Indexed OCR Text

Pages 481-500

فصل
وأما قول الناظم السائل:
لأنهم قد صرحوا أنه
على الإرادات لمقسور
فيقال له: القسر على الإرادة منه. إذا أريد به أنه جعله مريدا فهذا حق ،
لكن تسمية مثل هذا قسراً وإكراهاً وجبراً تناقض لفظاً ومعنى، فإن المقور
المكره المجبور لا يكون مريداً مختاراً محباً راضياً ، والذي جعل مختاراً محباًراضياً
لا يقال إنه مقسور مکره مجبور .
وإذا قيل : المراد بذلك أنه جعل مريداً بمشيئة الله وقدرته بدون إرادة منه
متقدمة اختار بها أن يكون مربداً. قيل لهم : هذا المعنى حق سواء سمي قسراً،
أو لم يسم . ولكن هذا لايناقض كونه مختاراً، فإن من جعل مريداً مختاراً قد
أثبت له الإرادة والاختيار، والشيء لا يناقض ذاته ولا ملازمه، فلا يجوز أن
يقال كيف يكون المختار قد جعل مختاراً ، والمريد جعل مريداً .
وإذا قيل: يخير على أن يكون مختاراً. قيل: معنى ذلك أن الله جعله
٤٨١

مختاراً بغير إرادة منه سابقة لأن يكون مختاراً، كما جعله قادراً، وجعله عالماً ،
وجعله حياً، وجعله أسود وأبيض وطويلاً وقصيراً. ومعلوم أن اللّه إذا جعله
موصوفاً بصفة لم يناقض ذلك انصافه بتلك الصفة ، فإن اللّه إذا جعله على صفة
كان كونه على تلك الصفة ؛ لأن ما جعل الله له ؛ فإنه ما شاء كان وما لم يشأ
لم يكن، وإذا كان كونه مختاراً وعالماً وقادراً أمرا ملازماً لمشيئة الله وجعله،
والمتلازمان لا يناقض أحدهما الآخر ، بل بجامعه ولا يفارقه ، فيكون اختيار
العبد مع إطلاق الجبر الذي يعنى به أن الله جعله مختاراً أمرين
متلازمين ، لا أمرين متناقضين ، ولا عجب من اجتماع المتلازمين ، إنما
العجب من تناقضها .
فصل
وأما قول السائل :
على الإرادات لمقسور
لأنهم قد مرحوا أنه
حقيقة ، والحكم مشهور
ولم يكن فاعل أفعاله
فيقال له : المصرح بأنه غير فاعل حقيقة م الجهمية : أتباع الجهم بن صفوان
ومن وافقهم من المتأخرين ، ولم يصرح بهذا أحد من الصحابة والتابعين لهم
٤٨٢

بإحسان، ولا أئمة المسلمين: لا الأئمة الأربعة ، ولا غيرهم ، بل الذين تكلموا
بلفظ الحقيقة والمجاز واتبعوا السلف فى هذا الأصل كلهم يقولون: إنه فاعل
حقيقة كما صرح بذلك أئمة أصحاب الأئمة الأربعة - أصحاب أبي حنيفة ،
ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل ، وغيرم - وكتبهم مشحونة بذلك .
وأما الذين قالوا: إنه فاعل مجازاً؛ وقالوا: إن الفعل لايقوم بالفاعل .
بل الفعل هو المفعول ، فهؤلاء يلزمهم ألا يكون لأفعال العباد فاعل لا
الرب ولا العبد أما العبد. فإنها وإن قامت به الأفعال فإنه غير فاعل لها عندهم.
وأما الرب فعند لم يقم به فعل، لاهذه ولا غيرها ، والفاعل المعقول من قام
به الفعل ، كما أن المتكلم المعقول من قام به الكلام والمريد المعقول من قامت
به الإرادة ، والحي والعالم والقادر من قامت به الحياة والعلم والقدرة .
والمتحرك من قامت به الحركة؛ فإثبات هؤلاء فاعلا لا يقوم به فعل كإثبات
متقدميهم من الجهمية والمعتزلة متكلما لايقوم به كلام ؛ ومريداً لا تقوم به إرادة
وعالما لا يقوم به على ؛ وقادراً لاتقوم به قدرة ؛ وهذا كله باطل كما قرروه فى
مسألة ((كلام الله))؛ وإثبات ((صفاته)» كما قد بسط فى موضعه .
فإن الأصل الذي وافقوا به أئمة السنة واحتجوا به على المعتزلة هو : أن
المعنى إذا قام بمحل عاد حكمه على ذلك المحل ؛ واشتق لذلك المحل منه اسم ؛
ولم يشتق لغيره منه اسم وعاد حكمه على ذلك المحل؛ ولم يعد على غيره؛
كما أن الحركة والسواد والبياض والحرارة والبرودة إذا قامت بمحل كان هو
٤٨٣

المتحرك الأسود الأبيض الحار البارد دون غيره. قالوا: فكذلك الكلام
والإرادة إذا قاما بمحل كان ذلك المحل هو المتكلم المريد دون غيره. قالوا :
فلا يكون المتكلم متكلما إلا بكلام يقوم به ؛ ولا مريدا إلا بإرادة تقوم
به؛ وكذلك لا يكون حيا علماً قادراً إلا بحياة وعلم وقدرة تقوم به؛ وطرد
هذا أنه لا يكون فاعلا إلا بفعل يقوم به .
ولهذا استعاذ النبى صلى الله عليه وسلم بصفات الله تعالى وأفعاله وذاته فقال
((اللهم ! إنى أعوذ برضاك من سخطك؛ وبمعافاتك من عقوبتك ؛ وبك منك
لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك)). وهذا مما استدل به
الأئمة أحمد بن حنبل وغيره على أن كلام الله ليس بمخلوق ؛ قالوا: لأنه استعاذ
به ولا يستعاذ بمخلوق .
فصل
وأما قول السائل :
ما يلحق الفاعل تأثير
ومن هنا لم يكن للفعل فى
فإن أراد بذلك : أنه لاتأثير للفعل فيما يلحق الفاعل من المدح والذم
والثواب والعقاب ؛ فهذا إنما يقوله منكرو الأسباب ؛ كجمهم ومن
٤٨٤

وافقه ؛ وإلا فالسلف والأئمة متفقون على إثبات الأسباب والحكم:
خلقاً وأمراً .
ففي ((الأمر)) مثل ما يقول الفقهاء؛ الأسباب المثبتة للإرث ((ثلاثة)):
نسب ونكاح وولاء عتق ؛ واختلفوا فى المحالفة ؛ والإسلام على يديه وكونهما
من أهل الديوان؛ منهم من يجعل ذلك سببا للإرث: كأبى حنيفة ومنهم من لا
يجعله سببا : كمالك والشافعى. وعن أحمد روايتان. ومثل ما يقولون: ملك
النصاب سبب لوجوب الزكاة والقتل العمد العدوان المحض سبب للقود؛
والسرقة سبب للقطع .
ومذهب الفقهاء أن السبب له تأثير فى مسببه ، ليس علامة محضة ،
وإنما يقول : إنه علامة محضة طائفة من أهل الكلام الذين بنوا على قول
جهم ؛ وقد يطلق ما يطلقونه طائفة من الفقهاء ، وجمهور من يطلق ذلك
من الفقهاء يتناقضون. تارة يقولون: بقول السلف والأئمة ، وتارة
يقولون : بقول هؤلاء .
وكذلك الحكمة وشرع الأحكام للحكم مما اتفق عليه الفقهاء مع
السلف .
وكذلك الحكمة فى ((الخلق)) والقرآن مملوء بذلك فى ((الخلق، والأمر))
٤٨٥

ومملوء بأنه يخلق الأشياء بالأسباب ، لا كما يقوله أتباع جهم ، إنه يفعل عندها
لا بها، كقوله تعالى: ( أَنْزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَحْيَابِهِ الْأَرْضَ بَعْدَمَوْتِهَآَ )
وقوله : ( وَنَّْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ مُّبَرَكَا فَأَنْبَتْنَابِهِ، جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ
بَاسِقَاتٍ لَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْبَيْنَابِهِ، بَلْدَةَّ مَّيْنًا) وقوله: ( وَهُوَ اُلَّذِى
يُرْسِلُ الْرِّيَحَ بُشْرًابَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ، حَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالَا سُقْنَهُ لِبَلَدِمَّيْتٍ
فَأَلْنَا بِهِ الْمَآءَ فَأَخْرَجْنَابِهِ، مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ) وقوله: (يَهْدِى بِهِ اُللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ
رِضْوَنَهُ، سُبُلَ السَّلَمِ) وقوله: (قَتِلُوهُمْ يُعَذِّ بْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ)
ونحو ذلك .
وأما دخول لام كي فى الخلق والأمر فكثير جداً ، وهذا مبسوط
فى موضعه .
وقد بسط حجج نفاة الحكمة والتعليل العقلية والشرعية ، وبين فسادها
كما بين فساد حجج المعتزلة والقدرية .
وحينئذ فالأفعال سبب للمدح والذم والثواب والعقاب .
والفقهاء المثبتون للأسباب والحكم قسموا خطاب الشرع وأحكامه إلى
((قسمين)) خطاب تكليف ، وخطاب وضع وأخبار ، كجعل الشيء سبباً
وشرطاً ومانعاً ، فاعترض عليهم نفاة ذلك ؛ بأنكم إن أردتم بكون الشيء
٤٨٦

سباً أن الحكم يوجد إذا وجد فليس هنا حكم آخر ، وإن أردتم معنى آخر
فهو ممنوع.
وجوابهم أن المراد أن الأسباب تضمنت صفات مناسبة للحكم ، شرع
الحكم لأجلها، وشرع لإفضائه إلى الحكمة كما قال تعالى: (إِنَ الصَّلَوةَ
تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِّ وَلَذِكْرُ اللَّهِأَكْبَرُ) وقال تعالى: (إِنَّمَايُرِيدُ
الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَاَلْبَغْضَآءَ فِى الْخَمْرِوَالْمَيْسِرِ ) الآية.
وكذلك أيضاً الذين قالوا لا تأثير لقدرة العبد فى أفعاله م هؤلاء أتباع
جهم نفاة الأسباب ؛ والا فالذي عليه السلف وأتباعهم وأئمة أهل السنة وجمهور
أهل الإسلام المثبتون للقدر المخالفون للمعتزلة إثبات الأسباب ، وأن قدرة
العبد مع فعله لها تأثير كتأثير سائر الأسباب في مسبياتها؛ والله تعالى خلق
الأسباب والمسببات . والأسباب ليست مستقلة بالمسببات ؛ بل لابدلها
من أسباب أخر تعاونها ، ولها - مع ذلك - أضداد تمانعها، والمسبب
لا يكون حتى يخلق الله جميع أسبابه ، ويدفع عنه أضداده المعارضة له، وهو
سبحانه يخلق جميع ذلك بمشيئته وقدرته كما يخلق سائر المخلوقات، فقدرة العبد
سبب من الأسباب ، وفعل العبد لا يكون بها وحدها بل لا بد من الإرادة
الجازمة مع القدرة .
وإذا أريد بالقدرة القوة القائمة بالإنسان فلا بد من إزالة الموانع ، كإزالة
٤٨٧

القيد والحبس ونحو ذلك ، والصاد عن السبيل كالعدو وغيره.
فصل
وقوله تعالى: (وَمَا تَشَآءُ ونَ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ ) لايدل على أن العبد
ليس بفاعل لفعله الاختيارى ، ولا أنه ليس بقادر عليه ، ولا أنه ليس مريد ؛
بل يدل على أنه لا يشاؤه إلا أن يشاء الله، وهذه الآية رد على الطائفتين : المجبرة
الجهمية، والمعتزلة القدرية، فإنه تعالى قال: ( لِمَن شَآءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيَمَ)
فأثبت للعبد مشيئة وفعلا، ثم قال: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ)
فبين أن مشيئة العبد معلقة بمشيئة الله. والأولى رد على الجبرية، وهذه
رد على القدرية ، الذين يقولون : قد يشاء العبد مالا يشاؤه الله كما يقولون:
إن الله يشاء مالا يشاؤون .
وإذا قالوا: المراد بالمشيئة هنا الأمر على أصلهم، والمعنى وما يشاؤون فعل
ما أمر الله به إن لم يأمر الله به . قيل: سياق الآية يبين أنه ليس المراد هذا؛
بل المراد وما تشاؤون بعد أن أمرتم بالفعل أن تفعلوه إلا أن يشاء الله ، فإنه
تعالى ذكر الأمر والنهي والوعد والوعيد ثم قال بعد ذلك: (إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ
فَمَنْ شَآءَ أَتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا * وَمَا تَشَآءُ ونَ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ ) . وقوله :
(وَمَا تَشَآءُونَ) نفي لمشيئتهم فى المستقبل. وكذلك قوله: (إِلَّا أَن يَشَآءَ اللَّهُ)
٤٨٨

تعليق لها بمشيئة الرب فى المستقبل ، فإن حرف ( أن ) تخلص الفعل المضارع
للاستقبال، فالمعنى: إلا أن يشاء بعد ذلك، والأمر متقدم على ذلك، وهذا
كقول الإنسان: لا أفعل هذا إلا أن يشاء الله .
وقد اتفق السلف والفقهاء على أن من حلف فقال: الأصلين غداً إن
شاء الله، أو لأقضين ديني غداً إن شاء الله، ومضى الغد ولم يقضه أنه
لا يحنث، ولو كانت المشيئة هي الأمر لحنث ؛ لأن الله أمره بذلك، وهذا
ما احتج به على القدرية ، وليس لهم عنه جواب، ولهذا خرق بعضهم
الإجماع القديم وقال إنه يحنث .
و ( أيضاً) فقوله: (وَمَا تَشَآءُ ونَ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ ) سيق لبيان مدح
الرب والثناء عليه ببيان قدرته، وبيان حاجة العباد إليه، ولو كان المراد لا
تفعلون إلا أن يأمركم لكان كل أمر بهذه المثابة، فلم يكن ذلك من خصائص
الرب التى يمدح بها، وإن أريد أنهم لايفعلون إلا بأمره كان هذا مدحا
لهم ؛ لا له .
٤٨٩

فصل
وقوله :
لم يك للخالق تقدير
( وكل شيءٍ). ثم لو سلمت
إن أراد به أنه لو سلم أن العبد فاعل أفعاله حقيقة ونحو ذلك من أقوال
السلف لزم نفي التقدير فهذا التلازم ممنوع .
وإن أراد أنه لو سلم أن يشاء مالم يشأ الله ، لزم انتفاء مشيئة الله عن
المحرمات والمباحات باتفاق الناس ، بل يلزم انتفاء مشيئته فى الحقيقة لأفعال
العباد كلها ، كما يلزم انتفاء قدرته على أفعال العباد كلها ، وانتفاء خلقه لشىء
منها وفى ذلك نفي هذا التقدير الذي هو بمعنى المشيئة والقدرة والخلق .
وأما التقدير الذي هو بمعنى تقديرها فى نفسه وعلمه بها ، وخبره عنها
وكتابته لها ، فهذا إنما يلزم لزوماً بينا على قول من ينكر العلم المتقدم ، وجمهور
القدرية لا تنكره ، لكن إذا جوزوا حدوث حوادث كثيرة بدون مشيئته
وقدرته وخلقه ، أثبتوا فى العالم حوادث كثيرة يحدثها غيره ، وهو غير قادر
على إحداثها وحينئذ فلا يمكنهم الاستدلال بقوله: ( أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ)
٤٩٠

على أنه عالم بها، فإنه لم يخلقها عندم ؛ فقد ينازعهم إخوانهم القدرية في
علمه بها قبل أن تكون ، ولا يمكنهم الاحتجاج عليهم بهذه الآية ، وقد
يقولون علمه بها مع أمره بخلاف المعلوم يقتضي تكليف مالا يطاق ، لأن
خلاف المعلوم ممتنع ، فلا يكون عالما بها ، فيلزمونهم بنفي التقدير السابق .
فصل
وقوله :
أو كان فاللازم من كونه
حدوثه والقول مهجور
كأنه يريد -والله أعلم-أو كان الله مقدراً لها عالما بها، فيلزم من كونه عالما
بها مقدراً لها بعد أن تكون حدوث العلم بها بعد أن كانت ، ويلزم أن لا
يكون الرب عالما بأفعال العباد ، ولا مقدراً لها حتى فعلت وهذا القول مهجور
باطل ، مما اتفق على بطلانه سلف الصحابة والتابعين لهم بإحسان ، وسأر
علماء المسلمين، بل كفروا من قاله ، والكتاب والسنة مع الأدلة العقلية
تبین فساده .
فإن الله قد أخبر عما يكون من أفعال العباد قبل أن تكون، بل أعلم
بذلك من شاء من ملائكته وغير ملائكته، قال تعالى: (وَإِذْقَالَ رَبُّكَ
٤٩١

لِلْمَلَتِكَةِ إِ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْأَ تَجَعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ
وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكِّ قَالَ إِنّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ)
فالملائكة حكموا بأن الآدميين يفسدون ويسفكون الدماء قبل أن يخلق الإنس
ولا علم لهم إلا ما علمهم الله؛ كما قالوا: (لَعِلْمَ لَنَا إِلَّ مَا عَلَّمْتَنَآ ) ثم قال:
( إِّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ) وتضمن هذا مايكون فيما بعد من آدم وإبليس وذريتها
وما يترتب على ذلك .
ودلت هذه الآية على أنه يعلم أن آدم يخرج من الجنة فإنه لولا خروجه
من الجنة لم يصر خليفة فى الأرض فإنه أمره أن يسكن الجنة ولا يأكل من
الشجرة بقوله: ( وَقُلْنَادَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا
وقال تعالى: (فَقُلْنَا يََّادَمُ إِنَّ هَذَا
نَقْرَبَا هَذِهِالشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ اْلَلِمِينَ)
عَدُوٌّلَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِحَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىَ * إِنَّلَكَ أَلَّا تَّجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى *
نهاه أن يخرجه من
وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُ اْفِيهَا وَلَا تَضْحَى )
الجنة، وهو نهي عن طاعة إبليس التى هي سبب الخروج ، وقد علم قبل
ذلك أنه يخرج من الجنة ، وأنه إنما يخرج منها بسبب طاعته إبليس وأكله
من الشجرة ؛ لأنه قال قبل ذلك : (إِنِّ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) .
ولهذا قال من قال من السلف: إنه قدر خروجه من الجنة قبل أن
يأمره بدخولها بقوله: ( إِِّ جَاعِلٌ فِ الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) وقال بعد هذا: ( وَقُلْنَا
أُهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضِ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْنَفَرٌوَ مَتَعُ إِلَ حِينٍ)
وقال
٤٩٢

(قَالَ أَهْبِطُواْبَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِىِ الْأَرْضِ مُسْتَفَرُّوَ مَتَعُّ إلَى
تعالى :
وهذا خبر عما
حِينٍ * قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ )
سيكون من عداوة بعضهم بعضا وغير ذلك . وقال تعالى: (إِنَّالَّذِينَ
حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَيُؤْمِنُونَ * وَلَوْجَاءَ تْهُمْ كُلّ ءَايَةٍ ) وقال: (إِنَّ
الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءُ عَلَيْهِمْ ءَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْلَمْ نُنْذِرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) وهذا خبر عن المستقبل
وأنهم لا يؤمنون . وقال تعالى: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ)
وقال: ( وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِى لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
(
وهذا قسم منه على ذلك، وهو الصادق البار في قسمه ، وصدقه مستلزم لعلمه
بما أقسم عليه ؛ وهو دليل على أنه قادر على ذلك .
وقد يستدل به على أنه خالق أفعال العباد ؛ إذ لو كانت أفعالهم غير
مقدورة له لم يمكنه أن يملأ جهنم ، بل كان ذلك إليهم إن شاء واعصوه
فملأها ؛ وإن شاءوا أطاعوه فلم يملأها .
لكن قد يقال: إنه علم أنهم يعصونه فأقسم على جزائهم على ذلك، وقد
يجاب عن ذلك بأن علمه بالمستقبل قبل أن يكون مستلزم لخلقه له ، فإنه
سبحانه لا يستفيد العلم من غيره كالملائكة والبشر، ولكن علمه من لوازم
نفسه ؛ فلو كانت أفعاله خارجة عن مقدوره ومراده لم يجب أن يعلمها كما
يعلم مخلوقاته وبسط هذا له موضع آخر .
٤٩٣

وقال تعالى عن المنافقين: (لَوْخَرَ جُواْفِيَكُم مَّازَادُوكُمْ إِلََّ خَبَالًا وَلَأَ وْضَعُواْ
خِلَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ) وهذا خبرعما سيكون منهم من الذنوب قبل أن
يفعلوها . وقال تعالى: ( قُل لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَنُّدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أَوْلِ بَأْسِ شَدِيدٍ
نُقَئِلُونَهُمْ أَوْيُسْلِمُونَ )
وهذا خبر عن دعاء من يدعوهم إلى جهاد
هؤلاء ؛ ودعاؤه لهم من جملة أفعال العباد ، ومثل هذا فى القرآن كثير .
بل العلم بالمستقبل من أفعال العباد يحصل لآحاد المخلوقين من الملائكة
والأنبياء وغيرهم ؛ فكيف لا يكون حاصلا لرب العالمين؟! وقد أخبر النبي
صلى الله عليه وسلم عما سيكون من الأفعال المستقبلة من أمته وغير أمته مما
يطول ذكره ، كإخباره بأن ابنه الحسن يصلح اللّه به بين فئتين عظيمتين
من المسلمين ؛ وإخباره بأنه تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهم
أولى الطائفتين بالحق، وإخباره بأن قوما يرتدون بعده على أعقابهم؛ وإخباره
بأن خلافة النبوة تكون ثلاثين سنة ثم تصير ملكا؛ وإخباره بأن الجيل ليس
عليه إلا نى وصديق وشهيد ؛ وكان أكثرم شهداء وإخباره يوم بدر بقتل
صناديد قريش قبل أن يقتلوا، وإخباره بخروج الدجال ونزول عيسى عليه
السلام على المنارة البيضاء شرقي دمشق وقتل عيسى عليه السلام له على
باب لد .
وإخباره بخروج يأجوج ومأجوج؛ وإخباره بخروج الخوارج الذين قال
فيهم: ((يخرج من ضفى هذا قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه
٤٩٤

مع صيامهم يقرؤون القرآن لايجاوز حناجرم يمرقون من الإسلام كما يمرق
السهم من الرمية آيتهم أن فيهم رجلا مخدج اليد على يده مثل البضعة من اللحم
تدردر )) وكان الأمر كما أخبر به لما قاتلهم علي بن أبى طالب بالنهروان ووجد
هذا الشخص كما وصفه النبى صلى الله عليه وسلم. وإخباره بقتال الترك وصفتهم
حيث قال: (( لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا الترك صغار الأعين حمر الحدود
دلف الأنف ينتعلون الشعر كأن وجوههم المجان المطرقة)) وقد قاتل المسلمون
هؤلاء الترك وغيرم لما ظهروا ومثل هذا من أخبار نبيه صلى الله عليه وسلم
أكثر من أن تذكر وهو إنما يعلم ماعلمه الله وإذا كان هو يعلم كثيراً مما يكون
من أعمال العباد فكيف الذى خلقه وعلمه مالم يكن يعلم .
وهو سبحانه لا يحيط أحد من علمه إلا بما شاء ولا يعلم أحد - لا فى
ولا غيره - إلا ما علمه الله، وقال الخضر لموسى: إني على علم من على الله علمتيه
الله لا تعلمه، وأنت على على من على الله علمكه الله لا أعلمه، ولما نقر العصفور
فى البحر قال له : ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور
من هذا البحر، وهو سبحانه القائل فى حق موسى: (وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الْأَلْوَاحِ
مِن كُلِّ شَىْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْضِيلًا لِكُلِّ شَىْءٍ ).
والمقصود أن نفي على اللّه بالحوادث أفعال العباد وغيرها قبل أن تكون باطل،
وغلاة القدرية ينفون ذلك.
٤٩٥

وأما قوله تعالى: ( وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِى كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ
مِمَن يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ). وقوله: (لِنَعْلَ أَىُّ الْحِبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُواْ
أَمَدًا ) ونحو ذلك فهذا هو العلم الذي يتعلق ، بالمعلوم بعد وجوده. وهو العلم
الذي يترتب عليه المدح والذم والثواب والعقاب، والأول هو العلم بأنه سيكون،
ومجرد ذلك العلم لا يترتب عليه مدح ولا نم ولا ثواب ولا عقاب، فإن هذا إنما
يكون بعد وجود الأفعال . وقد روي عن ابن عباس أنه قال فى هذا:
لنرى. وكذلك المفسرون قالوا: لنعلمه موجوداً بعد أن كنا نعلم أنه سيكون، وهذا
المتجدد فيه قولان مشهوران للنظار :
منهم من يقول : المتجدد هو نسبة وإضافة بين العلم والمعلوم فقط ، وتلك
نسبة عدمية .
ومنهم من يقول: بل المتجدد على بكون الشيء ووجوده، وهذا العلم
غير العلم بأنه سيكون، وهذا كما فى قوله: (وَقُلِ أَعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ.
فقد أخبر بتجدد الرؤية ، فقيل نسبة عدمية وقيل المتجدد
وَالْمُؤْمِنُونَ )
أمر ثبوتي. والكلام على القولين، ومن قال هذا وهذا، وحجتح الفريقين
قد بسطت فى موضع آخر .
وعامة السلف وأئمة السنة والحديث على أن المتجدد أمر ثبوتي كما دل عليه
النص ، وهذا مما هجر أحمد بن حنبل الحارث المحاسبى على نفيه ، فإنه كان يقول
٤٩٦

بقول ابن كلاب فر من تجدد أمر ثبوتي، وقال بلوازم ذلك.
فحالف من نصوص الكتاب والسنة وآثار السلف ما أوجب ظهور
بدعة اقتضت أن يهجره الإمام أحمد ويحذر منه . وقد قيل : إن الحارث
رجع عن ذلك .
والمتأخرون من أصحاب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأبي حنيفة على
قولين : منهم من سلك طريقة ابن كلاب وأتباعه، ومنهم من سلك طريقة أئمة
السنة والحديث ؛ وهذا مبسوط فى موضعه .
والمقصود هنا : أن تقدم على الله وكتابته لأعمال العباد حق، والقول
حدوث ذلك قول مهجور ، کما قاله الناظم إن كان قد أراد ذلك، وليس فىذلك
ما ينافي أمر الله ونهيه ، فإن كونه خالقاً لأفعال العباد لا ينافى الأمر والنهي .
فكيف العلم المتقدم ، وليس في ذلك ما يقتضي كون العبد مجبوراً لا قدرة له،
ولا فعل كما تقوله الجهمية المجبرة.
فصل
وأما قوله :
ولا يقال على الله ما
تختار فالمختار مسطور
٤٩٧

فهو يتضمن إيراد سؤال من القدرية . وجوابه منهم: فإنهم قد يقولون:
نحن نقول : إنه يعلم، وإذا قلنا ذلك لم نكن قد نفينا القدر، بل أثبتنا القدر
بمعنى العلم مع نفي كون الرب تعالى شائياً جميع الحوادث ، خالقاً لأفعال
العباد، قال الناظم فإن الذي يختاره العبد مسطور قبل ذلك، فلا يمكن بغيره
فيلزم الجبر .
وقد يعترض على هذا الجواب بأن يقال: اللازم هنا بمنزلة الملزوم . فإن
علمه بأنه يختاره موافق لما كتبه من أنه يختاره ، وتغيير العلم أعظم من
تغيير المسطور .
وقد يقال : إنه أراد جعل السطر من تمام القول. أي لايقال علم ما يختاره
وسطر ذلك . أي فتقدم العلم والكتاب كاف فى الإيمان بالقدر فإن
مجرد ذلك لا يكفي فى الإيمان بالقدر، وهذا من حجة القائلين بالجير .
قالوا : خلاف المعلوم ممتنع ؛ فالأمر به أمر بممتنع ؛ لأنه لو وقع المأمور
للزم انقلاب العلم جهلاً.
وجوابهم أن الممتنع لفظ مجمل ، فإن أرادوا أن خلاف المعلوم لا يقع
ولا يكون فهذا صحيح ، ولكن التكليف بما لا يكون لا يكون تكليفاً بما
يعجز عنه الفاعل ، فإن ما لا يفعله الفاعل قد لا يفعله لعجزه عنه
وقد لا يفعله لعدم إرادته ، فإنما كلف بما يطيقه مع علم الرب
٤٩٨

أنه لا يكون ، كما يعلم أن ما لا يشاؤه هو لا يكون ، مع أنه لو
شاء لفعله .
وقول المحتج: لو وقع لا نقلب العلم جهلاً.
قيل : هذا صحيح، وهو يدل على أنه لا يقع ، لكن لا يدل على أن المكلف
عاجز عنه لو أراده لم يقدر على فعله ، فإنه لا يقع لعدم إرادته له، لا لعدم
قدرته عليه ؛ كالذي لا يقع من مقدورات الرب التى لو شاء لفعلها ، وهو يعلم
أنه لا يفعلها .
ولا يجوز أن يقال إنه غير قادر عليها ، كما قاله بعض غلاة أهل
البدع ؛ بل قد قال سبحانه: ( أَيَحْسَبُ آلْإِنسَانُ أَلَّنْ أَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَدِرِينَ عَلَّ
أَنْ تُسَوِّىَ بَنَنَهُ ) وقال تعالى: (قُلْ هُوَاُلْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا
مع أنه قد ثبت فى
مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْيَلْسَكُمْ شِيَعًا)
الصحيحين عن جابر أنه لما نزل قوله: (قُلْ هُوَالْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ
قال النبي صلى الله عليه وسلم: أعوذ بوجهك ،
عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ )
( أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ) قال: أعوذ بوجهك (أَوْيَلْسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ
بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ) قال: هاتان أهون)). فهذا الذي أخبر أنه قادر عليه
منه ما لا يكون وهو إرسال عذاب من فوق الأمة، أو من تحت أرجلهم . ومنه
ما يكون وهو لبسهم شيعاً ، وإذاقة بعضهم بأس بعض . كما ثبت فى الصحيح
٤٩٩

عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((سألت ربى ثلاثاً، فأعطانى اثنتين
ومنعني واحدة ؛ سألته أن لا يسلط عليهم عدواً من غيرم فأعطانيها ؛
وسألته أن لا يهلكهم بسنة عامة فأعطانيها؛ وسألته أن لا يجعل بأسهم
بينهم فمتعنيها)).
وقد ذكر فى غير موضع من القرآن ما لا يكون أنه لو شاء لفعله
كقوله: ( وَلَوْشِتْنَا لَ نَيْنَاكُلَّ نَفْسِ هُدَنهَا) وقوله: ( وَلَوْشَآءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ
الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَتَهُمُ الْبَيِّنَتُ وَلَكِنِ آَخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم
مَنْ كَفَرَ وَلَوْشَآءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّاللَّهَ يَفْعَلُ مَايُرِيدُ ) وقوله: (وَلَوْشَآءَ
رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَحِدَةً ) وأمثال هذه الآيات ، تبين أنه لو شاء أن يفعل
أموراً لم تكن لفعلها ؛ وهذا يدل على أنه قادر على ما على أنه لا يكون : فإنه
لولا قدرته عليه لكان إذا شاء لا يفعله ؛ فإنه لا يمكن فعله إلا بالقدرة عليه ،
فلما أخبر وهو الصادق فى خبره أنه لو شاء لفعله ، علم أنه قادر
عليه ، وإن علم سبحانه أنه لا يكون؛ وعلى أيضاً أن خلاف المعلوم قد
يكون مقدوراً .
وإذا قيل هو ممتنع فهو من باب الممتنع لعدم مشيئة الرب له، لا لكونه
ممتنعاً فى نفسه، ولا لكونه معجوزاً عنه.
ولفظ ((الممتنع)) فيه إجمال كما تقدم ، وما سمي ممتنعاً بمعنى أنه لا يكون مع
٥٠٠