Indexed OCR Text
Pages 361-380
أتباع الرسول ، والعمل بما أمر به. وترك ما نهى عنه، فمحبته فيها شوب من محبة المشركين واليهود والنصارى ، بحسب مافيه من البدعة . فإن البدع التى ليست مشروعة وليست مما دعا إليه الرسول لا يحبها الله ، فإن الرسول دعا إلى كل ما يحبه الله ، فأمر بكل معروف ونهى عن كل منكر . و (أيضاً) فمن تمام محبة الله ورسوله بغض من حاد الله ورسوله والجهاد في سبيله. لقوله تعالى: (لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَآَذُونَ مَنْ حَادَّاللَّهَ وَرَسُولَهُ, وَلَوْكَانُوْءَابَآءَ هُمْ أَوْ أَبْنَآءَ هُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْعَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِ قُلُوبِهِمُ آلْإِيمَنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوجِ مِّنْهُ). وقال تعالى: (تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَمِنْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِ الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُواْ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا أَتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) وقال تعالى: ( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسَّوَّةُ حَسَنَةٌ فِ إِنَزَهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ: إِذْقَالُوْلِقَوْمِهِمْ إِنَّابُرَءَ، وَأْمِنَكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَوَةُ وَاَلْبَغْضَآءُ أَبَدًّا حَتَّى تُؤْمِنُواْبِاللَّهِ وَحْدَهُ ) . فأمر المؤمنين أن يتأسوا بإبراهيم ومن معه حيث أبدوا العداوة والبغضاء لمن أشرك حتى يؤمنوا بالله وحده ، فأين هذا من حال من لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة؟ ! ٣٦١ وهؤلاء سلكوا طريق الإرادة والمحبة مجملاً من غير اعتصام بالكتاب والسنة كما سلك أهل الكلام والرأي طريق النظر والبحث من غير اعتصام بالكتاب والسنة ، فوقع هؤلاء في ضلالات وهؤلاء فى ضلالات. كما قال تعالى: (فَإِمَا يَأْنِيَنَّكُمْ مِّنِّى هُدَّى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِى فَإِنَّلَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَ مَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبٍ لِمَحَشَرْتَنِىّ أَعْمَى وَقَدْكُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَنَتكَ ءَايَتُنَا فَنَسِنَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ نُسَى) وقال: ( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَنَّبِعُواْ السُّبُلَ فَنَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) وقال: (إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ) وقال: (قَدْ جَاءَكُمُ اَلْحَقُّ مِن رَبِّكُمْ فَمَنِ أَهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ، وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُ عَلَيْهَا ) . ومثل هذا كثير فى القرآن . وقد بسط الكلام على هذا الأصل فى غير هذا الموضع . فإن قيل : صاحب الفناء فى توحيد الربوبية قد شهد أن الرب خلق كل شيء، وقد يكون ممن يثبت الحكمة فيقول : إنما خلق المخلوقات لحكمة، وهو يحب تلك الحكمة ويرضاها ، وإنما خلق ما يكرهه لما يحبه . والذين فرقوا بين المحبة والإرادة قالوا: المريض يريد الدواء ولا يحبه، وإنما يجب ما يحصل به وهو العافية وزوال المرض . فالرب تعالى خلق الأشياء كلها بمشيئته فهو مريد لكل ما خلق ولما أحبه من الحكمة؛ وإن كان لا يحب بعض المخلوقات من الأعيان والأفعال؛ لكنه يحب الحكمة التى خلق لأجلها ؛ فالعارف إذا شهد ٣٦٢ هذا أحب أيضاً أن يخلق لتلك الحكمة وتكون الأشياء مرادة محبوبة له كما هي للحق ؛ فهو وإن كره الكفر والفسوق والعصيان لكن ما خلقه الله منه خلقه لحكمة وإرادة فهو مراد محبوب باعتبار غايته لا باعتباره فى نفسه . قيل : من شهد هذا المشهد فهو يستحسن ما حسنه اللّه وأحبه ورضيه؛ ويستقبح ماكرهه الله وسخطه، ولكن إذا كان الله خلق هذا المكروه لحكمة بحبها ؛ فالعارف هو أيضاً يكرهه ويبغضه كما كرهه الله ؛ ولكن يحب الحكمة التى خلق لأجلها فيكون حبه وعلمه موافقاً لعلى الله وحبه لا مخالفاً . والله عليم حكيم؛ فهو يعلم الأشياء على ما هي عليه وهو حكيم فيما يحبه ويريده ويتكلم به وما يأمر به ويفعله . فإن كان يعلم أن الفعل الفلانى والشيء الفلانى متصف بما هو مذموم لأجله مستحق للبغض والكراهة كان من حكمته أن يبغضه ويكرهه ؛ وإذا كان يعلم أن في وجوده حصول حكمة محبوبة محمودة كان من حكمته أنه يخلقه ويربده لأجل تلك الحكمة المحبوبة التى هي وسيلة إلى حصوله . وإذا قيل: إن هذا ((الوسط)) يحب باعتبار أنه وسيلة إلى محبوب لذاته، ويبغض باعتبار ما اتصف به من الصفات المذمومة كان هذا حسناً كما تقول إن الإنسان قد يبغض الدواء من وجه ويحبه من وجه ، وكذلك أمور كثيرة تحب من وجه وتبغض من وجه . ٣٦٣ و (أيضاً ) يجب الفرق بين أن يكون مضراً بالشخص مكروهاً له بكل اعتبار ، وبين أن يكون الله خلقه لحكمة فى ذلك . وإذا كان الله خلق كل شىء لحكمة له فى ذلك ، فإذا شهد العبد أن له حكمة ورأى هذا مع الجمع الذي يشترك فيه المخلوقات ، فلا يمنعه ذلك أن يشهد ما بينهما من الفرق الذي فرق الله به بين أهل الجنة وأهل النار ؛ بل لابد من شهود هذا الفرق فى ذلك الجمع وهذا الشهود مطابق لعلم الله وحكمته والله أعلم . وقد قال تعالى: (قُلْ إِن كَانَءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَنُكُمْ وَأَزْوَجْكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَلُ أَقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ فِ سَبِيلِهِ، فَتَرَنَّصُوْ حَتَّى يَأْتِى اَللَّه ◌ِأَمْيِّ وَاَللَّهُ فأخبر أن من كانت محبوباته أحب لَا يَهْدِى الْقَوْمَ اُلْفَسِقِينَ) إليه من الله ورسوله والجهاد فى سبيله فهو من أهل الوعيد ، وقال فى الذين يحبهم ويحبونه: (فَوْفَ يَأْتِى اللَّهُ بِقَوْمِ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُوَأَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ يُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآيِمٍ ). فلا بد لمحب اللّه من متابعة الرسول، والمجاهدة فى سبيل الله؛ بل هذا لازم لكل مؤمن. قال تعالى: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَءَامَنُواْبِاللَّهِ ٣٦٤ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَحَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِأُوْلَئِكَ هُمُ الصَّدِفُونَ ) فهذا حب المؤمن لله . وأما (( المحبة الشركية)) فليس فيها متابعة للرسول، ولا بغض لعدوه ومجاهدة له ، كما يوجد فى اليهود والنصارى والمشركين يدعون محبة الله ولا يتابعون الرسول ولا يجاهدون عدوه . وكذلك («أهل البدع)) المدعون للمحبة لهم من الإعراض عن اتباع الرسول بحسب بدعتهم ، وهذا من حبهم لغير الله ، ويجدهم من أبعد الناس عن موالاة أولياء الرسول ، ومعاداة أعدائه والجهاد فى سبيله لما فيهم من البدع التى هي شعبة من الشرك . والذين ادعوا المحبة من ((الصوفية)) وكان قولهم فى القدر من جنس قول الجهمية المجبرة ثم فى آخر الأمر لا يشهدون للرب محبوباً إلا ما وقع وقدر ، وكل ما وقع من كفر وفسوق وعصيان فهو محبوبه عندم ، فلا يبقى فى هذا الشهود فرق بین موسى وفرعون ، ولا بین محمد وأبي جهل، ولا بین أولیاء الله وأعدائه ، ولا بين عبادة الله وحده وعبادة الأوثان ؛ بل هذا كله عندالفاني فى توحيد الربوبية سواء ؛ ولا يفرق بين حادث وحادث إلا من جهة ما يهواه ويحبه؛ وهذا هو الذى اتخذ إلهه هواه ، إنما يأله ويحب ما يهواه وهو وإن كان عنده محبة الله فقد اتخذ من دون الله أنداداً يحبهم كب الله، وهم ٣٦٥ من يهواه ؛ هذا ما دام فيه محبة الله ؛ وقد ينسلخ منها حتى بصير إلى التعطيل ، كفرعون وأمثاله الذي هو أسوأ حالاً من مشركي العرب ومحوم. ولهذا هؤلاء يحبون بلا علم، ويبغضون بلا علم، والعلم ماجاء به الرسول صَلىالله كما قال: (فَمَنْ حَاجَكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ كَ مِنَ الْعِلْمِ) وهو الشرع المنزل، ـية وَسَم ولهذا كان الشيوخ العارفون كثيراًما يوصون المريدين باتباع العلم والشرع، كما قد ذكرنا قطعة من كلامهم فى غير هذا الموضع؛ لأن الإرادة والمحبة إذا كانت بغير علم وشرع كانت من جنس محبة الكفار وإرادتهم، فهؤلاء السالكون المريدون الصوفية والفقراء الزاهدون العابدون الذين سلكوا طريق المحبة والإرادة إن لم يتبعوا الشرع المنزل والعلم الموروث عن النبي صلى الله عليه وسلم فيحبون ما أحب الله ورسوله ويبغضون ما أبغض الله ورسوله، وإلا أفضى بهم الأمر إلى شعب من شعب الكفر والنفاق . ولا يتم الإيمان والمحبة الله إلا بتصديق الرسول فيما أخبر وطاعته فيما أمر. ومن الإيمان بما أخبر الإيمان بما وصف به نفسه ، ووصفه به رسوله ، فمن نفى الصفات فقد كذب خبره . ومن الإيمان بما أمر فعل ما أمر وترك ماحظر ، ومحبة الحسنات وبغض ٣٦٦ السيئات، ولزوم هذا الفرق إلى المات، فمن لم يستحسن الحسن المأمور به، ولم يستقبح السيء المنهي عنه لم يكن معه من الإيمان شيء. كما قال صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)). وكما قال فى الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( ما من نبى بعثه الله فى أمته قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب؛ يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدم خلوف يقولون، مالا يفعلون ويفعلون مالا يؤمرون ثمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهده بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدم بقلبه فهو مؤمن ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)) رواه مسلم . فأضعف الإيمان الإنكار بالقلب ، فمن لم يكن فى قلبه بغض المنكر الذي يبغضه الله ورسوله لم يكن معه من الإيمان شيء؛ ولهذا يوجد المبتدعون الذين يدعون المحبة المجملة المشتركة التى تضاهي محبة المشركين يكرهون من ينكر عليهم شيئاً من أحوالهم ، ويقولون : فلان ينكر وفلان ينكر ، وقد يتلون كثيراً بمن ينكر ما معهم من حق وباطل ، فيصير هذا يشبه النصرانى الذي يصدق بالحق والباطل، ويحب الحق والباطل، كالمشرك الذي يحب الله ويحب الأنداد، وهذا كاليهودي الذي يكذب بالحق والباطل ، ويبغض الحق والباطل ، فلا يحب الله ولا يحب الأنداد؛ بل يستكبر عن عبادة الله، كما استكبر فرعون وأمثاله . ٣٦٧ وهذا موجود كثيراً فى أهل البدع من أهل الإرادة ، والبدع من أهل الكلام، هؤلاء يقرون بالحق والباطل مضاهاة للنصارى ، وهؤلاء يكذبون بالحق والباطل مضاهاة لليهود ، وإنما دين الإسلام وطريق أهل القرآن والإيمان إنكار ما يبغضه الله ورسوله ، ومحبة ما يحبه الله ورسوله والتصديق بالحق ، والتكذيب بالباطل ، فهم فى تصديقهم ومحبتهم معتدلون يصدقون بالحق ويكذبون بالباطل، ويحبون الحق ويبغضون الباطل ؛ يصدقون بالحق الموجود ويكذبون بالباطل المفقود ، ويحبون الحق الذي يحبه الله ورسوله، وهو المعروف الذي أمر الله ورسوله به، ويبغضون المنكر الذي نهى الله ورسوله عنه، وهذا هو الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقيين والشهداء والصالحين ، لا طريق المغضوب عليهم الذين يعرفون الحق، فلا يصدقون به ولا يحبونه ، ولا الضالين الذين يعتقدون ويحبون ما لم ينزل الله به سلطاناً. و (المقصود) هنا أن المحبة الشركية البدعية هي التى أوقعت هؤلاء فى أن آل أمرهم إلى أن لايستحسنوا حسنة، ولا يستقبحوا سيئة؛ لظهم أن الله لا يحب مأموراً ولا يبغض محظوراً، فصاروا فى هذا من جنس من أنكر أن الله يحب شيئاً ويبغض شيئاً كما هو قول الجهمية نفاة الصفات، وهؤلاء قد يكون أحدم مثبتاً لمحبة الله ورضاه ، وفى أصل اعتقاده إثبات الصفات لكن إذا جاء إلى القدر لم يثبت شيئاً غير الإرادة الشاملة، وهذا وقع فيه ٣٦٨ طوائف من مثبتة الصفات، تكلموا فى القدر بما يوافق رأى جهم والأشعرية فصاروا مناقضين لما أثبتوه من الصفات، كمال صاحب «منازل السائرين )) وغيره . وأما أئمة الصوفية والمشايخ المشهورون من القدماء: مثل الجنيد بن محمد واتباعه، ومثل الشيخ عبد القادر وأمثاله، فهؤلاء من أعظم الناس لزوماً للأمر والنهي ، وتوصية باتباع ذلك، وتحذيراً من المشي مع القدر ، كما مشى أصحابهم أولئك، وهذا هو (( الفرق الثاني)) الذي تكلم فيه الجنيدمع أصحابه. والشيخ عبد القادر كلامه كله يدور على اتباع المأمور وترك المحظور، والصبر على المقدور ، ولا يثبت طريقاً تخالف ذلك أصلاً لاهو ولا عامة المشايخ المقبولين عند المسلمين ، ويحذر عن ملاحظة القدر المحض بدون اتباع الأمر والنهي ، كما أصاب أولئك الصوفية الذين شهدوا القدر وتوحيد الربوبية، وغابوا عن الفرق الإلهي الديني الشرعي المحمدي ، الذي يفرق بين محبوب الحق ومكروهه، ويثبت أنه لا إله إلا هو . وهذا من أعظم ما تجب رعايته على أهل الإرادة والسلوك، فإن كثيراً من المتأخرين زاغ عنه فَضْلّ سواء السبيل ، وإنما يعرف هذا من توجه بقلبه وانكشفت له حقائق الأمور، وصار يشهد الربوبية العامة والقيومية الشاملة، فإن لم يكن معه نور الإيمان والقرآن الذي يحصل به الفرقان ، حتى بشهد الإلهية التى تميز بين أهل التوحيد والشرك، وبين ما يحبه الله وما يبغضه، وبين ٣٦٩ ما أمر به الرسول وبين مانهى عنه، وإلا خرج عن دين الإسلام بحسب خروجه عن هذا . فإن الربوبية العامة قد أقر بها المشركون الذين قال فيهم : (وَمَايُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاٌلَِّإِلَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ). وإنما يصير الرجل مسلماً حنيفاً موحداً إذا شهد : أن لا إله إلا الله. فعبد الله وحده بحيث لا يشرك معه أحداً فى تألهه، ومحبته له وعبوديته وإنابته إليه، وإسلامه له، ودعائه له، والتوكل عليه، وموالاته فيه؛ ومعاداته فيه ، ومحبته ما يحب ؛ وبغضه ما يبغض ويفنى بحق التوحيد عن باطل الشرك؛ وهذا فناء يقارنه البقاء فيفنى عن تأله ماسوى الله بتأله الله تحقيقاً لقوله: لا إله إلا الله، فينفي ويفنى من قلبه تأله ما سواه ، ويثبت ويبقي فى قلبه تأله الله وحده؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح -: ((من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة)) وفى الحديث الآخر: ((من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله دخل الجنة)) وقال فى الصحيح: ((لقنوا موتاكم لا إله إلا الله)). فإنها حقيقة دين الإسلام فمن مات عليها مات مسلماً)). والله تعالى قد أمرنا ألا نموت إلا على الإسلام فى غير موضع . كقوله تعالى: ( أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، وَلَ تَمُوتُنَّإِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) وقال الصديق (تَوَقَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِفْنِ بِالصَّلِحِينَ) والصحيح من القولين أنه لم يسأل الموت ولم يتمنه. وإنما سأل أنه إذا مات يموت على الإسلام؛ فسأل الصفة لا الموصوف كما أمر الله بذلك؛ وأمر به خليله إبراهيم وإسرائيل؛ وهكذا قال غير واحد من العلماء ؛ منهم ان عقيل وغيره . والله تعالى أعلم. ٣٧٠ الإسلام وقال أحمد بن تيمية - رحمه الله تعالى فصل قد تكلم الناس من أصحابنا وغيرهم في ((استطاعة العبد)) هل هي مع فعله أم قبله؟ وجعلوها قولين متناقضين، فقوم جعلوا الاستطاعة مع الفعل فقط ، وهذا هو الغالب على مثبتة القدر المتكلمين من أصحاب الأشعري ومن وافقهم من أصحابنا وغيرهم. وقوم جعلوا الاستطاعة قبل الفعل ، وهو الغالب على النفاة من المعتزلة والشيعة ، وجعل الأولون القدرة لا تصلح إلا لفعل واحد، إذ هي مقارنة له لا تنفك عنه، وجعل الآخرون الاستطاعة لا تكون إلا صالحة للضدين، ولا تقارن الفعل أبداً، والقدرية أكثر انحرافاً؛ فإنهم يمنعون أن يكون مع الفعل قدرة بحال، فإن عندهم أن المؤثر لا بد أن يتقدم على الأثر لا يقارنه بحال، سواء فى فى ذلك القدرة والإرادة والأمر. ٣٧١ والصواب الذي دل عليه الكتاب والسنة: أن الاستطاعة متقدمة على الفعل ومقارنة له أيضاً ، وتقارنه أيضاً استطاعة أخرى لا تصلح لغيره. فالاستطاعة ((نوعان)): متقدمة صالحة للضدين ، ومقارنة لا تكون إلا مع الفعل ، فتلك هي المصححة للفعل المجوزة له ، وهذه هي الموجبة للفعل المحققة له . قال الله تعالى فى الأولى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ اُلْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ). ولو كانت هذه الاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل لما وجب الحج إلا على من حج ، ولما عصى أحد بترك الحج، ولا كان الحج واجباً على أحد قبل الإحرام به؛ بل قبل فراغه. وقال تعالى: (فَنَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) ، فأمر بالتقوى بمقدار الاستطاعة، ولو أراد الاستطاعة المقارنة لما وجب على أحد من التقوى إلا ما فعل فقط، إذ هو الذي قارنته تلك الاستطاعة. وقال تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) و((الوسع)» الموسوع، وهو الذي تسعه وتطيقه، فلو أريد به المقارن لما كلف أحد إلا الفعل الذي أتى به فقط دون ما تركه من الواجبات. وقال تعالى: (فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَنَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَنْ يَنَّمَاسَا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطِعَامُ سِتِينَ مِسْكِينًا )، والمراد به الاستطاعة المتقدمة ؛ وإلا كان المعنى فمن لم يفعل الصيام فإطعام ستين، فيجوز حينئذ الإطعام لكل من لم يصم، ولا يكون الصوم واجباً على أحد حتى يفعله. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) ولو أريد به المقارنة فقط لكان المعنى: فأتوا منه ما فعلتم، ٣٧٢ فلا يكونون مأمورين إلا بما فعلوه ؛ وكذلك قال النبى صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين: ((صل قائما فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب)) ولو أريد المقارن لكان المعنى: فإن لم تفعل فتكون مخيراً، ونظائر هذا متعددة، فإن كل أمر علق فى الكتاب والسنة وجوبه بالاستطاعة وعدمه بعدمها لم يرد به المقارنة ، وإلا لما كان الله قد أوجب الواجبات إلا على من فعلها وقد أسقطها عمن لم يفعلها فلا يأثم أحد بترك الواجب المذكور. وأما ((الاستطاعة المقارنة الموجبة)) فمثل قوله تعالى: (مَاكَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُو ◌ْيُبْصِرُونَ) وقوله: (الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُهُمْ فِ غِطَاءٍ عَن ذِكْرِى وَكَانُواْ لَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا ) فهذه الاستطاعة هي المقارنة الموجبة، إذ الأخرى لا بد منها فى التكليف . ((فالأولى)) هي الشرعية التى هي مناط الأمر والنهي، والثواب والعقاب، وعليها بتكلم الفقهاء وهي الغالبة فى عرف الناس . و ((الثانية)»: هي الكونية التى هي مناط القضاء والقدر، وبها يتحقق وجود الفعل، فالأولى للكلمات الأمريات الشرعيات و((الثانية)) للكلمات الخلقيات الكونيات . كما قال: (وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ). وقد اختلف الناس في قدرة العبد على خلاف معلوم الحق أو مراده ، ٣٧٣ والتحقيق أنه قد يكون قادراً بالقدرة الأولى الشرعية المتقدمة على الفعل، فإن الله قادر أيضاً على خلاف المعلوم والمراد، وإلا لم يكن قادراً إلا على ما فعله وليس العبد قادراً على ذلك بالقدرة المقارنة للفعل ، فإنه لا يكون إلا ما على الله كونه وأراد كونه، فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وكذلك قول الحواربين: ( هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآَبِدَةً مِّنَ السَّمَآءِ ) إنما استفهموا عن هذه القدرة، وكذلك ظن يونس أن لن نقدر عليه أي فسر بالقدرة ، كما يقال للرجل ؛ هل تقدر أن تفعل كذا؟ أي هل تفعله ؟ وهو مشهور فى كلام الناس . ولما اعتقدت القدرية أن الأولى كافية فى حصول الفعل ، وأن العبد يحدث مشيئته جعله مستغنياً عن الله حين الفعل ، كما أن الجبرية لما اعتقدت أن الثانية موجبة للفعل وهي من غيره رأوه مجبوراً على الفعل وكلاهما خطأ قبيح، فإن العبد له مشيئة وهي تابعة لمشيئة الله كما ذكر الله ذلك فى عدة مواضع من كتابه: ( فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ, * وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ) ( فَمَنْ شَآءَ اتَّخَذَ إِلَى وَمَا تَشَآءُ ونَ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ ) ( لِمَنْ شَآءَ مِنْكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * رَبِّهِسَپیلا وَمَا تَشَاءُ ونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ). فإذا كان الله قد جعل العبد مريداً مختاراً شائياً امتنع أن يقال هو مجبور مقهور مع كونه قد جعل مريداً . وامتنع أن يكون هو الذي ابتدع لنفسه المشيئة ، فإذا قيل هو مجبور على أن يختار مضطر إلى أن يشاء فهذا لا نظير له ٣٧٤ وليس هو المفهوم من الجبر بالاضطرار ولا يقدر على ذلك إلا الله . ولهذا افترق القدرية والجبرية على طرفى نقيض ، وكلاهما مصيب فيما أثبته دون ما نفاه ، فأبو الحسين البصري ومن وافقه من القدرية يزعمون: أن العلم بأن العبد يحدث أفعاله وتصرفاته: على ضروري وأن جحد ذلك سفسطة. وابن الخطيب ونحوه من الجبرية يزعمون أن العلم بافتقار رجحان فعل العبد على تركه إلى مرجح من غير العبد ضروري ؛ لأن الممكن المتساوي الطرفين لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح وكلا القولين صحيح؛ لكن دعوى استلزام أحدهما نفي الآخر ليس بصحيح؛ فإن العبد محدث لأفعاله كاسب لها ، وهذا الإحداث مفتقر إلى محدث فالعبد فاعل صانع محدث ، وكونه فاعلا صانعاً محدثاً بعد أن لم يكن، لا بد له من فاعل كما قال: (لِمَنْ شَآءَ مِنَكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ) فإذا شاء الاستقامة صار مستقيماً ثم قال: (وَمَاتَشَآءُونَ إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ ). فما على بالاضطرار وما دلت عليه الأدلة السمعية والعقلية كله حق ؛ ولهذا كان لا حول ولا قوة إلا بالله، والعبد فقير إلى الله فقرا ذاتياً له فى ذاته وصفاته وأفعاله مع أن له ذاناً وصفاتاً وأفعالاً ، فنفى أفعاله كنفى صفاته وذاته وهو جحد للحق شبيه بغلو غالية الصوفية الذين يجعلونه هو الحق أو جعل شيء منه مستغنياً عن الله أو كائناً بدونه جحد للحق شبيه بغلو الذي قال : ٣٧٥ ) وقال إنه خلق نفسه ، وإنما الحق ما عليه أهل أَنَاْرَبِّكُمُ الْأَعْلَى ) السنة والجماعة(١). وإنما الغلط فى اعتقاد تناقضه بطريق التلازم، وأن ثبوت أحدهما مستلزم النفي الآخر فهذا ليس بحق ، وسببه كون العقل يزيد على المعلوم المدلول عليه ما ليس كذلك، وتلك الزيادة تناقض ما علم ودل عليه . (١) يشير المؤلف إلى ورقة فيها تمام هذا البحث ولم نجدها . ٣٧٦ وقال الشيخ فرس الذّروهم فصل وأما السؤال: عن ((تعليل أفعال الله)). فالذي عليه جمهور المسلمين - من السلف والخلف - أن الله تعالى يخلق لحكمة، وبأمر لحكمة، وهذا مذهب أئمة الفقه والعلم ، ووافقهم على ذلك أكثر أهل الكلام: من المعتزلة ، والكرامية وغيرهم . وذهب طائفة من أهل الكلام ، ونفاة القياس ، إلى نفي التعليل فى خلقه وأمره وهو قول الأشعري ، ومن وافقه وقالوا: ليس فى القرآن لام تعليل فى فعل الله وأمره ، ولا يأمر الله بشيء لحصول مصلحة، ولا دفع مفسدة، بل (ما) يحصل من مصالح العباد ومفاسده بسبب من الأسباب ، فإنما خلق ذلك عندها ، لا أنه يخلق هذا لهذا ، ولا هذا لهذا، واعتقدوا أن التعليل يستلزم الحاجة والاستكمال بالغير ، وأنه يفضي إلى التسلسل . والمعتزلة : أثبتت التعليل ، لكن على أصولهم الفاسدة فى التعليل والتجويز ٣٧٧ وأما أهل الفقه والعلم، وجمهور المسلمين . الذين يثبتون التعليل فلا يثبتونه على قاعدة القدرية، ولا ينفونه نفي الجهمية، وقد بسطت الكلام على هذه المسألة فى مواضع . لكن قول الجمهور : هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة، والمعقول الصريح، وبه يثبت أن الله حكيم، فإنه من لم يفعل شيئاً لحكمة لم يكن حكيما، والكلام فى هذا يبنى على أصول . ( أحدها ): إثبات محبة الله ورضاه ، وأنه يستحق أن يعبد لذاته، ويحب لذاته، وليس شيء سواه يستحق أن يحب إلا هو ، وكل محبة لغيره فهي فاسدة، وهذا من معاني الإلهية فإن ((الإله)) هو المألوه : الذي يستحق أن يؤله فيعبد، والعبادة تجمع غاية الذل، وغاية الحب، وهذا لا يستحقه الاهو ، وهو سبحانه يحمد نفسه ، ويثني على نفسه ومجد نفسه ويفرح بتوبة التائبين ؛ ويرضى عن عباده المؤمنين . و ((الحمد)) هو الإخبار بمحاسن المحمود مع المحبة لها . فلو أخبر مخبر بمحاسن غيره من غير محبة لها لم يكن حامداً ولو أحبها ولم يخبر بها لم يكن حامداً. والرب - سبحانه وتعالى - إذا حمد نفسه، فذكر أسماءه الحسنى وصفاته العلى، وأفعاله الجميلة، وأحب نفسه المقدسة ، فكان هو الحامد والمحمود ، والمثني والمثنى عليه ، والممجد والممجد، والمحب والمحبوب ، كان هذا غاية ٣٧٨ الكال ؛ الذي لا يستحقه غيره ، ولا يوصف به إلا هو . وهو سبحانه رب كل شيء ؛ فلا يكون شيء إلا به وهو الإله الذي لا إله إلا هو، ولا يجوز أن نعبد إلا هو، فما لا يكون به لا يكون؛ وما لا يكون له لا ينفع ولا يدوم وكل عمل لم يرد به وجهه فهو باطل؛ (إِلَيْهِ .( وردبوء يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ بَرْفَعُهُ وهو الذي جعل المسلم مسلماً ؛ والمصلي مصلياً والتائب نائباً والحامد حامداً فإذا يسر عبده لليسرى فتاب إليه وفرح الله بتوبته ، وشكره فرضي بشكره وعمل صالحاً فأحبه ؛ لم يكن المخلوق هو الذي جعل الخالق راضياً محباً فرحا بتوبته ؛ بل الرب هو الذي جعل المخلوق فاعلا لما يفرحه ويرضيه ويحبه وكل ذلك حاصل بمشيئته وقدرته لا شريك له فى إحداث شيء من المحدثات ولا هو مفتقر إلى غيره بوجه من الوجوه ؛ بل هو الغني عن كل ما سواه من كل وجه وكل ماسواه فقير إليه من كل وجه ، فإذا خلق شيئاً لحكمة يحبها ويرضاها لم يجز أن يقال هو مفتقر إلى غيره، إلا إذا كان هناك خالق غيره يفعل ما يحبه ويرضاه، وهذا يجيء على قول القدرية : الذين يزعمون أنه لم يخلق أفعال العباد ، وأن الطاعات وجدت بدون قدرته وخلقه فإذا قيل : إنه يحبها ويرضاها، لزم أن يكون المخلوق جعله كذلك . وأما على قول أهل السنة - الذين يقولون: إنه خالق كل شيء من ٣٧٩ [ أفعال ] العباد وغيرها ، فلم يوجد إلا ماخلقه هو، وله فى ذلك من الحكمة البالغة ما يعلمه هو على وجه التفصيل . وقد يعلم بعض عباده من ذلك ما يعلمه إياه إذ لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء . وأما كون ذلك يستلزم قيام الأمور الاختيارية بذاته فهذا قول السلف وأئمة الحديث والسنة وكثير من أهل الكلام . وأما كون ذلك يستلزم التسلسل فى المستقبل فإنه إذا خلق شيئاً لحكمة توجد بعدوجوده وتلك الحكمة لحكمة أخرى لزم التسلسل فى المستقبل فهذا جائز عند المسلمين وغيرهم ممن يقول بدوام نعيم أهل الجنة وإنما يخالف في ذلك من شك: كالجهم بن صفوان الذي يقول : بفناء الجنة والنار وكأبي الهذيل الذي يقول: بانقطاع حركات أهل الجنة والنار. فإن هذين ادعيا امتناع وجود مالا يتناهى فى الماضي والمستقبل . وخالفهم جماهير المسلمين . و ( الجواب الثاني ) : أن يقال التسلسل نوعان : ( أحدهما ) : في الفاعلين . وهو أن يكون لكل فاعل فاعل . فهذا باطل بصريح العقل . واتفاق العقلاء . و (الثاني ): التسلسل فى الآثار ؛ مثل أن يقال: إن الله لم يزل متكلما إذا شاء ويقال : إن كلمات الله لا نهاية لها. فهذا التسلسل يجوزه أئمة أهل ٣٨٠