Indexed OCR Text

Pages 161-180

بتحريم هذا النبيذ المسكر تحريماً عاماً، إلا أن يعلم أنه مسكر وأنه خمر. وأن
النبي صلى الله عليه وسلم حرم كل مسكر. وأنه رسول الله حقاً، فما حرمه
حرمه الله، وأنه حرمه تحريماً عاماً لم يبحه للتداوي أو للتلذذ.
ومما يبين أن تخصيص الاستدلال بمقدمتين باطل ، أنهم قالوا فى حد القياس
الذي يشمل البرهاني والخطابى والجدلي والشعري والسوفسطائى: إنه قول
مؤلف من أقوال، أو عبارة عما ألف من أقوال، إذا سلمت لزم عنها لذاتها
قول آخر. قالوا : واحترزنا بقولنا : من أقوال عن القضية الواحدة التى تستلزم
لذاتها صدق عكسها وعكس نقيضها، وكذب نقيضها وليست قياساً . قالوا :
ولم نقل مؤلف من مقدمات لأنا لا يمكننا تعريف المقدمة من حيث هي مقدمة
إلا بكونها جزء القياس ، فلو أخذناها فى حد القياس كان دوراً . والقضية
الخبرية إذا كانت جزء القياس سموها مقدمة، وإن كانت مستفادة بالقياس سموها
نتيجة ، وإن كانت مجردة عن ذلك سموها قضية ، وتسمى أيضاً قضية مع تسميتها
نتيجة ومقدمة. وهي الخبر وليست هي المبتدأ والخبر فى اصطلاح النحاة . بل
أعم منه. فإن المبتدأ والخبر لا يكون إلا جملة اسمية والقضية
تكون جملة اسمية وفعلية ، كما لو قيل قد كذب زيد ومن كذب
استحق التعزير .
والمقصود هنا أنهم أرادوا بالقول ـــ فى قولهم القياس قول مؤلف من
أقوال - القضية التى هي جملة تامة خبرية، لم يريدوا بذلك المفرد الذي هو
١٦١

الحد، فإن القياس مشتمل على ثلاثة حدود: أصغر وأوسط وأكبر، كما إذا
قيل : النبيذ المتنازع فيه مسكر وكل مسكر حرام، فالنبيذ والمسكر والحرام كل
منها مفرد وهي الحدود فى القياس . فليس مرادم بالقول هذا٠ بل مرادم أن
كل قضية قول ؛ كما فسروا مرادم بذلك.
ولهذا قالوا : القياس قول مؤلف من أقوال ؛ إذا سلمت لزم عنها لذاتها
قول آخر. واللازم إنما هي النتيجة، وهي قضية وخبر وجملة تامة وليست مفرداً.
ولذلك قالوا: القياس قول مؤلف ؛ فسموا مجموع القضيتين قولاً . وإذا كانوا
قد جعلوا القياس مؤلفاً من أقوال وهي القضايا لم يجب أن يراد بذلك قولان
فقط ؛ لأن لفظ الجمع إما أن يكون متناولاً للاثنين فصاعداً كقوله: ( فَإِن
كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ) وإما أن يراد به الثلاثة فصاعداً، وهو الأصل عند
الجمهور . ولكن قد يراد به جنس العدد ، فيتناول الاثنين فصاعداً ولا يكون
الجمع مختصاً باتنين .
فإذا قالوا : هو مؤلف من أقوال إن أرادوا جنس العدد كان هذا المعنى من
اثنين فصاعداً ، فيجوز أن يكون مؤلفاً من ثلاث مقدمات وأربح مقدمات فلا
يختص بالاثنين . وإن أرادوا الجمع الحقيقي. لم يكن مؤلفاً إلا من ثلاث فصاعداً
وم قطعاً ما أرادوا هذا. فلم يبق إلا الأول .
فإذا قيل : ثم يلتزمون ذلك. ويقولون: نحن نقول أقل ما يكون القياس
١٦٢

من مقدمتين . وقد يكون من مقدمات .
فيقال: هذا خلاف ما فى كتبكم فإنكم لانلتزمون إلا مقدمتين فقط.
وقد صرحوا أن القياس الموصل إلى المطلوب، سواء كان اقترانياً أو استثنائياً،
لا ينقص عن مقدمتين ولا يزيد عليها، وعللوا ذلك بأن المطلوب المتحد لا يزيد
على جزئين مبتدأ وخبر . فإن كان القياس اقترانياً، فكل واحد من جزئي
المطلوب لا بد وأن يناسب مقدمة منه: أي يكون فيها إما مبتدأ وإما خبراً ،
ولا يكون هو نفس المقدمة .
قالوا : وليس للمطلوب أكثر من جزئين ، فلا يفتقر إلى أكثر
من مقدمتين. وإن كان القياس استثنائياً فلا بد فيه من مقدمة شرطية متصلة
أو منفصلة تكون مناسبة لكل المطلوب أو نقيضه ، فلا بد من مقدمة استثنائية
فلا حاجة إلى ثالثة .
قالوا : لكن ربما أدرج فى القياس قول زائد على مقدمتى القياس ، إما غير
متعلق بالقياس أو متعلق به، والمتعلق بالقياس إما لترويج الكلام وتحسينه أو
لبيان المقدمتين أو إحداهما . ويسمون هذا القياس المركب .
قالوا: وحاصله يرجع إلى أقيسة متعددة سيقت لبيان مطلوب واحد ؛ إلا
أن القياس المبين للمطلوب بالذات منها ليس إلا واحداً ، والباقى
١٦٣

لبيان مقدمات القياس . قالوا : ربما حذفوا بعض مقدمات القياس
إما تعويلاً على فهم الذهن لها أو لترويج المغلطة حتى لا يطلع على
كذبها عند التصريح بها .
قالوا : ثم إن كانت الأقيسة لبيان المقدمات ، قد صرح فيها
بنتائجها ، فيسمى القياس مفصولاً وإلا فموصول . ومثلوا الموصول بقول
القائل : كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم وكل جسم جوهر . فكل إنسان
جوهر . والمفصول بقولهم : كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم فكل إنسان
جسم ثم يقول كل حيوان جسم وكل جسم جوهر فكل إنسان حيوان فيلزم
منهما أن كل إنسان جوهر .
فيقال لهم : أما المطلوب الذي لا يزيد على جزءين فذاك في
المنطوق به. والمطلوب فى العقل إنما هو شيء واحد لا اثنان، وهو ثبوت
النسبة الحكمية أو انتفاؤها . وإن شئت قلت : اتصاف الموصوف بالصفة
نفياً أو إثباتاً ، وإن شئت قلت : نسبة المحمول إلى الموضوع والخبر
إلى المبتدأ نفياً وإثباتاً ؛ وأمثال ذلك من العبارات الدالة على المعنى الواحد
المقصود بالقضية . فإذا كانت النتيجة أن النبيذ حرام أو ليس بحرام ؛ أو الإنسان
حساس أو ليس بحساس ونحو ذلك . فالمطلوب ثبوت التحريم للنبيذ أو انتفاؤه
وكذلك ثبوت الحس للإنسان أو انتفاؤه. والمقدمة الواحدة إذا ناسبت ذلك
١٦٤
!
i
!

المطلوب حصل بها المقصود. وقولنا النبيذ خمر يناسب المطلوب ، وكذلك قولنا
الإنسان حيوان .
فإذا كان الإنسان يعلم أن كل خمر حرام ، ولكن يشك فى النبيذ المتنازع
فيه هل يسمى فى لغة الشارع خمراً ؟ فقيل النبيذ حرام ؛ لأنه قد ثبت فى
الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( كل مسكر خمر)) كانت القضية
وهي قولنا: قد قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((أن كل مسكر خمر)» يفيد
بحريم النبيذ ؛ وإن كان نفس قوله قد تضمن قضية أخرى . والاستدلال
بذلك مشروط بتقديم مقدمات معلومة عند المستمع ، وهي أن ما صححه أهل
العلم بالحديث فقد وجب التصديق بأن النبى صلى الله عليه وسلم قاله ، وأن
ماحرمه الرسول صلى الله عليه وسلم فهو حرام ونحو ذلك . فلو لزم أن نذكر
كل ما يتوقف عليه العلم وإن كان معلوما ، كانت المقدمات أكثر من اثنتين ؛
بل قد تكون أكثر من عشر .
وعلى ما قالوه فينبغي لكل من استدل بقول النبى صلى الله عليه وسلم
أن يقول : النبي حرم ذلك ، وما حرمه فهو حرام . فهذا حرام ، وكذلك :
يقول النبي أوجبه ، وما أوجبه التى فقد وجب ، فإذا احتج على تحريم
الأمهات والبنات ونحو ذلك ؛ يحتاج أن يقول : إن الله حرم هذا فى القرآن
وما حرمه الله فهو حرام. وإذا احتج على وجوب الصلاة والزكاة والحج
بمثل قول الله: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ) يقول: إن الله أوجب الحج فى
١٦٥

كتابه وما أوجبه الله فهو واجب. وأمثال ذلك مما يعتبره العقلاء لكنة
وعياً وإيضاحاً للواضح وزيادة قول لا حاجة إليها .
وهذا التطويل الذي لا يفيد فى قياسهم نظير تطويلهم فى حدودهم :
كقولهم فى حد الشمس: إنها كوكب تطلع نهاراً. وأمثال ذلك من
الكلام الذي لا يفيد إلا تضييع الزمان وإنعاب الأذهان وكثرة الهذيان .
ثم إن الذين يتبعونهم فى حدودهم وبراهينهم لا يزالون مختلفين فى تحديد الأمور
المعروفة بدون تحديدم ، ويتنازعون فى البرهان على أمور مستغنية عن
براهينهم.
وقولهم : ليس للمطلوب أكثر من جزءين. فلا يفتقر إلى أكثر من
مقدمتين فيقال : إن أردتم ليس له إلا اسمان مفردان ؛ فليس الأمر كذلك
بل قد يكون التعبير عنه بأسماء متعددة ، مثل من شك فى النبيذ هل هو
حرام بالنص أم ليس حراما لابنص ولا قياس. فإذا قال المجيب؛ النبيذ حرام بالنص
كان المطلوب ثلاثة أجزاء . وكذلك لو سأل هل الإجماع دليل قطعي ؟ فقال:
الإجماع دليل قطعي ، كان المطلوب ثلاثة أجزاء . وإذا قال : هل الإنسان
جسم حساس نام متحرك بالارادة ناطق أم لا ؟ فالمطلوب هنا ستة أجزاء .
وفي الجملة فالموضوع والمحمول الذي هو مبتدأ وخبر ، وهو جملة خبرية
قد تكون جملة مركبة من لفظين ، وقد تكون من ألفاظ متعددة إذا كان
١٦٦

مضمونها مقيداً بقيود كثيرة . مثل قوله تعالى: (وَالسَّبِقُونَ اُلْأَوَّلُونَ مِنَ
الْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَنٍ رَضِى اُللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوْعَنْهُ ) وقوله
تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَبِكَ يَرْجُونَ
رَحْمَتَ اللَّه) وقوله: ( وَالَّذِينَءَامَنُواْ مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُ وْ مَعَكُمْ فَأَوْلَئِكَ مِنْكُمْ)
وأمثال ذلك من القيود التى بسميها النحاة الصفات والعطف والأحوال وظرف
المكان وظرف الزمان ونحو ذلك .
وإذا كانت القضية مقيدة بقيود كثيرة لم تكن مؤلفة من لفظين ، بل
من ألفاظ متعددة ومعان متعددة وإن أريد أن المطلوب ليس إلا معنيان سواء
عبرعنها بلفظين أو ألفاظ متعددة ، قيل: وليس الأمر كذلك . بل قد
يكون المطلوب معنى واحداً، وقد يكون معنيين، وقد يكون معاني متعددة،
فإن المطلوب بحسب طلب الطالب ، وهو الناظر المستدل والسائل المتعلم
المناظر ، وكل منهما قد يطلب معنى واحداً ، وقد يطلب معنيين، وقد يطلب
معاني ، والعبارة عن مطلوبه قد تكون بلفظ واحد ، وقد تكون بلفظين
وقد تكون بأكثر . فإذا قال : النبيذ حرام . فقيل : له نعم! كان هذا
اللفظ وحده كافياً فى جوابه ، كما لو قيل له : هو حرام .
فإن قالوا : القضية الواحدة قد تكون فى تقدير قضايا ، كما ذكر تموه من
التمثيل بالإنسان ؛ فإن هذه القضية الواحدة في تقدير خمس قضايا وهي خمس
مطالب، والتقدير : هل هو جسم أم لا ؟ وهل هو حساس أم لا ؟ وهل
١٦٧

هو نام أم لا ؟ وهل هو متحرك أم لا ؟ وهل هو ناطق أم لا ؟ وكذلك
فيما تقدم هل النبيذ حرام أم لا ؟ وإذا كان حراماً فهل تحريمه بالنص أو
بالقياس ؟ فيقال : إذا رضيتم بمثل هذا وهو أن تجعلوا الواحد في تقدير عدد
فالمفرد قد يكون فى معنى قضية ، فإذا قال : النبيذ المسكر حرام ، فقال المجيب:
نعم ؛ فلفظ نعم فى تقدير قوله : هو حرام وإن قال : ما الدليل عليه ؟ فقال:
تحريم كل مسكر أو أن كل مسكر حرام . وقول النبي صلى الله عليه وسلم
((كل مسكر حرام)) ونحو ذلك من العبارات التى جعل الدليل فيها اسماً
مفرداً ، وهو جزء واحد ، لم يجعله قضية مؤلفة من اسمين مبتدأ وخبر ، فإن
قوله تحريم كل مسكر اسم مضاف . وقوله : أن كل مسكر حرام بالفتح
مفرد أيضاً ؛ فإن أن وما فى خبرها فى تقدير المصدر المفرد ، وإن المكسورة
وما فى خبرها جملة تامة .
وكذلك إذا قلت: الدليل عليه قول النبى صلى الله عليه وسلم أو الدليل
عليه النص ، أو إجماع الصحابة ، أو الدليل عليه الآية الفلانية، أو الحديث
الفلانى؛ أو الدليل عليه قيام المقتضى للتحريم السالم عن المعارض المقاوم ، أو
الدليل عليه أنه مشارك لخمر العنب فيما يستلزم التحريم ، وأمثال ذلك فيما
يعبر فيه عن الدليل باسم مفرد لا بالقضية التى هي جملة تامة .
ثم هذا الدليل الذي عبر عنه باسم مفرد هو إذا فصل عبر عنه
بألفاظ متعددة .
١٦٨
:

والمقصود أن قولكم: إن الدليل الذي هو القياس لا يكون إلا جزءين
فقط ؛ إن أردتم لفظين فقط ، وإن مازاد على لفظين فهو أدلة لا دليل واحد
لأن ذلك اللفظ الموصوف بصفات يحتاج كل صفة إلى دليل .
قيل لكم: وكذلك يمكن أن يقال في اللفظين: هما دليلان لا دليل
واحد ؛ فإن كل مقدمة يحتاج إلى دليل ، وحينئذ فتخصيص العدد باثنين
دون ما زاد تحكم لا معنى له ، فإنه إذا كان المقصود قد يحصل بلفظ مفرد وقد
لا يحصل إلا بلفظين وقد لا يحصل إلا بثلاثة أو بأربعة وأكثر ، فجعل
الجاعل اللفظين هما الأصل الواجب دون مازاد وما نقص ، وأن الزائد إن
كان فى المطلوب جعل مطالب متعددة ، وإن كان في الدليل تذكر مقدمات ،
جعل ذلك فى تقدير أقيسة متعددة تحكم محض ، ليس هو أولى من أن يقال :
بل الأصل فى المطلوب أن يكون واحداً ودليله جزءاً واحداً ، فإذا زاد
المطلوب على ذلك جعل مطلوبين أو ثلاثة أو أربعة بحسب دلالته، وهذا إذا قيل
فهو أحسن من قولهم ؛ لأن اسم الدليل مفرد فيجعل معناه مفرداً، والقياس
هو الدليل .
ولفظ ((القياس)) يقتضى التقدير ، كما يقال قست هذا بهذا ، والتقدير
يحصل بواحد ؛ وإذا قدر باثنين وثلاثة يكون تقديرين وثلاثة لا تقديراً
واحداً ، فتكون تلك التقديرات أفيسة لا قياساً واحداً ، فجعلهم مازاد على
الاثنين من المقدمات فى معنى أقيسة متعددة ، وما نقص عن الاثنين نصف
١٦٩

قياس لا قياس تام ؛ اصطلاح محض لا يرجع إلى معنى معقول ، كما فرقوا
بين الصفات الذاتية والعرضية اللازمة للماهية والوجود بمثل هذا التحكم .
وحينئذ فيعلم أن القوم لم يرجعوا فيما سموه حداً وبرهاناً إلى حقيقة موجودة
ولا أمر معقول، بل إلى اصطلاح مجرد، كتنازع الناس فى ((العلة)» هل
هي اسم لما يستلزم المعلول بحيث لا يتخلف عنها بحال فلا يقبل النقيض
والتخصيص، أو هو اسم لما يكون مقتضياً للمعلول ؛ وقد يتخلف عنه المعلول
لفوات شرط أو وجود مانع، وكاصطلاح بعض أهل النظر والجدل فى تسمية
أحدم ((الدليل)) لما هو مستلزم للمدلول مطلقاً، حتى يدخل فى ذلك عدم
المعارض ، والآخر يسمى الدليل لما كان من شأنه أن يستلزم المدلول ، وإنما
يتخلف استلزامه لفوات شرط أو وجود مانع . وتنازع أهل الجدل هل على
المستدل أن يتعرض فى ذكر الدليل لتبيين المعارض جملة أو تفصيلا حيث
يمكن التفصيل ، أو لا يتعرض لا جملة ولا تفصيلا ، أو يتعرض لتبيينه جملة
لا تفصيلا .
وهذه أمور وضعية اصطلاحية بمنزلة الألفاظ التى يصطلح عليها الناس
للتعبير عما فى أنفسهم ليست حقائق ثابتة فى أنفسها لأمور معقولة تتفق فيها
الأمم كما يدعيه هؤلاء فى منطقهم . بل هؤلاء الذين يجعلون العامة والدليل
يراد به هذا أو هذا أقرب إلى المعقول من جعل هؤلاء الدليل لا يكون إلا
من مقدمتين ، فإن هذا تخصيص لعدد دون عدد بلا موجب ، وأولئك
١٧٠

!
1
١
!
لحظوا صفات ثابتة فى العلة والدليل . وهو وصف التمام أو مجرد الاقتضاء
فكان ما اعتبره أولئك أولى بالحق والعقل مما اعتبره هؤلاء الذين لم يرجعوا
إلا إلى مجرد التحكم.
ولهذا كان العقلاء العارفون يصفون منطقهم، بأنه أمر اصطلاحي، وضعه
رجل من اليونان لا يحتاج إليه العقلاء ؛ ولا طلب العقلاء للعلم موقوفاً عليه
كما ليس موقوفاً على التعبير بلغاتهم، مثل: فيلاسوفيا؛ وسوفسطيقا، وأنو
لوطيقا، وأنولوجيا، وقاطيغورياس، ونحو ذلك من لغاتهم التى يعبرون بها عن
معانيهم فلا يقول أحد إن سائر العقلاء محتاجون إلى هذه اللغة . لا سيما من
كرمه الله بأشرف اللغات الجامعة لأكمل مراتب البيان المبينة لما تتصوره
الأذهان بأوجز لفظ وأكمل تعريف .
وهذا مما احتج به أبو سعيد السيرافى فى مناظرته المشهورة ((لمتى))
الفيلسوف؛ لما أخذ ((متى)) يمدح المنطق ويزعم احتياج العقلاء إليه. ورد
عليه أبو سعيد بعدم الحاجة إليه وأن الحاجة إنما تدعو إلى تعلم العربية ؛ لأن
المعاني فطرية عقلية لا يحتاج إلى اصطلاح خاص بخلاف اللغة المتقدمة التى
يحتاج إليها فى معرفة ما يجب معرفته من المعاني فإنه لا بد فيها من التعلم ؛
ولهذا كان تعلم العربية التى يتوقف فهم القرآن والحديث عليها فرضا على
الكفاية بخلاف المنطق .
١٧١

ومن قال من المتأخرين : إن تعلم المنطق فرض على الكفاية ؛ أو إنه من
شروط الاجتهاد ؛ فإنه يدل على جهله بالشرع وجهله بفائدة المنطق . وفساد
هذا القول معلوم بالاضطرار من دين الإسلام. فإن أفضل هذه الأمة من
الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين عرفوا ما يجب عليهم ويكمل
علمهم وإيمانهم قبل أن يعرف المنطق اليوناني. فكيف يقال : إنه لا يوثق
بالعلم إن لم يوزن به أو يقال إن فطر بني آدم فى الغالب لم نستقم إلا به؟ !
فإن قالوا : نحن لا نقول إن الناس يحتاجون إلى اصطلاح المنطقيين ،
بل إلى المعاني التى توزن بها العلوم.
قيل لا ريب أن المجهول لا يعرف إلا بالمعلومات ؛ والناس يحتاجون
إلى أن يزنوا ما جهلوه بما علموه وهذا من الموازين التى أنزلها الله
حيث قال: ( اُللَّهُالَّذِىّ أَنْزَلَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ)
وقال : ( لَقَدْ
وهذا
أَرْسَلْنَارُسُلَنَا بِالْبَيِّنَتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِنَبَ وَاَلْمِيزَانَ ).
موجود عند أمتنا وغير أمتنا ؛ ممن لم يسمع قط بمنطق اليونان ؛ فعلم
أن الأمم غير محتاجة إلى المعانى المنطقية التى عبروا عنها بلسانهم؛ وهو كلامهم
فى المعقولات الثانية ؛ فإن («موضوع المنطق)) هو المعقولات من حيث يتوصل بها
إلى علم مالم يعلم فإنه ينظر فى أحوال- المعقولات الثانية وهي النسب الثانية للماهيات من
حيث هي مطلقة عرض لها إن كانت موصلة إلى تحصيل ماليس بحاصل، أو معينة في ذلك
لاعلى وجه جزئى بل على قانون كلي ويدعون أن صاحب المنطق ينظر فى جنس الدليل؛كما
١٧٢

أن صاحب أصول الفقه ينظر فى الدليل الشرعي ومرتبته فيميز ما هو دليل
شرعي وما ليس بدليل شرعي . وينظر فى مراتب الأدلة حتى يقدم الراجح
على المرجوح عند التعارض ؛ وهم يزعمون أن صاحب المنطق ينظر فى الدليل
المطلق الذي هو أعم من الشرعي ؛ ويميز بين ماهو دليل وما ليس بدليل ؛
ويدعون أن نسبة منطقهم إلى المعانى ؛ كنسبة العروض إلى الشعر وموازين
الأموال إلى الأموال؛ وموازين الأوقات إلى الأوقات؛ وكنسبة الذراع إلى المزروعات.
وهذا هو الذي قال جمهور علماء المسلمين وغيرهم من العقلاء إنه باطل ؛
فإن منطقهم لا يميز بين الدليل وغير الدليل ؛ لافى صورة الدليل ولا في مادته ؛
ولا يحتاج أن توزن به المعانى؛ بل ولا يصح وزن المعاني به ؛ بل هذه الدعوى
من أكذب الدعاوى .
والكلام معهم إنما هو فى المعانى التى وضعوها فى المنطق ، وزعموا أن
التصورات المطلوبة لاتنال إلا بها. والتصديقات المطلوبة لاتنال إلا بها.
فذكروا لمنطقهم ((أربع دعاوى)): دعونان سالبتان، ودعوتان موجبتان .
أدعوا أنه لاتنال التصورات بغير ماذكروه فيه من الطريق وأن التصديقات
لا تنال بغير ماذكروه فيه من الطريق وهاتان الدعوان من أظهر الدعاوى
كذبا وادعوا أن ماذكروه من الطريق يحصل به تصور الحقائق التى لم تكن
متصورة وهذا أيضا باطل . وقد تقدم التنبيه على هذه الدعاوى الثلاثة ، وسيأتي
١٧٣

الكلام على دعوام الرابعة التى هي أمثل من غيرها، وهي دعوام أن برهانهم
يفيد العلم التصديقي.
وإن قالوا : إن العلى التصديقى أو التصوري أيضاً لاينال بدونه . فهم ادعوا
أن طرق العلم على عقلاء بي آدم مسدودة إلا من الطريقتين اللتين ذكروهما
من الحد، وما ذكروه من القياس. وادعوا أن ماذكروه من الطريقتين توصلان
إلى العلوم التى ينالها بنو آدم بعقولهم ، بمعنى أن ما يوصل لابد أن يكون على
الطريق الذى ذكروه لا على غيره، فما ذكروه آلة قانونية بها توزن الطرق
العلمية ، ويميز بها بين الطريق الصحيحة والفاسدة. فمراعاة هذا القانون
تعصم الذهن أن يزل في الفكر الذي ينال به تصور أو تصديق .
هذا ملخص ما قالوه .
وكل هذه الدعاوى كذب فى النفي والإثبات : فلا ما نفوه من طرق
غيرم كلها باطل ، ولا ما أثبتوه من طرقهم كلها حق على الوجه الذي ادعوا فيه،
وإن كان فى طرقهم ماهو حق ، كما أن فى طرق غيرم ما هو باطل فما من أحد
منهم ولا من غيرم يصنف كلاما إلا ولا بد أن يتضمن ماهو حق. فمع اليهود
والنصارى من الحق بالنسبة إلى مجموع ما معهم أكثر مما مع هؤلاء من الحق ،
بل ومع المشركين عباد الأصنام من العرب ونحوم من الحق أكثر ممامع
١٧٤

هؤلاء بالنسبة إلى مامعهم فى مجموع فلسفتهم النظرية والعملية للأخلاق
والمنازل والمدائن .
ولهذا كان اليونان مشركين كفاراً يعبدون الكواكب والأصنام ، شراً
من اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل بكثير، ولولا أن اللّه منَّ عليهم بدخول
دين المسيح إليهم ، محصل لهم من الهدى والتوحيد ما استفادوه من دين
المسيح، ماداموا متمسكين بشريعته قبل النسخ والتبديل ، لكانوا من جنس
أمثالهم من المشركين. ثم لما غيرت ملة المسيح صاروا فى دين مركب من
حنيفية وشرك : بعضه حق وبعضه باطل وهو خير من الدين الذي كان
عليه أسلافهم .
وكلامنا هنا فى ((بيان ضلال هؤلاء المتفلسفة)) الذين يبنون ضلالهم بضلال
غيرهم فيتعلقون بالكذب فى المنقولات وبالجهل فى المعقولات، كقولهم : إن
أرسطو وزير ذي القرنين المذكور فى القرآن ؛ لأنهم سمعوا أنه كان وزير
الاسكندر، وذو القرنين يقال له الاسكندر. وهذا من جهلهم؛ فإن الاسكندر
الذي وزرله أرسطو هوابن فيلبس المقدونى الذي يؤرخ له تاريخ الروم المعروف عند
اليهود والنصارى، وهو إنما ذهب إلى أرض القدس، لم يصل إلى السد عند
من يعرف أخباره ، وكان مشركا يعبد الأصنام. وكذلك أرسطو وقومه كانوا
مشركين يعبدون الأصنام، وذو القرنين كان موحداً مؤمناً بالله ، وكان متقدما
على هذا ، ومن يسميه الاسكندر يقول: هو الاسكندر بن دارا .
١٧٥

ولهذا كان هؤلاء المتفلسفة إنما راجوا على أبعد الناس عن العقل والدين
((كالقرامطة والباطنية)» الذين ركبوا مذهبهم من فلسفة اليونان ودين المجوس
وأظهروا الرفض ، وجهال المتصوفة وأهل الكلام ، وإنما ينفقون فى دولة
جاهلية بعيدة عن العلم والإيمان إما كفاراً وإما منافقين، كما نفق من نفق منهم
على المنافقين الملاحدة . ثم نفق على المشركين الترك. وكذلك إنما ينفقون
دائماً على أعداء الله ورسوله من الكفار والمنافقين .
وكلامنا الآن فيما احتجوا به على أنه لا بد في الدليل من مقدمتين لا
أكثر ولا أقل ، وقد علم ضعفه .
ثم إنهم لما علموا أن الدليل قد يحتاج إلى مقدمات وقد تكفى فيه مقدمة
٨
واحدة ، قالوا : إنه ربما أدرج فى القياس قول زائد : أي مقدمة ثالثة زائدة
على مقدمتين لغرض فاسد أو صحيح كبيان المقدمتين ، ويسمونه المركب. قالوا :
ومضمونه أقيسة متعددة - سيقت لبيان أكثر من مطلوب واحد إلا أن
المطلوب منها - بالذات ليس إلا واحداً. قالوا: وربما حذفت إحدى
المقدمات إما للعلم بها أو لغرض فاسد ، وقسموا المركب إلى
مفصول وموصول .
فيقال ، هذا اعتراف منكم بأن من المطالب ما يحتاج إلى مقدمات، وما يكفي
فيه مقدمة واحدة. ثم قلتم إن ذلك الذي يحتاج إلى مقدمات هو فى معنى
١٧٦

أقيسة متعددة. فيقال لكم: إذا ادعيتم أن الذي لابد منه إنما هو قياس واحد
مشتمل على مقدمتين ، وأن ما زاد على ذلك هو فى معنى أقيسة، كل قياس
لبيان مقدمة من المقدمات. فقولوا إن الذي لابد منه هو مقدمة واحدة . وإن
ما زاد على تلك المقدمة من المقدمات . فإنما هو لبيان تلك المقدمة . وهذا أقرب
إلى المعقول . فإنه إذا لم يعلم ثبوت الصفة للموصوف وهو ثبوت الحكم للمحكوم
عليه ، وهو ثبوت الخبر للمبتدأ، أو المحمول للموضوع إلا بوسط بينهما هو
الدليل ، فالذي لابد منه هو مقدمة واحدة وما زاد على ذلك فقد يحتاج إليه
وقد لا يحتاج إليه .
وأما دعوى الحاجة إلى القياس الذي هو المقدمتان للاحتياج إلى ذلك
فى بعض المطالب ، فهو كدعوى الاحتياج فى بعضها إلى ثلاث مقدمات وأربع
وخمس؛ للاحتياج إلى ذلك فى بعض المطالب ، وليس تقدير عدد بأولى
من عدد .
وما يذكرونه من حذف إحدى المقدمتين لوضوحها أو لتغليط يوجد
مثله فى حذف الثالثة والرابعة . ومن احتج على مسألة بمقدمة، لا تكفي
وحدها لبيان المطلوب ، أو مقدمتين أو ثلاثة لا تكفى. طولب بالتمام الذي
تحصل به كفاية. وإذا ذكرت المقدمات منع منها ما يقبل المنح ، وعورض
منها ما يقبل المعارضة حتى يتم الاستدلال ، فمن طلب منه الدليل على تحريم
شراب خاص قال : هذا حرام ، فقيل له لم ؟ قال : لأنه نبيذ مسكر ، فهذه
١٧٧

المقدمة كافية إن كان المستمع يعلم أن كل مسكر حرام ، إذا سلم له تلك المقدمة
وإن منعه إياها وقال لا نسلم أن هذا مسكر ، احتاج إلى بيانها بخبر من يوثق
بخبره أو بالتجربة في نظيرها ، وهذا قياس تمثيل . وهو مفيد لليقين ، فإن
الشراب الكثير إذا جرب بعضه وعلم أنه مسكر ، على أن الباقي منه مسكر ،
لأن حكم بعضه مثل بعضه. وكذلك سائر القضايا التجريبية، كالعلم بأن الخبز
يشبع والماء يروي وأمثال ذلك إنما مبناها على قياس التمثيل: بل وكذلك
سائر الحسيات التى على أنها كلية إنما هو بواسطة قياس التمثيل .
وإن كان ممن ينازعه فى أن النبيذ المسكر حرام . احتاج إلى مقدمتين .
إلى إثبات أن هذا مسكر ، وإلى أن كل مسكر حرام ، فيثبت الثانية بأدلة
متعددة، كقول النبى صلى الله عليه وسلم ((كل مسكر حرام)) و((كل شراب
أسكر فهو حرام)). وبأنه سئل عن شراب يصنع من العسل يقال البتع ،
وشراب يصنع من الذرة يقال له المزر ، وكان قد أوتى جوامع الكلم فقال :
((كل مسكر حرام )). وهذه الأحاديث فى الصحيح ، وهي وأضعافها
معروفة عن النبى صلى الله عليه وسلم تدل على أنه حرم كل شراب أسكر .
فإن قال: أنا أعلم أنه خمر، لكن لا أسلم أن الخمر حرام ، أو لا أسلم أنه
حرام مطلقاً ، أثبت هذه المقدمة الثالثة وهلم جرا .
وما يبين لك أن المقدمة الواحدة قد تكفي فى حصول المطلوب ، أن
١٧٨

الدليل هو ما يستلزم الحكم المدلول عليه، كما تقدم بيانه ؛ ولما كان الحد الأول
مستلزماًللأوسط. والأوسط للثالث ثبت أن الأول مستلزم للثالث. فإن ملزوم الملزوم
ملزوم، ولازم اللازم لازم، فإن الحكم لازم من لوازم الدليل، لكن لم يعرف لزومه إياه
إلا بوسط بينهما فالوسط ما يقرن بقولك : لأنه . وهذا مما ذكره المنطقيون.
وابن سينا وغيره ؛ ذكروا الصفات اللازمة للموصوف - وأن منها ما يكون
بين اللزوم . وردوا بذلك على من فرق من أصحابهم بين الذاتي واللازم
للماهية بأن اللازم ما افتقر إلى وسط بخلاف الذاتى ، فقالوا له كثير من
الصفات اللازمة لا نفتقر إلى وسط ، وهي البينة اللزوم ، والوسط عند هؤلاء
هو الدليل .
وأما ما ظنه بعض الناس أن الوسط هو ما يكون متوسطاً في نفس الأمر
بين اللازم القريب واللازم البعيد ، فهذا خطأ . ومع هذا يستبين حصول
المراد على التقديرين ، فنقول إذا كانت اللوازم منهاما لزومه للملزوم بين بنفسه
لا يحتاج إلى دليل يتوسط بينهما، فهذا نفس تصوره وتصور الملزوم يكفى فى
العلم بثبوته له ، وإن كان بينهما وسط فذلك الوسط إن كان لزومه للملزوم الأول
ولزوم الثانى له بينا ، لم يفتقر إلى وسط ثان . وإن كان أحد الملزومين غير بين
بنفسه، احتاج إلى وسط ، وإن لم يكن واحد منها بينا؛ احتاج إلى وسطين ؛
وهذا الوسطهو حد يكفي فيه مقدمة واحدة فإذا طلب الدليل على تحريم النبيذ
المسكر : فقيل له لأنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال
١٧٩

(( كل مسكر خمر)) أو ((كل مسكر حرام))، فهذا الأوسط وهو قول النبى
صلى الله عليه وسلم لا يفتقر عند المؤمن لزوم تحريم المسكر له إلى
وسط ، ولا يفتقر لزوم تحريم النبيذ المتنازع فيه لتحريم المسكر إلى وسط ، فإن
كل أحد يعلم أنه إذا حرم كل مسكر حرم النبيذ المسكر المتنازع فيه ، وكل
مؤمن يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا حرم شيئاً حرم . ولو قال
الدليل على تحريمه أنه مسكر، فالمخاطب إن كان يعرف أن ذلك مسكر والمسكر
محرم، سلم له التحريم، ولكنه غافل عن كونه مسكراً، أو جاهل بكونه مسكراً.
وكذلك إذا قال: لأنه خمر ، فإن أقر أنه خمر ثبت التحريم ، وإذا أقر بعد
إنكاره ، فقد يكون جاهلاً فعلم أو غافلاً فذكر ، فليس كل من
علم شيئاً كان ذاكراً له .
ولهذا تنازع هؤلاء المنطقيون فى العلم بالمقدمتين ، هل هو كاف فى العلم
بالنتيجة ، أم لا بد من التفطن لأمر ثالث؟ وهذا الثانى هو قول ابن سيناوغيره.
قالوا : لأن الإنسان قد يكون عالماً بأن البغلة لا تلد، ثم يغفل عن ذلك . ويرى
بغلة منتفخة البطن . فيقول: أهذه حامل أم لا؟ فيقال له: أما تعلم أنها بغلة؟
فيقول: بلى. ويقال له : أما تعلم أن البغلة لا تلد؟ فيقول: بلى. قال فحينئذ يتفطن
لكونها لا تلد. ونازعه الرازي وغيره وقالوا: هذا ضعيف؛ لأن اندراج
إحدى المقدمتين تحت الأخرى إن كان مغايراً للمقدمتين كان ذلك مقدمة أخرى لابد
فيها من الإنتاج، ويكون الكلام فى كيفية التئامها مع الأوليين كالكلام فى
١٨٠