Indexed OCR Text
Pages 201-220
فإذا قيل : هذا مساو لهذا . ومساوى المساوى مساو ؛ كانت المساواة هي الحد الأوسط ؛ وإلغاء الفارق عبارة عن المساواة . فإذا قيل: لا فرق بين الفرع والأصل إلا كذا وهو متعذر (١). فهو بمنزلة قولك هذا مساولهذا. وحكم المساوى حكم مساويه . وأما قولهم : كل ما يدل على أن ما به الاشتراك علة للحكم فظني. فيقال : لا نسلم. فإن هذه دعوى كلية ولم تقيموا عليها دليلاً. ثم نقول : الذي يدل به على علية المشترك هو الذي يدل به على صدق القضية الكبرى ، وكل ما يدل به على صدق الكبرى فى قياس الشمول يدل به على علية المشترك فى قياس التمثيل ، سواء كان علمياً أو ظنياً. فإن الجامع المشترك فى التمثيل هو الحد الأوسط ، ولزوم الحكم له هو لزوم الأكبر للأوسط، ولزوم الأوسط للأصغر هو لزوم الجامع المشترك للأصغر، وهو ثبوت العلة فى الفرع . فإذا كان الوصف المشترك . وهو المسمى بالجامع والعلة أو دليل العلة أو المناط أو ما كان من الأسماء إذا كان ذلك الوصف ثابتاً فى الفرع ، لازما له كان ذلك موجباً لصدق المقدمة الصغرى . وإذا كان الحكم ثابتاً للوصف لازما له ؛ كان ذلك موجباً لصدق المقدمة الكبرى. وذكر الأصل يتوصل به إلى إثبات (١) نسخة مهدر ٢٠١ إحدى المقدمتين ؛ فإن كان القياس بإلغاء الفارق فلا بد من الأصل المعين : فإن المشترك هو المساواة بينهما وتماثلهما وهو إلغاء الفارق هو الحد الأوسط وإن كان القياس بإبداء العلة؛ فقد يستغنى عن ذكر الأصل إذا كان الاستدلال على علية الوصف لا يفتقر إليه ، وأما إذا احتاج إثبات علية الوصف إليه فيذكر الأصل؛ لأنه من تمام ما يدل على علية المشترك ؛ وهو الحد الأكبر. وهؤلاء الذين فرقوا بين قياس التمثيل وقياس الشمول أخذوا يظهرون كون أحدهما ظنياً فى مواد معينة ، وتلك المواد التى لا تفيد إلا الظن فى قياس التمثيل ، لا تفيد إلا الظن فى قياس الشمول . وإلا فإذا أخذوه فيما يستفاد به اليقين من قياس الشمول ؛ أفاد اليقين فى قياس التمثيل أيضاً . وكان ظهور اليقين به هناك أتم فإذا قيل فى قياس الشمول : كل إنسان حيوان ، وكل حيوان جسم فكل إنسان جسم ؛ كان الحيوان هو الحد الأوسط ، وهو المشترك فى قياس التمثيل ؛ بأن يقال الإنسان جسم قياساً على الفرس وغيره من الحيوانات ؛ فإن كون تلك الحيوانات حيواناً، هو مستلزم لكونها أجساما. وإذا نوزع في علية الحكم في الأصل : فقيل له لا نسلم أن الحيوانية تستلزم الجسمية كان هذا نزاعا فى قوله كل حيوان جسم . وذلك أن المشترك بين الأصل والفرع إذا سمى علة ؛ فإنما يراد به ما يستلزم الحكم؛ سواء كان هو العلة الموجبة لوجوده فى الخارج ؛ أو كان مستلزما لذلك. ٢٠٢ ومن الناس من يسمى الجميع علة ؛ لا سيما من يقول إن العلة إنما يراد بها المعرف؛ وهو الإمارة والعلامة والدليل : لا يراد بها الباعث والداعي، ومن قال إنه قد يراد بها الداعي وهو الباعث فإنه يقول ذلك فى علل الأفعال . وأما غير الأفعال فقد تفسر العلة فيها بالوصف المستلزم كاستلزام الإنسانية للحيوانية والحيوانية للجسمية وإن لم يكن أحد الوصفين هو المؤثر فى الآخر على أنا قد بينا فى غير هذا الموضع ؛ أن ما به يعلم كون الحيوان جسمها؛ يعلم أن الإنسان جسم ، حيث بينا أن قياس الشمول الذي يذكرونه قليل الفائدة أو عديمها ؛ وأن ما به يعلم صدق الكبرى فى العقليات ؛ يعلم صدق أفرادها التى منها الصغرى . بل وبذلك يعلم صدق النتيجة . ثم قال : وتناقضهم وفساد قولهم أكثر من أن يذكر . والمقصودهنا الكلام على ((المنطق)). وما ذكروه من البرهان. وأنهم يعظمون قياس الشمول . ويستخفون بقياس التمثيل ويزعمون أنه إنما يفيد الظن . وأن العلم لا يحصل إلا بذاك. وليس الأمر كذلك . بل هما فى الحقيقة من جنس واحد . وقياس التمثيل الصحيح أولى بإفادة المطلوب علماً كان أو ظناً من مجرد قياس الشمول ، ولهذا كان سائر العقلاء يستدلون بقياس التمثيل أكثر مما يستدلون بقياس الشمول ، بل لا يصح قياس الشمول في الأمر العام إلا بتوسط قياس التمثيل ، وكل ما يحتج به على صحة قياس الشمول في بعض الصور فإنه يحتج به على صحة قياس التمثيل في تلك ٢٠٣ الصورة ، ومثلنا هذا بقولهم الواحد لا يصدر عنه إلا واحد ؛ فإنه من أشهر أقوالهم الفاسدة الإلهية . وأما الأقوال الصحيحة ، فهذا أيضاً ظاهر فيها فإن قياس الشمول لا بد فيه من قضية كلية موجبة ، فلا نتاج عن سالبتين ولا عن جزئيتين باتفاقهم . والكلي لا يكون كلياً إلا فى الذهن ، فإذا عرف تحقق بعض أفراده فى الخارج ، كان ذلك مما يعين على العلم بكونه كلياً موجباً ، فإنه إذا أحس الإنسان ببعض الأفراد الخارجية، انتزع منه وصفاً كلياً ، لاسيما إذا كثرت أفراده، والعلم بثبوت الوصف المشترك لأصل فى الخارج هو أصل العلم بالقضية الكلية . وحينئذ فالقياس التمثيلي أصل للقياس الشمولي . إما أن يكون سبباً فى حصوله ، وإما أن يقال لا يوجد بدونه ، فكيف يكون وحده أقوى منه . وهؤلاء يمثلون الكليات بمثل قول القائل : الكل أعظم من الجزء ، والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان ، والأشياء المساوية لشيء واحد متساوية ونحو ذلك وما من كلي من هذه الكليات إلا وقد على من أفراده الخارجة أمور كثيرة ، وإذا أريد تحقيق هذه الكلية فى النفس ضرب لها المثل بفرد من أفرادها ، وبين انتفاء الفارق بينه وبين غيره أو ثبوت الجامع. وحينئذ بحكم العقل بثبوت الحكم لذلك المشترك الكلي . وهذا حقيقة قياس التمثيل . ٢٠٤٠ ولو قدرنا أن قياس الشمول لا يفتقر إلى التمثيل ، وأن العلم بالقضايا الكلية لا يفتقر إلى العلم بمعين أصلا ، فلا يمكن أن يقال إذا علم الكلي مع العلم بثبوت بعض أفراده فى الخارج، كان أنقص من أن يعلمه بدون العلم بذلك المعين، فإن العلم بالمعين ما زاده إلا كمالاً ؛ فتبين أن ما نفوه من صورة القياس أكمل مما أثبتوه. واعلم أنهم فى ((المنطق الإلهي)) بل و((الطبيعي)) غيروا بعض ماذكره أرسطو ، لكن مازادوه فى الإلهي هو خير من كلام أرسطو ، فإني قد رأيت الكلامين . وأرسطو وأتباعه فى الإلهيات أجهل من اليهود والنصارى بكثير كثير . وأما فى الطبيعيات فغالب كلامه جيد . وأما المنطق فكلامه فيه خير من كلامه فى الإلهي . وما ذكروه من تضعيف ((قياس التمثيل)) إنما هو من كلام متأخريهم لما رأوا استعمال الفقهاء له غالباً، والفقهاء يستعملونه كثيراً في المواد الظنية ، وهناك الظن حصل من المادة لا من صورة القياس ، فلو صوروا تلك المادة بقياس الشمول لم يفد أيضاً إلا الظن ، لكن هؤلاء ظنوا أن الضعف من جهة الصورة، فجعلوا صورة قياسهم يقينياً ، وصورة قياس الفقهاء ظنياً ، ومثلوه بأمثلة كلامية ليقرروا أن المتكلمين يحتجون علينا بالأفيسة الظنية ، كما مثلوه من الاحتجاج عليهم : بأن الفلك جسم مؤلف فكان محدثاً قياساً على الإنسان وغيره من المولدات، ثم أخذوا يضعفون هذا القياس . لكن إنما ٢٠٥ ضعفوه بضعف مادته ؛ فإن هذا الدليل الذي ذكره الجهمية والقدرية ومن وافقهم من الأشعرية وغيرهم على حدوث الأجسام أدلة ضعيفة لأجل مادتها لا تكون صورتها ظنية . ولهذا لا فرق بين أن يصوروها بصورة التمثيل أو الشمول . فصل وأما ( المقام الرابع ) : وهو قولهم : إن القياس أو البرهان يفيد العلم بالتصديقات فهو أدق المقامات . وذلك أن خطأ المنطقيين فى المقامات الثلاثة : وهي منع إمكان التصور إلا بالحد ، وحصول التصور بالحد ، ومنع حصول التصديق بالحد، ومنع حصول التصديق بالقياس ، واضح بأدنى تدبر ، ومدركه قريب والعلم به ظاهر . وإنما يلبسون على الناس بالتهويل والتطويل ، وأظهرها خطأ دعواجم أن التصورات المطلوبة لا تحصل إلا بماذكروه من الحد ، ويليه قولهم إن شيئاً من التصديقات المطلوبة لا تنال إلا بماذكروه من القياس ، فإن هذا النفي العام أمر لا سبيل إلى العلم به ، ولا يقوم عليه دليل أصلاً، مع أنه معلوم البطلان ما يحصل من التصديقات المطلوبة بدون ماذكروه من القياس كما يحصل تصورات مطلوبة بدون مايذكرونه من الحد، بخلاف هذا المقام ٢٠٦ الرابع )) فإن كون القياس المؤلف من المقدمتين يفيد النتيجة هو أمر صحيح فى نفسه . لكن الذي بينه نظار المسلمين فى كلامهم على هذا المنطق اليوناني المنسوب إلى أرسطو: ان ماذكروه من صور القياس ومواده مع كثرة التعب العظيم ليس فيه فائدة علمية . بل كل ما يمكن علمه بقياسهم يمكن علمه بدون قياسهم، فلم يكن فى قياسهم ما يحصل العلم بالمجهول الذي لا يعلم بدونه، ولا حاجة إلى ما يمكن العلم بدونه. فصار عديم التأثير فى العلم وجوداً وعدما ، وفيه تطويل كثير متعب، فهو مع أنه لا ينفح فى العلم فيه إنعاب الأذهان ، وتضيع الزمان ، وكثرة الهذيان ، والمطلوب من الأدلة والبراهين بيان العلم وبيان الطرق المؤدية إلى العلم . قالوا : وهذا لا يفيد العلم المطلوب ، بل قد يكون من الأسباب المعوقة له :لما فيه من كثرة تعب الذهن، كمن يريد أن يسلك الطريق ليذهب إلى مكة أو غيرها من البلاد ، فإذا سلك الطريق المستقيم المعروف، وصل فى مدة قريبة بسعي معتدل، فإذا قيض له من يسلك به التعاسيف : - والعسف فى اللغة الأخذ على غير طريق بحيث يدور به طرقا دائرة ويسلك به مسالك منحرفة - فإنه يتعب تعباً كثيراً، حتى يصل إلى الطريق المستقيمة إن وصل ، وإلا فقد يصل إلى غير المطلوب. فيعتقد اعتقادات فاسدة، وقد يعجز بسبب ٢٠٧ ما يحصل له من التعب والإعياء ، فلا هو نال مطلوبه ولا هو استراح، هذا إذا بقي فى الجهل البسيط ، وهكذا هؤلاء. ولهذا حكي من كان حاضراً عند موت إمام المنطقيين فى زمانه الخومجي أنه قال عند موته : أموت ولا أعلم شيئاً إلا علمي بأن الممكن يفتقر إلى الواجب. ثم قال: الافتقار وصف سلى، أموت وما علمت شيئاً. فهذا حالهم إذا كان منتهى أحدم الجهل البسيط . وأما من كان منتهاه الجهل المركب فكثير . والواصل منهم إلى علم ، يشبهونه بمن قيل له : أين أذنك؟ فأدار يده على رأسه ، ومدها إلى أذنه بكلفة. وقد كان يمكنه أن يوصلها إلى أذنه من تحت رأسه : وهو أقرب وأسهل . والأمور الفطرية متى جعل لها طرق غير الفطرية كان تعذيباً للنفوس بلا منفعة لها، كمالو قيل لرجل : اقسم هذه الدرام بين هؤلاء النفر بالسوية فإن هذا ممكن بلاكلفة، فلو قال له قائل : اصبر فإنه لا يمكنك القسمة حتى تعرف حدها، وتميز بينها وبين الضرب، فإن القسمة عكس الضرب ، فإن الضرب هو تضعيف آحاد أحد العددين بآحاد العدد الآخر، والقسمة توزيع آحاد (أحد) العددين على آحاد العدد الآخر. ولهذا إذا ضرب الخارج بالقسمة فى المقسوم (١) عليه عاد المقسوم . وإذا قسم المرتفع بالضرب على أحد المضروبين خرج المضروب الآخر . ثم يقال : ماذكرته فى حد الضرب لايصح ، فإنه إنما (١) أضيفت حسب مفهوم السياق . ٢٠٨ يتناول ضرب العدد الصحيح دون المكسور، بل الحد الجامع لهما أن يقال: الضرب طلب جملة تكون نسبتها إلى أحد المضروبين كنسبة الواحد إلى المضروب الآخر ، فإذا قيل : اضرب النصف فى الربع فالخارج هو الثمن، ونسبته إلى الربع كنسبة النصف إلى الواحد . فهذا وإن كان كلاما صحيحاً لكن من المعلوم أن من معه مال يريد أن بقسمه بين عدد يعرفهم بالسوية إذا ألزم نفسه أن لا يقسمه حتى يتصور هذا كله، كان هذا تعذيباً له بلا فائدة ، وقد لايفهم هذا الكلام ، وقد تعرض له فيه إشكالات . فكذلك الدليل والبرهان هو المرشد إلى المطلوب، والموصل إلى المقصود، وكما كان مستلزما لغيره فإنه يمكن أن يستدل به عليه. ولهذا قيل: الدليل مايكون النظر الصحيح فيه موصلا إلى علم أو ظن . فالمقصود أن كل ما كان مستلزما لغيره بحيث يكون ملزوماله ؛ فإنه يكون دليلا عليه وبرهاناً له - سواء كانا وجوديين أو عدميين أو أحدهما وجودياً والآخر عدمياً ؛ فأبداً : الدليل ملزوم للمدلول عليه ؛ والمدلول لازم للدليل. ثم قد يكون الدليل مقدمة واحدة متى علمت على المطلوب؛ وقد يحتاج المستدل إلى مقدمتين؛ وقد يحتاج إلى ثلاث مقدمات وأربع وخمس وأكثر ؛ ليس لذلك حد مقدر يتساوى فيه جميع الناس في جميع المطالب؛ بل ذلك ٢٠٩ بحسب علم المستدل الطالب بأحوال المطلوب، والدليل، ولوازم ذلك؛ وملزوماته. فإذا قدر أنه قد عرف مابه يعلم المطلوب مقدمة واحدة ؛ كان دليله الذي يحتاج إلى بيانه له تلك المقدمة، كمن على أن الخمر محرم؛ وعلم أن النبيذ المتنازع فيه مسكر؛ لكن لم يعلم أن كل مسكر هو خمر. فهو لا يحتاج إلا إلى هذه المقدمة . فإذا قيل ثبت فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : كل مسكر خمر. حصل مطلوبه، ولم يحتج إلى أن يقال : كل نبيذ مسكر. وكل مسكر خمر. ولا أن يقال كل مسكر خمر، وكل خمر حرام . فإن هذا كله معلوم له لم يكن يخفى عليه، إلا أن اسم المر هل هو مختص ببعض المسكرات كما ظنه طائفة من علماء المسلمين ، أو هو شامل لكل مسكر ، فإذا ثبت له عن صاحب الشرع أنه جعله عاما لا خاصا حصل مطلوبه. وهذا الحديث فى صحيح مسلم ويروى بلفظين: ((كل مسكر خمر)). ((وكل مسكر حرام)). ولم يقل: كل مسكر خمر، وكل خمر حرام. كالنظم اليونانى. فإن النبي صلى الله عليه وسلم أجل قدراً فى علمه وبيانه من أن يتكلم بمثل هذياتهم. فإنه إن قصد مجرد تعريف الحكم لم يحتج مع قوله إلى دليل. وإن قصد بيان الدليل كما بين الله فى القرآن عامة المطالب الإلهية التى تقرر الإيمان بالله ورسله واليوم الآخر . فهو صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق بالحق . وأحسنهم بيانا له . فعلم أنه ليس جميع المطالب تحتاج إلى مقدمتين. ولا يكفي في جميعها ٢١٠ مقدمتان؛ بل يذكر ما يحصل به البيان والدلالة سواء كان مقدمة، أو مقدمتين ، أو أكثر. وما قصد به هدى عام كالقرآن الذي أنزله الله بيانا للناس يذكر فيه [ من ] الأدلة ما ينتفع به الناس عامة. وهذا إنما يمكن بيان أنواعها العامة . وأما ما يختص به كل شخص فلا ضابط له حتى يذكر في كلام . بل هذا يزول بأسباب تختص بصاحبه كدعائه لنفسه ومخاطبة شخص معين له بما يناسب حاله. ونظره فيما يخص حاله ونحو ذلك . و ((أيضاً)) فما يذكرونه من القياس لايفيد العلم بشيء معين من الموجودات ثم تلك الأمور الكلية يمكن العلم بكل واحد منها بما هو أيسر من قياسهم. فلا تعلم كلية بقياسهم إلا والعلم بجزئياتها ممكن بدون قياسهم . وربما كان أيسر . فإن العلم بالمعينات قد يكون أبين من العلم بالكليات، وهذا مبسوط فى موضعه . والمقصود هنا: أن المطلوب هو العلم ، والطريق إليه هو الدليل . فمن عرف دليل مطلوبه ، عرف مطلوبه ، سواء نظمه بقياسهم أم لا ، ومن لم يعرف دليله لم ينفعه قياسهم ، ولا يقال إن قياسهم يعرف صحيح الأدلة من فاسدها ، فإن هذا إنما يقوله جاهل لا يعرف حقيقة قياسهم ، فإن حقيقة قياسهم ليس فيه إلا شكل الدليل وصورته . وأماكون الدليل المعين مستلزماً لمدلوله. فهذا ليس في قياسهم مايتعرض ٢١١ له بنفي ولا إثبات ، وإما هذا بحسب علمه بالمقدمات التى اشتمل عليها الدليل . وليس فى قياسهم بيان صحة شيء من المقدمات ولا فسادها . وإنما يتكلمون فى هذا إذا تكلموا فى مواد القياس وهو الكلام فى المقدمات من جهة ما يصدق بها ، وكلامهم فى هذا فيه خطأ كثير ، كما نبه عليه فى موضع آخر . والمقصودهنا : أن الحقيقة المعتبرة فى كل برهان ودليل فى العالم هو اللزوم ، فمن عرف أن هذا لازم لهذا ، استدل بالملزوم على اللازم . وإن لم يذكر لفظ اللزوم ولا تصور معنى هذا اللفظ . بل من عرف أن كذا لابد له من كذا ، أو أنه إذا كان كذا كان كذا ، وأمثال هذا ، فقد علم اللزوم. كما يعرف أن كل ما فى الوجود آية الله ، فإنه مفتقر إليه محتاج إليه لابد له من محدث كما قال تعالى: ( أَمْ خُلِّقُواْ مِنْ غَيرِشَىْءٍ أَمْ هُمُ الْخَلِفُونَ ) قال جبير بن مطعم : لما سمعت هذه الآية أحسست بفؤادي قد انصدع . فإن هذا تقسيم حاصر يقول : أخلقوا من غير خالق خلقهم ؟ فهذا ممتع في بدائة العقول ، أم خلقوا أنفسهم ، فهذا أشد امتناعا ، فعلم أن لهم خالقاً خلقهم . وهو سبحانه ذكر الدليل بصيغة استفهام الإنكار ، ليبين أن هذه القضية التى استدل بها فطرية بديهية مستقرة فى النفوس ، لا يمكن لأحد إنكارها ؛ فلا يمكن صحيح الفطرة أن يدعى وجود حادث بدون محدث أحدثه، ولا يمكنه أن يقول : هذا أحدث نفسه . ٢١٢ وكثير من النظار يسلك طريقاً فى الاستدلال على المطلوب ، ويقول : لا يوصل إلى مطلوب إلا بهذا الطريق؛ ولا يكون الأمر كما قاله فى النفى ؛ وإن كان مصيباً فى صحة ذلك الطريق ، فإن المطلوب كلما كان الناس إلى معرفته أحوج ، يسر الله على عقول الناس معرفة أدلته ، فأدلة إثبات الصانع وتوحيده وأعلام النبوة وأدلتها كثيرة جداً؛ وطرق الناس فى معرفتها كثيرة . وكثير من الطرق لا يحتاج إليه أكثر الناس. وإنما يحتاج إليه من لم يعرف غيره . أو من أعرض عن غيره . وبعض الناس يكون كلما كان الطريق أدق وأخفى وأكثر مقدمات وأطول كان أنفع له ؛ لأن نفسه اعتادت النظر فى الأمور الدقيقة ؛ فإذا كان الدليل قليل المقدمات أو كانت جلية لم تفرح نفسه به ؛ ومثل هذا قد تستعمل معه الطرق الكلامية المنطقية وغيرها لمناسبتها لعادته ؛ لا تكون العلم بالمطلوب متوقفاً عليها مطلقاً. فإن من الناس من إذا عرف مايعرفه جمهور الناس وعمومهم أو ما يمكن غير الأذكياء معرفته لم يكن عند نفسه قد امتاز عنهم بعلم. فيحب معرفة الأمور الخفية الدقيقة الكثيرة المقدمات . ولهذا يرغب كثير من علماء السنة فى النظر في العلوم الصادقة الدقيقة كالجبر والمقابلة وعويص الفرائض والوصايا والدور وهو علم صحيح فى نفسه . و ((علم الفرائض نوعان)): أحكام وحساب. فالأحكام ثلاثة أنواع: على الأحكام على مذهب بعض الفقهاء ، وهذا أولها . ويليه على أقاويل الصحابة فيما ٢١٣ اختلف فيه منها ، ويليه علم أدلة ذلك من الكتاب والسنة. وأما ((حساب الفرائض)) فمعرفة أصول المسائل وتصحيحها والمناسخات وقسمة التركات. وهذا الثاني كله على معقول يعلم بالعقل كسائر حساب المعاملات وغير ذلك من الأنواع التى يحتاج إليها الناس . ثم قدذكروا حساب المجهول الملقب بحساب الجبر والمقابلة في ذلك وهو على قديم. لكن إدخاله فى الوصايا والدور ونحو ذلك، أول من عرف أنه أدخله فيها محمد بن موسى الخوارزمي . وبعض الناس يذكر عن علي بن أبي طالب أنه تكلم فيه ، وأنه تعلم ذلك من يهودي، وهذا كذب على علي. ولفظ ((الدور)) يقال على ثلاثة أنواع: ((الدور الكونى)) الذي يذكر في الأدلة العقلية أنه لا يكون هذا حتى يكون هذا، ولا يكون هذا حتى يكون هذا، وطائفة من النظار كانوا يقولون : هو ممتنع . والصواب أنه نوعان: كمايقوله الآمدي وغيره ((دور قبلي)) و((دور معي))، فالقبلي ممتنع وهو الذي يذكر فى العلل وفى الفاعل والمؤثر ونحو ذلك . مثل أن يقال : لا يجوز أن يكون كل من الشيئين فاعلاً للآخر، لأنه يفضى إلى الدور ، وهو أنه يكون هذا قبل ذاك، وذاك قبل هذا. و((المعي)) ممكن وهو دور الشرطمع المشروط. وأحد المتضايفين مع الآخر مثل أن لا تكون الأبوة إلا مع البنوة، ولا تكون البنوة إلا مع الأبوة. ٢١٤ ( النوع الثانى): الدور الحكمي الفقهي المذكور فى المسألة السريجية وغيرها . وقد أفردنا فيه مؤلفاً، وبيناً أنه باطل عقلاً وشرعاً. وبينا هل فى الشريعة شيء من هذا الدور أم لا ؟. (الثالث): الدور الحسابى؛ وهو أن يقال لا يعلم هذا حتى يعلم هذا. فهذا هو الذي يطلب حله بالحساب والجبر والمقابلة . وقد بينا أنه يمكن الجواب عن كل مسألة شرعية جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم بدون حساب الجبر والمقابلة. وإن كان حساب الجبر والمقابلة صحيحاً، فنحن قد بينا أن شريعة الإسلام ومعرفتها ليست موقوفة على شيء يتعلى من غير المسلمين أصلاً وإن كان طريقاً صحيحاً. بل طرق الجبر والمقابلة فيها تطويل. يغنى الله عنه بغيره كماذكرنا فى المنطق. وهكذا كل ما بعث به النبى صلى الله عليه وسلم مثل العلم بجهة القبلة والعلم بمواقيت الصلاة والعلم بطلوع الفجر والعلم بالهلال ؛ فكل هذا يمكن العلم به بالطرق التى كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان يسلكونها ولا يحتاجون معها إلى شيء آخر. وإن كان كثير من الناس قد أحدثوا طرقاً أخر ؛ وكثير منهم يظن أنه لا يمكن معرفة الشريعة إلا بها . وهذا من جهلهم كما يظن طائفة من الناس أن العلم بالقبلة لا يمكن إلا بمعرفة أطوال البلاد وعروضها. وهو وإن كان علماً صحيحاً حسابيا يعرف بالعقل لكن معرفة المسلمين بقبلتهم ليست موقوفة على هذا . بل قد ثبت عن صاحب الشرع ٢١٥ صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما بين المشرق والمغرب قبلة)) قال الترمذي: حديث صحيح . ولهذا كان عند جماهير العلماء أن المصلى ليس عليه أن يستدل بالقطب ولا بالجدي ولا غير ذلك. بل إذا جعل من فى الشام ونحوها المغرب عن يمينه والمشرق عن شماله محت صلانه. وكذلك لا يمكن ضبط وقت طلوع الهلال بالحساب فإنهم وإن عرفوا أن نور القمر مستفاد من الشمس ، وأنه إذا اجتمع القرصان عند الاستسرار لا يرى له ضوء فإذا فارق الشمس صار فيه النور ، فهم أكثر ما يمكنهم أن يضبطوا بالحساب كم بعده عند غروب الشمس عن الشمس . هذا إذا قدر صحة تقويم الحساب وتعديله، فإنهم يسمونه علم التقويم والتعديل ؛ لأنهم يأخذون أعلى مسير الكواكب وأدناه فيأخذون معدله ، فيحسبونه فإذا قدر أنهم حزروا ارتفاعه عند مغيب الشمس ، لم يكن فى هذا ما يدل على ثبوت الرؤية ولا انتفائها ؛ لأن الرؤية أمر حسي لها أسباب متعددة من صفاء الهواء وكدره وارتفاع النظر وانخفاضه وحدة البصر وكلاله ، فمن الناس من لايراه . ويراه من هو أحد بصراً منه ونحو ذلك . فلهذا كان قدماء علماء ((الهيئة)) كبطليموس صاحب المجسطي وغيره، لم يتكلموا فى ذلك بحرف وإنما تكلم فيه بعض المتأخرين مثل كوشيار الديلمي ونحوه، لما رأوا الشريعة جاءت باعتبار الرؤية. فأحبوا أن يعرفوا ذلك بالحساب ٢١٦ فضلوا وأضلوا . ومن قال إنه لا يرى على اثنتي عشرة درجة أو عشر ونحو ذلك . فقد أخطأ . فإن من الناس من يراه على أقل من ذلك ، ومنهم من لا يراه على ذلك. فلا العقل اعتبروا ولا الشرع عرفوا. ولهذا أنكر ذلك عليهم حذاق صناعتهم . ثم قال : فصورة القياس لا تدفع صحتها ، لكن نبين أنه لا يستفاد به علم بالموجودات . كما أن اشتراطهم للمقدمتين دون الزيادة والنقص شرط باطل . فهو وإن حصل به يقين فلا يستفاد بخصوصه بقين مطلوب بشيء من الموجودات . فنقول : إن صورة القياس إذا كانت مواده معلومة لاريب أنه يفيد اليقين فإذا قيل كل اب، وكل ب ج ، وكانت المقدمتان معلومتين ، فلا ريب أن هذا التأليف يفيد العلم بأن كل ا ج ، لكن يقال ما ذكروه من كثرة الأشكال وشرط نتاجها تطويل قليل الفائدة كثير التعب . فإنه متى كانت المادة صحيحة أمكن تصويرها بالشكل الأول الفطري فبقية الأشكال لا يحتاج إليها ، وهي إنما تفيد بالرد إلى الشكل الأول ، إما بابطال النقيض الذي يتضمنه قياس الخلف ، وإما بالعكس المستوى ، أو عكس النقيض ، فإن ثبوت أحد المتناقضين يستلزم نفي الآخر . إذا ـرد على التناقض من كل وجه . فهم يستدلون بصحة القضية على بطلان نقيضها ، وعلى ثبوت عكسها المستوى وعكس نقيضها ، بل تصور الذهن ٢١٧ لصورة الدليل يشبه حساب الإنسان لما معه من الرقيق والعقار . والفطرة تتصور القياس الصحيح من غير تعليم . والناس بفطرهم يتكلمون بالأنواع الثلاثة التداخل والتلازم والتقسيم ، كما يتكلمون بالحساب ونحوه ، والمنطقيون قد يسلمون ذلك . والحاصل أنا لا ننكر أن القياس يحصل به علم إذا كانت مواده يقينية ؛ لكن نقول: إن العلم الحاصل به لا يحتاج فيه إلى القياس المنطقي : بل يحصل بدون ذلك ، فلا يكون شيء من العلم متوقفاً على هذا القياس . ثم المواد اليقينية التى ذكروها لا يحصل بها علم بالأمور الموجودة ، فلا يحصل بها مقصود تزكو به النفوس ، بل ولا علم بالحقائق الموجودة فى الخارج على ما هي عليه إلا من جنس ما يحصل بقياس التمثيل . فلا يمكن قط أن يتحصل بالقياس الشمولي المنطقي الذي يسمونه البرهاني علم إلا وذلك يحصل بقياس التمثيل الذي يستضعفونه . فإن ذلك القياس لا بد فيه من قضية كلية . والعلم بكون الكلية كلية لا يمكن الجزم به إلا مع الجزم بتماثل أفراده فى القدر المشترك، وهذا يحصل بقياس التمثيل . ونحن نبین ذلك بوجوه : ( الأول ): أن المواد اليقينية قد حصروها فى الأصناف المعروفة عنده. ٢١٨ ( أحدها ): الحسيات. ومعلوم أن الحس لا يدرك أمراً كلياً عاماً أصلاً فليس فى الحسيات المجردة قضية كلية عامة تصلح أن تكون مقدمة فى البرهان اليقيني . وإذا مثلوا ذلك: بأن النار تحرق ونحو ذلك، لم يكن لهم علم بعموم هذه القضية، وإنما معهم التجربة والعادة التى هي من جنس قياس التمثيل . وأن علم ذلك بواسطة اشتمال النار على قوة محرقة ، فالعلم بأن كل نار لا بد فيها من هذه القوة هو أيضاً حكم كلى ، وإن قيل : إن الصورة النارية لا بد أن تشتمل على هذه القوة. وإن ما لا قوة فيه ليس بنار، فهذا الكلام إن صح لا يفيد الجزم بأن كل ما فيه هذه القوة يحرق ما لاقاه ، وإن كان هذا هو الغالب فهذا يشترك فيه قياس التمثيل والشمول والعادة والاستقراء الناقص - إذا سلم لهم ذلك- كيف وقد علم أنها لا تحرق السمندل والياقوت والأجسام المطلية بأمور مصنوعة ؟! ولا أعلم فى القضايا الحسية كلية لا يمكن نقضها ، مع أن القضية الكلية ليست حسية ، وإنما القضية الحسية : أن هذه النار تحرق ، فإن الحس لا يدرك إلاشيئًا خاصاً. وأما الحكم العقلي فيقولون : إن النفس عند رؤيتها هذه المعينات مستعدة لأن تفيض عليها قضية كلية بالعموم ، ومعلوم أن هذا من جنس قياس التمثيل ، ولا يوثق بعمومه إن لم يعلم أن الحكم العام لازم للقدر المشترك . وهذا إذا علم ، علم فى جميع المعينات ، فلم يكن العلم بالمعينات موقوفاً على هذا، مع أنه ليس من القضايا العاديات قضية كلية لا يمكن نقضها باتفاق العقلاء. ٢١٩ (الثاني):((الوجدانيات الباطنية)). كإدراك كل أحد جوعه وألمه ولذته، وهذه كلها جزئيات ؛ بل هذه لا يشترك الناس فى إدراك كل جزئي منها، كما قد يشتركون فى إدراك بعض الحسيات المنفصلة كالشمس والقمر ، ففيها من الخصوص فى المدرك والمدرك ما ليس في الحسيات المنفصلة ، وإن اشتركوا فى نوعها فهي تشبه العاديات . ولم يقيموا حجة على وجوب تساوي النفوس في هذه الأحوال ، بل ولا على النفس الناطقة . أنها مستوية الأفراد . (الثالث): ((المجربات= وهي كلها جزئية . فإن التجربة إنما تقع على أمور معينة. وكذلك ((المتواترات)) فإن المتواتر إنما هو ما علم بالحس من مسموع أو مرئى. فالمسموع قول معين، والمرئى جسم معين أولون معين أو عمل معين أو أمر معين. وأما ((الحدسيات)) إن جعلت يقينية فهي نظير المجربات إذ الفرق بينهما لا يعود إلى العموم والخصوص ، وإنما يعود إلى أن ((المجربات)) تتعلق بماهو من أفعال المجربين، والحدسيات تكون عن أفعالهم، وبعض الناس يسمى الكل تجربيات فلم يبق معهم إلا الأوليات التى هي البديهيات العقلية ، والأوليات الكلية إنما هي قضايا مطلقة فى الأعداد والمقادير ونحوها مثل قولهم : الواحد نصف الاثنين ، والأشياء المساوية لشيء واحد متساوية ونحو ذلك ، وهذه مقدرات في الذهن ليست فى الخارج كلية . ٢٢٠