءُونَ
النَّاسَ ) الآيتين .
وأما الإخلاص فهو حقيقة الإسلام إذ ((الإسلام)) هو الاستسلام لله
لا لغيره كما قال تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاَ رَّجُلَا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًّا
الآية . فمن لم يستسلم لله فقد استكبر ، ومن
◌ِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ )
استسلم لله ولغيره فقد أشرك، وكل من الكبر والشرك ضد الإسلام،
والإسلام ضد الشرك والكبر. ويستعمل لازما ومتعديا كما قال تعالى: ( إِذْ
قَالَ لَهُرَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ) وقال تعالى: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ,
لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ: أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ، وَلَاخَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَُّونَ ) وأمثال ذلك
فى القرآن كثير .
١٤

ولهذا كان رأس الإسلام ((شهادة أن لا إله إلا الله))، وهي متضمنة عبادة
الله وحده، وترك عبادة ما سواه، وهو الإسلام العام الذي لا يقبل الله من
الأولين والآخرين دينا سواه، كما قال تعالى: (وَمَن يَبْتَعْ غَيْرَ اَلْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنَ
يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِىِ الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ) وقال تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ
لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ وَالْمَلَتَبِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِّ لَا إِلَهَ إِلََّ هُوَ الْعَيِزُ الْحَكِيمُ
*
إِنَّالَّذِينَ عِندَ اللّهِاُلْإِسْلَمُ ).
وهذا الذي ذكرناه مما يبين أن أصل الدين فى الحقيقة هو الأمور الباطنة
من العلوم والأعمال، وأن الأعمال الظاهرة لا تنفع بدونها. كما قال النبى
صلى الله عليه وسلم فى الحديث الذي رواه أحمد فى مسنده: ((الإسلام علانية
والإيمان فى القلب))، ولهذا قال النى صلى اللّه عليه وسلم فى الحديث
المتفق عليه عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم ((الحلال بين
والحرام بين وبين ذلك أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات
فقد استبرأ لعرضه ودينه ومن وقع فى الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى
حول الحمى يوشك أن يقع فيه ألاوإن لكل ملك حمى ألاوإن حمى الله محارمه
ألاوإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد
لها سأر الجسد ألا وهي القلب)) وعن أبي هريرة قال : القلب ملك والأعضاء
جنوده فإذا طاب الملك طابت جنوده وإذا خبث الملك خبلت جنوده .
١٥

فصل
وهذه الأعمال الباطنة كمحبة الله والإخلاص له والتوكل عليه والرضا عنه
ونحو ذلك، كلها مأمور بها فى حق الخاصة والعامة لا يكون تركها محموداً فى
حال أحد ، وإن ارتقى مقامه .
وأما ((الحزن)) فلم يأمر الله به ولا رسوله، بل قد نهى عنه في مواضع
وإن تعلق بأمر الدين ، كقوله تعالى: (وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَّحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ
إِن كُنتُمْ مُؤْ مِنِينَ) وقوله: ( وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَاتَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ)
وقوله: (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) وقوله: (وَلَا يَحْزُنكَ
قَوْلُهُمْ ) وقوله: (لِّكَيْلَا تَأْسَوْاْ عَلَى مَافَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُواْ بِمَآءَاتَّنكُمْ )
وأمثال ذلك كثير .
وذلك لأنه لا يجلب منفعة ولا يدفع مضرة فلا فائدة فيه، ومالا فائدة
فيه لايأمر الله به، نعم! لا يأثم صاحبه إذا لم يقترن بحزنه محرم ، كما يحزن
على المصائب، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (( إن الله لا يؤاخذ
على دمع العين ولا على حزن القلب ولكن يؤاخذ على هذا أو يرحم وأشار
بيده إلى لسانه)) وقال صلى الله عليه وسلم ((تدمع العين ويحزن القلب
١٦

ولا نقول إلا ما يرضي الرب)) ومنه قوله تعالى: (وَتَوَلَى عَنْهُمْ وَقَالَ بَّأَسَفَى عَلَى
يُوسُفَ وَأَبْيَضَتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَّكَظِيمٌ ) .
وقد يقترن بالحزن مايثاب صاحبه عليه ويحمد عليه فيكون محموداً من
تلك الجهة لا من جهة الحزن ، كالحزين على مصيبة فى دينه ، وعلى مصائب
المسلمين عموما فهذا يثاب على ما فى قلبه من حب الخير ،وبغض الشر ، وتوابع
ذلك ولكن الحزن على ذلك إذا أفضى إلى ترك مأمور من الصبر والجهاد وجلب
منفعة ودفع مضرة نهى عنه ، وإلا كان حسب صاحبه رفع الإثم عنه من
جهة الحزن.
وأما إن أفضى إلى ضعف القلب واشتغاله به عن فعل ما أمر الله
ورسوله به كان مذموما عليه من تلك الجهة ، وإن كان محموداً من
جهة أخرى .
وأما المحبة لله والتوكل عليه والإخلاص له ونحو ذلك فهذه كلها خير محض،
وهي حسنة محبوبة فى حق كل أحد من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين
ومن قال إن هذه المقامات تكون للعامة دون الخاصة فقد غلط فى ذلك إن
أراد خروج الخاصة عنها : فإن هذه لا يخرج عنها مؤمن قط ، وإنما يخرج
عنها كافر أو منافق. وقد تكلم بعضهم فى ذلك بكلام بينا غلطه فيه وأنه
تقصير في تحقيق هذه المقامات بكلام مبسوط وليس هذا موضعه .
١٧

ولكن هذه ((المقامات)) ينقسم الناس فيها إلى خصوص وعموم ، فللخاصة
خاصها، وللعامة عامها . مثال ذلك أن هؤلاء قالوا: ((إن التوكل مناضلة عن
النفس فى طلب القوت ، والخاص لايناضل عن نفسه . وقالوا : المتوكل
يطلب بتوكله أمراً من الأمور ، والعارف يشهد الأمور بفروعها منها فلا
يطلب شيئاً)). فيقال أما الأول فإن التوكل أعم من التوكل في مصالح الدنيا ،
فإن المتوكل يتوكل على الله فى صلاح قلبه ودينه وحفظ لسانه وإرادته وهذا
أم الأمور إليه، ولهذا يناجي ربه فى كل صلاة بقوله: (إِيَاكَ نَعْبُهُ وَإِيَّاكَ
نَسْتَعِيرُ ) كما فى قوله تعالى (فَأَعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ) وقوله: (عَلَيْهِ
تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِأَنِبُ) وقوله: ( قُلْ هُوَرَبِّ لَآ إِلَهَإِلَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابٍ)
فهو قد جمع بين العبادة والتوكل فى عدة مواضع؛ لأن هذين يجمعان
الدين كله ؛ ولهذا قال من قال من السلف : إن الله جمع الكتب المنزلة فى
القرآن ، وجمع علم القرآن فى المفصل ، وجمع على المفصل فى فاتحة الكتاب،
وجمع علم فاتحة الكتاب فى قوله: (إِيَاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينٌ)
وهاتان الكلمتان هما الجامعتان اللتان للرب والعبد ، كما فى الحديث
الذي في صحيح مسلم عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
(( يقول الله سبحانه قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ونصفها
لعبدي ، ولعبدي ما سأل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول
العبد: الحمد لله رب العالمين، يقول الله حمدني عبدي، يقول العبد: الرحمن
١٨

الرحيم ، يقول الله: أثنى على عبدي ، يقول العبد: مالك يوم الدين ، يقول
الله مجدني عبدي ، يقول العبد إياك نعبد وإياك نستعين، يقول الله فهذه
الآية بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل ، يقول العبد: اهدنا الصراط
المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين يقول
الله فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل)) فالرب سبحانه له نصف الثناء والخير
والعبد له نصف الدعاء والطلب ، وهاتان جامعتان ما للرب سبحانه ، وما للعبد
فإياك نعبد للرب، وإياك نستعين للعبد .
وفي الصحيحين عن معاذ رضى الله عنه قال : كنت رديفا للنبي صلى
الله عليه وسلم على حمار فقال: ((يامعاذ أتدري ماحق الله على العباد؟
قلت : الله ورسوله أعلم ، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا
به شيئاً ، أندري ماحق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قلت الله ورسوله أعلم
قال حقهم عليه ألا يعذبهم)) والعبادة هي الغاية التى خلق الله لها العباد من
(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا
جهة أمر الله ومحبته ورضاه كما قال تعالى:
لِيَعْبُدُونِ ) وبها أرسل الرسل وأنزل الكتب وهي اسم يجمع كمال الحب لله
ونهايته ، وكمال الذل الله ونهايته ، فالحب الخلي عن ذل والذل الخلي عن حب
لا يكون عبادة، وإنما العبادة ما يجمع كمال الأمرين ، ولهذا كانت العبادة
لا تصلح إلا لله، وهي وإن كانت منفعتها للعبد والله غني عن العالمين فهي له
من جهة محبته لها ورضاه بها ، ولهذا كان الله أشد فرحاً بتوبة العبد من
١٩

الفاقد لراحلته عليها طعامه وشرابه فى أرض دوية مهلكة إذا نام
آ بسا منها ثم استيقظ فوجدها، فالله أشد فرحاً بتوبة عبده من هذا
براحلته ، وهذا يتعلق به أمور جليلة قد بسطناها وشرحناها في غير
هذا الموضع .
والتوكل والاستعانة للعبد، لأنه هو الوسيلة والطريق الذي ينال به
مقصوده ومطلوبه من العبادة ، فالاستعانة كالدعاء والمسئلة . وقد روى
الطبراني فى كتاب الدعاء عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((يقول الله عن
وجل : يا ابن آدم! إنما هي أربع واحدة لي ، وواحدة لك، وواحدة
بيني وبينك ، وواحدة بينك وبين خلقي . فأما التى لي فتعبدنى لا تشرك بي
شيئاً ، وأما التى هي لك فعملك أجازيك به أحوج ماتكون إليه ، وأما التى
بيني وبينك منك الدعاء وعلي الإجابة، وأما التى بينك وبين خلقى فأت للناس
ما تحب أن يأتوا إليك))
وكون هذا لله وهذا للعبد هو باعتبار تعلق المحبة والرضا ابتداء ، فإن
العبد ابتداء يحب ويريد ما يراه ملائماً له ، والله تعالى يحب ويرضى ماهو
الغاية المقصودة فى رضاه ، ويحب الوسيلة تبعاً لذلك ، وإلا فكل مأمور به
فمنفعته عائدة على العبد، وكل ذلك يحبه الله ويرضاه ، وعلى هذا فالذي ظن
أن التوكل من المقامات العامة ظن أن التوكل لا يطلب به إلاحظوظ الدنيا ،
وهو غلط بل التوكل فى الأمور الدينية أعظم .
٢٠