Indexed OCR Text

Pages 101-120

الأجناس ، أو يحذف جميع الأجناس لم يكن لهم جواب ، إلا أن هذا
وضعهم واصطلاحهم . ومعلوم أن العلوم الحقيقية لا تختلف باختلاف
الأوضاع ، فقد تبين أن ما ذكروه هو من باب الوضع والاصطلاح
الذي جعلوه من باب الحقائق الذاتية والمعارف ، وهذا عين الضلال
والإضلال كمن يجيء إلى شخصين متماثلين فيجعل هذا مؤمناً وهذا كافراً
وهذا عالماً وهذا جاهلاً وهذا سعيداً ، وهذا شقياً ، من غير افتراق بين
ذاتيهما بل بمجرد وضعه واصطلاحه. فهم مع دعوام القياس العقلي يفرقون بين
المتماثلات ويسوون بين المختلفات .
( الثامن ): أن اشتراطهم ذكر الفصول المميزة مع تفريقهم بين
الذاتي والعرضي غير ممكن ؛ إذ ما من مميز هو من خواص المحدود
المطابقة له فى العموم والخصوص إلا ويمكن الآخر أن يجعله عرضياً
لازماً للماهية .
( التاسع ): أن فيما قالوه دوراً فلا يصح. وذلك أنهم يقولون: إن
المحدود لا يتصور إلا بذكر صفاته الذاتية. ثم يقولون: الذاتي هو ما لا يمكن
تصور الماهية بدون تصوره . فإذا كان المتعلم لا يتصور المحدود
حتى يتصور صفاته الذاتية ، ولا يعرف أن الصفة ذاتية حتى بتصور
الموصوف الذي هو المحدود ، ولا يتصور الموصوف حتى
يتصور الصفات الذاتية ويميز بينها وبين غيرها ، فتتوقف معرفة الذات على معرفة
١٠١

الذاتيات ويتوقف معرفة الذاتيات على معرفة الذات ، فلا يعرف هو
ولا تعرف الذاتيات. وهذا كلام متين يجتاح أصل كلامهم. ويبين أنهم
متحكمون فيما وضعوه لم يبنوه على أصل علمي تابع للحقائق . لكن قالوا : هذا
ذاتى ، وهذا غير ذاتى بمجرد التحكم . ولم يعتمدوا على أمر يمكن الفرق به بين
الذاتى وغيره، فاذا لم يعرف المحدود إلا بالحد، والحد غير ممكن لم يعرف،
وذلك باطل .
(العاشر): أنه يحصل بينهم فى هذا الباب نزاع لا يمكن فصله على هذا
الأصل ، وما استلزم تكافؤ الأدلة فهو باطل .
فصل
قولهم: ((إنه لا يعلم شيء من التصديقات إلا بالقياس)»- الذي ذكروا صورته
ومادته قضية سلبية، ليست معلومة بالبديهة ، ولم يذكروا عليها دليلاً أصلاً.
وصاروا مدعين ما لم يثبتوه قائلين بغير علم. إذ العلم بهذا السلب متعذر على
أصلهم ؛ فمن أين لهم أنه لا يمكن أحداً من بني آدم أن يعلم شيئاً من التصديقات
التى ليست بديهة عندهم إلا بواسطة القياس المنطقي الشمولي الذي وصفوا
مادته وصورته؟ !.
١٠٢

ثم هم معترفون بما لا بد منه من أن التصديقات منها بديهي ومنها
نظري ، وأنه يمتنع أن تكون كلها نظرية لافتقار النظري إلى البديهي
وحينئذ فيأتي ما تقدم في التصورات من أن الفرق بينها إنما هو بالنسبة
والإضافة ، فقد يكون النظري عند شخص بديهياً عند غيره .
والبديهي من التصديقات ، ما يكفي تصور طرفيه - موضوعه ومحموله -
فى حصول تصديقه ، فلا يتوقف على وسط يكون بينهما ، وهو الدليل
- الذي هو الحد الأوسط - سواء كان تصور الطرفين بديهياً أم
لا ، ومعلوم أن الناس يتفاوتون فى قوى الأذهان أعظم من تفاوتهم فى
قوى الأبدان .
فمن الناس من يكون فى سرعة التصور وجودته فى غاية يباين
بها غيره مباينة كثيرة . وحينئذ فيتصور الطرفين تصوراً تاماً بحيث
يتبين بذلك التصور التام اللوازم التى لا تتبين لمن لم يتصوره ، وكون
الوسط الذي هو الدليل قد يفتقر إليه فى بعض القضايا بعض الناس
دون بعض أمر بين ، فإن كثيراً من الناس تكون عنده القضية
حسية أو مجربة أو برهانية أو متواترة ، وغيره إنما عرفها بالنظر
والاستدلال . ولهذا كثير من الناس لا يحتاج في ثبوت المحمول
للموضوع إلى دليل لنفسه بل لغيره ، ويبين ذلك لغيره بأدلة هو غنى
عنها حتى يضرب له أمثالاً .
١٠٣

وقد ذكر المناطقة أن القضايا المعلومة بالتواتر والتجربة والحواس
يختص بها من علمها ، ولا تكون حجة على غيره ؛ بخلاف غيرها ،
فإنها مشتركة يحتج بها على المنازع ، وهذا تفريق فاسد ، وهو أصل
من أصول الإلحاد والكفر . فإن المنقول عن الأنبياء بالتواتر من
المعجزات وغيرها . يقول أحد هؤلاء : بناء على هذا الفرق هذا لم
يتواتر عندي فلا تقوم به الحجة علي ، وليس ذلك بشرط ، ومن هذا
الباب إنكار كثير من أهل البدع والكلام والفلسفة لما يعلمه أهل
الحديث من الآثار النبوية ؛ فإن هؤلاء يقولون : إنها غير معلومة لنا
كما يقول من يقول من الكفار إن معجزات الأنبياء غير معلومة له ؛
وهذا لكونهم لم يعلموا السبب الموجب للعلم بذلك ، والحجة قائمة عليهم
تواتر عندم أم لا .
وقد ذهب الفلاسفة أهل المنطق إلى جهالات قولهم: إن الملائكة هي
العقول العشرة، وإنها قديمة أزلية، وإن العقل رب ما سواه ، وهذا شيء لم
يقل مثله أحد من اليهود والنصارى ومشركي العرب، ولم يقل أحد إن ملكا
من الملائكة رب العالم كله، ويقولون : إن العقل الفعال مبدع كل ما تحت فلك
القمر ، وهذا أيضاً كفر لم يصل إليه أحد من كفار أهل الكتاب ومشركي
العرب ، ويقولون: إن الرب لا يفعل بمشيئته وقدرته، وليس عالماً بالجزئيات،
ولا يقدر أن يغير العالم ؛ بل العالم فيض فاض عنه بغير مشيئته وقدرته وعلمه،
١٠٤

وأنه [ إذا] توجه المستشفع إلى من يعظمه من الجواهر العالية كالعقول
والنفوس والكواكب والشمس والقمر فإنه يتصل بذلك المعظم المستشفع به،
فإذا فاض على ذلك ما يفيض من جهة الرب فاض على هذا من جهة شفيعه ،
ويمثلونه بالشمس إذا طلعت على مرآة ، فانعكس الشعاع الذي على المرآة على
موضع آخر فأشرق بذلك الشعاع ، فذلك الشعاع حصل له من مقابلة المرآة
وحصل للمرآة بمقابلة الشمس .
ويقولون : إن الملائكة هي العقول العشرة ، أو القوى الصالحة
فى النفس ، وأن الشياطين هي القوى الخبيثة ، وغير ذلك مما عرف
فساده بالدلائل العقلية ؛ بل بالضرورة من دين الرسول . فإذا كان شرك
هؤلاء وكفرهم أعظم من شرك مشركي العرب وكفرم، فأي كمال للنفس فى
هذه الجهالات؟ !. وهذا وأمثاله مفتقر إلى بسط كثير. والمقصود ذكر
ما ادعوا في البرهان المنطقي.
و (أيضاً ) فإذا قالوا: إن العلوم لا تحصل إلا بالبرهان الذى هو عندم
قياس شمولي ، وعنده لا بد فيه من قضية كلية موجبة؛ ولهذا قالوا إنه لانتاج
عن قضيتين سالبتين ولا جزئيتين فى شيء من أنواع القياس ، لا بحسب صورته
- كالحملى والشرطى المتصل والمنفصل - ولا يحسب مادته لا البرهانى ولا
الخطابى ولا الجدلي ؛ بل ولا الشعرى .
١٠٥

فيقال: إذا كان لا بد فى كل ما يسمونه برهاناً من قضية كلية ، فلا بد
من العلم بتلك القضية الكلية: أي من العلم بكونها كلية، وإلا فمتى جوز عليها
أن لا تكون كلية بل جزئية لم يحصل العلم بموجبها . والمهملة والمطلقة
التى يحتمل لفظها أن تكون كلية ، وجزئية فى قوة الجزئية ، وإذا
كان لا بد في العلم الحاصل بالقياس الذي يخصونه باسم البرهان من
العلم بقضية كلية موجبة ، فيقال العلم بتلك القضية إن كان بديهياً ،
أمكن أن يكون كل واحد من أفرادها بديهياً بطريق الأولى ، وإن كان
نظرياً احتاج إلى علم بديهي ، فيفضى إلى الدور المعي أو التسلسل في المتواترات
وكلاهما باطل .
وهكذا يقال فى سائر القضايا الكلية التى يجعلونها مبادئ البرهان ،
ويسمونها (الواجب قبولها)) سواء كانت حسية ظاهرة أو باطنة وهي التى
يحسها بنفسه أو كانت من التجريبيات أو المتواترات أو الحدسيات عند من
يجعل منها ما هو من النفسيات الواجب قبولها ، مثل العلم بكون نور القمر
مستفاداً من الشمس إذا رأى اختلاف أشكاله عند اختلاف محاذاته للشمس
كما يختلف إذا قاربها بعد الاجتماع كما فى ليلة الهلال، وإذا كان ليلة الاستقبال
عند الإبدار .
وهم متنازعون : هل الحدس قد يفيد اليقين أم لا ؟ ومثل العقليات
المحضة، ومثل قولنا الواحد نصف الاثنين ، والكل أعظم من الجزء ،
١٠٦

والأشياء المساوية لشيء واحد متساوية ، والضدان لا يجتمعان ، والنقيضان
لا يرتفعان ولا يجتمعان، فما من قضية من هذه القضايا الكلية تجعل مقدمة فى
البرهان إلا والعلم بالنتيجة ممكن بدون توسط ذلك البرهان ، بل هو الواقع
كثيراً . فإذا على أن كل واحد فهو نصف كل اثنين وأن كل اثنين نصفهم
واحد، فإنه يعلم أن هذا الواحد نصف هذين الاثنين ، وهلم جرا فى سائر
القضايا الأخر من غير استدلال على ذلك بالقضية الكلية . وكذلك كل جزء
يعلم أن هذا الكل أعظم من جزئه بدون توسط القضية الكلية . وكذلك
هذان النقيضان من تصورهما نقيضين فإنه يعلم أنهما لا يجتمعان. وكل أحد يعلم
أن هذا المعين لا يكون موجوداً معدوما كما يعلم المعين الآخر ، ولا يحتاج ذلك
إلى أن يستدل عليه بأن كل شىء لا يكون موجوداً معدوماً معاً ، وكذلك
الضدان فإن الإنسان يعلم أن هذا الشيء لا يكون أسود أبيض ، ولا يكون
متحركاً ساكناً كما يعلم أن الآخر كذلك . ولا يحتاج فى العلم بذلك
إلى قضية كلية بأن كل شىء لا يكون أسود أبيض ، ولا يكون
متحركاً ساكناً .
وكذلك فى سائر ما يعلم تضادهما فإن علم تضاد المعينين على أنها لا يجتمعان؛
فإن العلم بالقضية الكلية يفيد العلم بالمقدمة الكبرى المشتملة على الحد الأكبر.
وذلك لا يغنى دون العلم بالمقدمة الصغرى المشتملة على الحد الأصغر، والعلم
بالنتيجة وهو أن هذين المعينين ضدان فلا يجتمعان، يمكن بدون العلم
١٠٧

بالمقدمة الكبرى : وهو أن كل ضدين لا يجتمعان . فلا يفتقر العلم بذلك
إلى القياس الذي خصوه باسم البرهان ، وإن كان البرهان فى كلام اللّه
ورسوله وكلام سائرّ أصناف العلماء لا يختص بما سموه م البرهان ؛ وإنما
خصوا م لفظ البرهان بما اشتمل عليه القياس الذي خصوا صورته ومادته
بما ذكروه.
مثال ذلك : أنه إذا أريد إبطال قول من يثبت الأحوال ويقول : إنها
لا موجودة ولا معدومة، فقيل : هذان نقيضان، وكل نقيضين لا يجتمعان
ولا يرتفعان ؛ فإن هذا جعل للواحد لا موجوداً ولا معدوماً ولا يمكن
جعل الحال للواحد لا موجودة ولا معدومة ، كان العلم بأن هذا
المعين لا يكون موجوداً معدوماً ممكنا بدون هذه القضية الكلية ، فلايفتقر العلم
بالنتيجة إلى البرهان .
وكذلك إذا قيل : إن هذا ممكن وكل ممكن فلا بد له من
مرجح لوجوده على عدمه على أصح القولين، أو لأحد طرفيه على قول
طائفة من الناس .
أو قيل : هذا محدث، وكل محدث فلا بد له من محدث، فتلك القضية
الكلية ، وهي قولنا : كل محدث لا بد له من محدث، وكل ممكن لا بد له من
مرجح، يمكن العلم بأفرادها المطلوبة بالقياس البرهاني عندم بدون العلم
١٠٨
!

بالقضية الكلية التى لا يتم البرهان عندهم إلا بها ، فيعلم أن هذا
المحدث لابد له من محدث ، وهذا الممكن لا بد له من مرجح ؛ فإن
شك عقله وجوز أن يحدث هو بلا محدث أحدثه ، أو أن يكون وهو
ممكن - يقبل الوجود والعدم- بدون مرجح يرجح وجوده، جوز ذلك فى غيره
من المحدثات، والممكنات بطريق الأولى ؛ وإن جزم بذلك في نفسه لم يحتج علمه
بالنتيجة المعينة ـ وهو قولنا: وهذا محدث فله محدث، أو هذا ممكن فله
مرجح - إلى القياس البرهاني.
وما يوضح هذا : أنك لا تجد أحداً من بني آدم يريد أن يعلم مطلوباً
بالنظر ويستدل عليه بقياس برهاني يعلم صحته ، إلا ويمكنه العلم به بدون ذلك
القياس البرهانى المنطقي؛ ولهذا لا تجد أحداً من سائر أصناف العقلاء غير
هؤلاء ينظم دليله من المقدمتين كما ينظمه هؤلاء بل يذكرون الدليل المستلزم
للمدلول، ثم الدليل قد يكون مقدمة واحدة ، وقد يكون مقدمتين ، وقد
يكون ثلاث مقدمات بحسب حاجة الناظر المستدل ؛ إذ حاجة الناس تختلف .
وقد بسطنا ذلك فى الكلام على المحصل . وبينا مخطئة جمهور العقلاء لمن قال :
إنه لا بد فى كل علم نظري من مقدمتين لا يستغنى عنها، ولا يحتاج إلى أكثر
منها . وهذا ينبغي أن تأخذه من المواد العقلية التى لا يستدل عليها بنصوص
الأنبياء ؛ فإنه يظهر بها فساد منطقهم. وأما إذا أخذته من المواد المعلومة
بنصوص الأنبياء فإنه يظهر الاحتياج إلى القضية الكلية ، كما إذا أردنا تحريم
١٠٩

النبيذ المتنازع فيه فقلنا : النبيذ مسكر ، وكل مسكر حرام ، أو قلنا :
هو خمر، وكل خمر حرام. فقولنا: النبيذ المسكر خمر يعلم بالنص . وهو قول
النبى صلى الله عليه وسلم: ((كل مسكر خمر) وقولنا(( كل خمر حرام)) يعلم بالنص
والإجماع، وليس فى ذلك نزاع؛ وإنما النزاع فى المقدمة الصغرى . وقد
ثبت فى صحيح مسلم عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال:
كل مسكر خمر وكل خمر حرام)). وفي لفظ: ((كل مسكر خمر
وكل خمر حرام)».
وقد يظن بعض الناس أن النبى صلى الله عليه وسلم ذكر هذا
على النظم المنطقى لتبين النتيجة بالمقدمتين كما يفعله المنطقيون ؛ وهذا جهل
عظيم ممن يظنه فإنه صلى الله عليه وسلم أجل قدراً من أن يستعمل مثل
هذا الطريق فى بيان العلم؛ بل من هو أضعف عقلا وعلماً من آحاد علماء
أمته لا يرضى لنفسه أن يسلك طريقة هؤلاء المنطقيين؛ بل يعدونهم من
الجهال الذين لا يحسنون إلا الصناعات كالحساب والطب ونحو ذلك .
وأما العلوم البرهانية الكلية اليقينية والعلوم الإلهية فلم يكونوا من
رجالها . وقد بين ذلك نظار المسلمين فى كتبهم، وبسطوا الكلام عليهم ؛
وذلك أن كون: كل خمر حراما هو مما علمه المسلمون . فلا يحتاجون إلى
معرفة ذلك بالقياس، وإنما شك بعضهم في أنواع من الأشربة المسكرة كالنبيذ المصنوع
من العسل والحبوب وغير ذلك، كما فى الصحيحين عن أبي موسى الأشعري
١١٠

أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: عندنا شراب مصنوع من العسل
يقال له : البتع، وشراب يصنع من الذرة يقال له: المزر ، قال - وكان أوتي
جوامع الكلم - فقال: ((كل مسكر حرام)) فأجابهم صلى الله عليه وسلم
بقضية كلية بين بها أن كل ما يسكر فهو محرم. وبين أيضاً أن كل ما يسكر فهو
خمر، وهاتان قضيتان كليتان صادقتان متطابقتان العلم بأيهما كان يوجب العلم
بتحريم كل مسكر . إذ ليس العلم بتحريم كل مسكر يتوقف على العلم بها جميعاً؛
فإن من علم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((كل مسكر حرام )) وهو من
المؤمنين به علم أن النبيذ المسكر حرام، ولكن قد يحصل الشك هل أراد
القدر المسكر أو أراد جنس المسكر، وهذا شك في مدلول قوله ، فإذا علم مراده
صلى الله عليه وسلم علم المطلوب .
وكذلك إذا علم أن النبيذ خمر . والعلم بهذا أوكد في التحريم ؛ فإن من
يحلل النبيذ المتنازع فيه لا يسميه خمراً، فإذا علم بالتص أن ((كل مسكر خمر))
كان هذا وحده دليلا على تحريم كل مسكر عند أهل الإيمان الذين يعلمون
أن الخمر محرم. وأما من لم يعلم تحريم الخمر لكونه لم يؤمن بالرسول ، فهذا
لا يستدل بنصه. وإن علم أن محمداً رسول الله، ولكن لم يعلم أنه حرم الخمر
فهذا لا ينفعه قوله: (( كل مسكر خمر)) بل ينفعه قوله: (( كل مسكر حرام))
وحينئذ يعلم بهذا تحريم الخمر ، لأن الخمر والمسكر اسمان لمسمى واحد عند
١١١

الشارع . وهما متلازمان عنده فى العموم والخصوص عند جمهور العلماء الذين
حرمون كل مسكر .
وليس المقصود هنا الكلام فى تقرير ((المسألة الشرعية)) بل التنبيه على
التمثيل ؛ فإن هذا المثال كثيراً ما يمثل به من صنف فى المنطق من علماء
المسلمين. والمنطقيون يمثلون بصورة مجردة عن المواد لا تدل على شيء معين
لئلا يستفاد العلم بالمثال من صورة معينة كما يقولون: كلا: ب، وكل ب: ج.
فكل انج ولكن المقصود هو العلم المقصود من المواد المعينة. فإذا جردت يظن الظان
أن هذا يحتاج إليه فى المعينات ، وليس الأمر كذلك، بل إذا طولبوا بالعلم
بالمقدمتين الكليتين فى جميع مطالبهم العقلية التى لم تؤخذ عن المعصومين نجدم
يحتجون بما يمكن معه العلم فيها بالمعينات المطلوبة بدون العلم بالقضية الكلية
فلا يكون العلم بها موقوفا على البرهان . فالقضايا النبوية لا يحتاج إلى القياس
العقلي الذي سموه برهانا. وما يستفاد بالعقل من العلوم أيضاً لا يحتاج إلى
قياسهم البرهانى، فلا يحتاج إليه لا فى السمعيات ولا فى العقليات ، فامتنع أن
يقال لا يحصل علم إلا بالقياس البرهاني الذي ذكروه.
ومما يوضح ذلك : أن القضايا الحسية لا تكون إلا جزئية فنحن لم
ندرك بالحس إلا إحراق هذه النار وهذه النار ، لم ندرك أن كل نار محرقة
فإذا جعلنا هذه قضية كلية ، وقلنا: كل نار محرقة ، لم يكن لنا طريق
١١٢

نعلم به صدق هذه القضية الكلية علماً يقينياً، إلا والعلم بذلك ممكن فى الأعيان
المعينة بطريق الأولى.
وإن قيل : ليس المراد العلم بالأمور المعينة ؛ فإن البرهان لايفيد
إلا العلم بقضية كلية ، فالنتائج المعلومة بالبرهان لا تكون إلا كلية
كما يقولون م ذلك . والكليات إنما تكون كليات فى الأذهان
لا فى الأعيان .
قيل : فعلى هذا التقدير لا يفيد البرهان العلم بشيء موجود ؛ بل بأمور
مقدرة فى الأذهان لا يعلم تحققها فى الأعيان ، وإذا لم يكن فى البرهان علم
بموجود فيكون قليل المنفعة جداً ؛ بل عديم المنفعة . وهم لا
يقولون بذلك بل يستعملونه فى العلم بالموجودات الخارجية والإلهية
ولكن حقيقة الأمر كما بيناه فى غير هذا الموضع . أن المطالب
الطبيعية التى ليست من الكليات اللازمة بل الأكثرية لا تفيد
مقصود البرهان .
وأما ((الإلهيات)): فكلياتهم فيها أفسد من الكليات الطبيعية وغالب كلامهم
فيها ظنون كاذبة فضلاً عن أن تكون قضايا صادقة يؤلف منها البرهان ؛ ولهذا
حدثونا بإسناد متصل عن فاضل زمانه في المنطق وهو الخويجى صاحب ((كشف
أسرار المنطق)) و ((الموجز)) وغيرهما أنه قال عند الموت: أموت وما عرفت
١١٣

شيئاً إلا علمي بأن الممكن يفتقر إلى المؤثر. ثم قال: الافتقار وصف سلبى فأنا
أموت وما عرفت شيئاً. وكذلك حدثونا عن آخر من أفاضلهم . وهذا أمر
يعرفه كل من خبرهم ، ويعرف أنهم أجهل أهل الأرض بالطرق التى تنال بها
العلوم العقلية والسمعية ؛ إلا من علم منهم عاماً من غير الطرق المنطقية، فتكون
علومه من تلك الجهة ؛ لا من جهتهم، مع كثرة تعبهم فى البرهان الذي يزعمون
أنهم يزنون به العلوم، ومن عرف منهم شيئاً من العلوم لم يكن ذلك بواسطة
ما حرروه فى المنطق .
ومما يبين أن حصول العلوم اليقينية الكلية والجزئية لا يفتقر إلى برهانهم
من قضية كلية ، أن العلم بتلك القضية الكلية لا بد له من سبب ، فإن عرفوها
باعتبار الغائب بالشاهد، وأن حكم الشيء حكم مثله. كما إذا عرفنا أن هذه النار
محرقة فالنار الغائبة محرقة؛ لأنها مثلها ، وحكم الشيء حكم مثله، فيقال هذا
استدلال بالقياس التمثيلي وهم يزعمون أنه لا يفيد اليقين بل الظن . فإذا كانوا
إنما علموا القضية الكلية بقياس التمثيل ، رجعوا في اليقين إلى ما يقولون :
إنه لا يفيد إلا الظن . وإن قالوا : بل عند الاحساس بالجزئيات يحصل
في النفس علم كلي من واهب العقل - أو تستعد النفس عند الإحساس
بالجزئيات لأن يفيض عليها الكلي من واهب العمل. أو قالوا: من العقل الفعال
- عندهم - أو نحو ذلك. قيل لهم الكلام فيها به يعلم أن الحكم الكلي
الذي فى النفس علم لا ظن ولا جهل .
١١٤

فإن قالوا : هذا العلم بالبديهة أو الضرورة، كان هذا قولاً بأن هذه
القضايا الكلية معلومة بالبديهة والضرورة ، وأن النفس مضطرة إلى هذا العلم.
وهذا إن كان حقاً فالعلم بالأعيان المعينة وبأنواع الكليات يحصل أيضاً فى النفس
بالبديهة والضرورة كما هو الواقع ، فإن جزم العقلاء بالشخصيات من الحسيات،
أعظم من جزمهم بالكليات وجزمهم بكلية الأنواع أعظم من جزمهم بكلية الأجناس،
والعلم بالجزئيات أسبق إلى الفطرة، فجزم الفطرة بها أقوى. ثم كما قوى العقل.
السعت الكليات وحينئذ فلا يجوز أن يقال: إن العلم بالأشخاص موقوف
على العلم بالأنواع والأجناس ، ولا أن العلم بالأنواع موقوف على العلم
بالأجناس ، بل قد يعلم الإنسان أنه حساس متحرك بالارادة، قبل أن يعلم أن
كل إنسان كذلك، ويعلم أن الانسان كذلك قبل أن يعلم أن كل حيوان
كذلك ، فلم يبق علمه بأن غيره من الحيوان حساس متحرك بالإرادة
موقوفاً على البرهان ، وإذا علم حكم سائر الناس وسائر الحيوان
بذلك بواسطة علمها أن ذلك الغائب مثل هذا
فالنفس نحكم
الشاهد، أو أنه يساويه فى السبب الموجب لكونه حساسا متحركاً بالإرادة
ونحو ذلك من قياس التمثيل والتعليل الذي يحتج به الفقهاء في إثبات
الأحكام الشرعية .
وهؤلاء يزعمون أن ذلك القياس إنما يفيد الظن ، وقياسهم هو الذي يفيد
اليقين ، وقد بينا فى غير هذا الموضع أن قولهم هذا من أفسد الأقوال ، وأن
١١٥

قياس التمثيل وقياس الشمول سواء، وإنما يختلفان بالمادة المعينة فإن كانت
يقينية فى أحدهما كانت يقينية فى الآخر ، وإن كانت ظنية فى أحدهما كانت ظنية
في الآخر ؛ وذلك أن قياس الشمول مؤلف من الحدود الثلاثة، الأصغر
والأوسط والأكبر ، والحد الأوسط فيه هو الذي يسمى فى قياس التمثيل علة
ومناطاً وجامعاً.
فإذا قال فى مسألة النبيذ: كل نبيذ مسكر ، وكل مسكر حرام ، فلا بد له
من إثبات المقدمة الكبرى ، وحينئذ يتم البرهان، وحينئذ فيمكنه أن يقول :
النبيذ مسكر فيكون حراما قياساً على خمر العنب . بجامع ما يشتركان فيه من
الإسكار ، فإن الإسكار هو مناط التحريم فى الأصل ، وهو موجود فى الفرع
فيما به يقرر أن كل مسكر حرام به يقرر أن السكر مناط التحريم بطريق الأولى؛
بل التفريق فى قياس التمثيل أسهل عليه لشهادة الأصل له بالتحريم ، فيكون
الحكم قد علم ثبوته في بعض الجزئيات . ولا يكفي فى قياس التمثيل
إثباته فى أحد الجزئين لثبوته فى الجزء الآخر ؛ لاشتراكها فى أمر
لم يقم دليل على استلزامه للحكم ؛ كما يظنه بعض الغالطين ؛ بل لا بد
أن يعلم أن المشترك بينهما مستلزم للحكم ، والمشترك بينهما هو
الحد الأوسط .
وهذا بسميه الفقهاء وأهل أصول الفقه المطالبة بتأثير الوصف فى الحكم،
وهذا السؤال أعظم سؤال يرد على القياس وجوابه هو الذي يحتاج إليه غالباً
١١٦

فى تقدير صحة القياس ؛ فإن المعترض قد يمنع الوصف فى الأصل، وقد يمنح
الحكم في الأصل، وقد يمنع الوصف فى الفرع، وقد يمنع كون الوصف علة
فى الحكم، ويقول: لا نسلم أن ما ذكرته فى الوصف المشترك هو العلة أو دليل
العلة ، فلا بد من دليل يدل على ذلك : من نص أو إجماع أو سبر وتقسيم أو
المناسبة أو الدوران عند من يستدل بذلك، فما دل على أن الوصف المشترك
مستلزم للحكم إما علة وإما دليل العلة هو الذي يدل على أن الحد
الأوسط مستلزم للأكبر ، وهو الدال على صحة المقدمة الكبرى ، فإن
أثبت العلمة كان برهان علة ، وإن أثبت دليلها كان برهان دلالة ، وإن
لم يفد العلم بل أفاد الظن ، فكذلك المقدمة الكبرى في ذلك القياس
لا تكون إلا ظنية، وهذا أمر بين؛ ولهذا صار كثير من الفقهاء يستعملون
فى الفقه القياس الشمولي، كما يستعمل فى العقليات القياس التمثيلي، وحقيقة
أحدهما هو حقيقة الآخر .
ومن قال من متأخري أهل الكلام والرأي كأبي المعالي وأبي
حامد والرازي وأبي محمد المقدسي وغيرهم : من أن العقليات ليس فيها
قياس ؛ وإنما القياس فى الشرعيات ، ولكن الاعتماد في العقليات على
الدليل الدال على ذلك مطلقاً ، فقولهم مخالف لقول نظار المسلمين ؛
بل وسائر العقلاء ؛ فإن القياس يستدل به فى العقليات كما يستدل به
في الشرعيات ، فإنه إذا ثبت أن الوصف المشترك مستلزم للحكم كان هذا
١١٧

دليلاً فى جميع العلوم . وكذلك إذا ثبت أنه ليس بين الفرع والأصل فرق
مؤثر كان هذا دليلاً فى جميع العلوم وحيث لا يستدل بالقياس التمثيلي
لا يستدل بالقياس الشمولي .
وأبو المعالي ومن قبله من النظار لا يسلكون طريقة المنطقيين ولا
يرضونها ؛ بل يستدلون بالأدلة المستلزمة عندهم لمدلولاتها؛ غير أن المنطقيين
وجمهور النظار يقيسون الغائب على الشاهد إذا كان المشترك مستلزماً للحكم،
كما يمثلون به من الجمع بالحد والعلة والشرط والدليل، ومنازعهم يقول: لم يثبت
الحكم فى الغائب لأجل ثبوته فى الشاهد ؛ بل نفس القضية الكلية كافية فى
المقصود من غير احتياج إلى التمثيل ، فيقال لهم: وهكذا فى الشرعيات، فإنه
متى قام الدليل على أن الحكم معلق بالوصف الجامع لم يحتج الى الأصل، بل نفس
الدليل الدال على أن الحكم يتعلق بالوصف كاف؛ لكن لما كان هذا كلياً ،
والكلي لا يوجد إلا معيناً، كان تعيين الأصل مما يعلم به تحقق هذا الكلي،
وهذا أمر نافع فى الشرعيات والعقليات ، فعلمت أن القياس حيث قام الدليل على
أن الجامع مناط الحكم أو على إلغاء الفارق بين الأصل والفرع فهو قياس
صحيح، ودليل صحيح، فى أي شيء كان .
وقد تنازع الناس في مسمى ((القياس)). فقالت طائفة من أهل الأصول:
هو حقيقة في قياس التمثيل مجاز في قياس الشمول - كأبى حامد الغزالي وأبى
محمد المقدسى. وقالت طائفة: بل هو بالعكس حقيقة فى الشمول مجاز فى التمثيل-
١١٨

كابن حزم وغيره. وقال جمهور العلماء بل هو حقيقة فيها، والقياس العقلي
يتناولهما جميعاً، وهذا قول أكثر من تكلم في أصول الدين وأصول الفقه وأنواع
العلوم العقلية وهو الصواب ، فإن حقيقة أحدهما هو حقيقة الآخر وإنما تختلف
صورة الاستدلال .
و ((القياس فى اللغة)) تقدير الشيء بغيره ، وهذا يتناول تقدير
الشيء المعين بنظيره المعين ، وتقديره بالأمر الكلى المتناول له
ولأمثاله ، فإن الكلى هو مثال فى الذهن لجزئياته ؛ ولهذا كان
مطابقاً موافقاً له .
و ((قياس الشمول)) هو انتقال الذهن من المعين إلى المعنى العام المشترك
الكلي المتناول له ولغيره، والحكم عليه بما يلزم المشترك الكلي بأن ينتقل من
ذلك الكلي اللازم إلى الملزوم الأول، وهو المعين فهو انتقال من خاص إلى
عام، ثم انتقال من ذلك العام إلى الخاص ، من جزئى إلى كلي، ثم من ذلك
الكلي إلى الجزئى الأول ، فيحكم عليه بذلك الكلي .
ولهذا كان الدليل أخص من مدلوله الذي هو الحكم فإنه يلزم من وجود
الدليل وجود الحكم واللازم لا يكون أخص من ملزومه، بل أعم منه أو مساويه،
وهو المعنى بكونه أعم .
١١٩

والمدلول الذي هو محل الحكم وهو المحكوم عليه المخبر عنه الموصوف
الموضوع إما أخص من الدليل أو مساويه ، فيطلق عليه القول بأنه أخص منه
لا يكون أعم من الدليل؛ إذلو كان أعم منه، لم يكن الدليل لازماً له، فلا يعلم
ثبوت الحكم له، فلا يكون الدليل دليلاً، وإنما يكون؛ إذا كان لازماً للمحكوم
عليه الموصوف المخبر عنه الذي يسمى الموضوع. والمبتدأ مستلزماً للحكم الذي هو
صفة وخبر وحكم، وهو الذي يسمى المحمول والخبر، وهذا كالسكر الذي
هو أعم من النبيذ المتنازع فيه، وأخص من التحريم، وقد يكون الدليل مساوياً
فى العموم والخصوص للحكم لازماً للمحكوم عليه. فهذا هو جهة دلالته
سواء صور قياس شمول وتمثيل أو لم يصور كذلك . وهذا أمر يعقله
القلب وإن لم يعبر عنه اللسان . ولهذا كانت أذهان بني آدم تستدل
بالأدلة على المدلولات وإن لم يعبروا عن ذلك بالعبارات المبينة لما فى نفوسهم ،
وقد يعبرون بعبارات مبينة لمعانيهم ، وإن لم يسلكوا اصطلاح طائفة معينة من
أهل الكلام ولا المنطق ولا غيرهم ، فالعلم بذلك الملزوم لا بد أن يكون بيناً
بنفسه أو بدليل آخر .
وأما ((قياس التمثيل)) فهو انتقال الذهن من حكم معين إلى حكم معين ،
لاشتراكهما فى ذلك المعنى المشترك الكلي ؛ لأن ذلك الحكم يلزم
المشترك الكلي . ثم العلم بذلك اللزوم لا بد له من سبب ، إذا لم يكن
بيناً كما تقدم، فهو يتصور المعينين أولاً، وهما الأصل والفرع ثم ينتقل إلى لازمهما
١٢٠