Indexed OCR Text

Pages 501-520

أنه لو شاء العبد لفعله لقدرته عليه فهذا يجوز تكليفه بلا نزاع ؛ وإن سماه
بعضهم بما لا يطاق فهذا نزاع لفظي ؛ ونزاع في أن القدرة هل يجوز أن تتقدم
الفعل أم لا ؟؟
فصل
وأما قوله :
وعندك المكره معذور
والجبر إن صح يكن مكرهاً
فيقال: قد تقدم بيان معنى ((الجبر))؛ وأن الجبر إذا أريد به الإكراه كما
يجبر الإنسان غيره، ويكرهه على خلاف مراده ؛ فالله تعالى أجل وأعلى وأقدر
من أن يحتاج إلى مثل هذا الجبر والإكراه ؛ فإن هذا إنما يكون من عاجزيعجز
عن جعل غيره مريداً لفعله مختاراً له محباً له راضياً به، والله سبحانه على كل
شيء قدير ، فإذا شاء أن يجعل العبد محباً لما يفعله ؛ مختاراً له جعله كذلك ؛
وإن شاء أن يجعله مريداً له بلا محبة بل مع كراهة فيفعله كارهاً له
جعله كذلك .
وليس هذا كإكراه المخلوق للمخلوق ؛ فإن المخلوق لا يقدر أن يجعل
فى قلب غيره لا إرادة وحباً ، ولا كراهة وبغضاً، بل غايته أن يفعل ما يكون
٥٠١

سبباً لرغبته أو رهبته؛ فإذا أكرهه فعل به من العقاب أو الوعيد ما يكون
سبباً لرهبته وخوفه ؛ فيفعل ما لا يختار فعله ، ولا يفعله راضياً بفعله ؛ ويكون
مراده دفع الشر عنه؛ فهو مريد للفعل ؛ لكن المقصود دفع الشر عنه؛ لا
نفس الفعل ، ولهذا قد يسمى مختاراً؛ ويسمى غير مختار باعتبار ، ويسمى
مربداً ، ويسمى غير مريد باعتبار .
ولكن اللغة العربية لا يسمى فيها مختاراً بل مكرهاً؛ وهي لغة الفقهاء.
كما ثبت فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا دعا أحدكم
فلا يقل : اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت ولكن ليعزم المسألة ؛
فإن الله لا مكره له». فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن من يفعل بمشيئته
لا يكون مكرهاً ، والمكره يفعل بمشيئة غيره؛ وهو المكره له ، فإنه وإنكان
قاصداً لما يفعله ليس هو بمنزلة المفعول به الذي لا قدرة له ولا إرادة له فى الفعل
بحال ، فإن مقصوده بالقصد الأول دفع الشىء لا نفس الفعل ،
فالمراتب ثلاثة :
(أحدها ) من يفعل به الفعل من غير قدرة له على الامتناع ، كالذي يحمل
بغير اختياره ويدخل إلى مكان أو يضرب به غيره، أو تضجع المرأة وتفعل
بها الفاحشة بغير اختيارها ؛ من غير قدرة على الامتناع ؛ فهذا ليس له فعل
اختياري ؛ ولا قدرة ولا إرادة. ومثل هذا الفعل ليس فيه أمر ولا نهي ؛
ولا عقاب باتفاق العقلاء ، وإنما يعاقب إذا أمكنه الامتناع فتركه؛ لأنه إذا لم
٥٠٢

يمتنع كان مطاوعا لا مكرهاً ، ولهذا فرق بين المرأة المطاوعة على الزنا
والمكرهة عليه .
و (الثانية) أن يكره بضرب أو حبس أو غير ذلك حتى يفعل ، فهذا
الفعل يتعلق به التكليف فإنه يمكنه أن لا يفعل ، وإن قتل . ولهذا قال الفقهاء
إذا أكره على قتل المعصوم، لم يحل له قتله . وإن قتل فقد اختلفوا في القود .
فقال: أكثرهم كمالك وأحمد والشافعى في أحد قوليه يجب القود على المكر.
والمكره؛ لأنهما جميعاً يشتركان فى القتل. وقال أبو حنيفة، يجب على المكره
الظالم لأن المكره قد صار كالآلة ، وقال زفر: بل على المكره المباشر لأنه مباشر
وذاك متسبب ، وقال : لو كان كالآلة لما كان آئماً ، وقد
اتفقوا على أنه آثم ، وقال أبو يوسف لا تجب على واحد منهما.
وأما إن أكره على الشرب للخمر ونحوه من الأفعال ، فأكثرم يجوز
ذلك له، وهو مذهب أبى حنيفة والشافعي وأحمد فى المشهور عنه، لقوله
تعالى: ( وَلَ تُكْرِهُواأ ◌َنَتِّكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْأَرَدَنَ تَصَُّّ ◌َِغُواْ عَضَلْحَيَوَةِ الدُّنْيَأْوَمَنْ
يُكْرِهِهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) وأما إن أكره الرجل على الزنا
ففيه قولان فى مذهب أحمد وغيره.
( أحدهما ) : لا يكون مكرها عليه كقول أبى حنيفة وهو
منصوص أحمد.
٥٠٣

و (الثاني ) : قد يكون مكرها عليه كقول الشافعي وطائفة من
أصحاب أحمد .
وإذا أكره على كلمة الكفر جاز له التكلم بها مع طمأنينة
قلبه بالإيمان .
وإذا أكره على ((العقود)) كالبيع والنكاح والطلاق والظهار
والإيلاء والعتق ونحو ذلك، فمذهب الجمهور كمالك والشافعى وأحمد أن كل
قول أكره عليه بغير حق فهو باطل ، فلا يقع به طلاق ولا عتاق، ولا يلزمه
نذر ولا يمين ولا غير ذلك، وأما أبو حنيفة فيفرق بين ما يقبل الفسخ
عنده، ويثبت فيه الخيار كالبيع ونحوه فلا يلزم مع الإكراه ، وما ليس
كذلك كالنكاح والطلاق والعتاق فيلزم مع الإكراه.
وأما المكره بحق كالحربي على الإسلام فهذا يلزمه ما أكره عليه
باتفاق العلماء .
فقول الناظم :
وعندك المكره معذور
والجير إن صح يكن مكرها
قول مؤلف من مقدمتين باطلتين :
٥٠٤

(الأولى): إن صح الجبر كان مكرها، وقد عرف أن لفظ ((الجبر))
إذا أريد به الجبر المعروف من إجبار الإنسان غيره على ما لا يريده فهذا الجبر
لم يصح، وإن أريد به أن الله يخلق إرادته فهذا الجبر إذا صح
لم يكن مكرها.
و (المقدمة الثانية) قوله: والمكره عندك معذور. فليس الأمر كذلك ،
بل المكره نوعان :
( نوع) أكرهه المكره بحق، فهذا ليس بمعذور، والله تعالى لا يكره
أحداً إلا بحق، سواء قدر الإكراه بخلقه وقدره ، أو شرعه وأمره ، وإنما
المكره المعذور هو المظلوم المكره بغير حق ، والله تعالى: لا يظلم أحداً
مثقال ذرة ، بل هو الحكم العدل القائم بالقسط ، كما قال تعالى :
(شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُلَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَئِكَةُ وَأُوْلُواْالْعِلْمِ قَابِمًا بِالْقِسْطِّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ
اُلْحَكِيمُ ) .
وقد اتفق المسلمون وغيرهم على أن الله منزه عن الظلم ، لكن تنازع
الناس فى معنى ((الظلم)) الذي يجب تنزيه الرب عنه ، فجعلت القدرية من
المعتزلة وغيرهم ((الظلم)) الذي ينزه عنه الخالق من جنس ((الظلم)) الذي ينهى
عنه المخلوق ، وشبهوا الله تعالى بخلقه، فأوجبوا عليه من جنس ما يجب على
٥٠٥

المخلوق ، وتكلموا فى التعديل والتجوز بكلام متناقض كما هو معروف عنهم
وألزموا الناس إلزامات كثيرة .
(منها ) أن قالوا: إن العبد لو رأى رفقة يظلم بعضهم بعضا وهو يقدر
على منعهم من الظلم ولم يمنعهم لكان ظالما ، ومثل هذا ليس ظلماً من الله
فقالوا: هو قد نهام عن ذلك ، وعرضهم للثواب إذا أطاعوه، وللعقاب إذا
عصوه، وهم قد ظلموا باختيارهم ، ولم يمكن منعهم من ذلك إلا بالجائهم إلى
الترك، والإلجاء يزيل التكليف الذي عرضهم به للثواب .
فقال لهم الجمهور : الواحد منا لو فعل ذلك مع علمه بأن عباده لا يطيعون
أمره ولا يمتنعون عن الظلم بل يزدادون عصياناً وظلما لم يكن ذلك حكمة
ولا عدلا ، وانما يحمد ذلك من الواحد منا لعدم علمه بالعاقبة، أو لعجزه عن
المنح ، والله عليم بالعواقب ، وهو على كل شيء قدير، وإلا فإذا كان الواحد
منا يعلم أنه إذا أمرم ليعرضهم للثواب عصوه وظلم بعضهم بعضاً وجب عليه أن
يمنعهم من الظلم بالإلجاه.
وتمام الكلام فى ذلك مبسوط في موضع آخر . فإن هذا الجواب
لا يحتمل إلا التنبيه .
وقالت طائفة من مثبتة القدر - من المتقدمين ، والمتأخرين من الجهمية
٥٠٦

وأهل الكلام، والفقهاء، وأهل الحديث - الظلم منه ممتنع لذاته، فكل ممكن
يدخل تحت القدرة ليس فعله ظلما . وقالوا : الظلم التصرف في ملك الغير ،
أو الخروج عن طاعة من تجب طاعته ، وكل من هذين ممتنع في
حق الله .
وقال كثير من أهل السنة والحديث والنظار : بل الظلم هو وضع الشيء
فى غير موضعه ، ومن ذلك أن يبخس المحسن شيئاً من حسناته ، أو يحمل
عليه من سيئات غيره ، وهذا من الظلم الذي نزه الله نفسه عنه . كقوله تعالى:
(وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّلِحَتِ وَهُوَمُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَاهَضْمًا ). قال غير
واحد من السلف: ((الهضم)) أن يهضم من حسناته والظلم أن يزاد فى سيئاته
وقد قال تعالى: (أَمْ لَمْ يُنَّأْبِمَا فِ صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ اُلَّذِى وَفَىّ * أَلَّانَزِرُ وَازِرَةٌ
وِزْرَأُخْرَى * وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّ مَاسَعَى)
وقال: (قَالَ لَا تَخْصِمُواْلَدَىَّ
وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَىَّ وَمَا أَنْبِظَلَِّلِلْعِيدِ)
وفى حديث البطاقة الذي رواه الترمذي وغيره وحسنه. ورواه الحاكم
فى صحيحه عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يجاء يوم القيامة برجل
من أمتى على رؤوس الخلائق فينشر له تسعة وتسعون سجلا ، كل سجل منها
مد البصر ، ثم يقول الله تعالى له : أتنكر من هذا شيئاً؟ فيقول: لا يارب!
فيقول الله عز وجل : ألك عذر أو حسنة ؟ فيهاب الرجل فيقول : لا يارب!
فيقول الله تعالى: بلى . إن لك عندنا حسنات، وإنه لا ظلم عليك، فتخرج
٥٠٧

له بطاقة فيها : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فيقول:
يارب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات ؟ فيقول: إنك لا تظلم ، قال :
فتوضع السجلات فى كفة والبطاقة فى كفة فطاشت السجلات ، وثقلت
البطاقة ))
(أَلْيَوْمَ تُجْزَى كُلُ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَأُظُلْمَ الْيَوْمِ إِنَّ
:
وقال تعالى
اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) وقال تعالى: (وَمَاظَلَمْنَهُمْ وَلَكِنْ كَانُواْ هُمُ الظَّالِمِينَ)
وقال : ( وَمَا ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوْ أَنْفُسَهُمْ ) ومثل هذه النصوص كثيرة ،
ومعلوم أن الله تعالى لم ينف بها الممتنع الذي لا يقبل الوجود، كالجمع بين
الضدين ؛ فإن هذا لم يتوم أحد وجوده ، وليس فى مجرد نفيه ما يحصل به
مقصود الخطاب ، فإن المراد بيان عدل الله وأنه لا يظلم أحداً ، كما قال تعالى:
بل يجازيهم بأعمالهم،
(وَوَجَدُ وامَا عَمِلُواْ حَاضِرًاً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا )
ولا يعاقبهم إلا بعد إقامة الحجة عليهم، كما قال الله تعالى: (وَمَا كُنَّامُعَذِّبِينَ حَتَّى
نَبْعَثَ رَسُولًا ) وقال؛ (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِّلَّايَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ
حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) وقال تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِى أُمِّهَا
رَسُولَا يَغْلُواْ عَلَيْهِمْءَايَتِنَأْ وَمَا كُنَّامُهْلِكِى الْقُرَى إِلَّ وَأَهْلُهَا ظَلِمُونَ).
وفى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ما أحد أحب
إليه العذر من الله من أجل ذلك بعث الرسل وأنزل الكتب))
٥٠٨

ومثل هذه النصوص كثيرة وهي تبين أن الظلم الذي نزه الله نفسه عنه
ليس هو ما تقوله القدرية ولا ما تقوله الجبرية ، ومن وافقهم ، وقد بسط
ءِ
الكلام على تحقيق هذا المقام في مواضع أخَر وبين فيها حكمة الله وعدله ،
فإن هذا المقام هو من أعظم المقامات التى اضطرب فيها كثير من الأولين
والآخرين. والبسط الكثير الذى ينتهي به إلى تفصيل أقوال الناس ،
وحقيقة الأمر فى ذلك ببيان الدلائل والجواب عن المعارضات لايناسب جواب
هذا النظم . وهو مذكور فى موضع آخر .
وفى الحديث الصحيح الذي رواه مسلم فى صحيحه عن أبي ذر عن النبى
صلى الله عليه وسلم: فيما يروى عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: (( يا عبادي!
إنى حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا، يا عبادي ! كلكم
ضال إلا من هديته فاستهدونى أهدكم - يا عبادي ! كلكم جائع إلا من أطعمته
فاستطعموني أطعمكم ، يا عبادي ! كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني
أكسكم ، يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً
فاستغفروني أغفر لكم ؛ يا عبادي ! إنكم لن تبلغوا ضري فتضرونى، ولن
تبلغوا نفعي فتنفعونى، يا عبادي ! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا
على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك فى ملكى شيئاً ، يا عبادي ! لو أن
أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك
من ملكي شيئاياعبادي !لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا فى صعيد واحد فسألوني
فأعطيت كل إنسان منهم مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل
٥٠٩

البحر ، يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ، ثم أوفيكم إياها ، فمن وجد
خيراً فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه )) قال سعيد
كان أبو إدريس الخولاني إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه.
فذكر في أول هذا الحديث الالهي الذي قال فيه الإمام أحمد هو أشرف
حديث لأهل الشام، إنه حرم الظلم على نفسه. و((التحريم)) ضد الإيجاب،
وبين فى القرآن أنه كتب على نفسه الرحمة ، وهذا على قول الطائفة الثانية
المراد به مجرد خبره بمجرد الوعد والوعيد ؛ وعلى قول الآخرين ، بل هو
سبحانه كتب على نفسه الرحمة ، وحرم على نفسه الظلم كما أخبر عن نفسه
فقال تعالى: (وَكَانَ حَقَّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ) فهو حق أحقه سبحانه على
نفسه لا أن أحداً من الخلق يوجب عليه حقاً ، ولا يحرم عليه شيئاً .
وختم الحديث بقوله: ((إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها
فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجدغير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ، كما ثبت
فى الحديث الصحيح الذى رواه البخارى وغيره عن شداد بن أوس عن النبي
صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت
ربى لا إله إلا أنت خلقتني وأناعبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت،أعوذ بك
من شر ما صنعت ، أبوء لك بنعمتك علي ، وأبوء بذنبى ، فاغفر لي إنه لا يغفر
الذنوب إلا أنت . من قالها إذا أصبح موقناً بها فمات من يومه دخل الجنة،
ومن قالها إذا أمسى موقناً بها فمات من ليلته دخل الجنة ))
٥١٠

وفى هذا الحديث قوله: ((أبوء لك بنعمتك علي ، وأبوء بذنبى)) ومن
نعمه على عبده المؤمن ما ييسره له من الإيمان والحسنات فإنها من فضله وإحسانه
ورحمته وحكمته ، وسيئات العبد من عدله وحكمته ، إذ كل نعمة منه فضل ،
وكل نقمة منه عدل ، وهو لا يسأل عما يفعل لكمال حكمته ورحمته وعدله ،
لا لمجرد قهره وقدرته . كما يقوله جهم وأتباعه، وقد بسط الكلام على هذا
وبين حقيقة قوله: (( والخير بيديك، والشر ليس إليك)) وإن كان خالق
كل شيء. وبين أن الشر لم يضف إلى الله فى الكتاب والسنة إلا على أحد
وجوه ثلاثة :
إما بطريق العموم. كقوله: ( اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ ) وإما بطريقة إضافته
إلى السبب، كقوله: (مِن شَرِّمَاخَلَقَ )
وإما أن يحذف فاعله كقول الجن: (وَأَنَّالَا نَدْرِىّ أَشَرَّأُرِيدَ بِمَن فِىِ الْأَرْضِ
أَمْ أَرَادَ بِهِمْرَبُّهُمْ رَشَدًا)
وقد جمع في الفاتحة ((الأصناف الثلاثة)) فقال: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِ الْعَلَمِينَ)
وهذا عام وقال: (صِرَّطَ الَّذِينَ أَنْعَمَتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ )
فىذف فاعل الغضب. وقال: ( وَلَا الضَّالِينَ ) فأضاف الضلال
إلى المخلوق، ومن هذا قول الخليل : (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ )
٥١١
1

وقول الخضر: (فَأَرَدِتُّ أَنْ أَعِيَها ) (فَأَرَدْنَآ أَنْ يُبْدِ لَهُمَا رَتُهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَوَةً
وَأَقْرَبَ رُحْمًا ) (فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا)
وقد بسط الكلام على حقائق هذه الأمور . وبين أن الله لم يخلق شيئاً
إلا لحكمة قال تعالى: ( الَّذِىّ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَفَهُ) وقال: ( صُنْعَاللَّهِ
اُلَّذِىَ أَنْقَنَ كُلَّ شَىءٍ ) فالمخلوق باعتبار الحكمة التى خلق لأجلها خير وحكمة
وإن كان فيه شر من جهة أخرى ، فذلك أمر عارض جزئي ليس شراً محضاً ،
بل الشر الذي يقصد به الخير الأرجح هو خير من الفاعل الحكيم ، وإن كان
شراً لمن قام به .
وظن الظان أن الحكمة المطلوبة التامة قد تحصل مع عدمه ، إنما بقوله
لعدم علمه بحقائق الأمور، وارتباط بعضها ببعض ، فإن الخالق إذا خلق
الشيء فلا بد من خلق لوازمه ، فإن وجود الملزوم بدون وجود اللازم ممتنع
ولا بد من ترك خلق أضداده التى تنافيه ، فإن اجتماع الضدين المتنافيين فى
وقت واحد ممتنع .
وهو سبحانه على كل شيء قدير ، لا يستثنى من هذا العموم شيء ؛
لكن مسمى ((الشيء)) ما تصور وجوده ، فأما الممتنع لذاته فليس شيئاً
باتفاق العقلاء.
٥١٢

والقدرة على خلق المتضادات قدرة على خلقها على البدل ، فهو سبحانه
إذا شاء أن يجعل العبد متحركا جعله ، وإن شاء أن يجعله ساكناً جعله ،
وكذلك فى الإيمان والكفر وغيرها ؛ لكن لايتصور أن يكون العبد فى الوقت
الواحد متصفاً بالمتضادات فيكون مؤمناً صديقاً من أولياء الله المتقين ، كافراً
منافقاً من أعداء الله ، وإن كان يمكن أن يجتمع فيه شعبة من الإيمان وشعبة
من النفاق .
والذي يجب على العبد أن يعلم أن علم الله وقدرته وحكمته ورحمته فى غاية
الكمال الذى لا يتصور زيادة عليها ، بل كلما أمكن من الكمال الذي لا نقص
فيه فهو واجب للرب تعالى ، وقد يعلم بعض العباد بعض حكمته ، وقد يخفى
عليهم منها ما يخفى .
والناس يتفاضلون فى العلم بحكمته ورحمته وعدله ، وكلما ازداد العبد علماً
بحقائق الأمور ازداد علماً بحكمة الله وعدله ورحمته وقدرته ، وعلم أن الله منعم
عليه بالحسنات عملها وثوابها ، وأن ما يصيبه من عقوبات ذنوبه فيعدل الله
تعالى ، وأن نفس صدور الذنوب منه - وإن كان من جملة مقدورات الرب -
فهو لنقص نفسه وعجزها وجهلها الذي هو من لوازمها ، وأن ما فى نفسه من
الحسنات فهو من فعل الله وإحسانه وجوده ، وأن الرب مع أنه قد خلق
النفس وسواها ، وألهمها فجورها وتقواها ، فإلهام الفجور والتقوى وقع
٥١٣

بحكمة بالغة ، لو اجتمع الأولون والآخرون من عقلاء الآدميين على أن يروا
حكمة أبلغ منها لم يروا حكمة أبلغ منها.
لكن تفصيل حكمة الرب مما يعجز كثير من الناس عن معرفتها ، ومنها
ما يعجز عن معرفته جميع الخلق حتى الملائكة ؛ ولهذا قالت الملائكة لما قال
(إِ جَاعِلٌ فِ الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَّجَعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُفِيهَا
الله تعالى لهم :
قال: (إِنَّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ) فتكفيهم المعرفة
وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ )
المجملة والإيمان العام .
والله سبحانه قد أمرم أن يطلبوا منه جميع ما يحتاجون إليه من هدى
ورشاد وصلاح فى المعاش والمعاد ؛ ومغفرة ورحمة؛ وكان النبي صلى الله عليه
وسلم يقول فى الحديث الصحيح : ((اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفة
والغنى)) ويقول: ((اللهم آت نفسي تقواها ؛ وزكها أنت خير من زكاها
أنت وليها ومولاها)) ويقول: «اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري
وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخربى التى فيها معادي، واجعل
الحياة زيادة لي فى كل خير ؛ واجعل الموت راحة لي من كل شر)» وكل هذا
فى الأحاديث التى في الصحيح .
وفي صحيح مسلم أنه كان يقول إذا قام من الليل: ((اللهم رب جبريل
وميكائيل وإسرافيل ؛ فاطر السموات والأرض ؛ عالم الغيب والشهادة أنت
٥١٤

تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون. اهدنى لما اختلف فيه من الحق بإذنك
إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)) .
وقد أمرنا الله تعالى أن نقول فى صلاتنا: (أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِمَ
(صِرَّطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِالْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ ) وهذا
*
أفضل الأدعية وأوجبها على العباد .
ومن تحقق بهذا الدعاء جعله الله من أهل الهدى والرشاد؛ فإنه سميع
الدعاء لا يخلف الميعاد، والله أعلم .
٥١٥

وسئل
عن المقتول: هل مات بأجله؟ أم قطع القاتل أجله؟
فأجاب: المقتول كغيره من الموتى، لا يموت أحد قبل أجله، ولا يتأخر
أحد عن أجله. بل سائر الحيوان والأشجار لها آجال لا تتقدم ولا تأخر. فإن
أجل الشيء هو نهاية عمره وعمره مدة بقائه، فالعمر مدة البقاء ، والأجل نهاية
العمر بالانقضاء .
وقد ثبت فى صحيح مسلم وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
((قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة.
وكان عرشه على الماء)» وثبت فى صحيح البخاري أن النبى صلى الله عليه وسلم
قال: ((كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر
كل شيء وخلق السموات والأرض ، وفى لفظ ــ ثم خلق السموات
والأرض )). وقد قال تعالى: ﴿فَإِذَاجَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَشْخِرُونَ سَاعَةٌ
وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ) .
والله يعلم ما كان قبل أن يكون؛ وقد كتب ذلك، فهو يعلم أن هذا يموت
٥١٦

بالبطن ، أو ذات الجنب، أو الهدم أو الغرق أو غير ذلك من الأسباب، وهذا
يموت مقتولاً: إما بالسم، وإما بالسيف وإما بالحجر وإما بغير ذلك ، من
أسباب القتل .
وعلى الله بذلك وكتابته له بل مشيئته لكل شيء وخلقه لكل شيء لا يمنع
المدح والذم والثواب والعقاب؛ بل القاتل: إن قتل قتيلاً أمر الله به ورسوله،
كالمجاهد فى سبيل الله أثابه الله على ذلك، وإن قتل قتيلاً حرمه الله ورسوله
كقتل القطاع والمعتدين ، عاقبه الله على ذلك، وإن قتل قتيلاً مباحاً - كقتيل
المقتص - لم يتب ولم يعاقب إلا أن يكون له نية حسنة، أو سيئة
فى أحدهما .
والأجل أجلان ((أجل مطلق)) يعلمه الله، ((وأجل مقيد)) وبهذا يتبين
معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (( من سره أن يبسط له فى رزقه وينسأ له في
أثره فليصل رحمه)) فإن الله أمر الملك أن يكتب له أجلا وقال: ((إن وصل رحمه
زدته كذا وكذا)» والملك لا يعلم أيزداد أم لا؛ لكن الله يعلم ما يستقر عليه الأمر
فإذا جاء ذلك لا يتقدم ولا يتأخر.
ولو لم يقتل المقتول ، فقد قال بعض القدرية: إنه كان يعيش ، وقال بعض
نفاة الأسباب: إنه يموت، وكلاهما خطأ؛ فإن اللّه على أنه يموت بالقتل، فإذا قدر
خلاف معلومه کان تقديراً لما لا يكون لو كان كيف کان یکون، وهذا قد
يعلمه بعض الناس، وقد لا يعلمه، فلو فرضنا أن الله على أنه لا يقتل أمكن أن
٥١٧

يكون قدر موته فى هذا الوقت ، وأمكن أن يكون قدر حياته إلىوقت
آخر فالجزم بأحد هذين على التقدير الذي لا يكون جهل .
وهذا كمن قال : لو لم يأكل هذا ما قدر له من الرزق كأن يموت أو
يرزق شيئاً آخر ، وبمنزلة من قال: لو لم يحبل هذا الرجل لهذه المرأة هل
تكون عقيماً أو يحبلها رجل آخر ، ولو لم تزدرع هذه الأرض هل كان يزدرعها
غيره، أم كانت تكون مواتاً لايزرع فيها، وهذا الذي تعلم القرآن من هذا،
لو لم يعلمه : هل كان يتعلم من غيره ؟ أم لم يكن يتعلم القرآن ألبتة ،
ومثل هذا كثير.
٥١٨

سئل شيخ الإسلام
عن الغلاء والرخص : هل هما من الله تعالى أم لا ؟؟
فأجاب: جميع ما سوى اللّه من الأعيان وصفاتها وأحوالها مخلوقة لله،
مملوكة لله، هو ربها وخالقها ومليكها ومديرها ، لا رب لها غيره، ولا إله
سواه ؛ له الخلق والأمر، لا شريك له فى شىء من ذلك، ولا معين ؛ بل هو
كما قال سبحانه: (قُلِ أَدْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِلَ يَمْلِكُونَ مِنْقَالَ ذَرَّةٍ
فِي السَّمَوَتِ وَلَا فِ اُلْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْءٍ وَمَالَهُ مِنْهُمْ مِّنْ ظَهِيرٍ * وَلَا نَفَعُ
الشَّفَةُ عِندَهُ إِلَّ لِمَنْ أَذِينَ لَهُ ) .
أخبر سبحانه أن ما يدعى من دونه ليس له مثقال ذرة فى السموات ولا
في الأرض ، ولا شرك فى ملك، ولا إعانة على شيء. وهذه الوجوه الثلاثة: هي
التى ثبت بها حق الغير؛ فإنه إما أن يكون مالكاً للشيء مستقلا بملكه، أو
يكون مشاركاً له فيه نظير، أو لا ذا ولا ذاك، فيكون معيناً لصاحبه: كالوزير
والمشير والمعلم والمنجد والناصر ، فبين سبحانه أنه ليس لغيره ملك لمثقال ذرة فى
السموات ولا فى الأرض، ولا لغيره شرك فى ذلك لا قليل ولا كثير؛ فلا
٥١٩

يملكون شيئاً؛ ولا لهم شرك فى شيء؛ ولا له سبحانه ظهير: وهو المظاهر
المعاون ، فليس له وزير ولا مشير ولا ظهير .
وهذا كما قال سبحانه: (وَقُلِ اَلْحَمْدُ لِلَّهِالَّذِى لَمْ يَتَّخِذُ وَلَّا وَلَمْيَكُنْ لَّهُ شَرِيٌ فِى
فإن المخلوق يوالي
الْمُلْكِ وَلَوْ يَكُن ◌َّهُ وَلٌِ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِهُتَكْبِيَ )
المخلوق لذله ؛ فإذا كان له من يواليه عن بوليه ؛ والرب تعالى لا يوالي
أحداً لذلته تعالى، بل هو العزيز بنفسه و(مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِالْعِزَّةُ جَمِيعًا )
وإنما يوالي عباده المؤمنين لرحمته ونعمته وحكمته ، وإحسانه وجوده
وفضله وإنعامه .
وحينئذ: فالغلاء بارتفاع الأسعار ؛ والرخص بانخفاضها، هما من جملة
الحوادث التى لا خالق لها إلا الله وحده ؛ ولا يكون شيء منها إلا بمشيئته
وقدرته ؛ لكن هو سبحانه قد جعل بعض أفعال العباد سبباً فى بعض الحوادث،
كما جعل قتل القاتل سبباً فى موت المقتول ، وجعل ارتفاع الأسعار قد يكون
بسبب ظلم العباد، وانخفاضها قد يكون بسبب إحسان بعض الناس ، ولهذا
أضاف من أضاف من القدرية المعتزلة وغيرم الغلاء والرخص إلى بعض الناس،
وبنوا على ذلك أصولاً فاسدة :
(أحدها ) : أن أفعال العباد ليست مخلوقة لله تعالى.
٥٢٠
:
:
أ