Indexed OCR Text
Pages 301-320
إطلاق نفي ما أثبته الله ورسوله ، وإطلاق إثبات ما نفى الله ورسوله . و ((الأصل الثاني)) فيما اتفق الناس على أنه غير مقدور للعبد، وتنازعوا فى جواز تكليفه. وهو ((نوعان)»: ماهو ممتنع عادة كالمشي على الوجه والطيران ونحو ذلك، وما هو ممتنع في نفسه كالجمع بين الضدين ، فهذا فى جوازه عقلا ثلاثة أقوال كما تقدم. وأما وقوعه فى الشريعة وجوازه شرعا فقد اتفق حملة الشريعة على أن مثل هذا ليس بواقع فى الشريعة ، وقد حكى انعقاد الإجماع على ذلك غير واحد منهم أبو الحسن بن الزاغونى فقال : فصل تكليف مالا يطاق وهو على ضربين : (أحدهما ): تكليف مالا يطاق لوجود ضده من العجز ، وذلك مثل أن يكلف المقعد القيام، والأعمى الخط ونقط الكتاب ، وأمثال ذلك، فهذا مما لا يجوز تكليفه وهو مما انعقد الإجماع عليه وذلك لأن عدم الطاقة فيه ملحقة بالممتنع والمستحيل ، وذلك يوجب خروجه عن المقدور فامتنع تكليف مثله . و (الثانى ) : تكليف مالا يطاق لا لوجود ضده من العجز مثل أن يكلف الكافر الذي سبق فى علمه أنه لا يستحب التكليف كفرعون وأبى جهل ٣٠١ وأمثالهم ، فهذا جائز وذهبت المعتزلة إلى أن تكليف مالا يطاق غير جائز. قال وهذه المسألة كالأصل لهذه . قلت : وهذا الإجماع هو إجماع الفقهاء وأهل العلم ، فإنه قد ذهب طائفة من أهل الكلام إلى أن تكليف الممتنع لذاته واقع فى الشريعة ، وهذا قول الرازي وطائفة قبله، وزعموا أن تكليف أبى لهب وغيره من هذا الباب حيث كلف أن يصدق بالأخبار التى من جملتها الإخبار بأنه لا يؤمن ، وهذا غلط ، فإنه من أخبر الله أنه لا يؤمن وأنه يصلى النار بعد دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له إلى الإيمان فقد حقت عليه كلمة العذاب : كالذي يعاين الملائكة وقت الموت لم يبق بعد هذا مخاطباً من جهة الرسول بهذين الأمرين المتناقضين . وكذلك من قال: تكليف العاجز واقع محتم بقوله: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ) فإنه يناقض هذا الإجماع ومضمون الإجماع نفي وقوع ذلك فى الشريعة، و((أيضا)) فإن مثل هذا الخطاب إنما هو خطاب تعجيز على وجه العقوبة لهم لتركهم السجود وهم سالمون يعاقبون على ترك العبادة فى حال قدرتهم بأن أمروا بها حال عجزهم على سبيل العقوبة لهم ، وخطاب العقوبة والجزاء من جنس خطاب التكوين، لايشترط فيه قدرة المخاطب إذ ليس المطلوب فعله، وإذا تبينت الأنواع والأقسام زال الاشتباه والإبهام . ٣٠٢ قال شيخ الإسلام قدس الله روحه ٠ ١٠ 3 الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلاهادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً . فصل في قوله صلى الله عليه وسلم: ((فمج آدم موسى)) لما احتج عليه بالقدر . وبيان : أن ذلك في المصائب لا فى الذنوب، وأن الله أمر بالصبر والتقوى فهذا فى الصبر لا في التقوى ، وقال: (فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاُسْتَغْفِرْ ٣٠٣ لِذَنْيِكَ ) فأمر بالصبر على المصائب والاستغفار من المعائب. وذلك أن بني آدم اضطربوا في (( هذا المقام - مقام تعارض الأمر والقدر - وقد بسطنا الكلام على ذلك فى مواضع . و ((المقصود هنا)) أنه قد ثبت فى الصحيحين حديث أبي هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم. قال: «احتج آدم وموسى: فقال موسى: يا آدم أنت أبو البشر الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته فلماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة ؟ فقال له آدم: أنت موسى الذي كلمك الله تكليماً وكتب لك التوراة. فبكم تجد فيها مكتوباً: (وَعَصَّءَدَمُ رَّهُ. فَغَوَى ) قبل أن أخلق، قال: بأربعين سنة، قال لفحج آدم موسى)). وهو مروي أيضاً من طريق عمر بن الخطاب بإسناد حسن ، وقد ظن كثير من الناس أن آدم احتج بالقدر السابق على نفي الملام على الذنب . ثم صاروا لأجل هذا الظن ((ثلاثة أحزاب)). (فريق ) كذبوا بهذا الحديث : كأبي علي الجبائي وغيره ؛ لأنه من المعلوم بالاضطرار أن هذا خلاف ما جاءت به الرسل ولا ريب أنه يمتنع أن يكون هذا مراد الحديث ، ويجب تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم بل وجميع الأنبياء وأتباع الأنبياء أن يجعلوا القدر حجة لمن عصى الله ورسوله . ٣٠٤ و (فريق) تأولوه بتأويلات معلومة الفساد: كقول بعضهم إنما حجه لأنه كان أباه والابن لا يلوم أباه . وقول بعضهم : لأن الذنب كان فى شريعة، والملام فى أخرى . وقول بعضهم : لأن الملام كان بعد التوبة . وقول بعضهم : لأن هذا تختلف فيه دار الدنيا ودار الآخرة. و (فريق ثالث ) جعلوه عمدة في سقوط الملام عن المخالفين لأمر الله ورسوله، ثم لم يمكنهم طرد ذلك. فلا بد فى نفس معاشهم فى الدنيا أن يلام من فعل ما يضر نفسه وغيره؛ لكن منهم من صار يحتج بهذا عند أهوائه وأغراضه ، لا عند أهواء غيره كما قيل فى مثل هؤلاء : أنت عند الطاعة قدري . وعند المعصية جبري ، أي مذهب وافق هواك تمذهبت به . فالواحد من هؤلاء إذا أذنب أخذ يحتج بالقدر ، ولو أذنب غيره أو ظلمه لم يعذره ، وهؤلاء ظالمون معتدون . ومنهم من يقول : هذا فى حق أهل الحقيقة الذين شهدوا توحيد الربوبية وفنوا عما سوى الله، فيرون أن لا فاعل إلا الله، فهؤلاء لا يستحسنون حسنة ولا يستقبحون سيئة، فإنهم لا يرون لمخلوق فعلا؛ بل لا يرون فاعلا إلا الله، بخلاف من شهد لنفسه فعلاً فإنه يذم ويعاقب ، وهذا قول كثير من متأخري الصوفية المدعين للحقيقة ، وقد يجعلون هذا نهاية التحقيق، وغاية العرفان والتوحيد ، وهذا قول طائفة من أهل العلم. ٣٠٥ قال أبو المظفر السمعانى: وأما الكلام فيما جرى بين آدم وموسى من المحاجة فى هذا الشأن ، فإنما ساغ لهما الحجاج في ذلك ؛ لأنهما نبيان جليلان خصا بعلم الحقائق وأذن لها في استكشاف السرائر ، وليس سبيل الخلق الذين أمروا بالوقوف عندما حد لهم والسكوت عما طوي عنهم سبيلها، وليس قوله: (فحج آدم موسى)) إبطال حكم الطاعة ، ولا إسقاط العمل الواجب، ولكن معناه ترجيح أحد الأمرين ، وتقديم رتبة الملة على السبب، فقد تقع الحكمة بترجيح معنى أحد الأمرين ، فسبيل قوله : فحج آدم موسى ، هذا السبيل ، وقد ظهر هذا فى قضية آدم قال الله تعالى: ( إِنِ جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةً ). إلى أن قال: فجاء من هذا أن آدم لم يتهيأ له أن يستديم سكنى الجنة [ إلا ] بأن لا يقرب الشجرة؛ السابق القضاء المكتوب عليه في الخروج منها ، وبهذا صال على موسى عند الحاجة. وبهذا المعنى قضي له على موسى فقال : فج آدم موسى . قلت: ولهذا يقول الشيخ عبد القادر - قدس الله روحه - كثير من الرجال إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا ، وأنا انفتحت لي فيه روزنة فنازعت أقدار الحق بالحق للحق، والرجل من يكون منازعاً للقدر لا موافقاً له، وهو رضي الله عنه - كان يعظم الأمر والنهي، ويوصي باتباع ذلك، وينهى عن الاحتجاج بالقدر ، وكذلك شيخه حماد الدباس وذلك لما رأوه فى ٣٠٦ كثير من السالكين من الوقوف عند القدر المعارض للأمر والنهي ، والعبد مأمور بأن يجاهد فى سبيل الله ويدفع ما قدر من المعاصي بما يقدر من الطاعة فهو منازع للمقدور المحظور بالمقدور المأمور لله تعالى ، وهذا هو دين الله الذي بعث به الأولين والآخرين من الرسل صلوات الله عليهم أجمعين . وممن يشبه هؤلاء كثير من الفلاسفة : كقول ابن سينا بأن يشهد سر القدر . والرازي يقرر ذلك ؛ لأنه كان جبرياً محضاً . وفى الجملة فهذا المعنى دائر في نفوس كثير من الخاصة من أهل العلم والعبادة فضلاً عن العامة ، وهو مناقض لدين الإسلام . ومن هؤلاء من يقول: الخضر إنما سقط عنه الملام لأنه كان مشاهداً لحقيقة القدر. ومن شيوخ هؤلاء من كان يقول: لو قتلت سبعين نبياً لما كنت مخطئاً. ومنهم من يقول: بطرد قوله بحسب الإمكان فيقول : كل من قدر على فعل شيء وفعله فلا ملام عليه ، فإن قدر أنه خالف غرض غيره فذلك ينازعه ، والأقوى منهما يقمر الآخر ، فأيهما أعانه القدر فهو المصيب ، باعتبار أنه غالب وإلا فما ثم خطأ . ومن هؤلاء ((الاتحادية)) الذين يقولون: الوجود واحد، ثم يقولون: ٣٠٧ بعضه أفضل من بعض والأفضل يستحق أن يكون رباً للمفضول . ويقولون : إن فرعون كان صادقاً فى قوله: (أَنَارَتُّكُمُ الْأَعْلَى). وهذا قول طائفة من ملاحدة المتصوفة المتفلسفة الاتحادية : كالتلمسانى . والقول بالاتحاد العام المسمى وحدة الوجود، هو قول ابن عربى الطائى وصاحبه القونوي وابن سبعين وابن الفارض وأمثالهم ؛ لكن لهم فى المعاد والجزاء نزاع، كما أن لهم نزاعاً فى أن الوجود هل هو شيء غير الذوات أم لا ، وهؤلاء ضلوا من وجوه : منها جهة عدم الفرق بين الوجود الخالق والمخلوق . وأما شهود القدر فيقال: لا ريب أن الله تعالى خالق كل شيء ومليكه، والقدر هو قدرة الله - كما قال الإمام أحمد - وهو المقدر لكل ما هو كائن، لكن [هذا لا ينفى] حقيقة الأمر والنهي - والوعد والوعيد وأن من الأفعال ما ينفع صاحبه ، فيحصل له به نعيم، ومنها ما يضر صاحبه فيحصل له به عذاب - فنحن لا ننكر اشتراك الجميع من جهة المشيئة والربوبية وابتداء الأمور. لكن نثبت فرقاً آخر من جهة الحكمة والأوامر الإلهية ونهاية الأمور، فإن العاقبة للتقوى ؛ لا لغير المتقين. وقد قال تعالى: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَءَامَنُواْ وقال تعالى : وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِ الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ اَلْمُتَّقِينَ كَالْفُجَارِ ) (أَفَتَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كَُْجْرِمِينَ). وإذا كان كذلك فحقيقة الفرق: أن من الأمور ما هو ملائم للإنسان نافع له فيحصل له به اللذة. ومنها ما هو مضاد له ضار له يحصل به الألم، فرجع ٣٠٨ الفرق إلى الفرق بين اللذة والألم. وأسباب هذا وهذا. وهذا الفرق معلوم بالحس والعقل والشرع مجمع عليه بين الأولين والآخرين ؛ بل هو معلوم عند البهائم . بل هذا موجود في جميع المخلوقات، وإذا أثبتنا الفرق بين الحسنات والسيئات، وهو الفرق بين الحسن والقبيح، فالفرق يرجع إلى هذا . والعقلاء متفقون على أن كون بعض الأفعال ملائماً للإنسان، وبعضها منافياً له، إذا قيل: هذا حسن وهذا قبيح. فهذا الحسن والقبح مما يعلم بالعقل باتفاق العقلاء. وتنازعوا فى الحسن والقبح بمعنى كون الفعل سبباً للذم والعقاب ، هل يعلم بالعقل أم لا يعلم إلا بالشرع. وكان من أسباب النزاع أنهم ظنوا أن هذا القسم مغاير للأول ، وليس هذا خارجاً عنه . فليس فى الوجود حسن إلا بمعنى الملائم. ولا قبيح إلا بمعنى المنافي، والمدح والثواب ملائم، والذم والعقاب مناف، فهذا نوع من الملائم والمنافى . يبقى الكلام فى بعض أنواع الحسن والقبيح لا في جميعه، ولا ريب أن من أنواعه ما لا يعلم إلا بالشرع ، ولكن النزاع فيما قبحه معلوم لعموم الخلق، كالظلم والكذب ونحو ذلك. والنزاع فى أمور : (منها ) هل للفعل صفة صار بها حسناً وقبيحاً، وأن الحسن العقلي هو كونه موافقاً لمصلحة العالم ، والقبح العقلي بخلافه . فهل فى الشرع زيادة على ٣٠٩ ذلك؟ وفى أن العقاب فى الدنيا والآخرة هل يعلم بمجرد العقل ، وبسط هذا له موضع آخر . ومن الناس من أثبت قسماً ثالثاً للحسن والقبح، وادعى الانفاق عليه : وهو كون الفعل صفة كمال أو صفة نقص، وهذا القسم لم يذكره عامة المتقدمين المتكلمين فى هذه المسألة ؛ ولكن ذكره بعض المتأخرين : كالرازي ، وأخذه عن الفلاسفة . والتحقيق أن هذا القسم لا يخالف الأول ، فإن الكمال الذي يحصل للإنسان ببعض الأفعال هو يعود إلى الموافقة والمخالفة، وهو اللذة أو الألم . فالنفس تلتذ بما هو كمال لها ، وتتألم بالنقص فيعود الكمال والنقص إلى الملائم والمنافى ، وهذا مبسوط في موضع آخر . و (المقصود هنا): أن الفرق بين الأفعال الحسنة التى يحصل لصاحبها بها لذة، وبين السيئة التى يحصل له بها ألم أمر حسى يعرفه جميع الحيوان. فمن قال من المدعين للحقيقة القدرية، والفناء فى توحيد الربوبية ، والاصطلام: أنه يبقى فى عين الجمع بحيث لا يفرق بين ما يؤلم أو ما يلذ، كان هذا مما يعلم كذبه فيه ، إن كان يفهم ما يقول ، وإلا كان ضالا يتكلم بما لا يعرف حقيقته، وهو الغالب على من يتكلم فى هذا . فإن القوم قد يحصل لأحدهم هذا المشهد «مشهد الفناء في توحيد ٣١٠ الربوبية )) فلا يشهد فرقاً ما دام فى هذا المشهد ، وقد يغيب عنه الإحساس بما يوجب الفرق مدة من الزمان ، فيظن هذا الفناء مقاماً محموداً ويجعله إما غاية. وإما لازماً للسالكين ، وهذا غلط فإن عدم الفرق بين ما ينعم ويعذب أحياناً هو مثل عدم الفرق بين النوم والنسيان، والغفلة والاشتغال بشيء عن آخر وهو لا يزيل الفرق الثابت فى نفس الأمر ، ولا يزيل الإحساس به إذا وجد سببه . والواحد من هؤلاء لا بد أن يجوع أو يعطش فلا يسوى بين الخبز والشراب، وبين الملح الأجاج والعذب الفرات، بل لا بد أن يفرق بينهما ويقول : هذا طيب وهذا ليس بطيب، وهذا هو الفرق بين كل ما أمر الله ورسوله به ونهى عنه ، فإنه أمر بالطيب من القول والعمل ، ونهى عن الخبيث . وإذا عرف أن المراد بالفرق هو أن من الأمور ما ينفع ، ويوجب اللذة والنعيم ، ومنها ما يضر ويوجب الألم والعذاب، فبعض هذه الأمور ندرك بالحس، وبعضها يدركه الناس بعقولهم لأمور الدنيا . فيعرفون ما يجلب لهم منفعة فى الدنيا وما يجلب لهم مضرة، وهذا من العقل الذي ميزبه الإنسان ، فإنه يدرك من عواقب الأفعال ما لا يدركه الحس ، ولفظ العقل فى القرآن يتضمن ما يجلب به المنفعة وما يدفع به المضرة . ٣١١ والله تعالى بعث الرسل بتكميل الفطرة، فدلوم على ما ينالون به النعيم فى الآخرة وينجون من عذاب الآخرة. فالفرق بين المأمور والمحظور هو كالفرق بين الجنة والنار ، واللذة والألم ، والنعيم والعذاب، ومن لم يدرك هذا الفرق فإن كان لسبب أزال عقله هو به معذور ، وإلا كان مطالباً بما فعله من الشر وتركه من الخير. ولا ريب أن في الناس من قد يزول عقله فى بعض الأحوال ، ومن الناس من يتعاطى ما يزيل العقل: كالخمر وكسماع الأصوات المطربة ؛ فإن ذلك قديقوى حتى يسكر أصحابها، ويقترن بهم شياطين ، فيقتل بعضهم بعضافي السماع المسكر كما يقتل شراب الخمر بعضهم بعضا إذا سكروا، وهذا مما يعرفه كثير من أهل الأحوال؛ لكن منهم من يقول المقتول شهيد. و ((التحقيق)): أن المقتول يشبه المقتول فى شرب الخمر، فإنهم سكروا سكراً غير مشروع؛ لكن غالبهم يظن أن هذا من أحوال أولياء الله المتقين، فيبقى القتيل فيهم كالقتيل فى الفتنة، وليس هو كالذي تعمد قتله ، ولا هو كالمقتول ظلماً من كل وجه . فإن قيل : فهل هذا الفناء يزول به التكليف ؟ قيل : إن حصل للإنسان سبب يعذر فيه زال به عقله الذي يميز به فكان بمنزلة النائم والمغمى عليه، والسكران سكراً لا يأثم به، كمن سكر قبل التحريم أو أوجر الخمر ، أو أكره على شربها عند الجمهور، وأما إن كان السكر لسبب محرم ، فهذا فيه نزاع معروف بين العلماء . ٣١٢ والذين يذكرون عن أبي يزيد وغيره كلمات من الاتحاد الخاص، ونفي الفرق ويعذرونه فى ذلك يقولون : إنه غاب عقله حتى قال : أنا الحق وسبحاني وما فى الجبة إلا الله. ويقولون: إن الحب إذا قوي على صاحبه وكان قلبه ضعيفاً يغيب بمحبوبه عن حبه ، وبموجوده عن وجده، وبمذ كوره عن ذكره حتى يغنى من لم يكن ويبقى من لم يزل، ويحكون أن شخصاً ألقى بنفسه فى الماء فألقى محبه نفسه خلفه. فقال : أنا وقعت فلم وقعت أنت ؟ فقال : غبت بك عني فظننت أنك أنى. فمثل هذا الحال التى يزول فيها تمييزه بين الرب والعبد، وبين المأمور والمحظور ليست علماً ولا حقاً ، بل غايته أنه نقص عقله الذي يفرق به بين هذا وهذا، وغايته أن يعذر. لا أن يكون قوله تحقيقاً . وطائفة من الصوفية المدعين للتحقيق يجعلون هذا تحقيقاً وتوحيداً ، كما فعله صاحب منازل السائرين . وابن العريف وغيرهما ؛ كما أن الاتحاد العام جعله طائفة تحقيقاً وتوحيداً : كابن عربى الطائى. وقد ظن طائفة أن الحلاج كان من هؤلاء ثم صاروا حزبين : ((حزب)) يقول : وقع فى ذلك الفناء فكان معذوراً فى الباطن ولكن قتله واجب في الظاهر . ويقولون : القاتل مجاهد، والمقتول شهيد. ويحكون عن بعض الشيوخ أنه قال: عثر عثرة لوكنت في زمنه لأخذت بيده . ويجعلون حاله من جنس حال أهل الاصطلام والفناء . ٣١٣ و (( حزب ثان)): وهم الذين يصوبون حال أهل الفناء فى توحيد الربوبية . ويقولون : هو الغاية . يقولون: بل الحلاج كان فى غابة التحقيق والتوحيد. تم هؤلاء فى قتله فريقان : ((فريق)) يقول: قتل مظلوماً وما كان يجوز قتله ، ويعادون الشرع وأهل الشرع لقتلهم الحلاج. ومنهم من يعادى جنس الفقهاء وأهل العلم. ويقولون: م قتلوا الحلاج، وهؤلاء من جنس الذين يقولون : لنا شريعة ولنا حقيقة تخالف الشريعة، والذين يتكلمون بهذا الكلام لا يميزون ما المراد بلفظ الشريعة فى كلام الله ورسوله وكلام سائر الناس ، ولا المراد بلفظ الحقيقة أو الحق أو الذوق أو الوجد أو التوحيد فى كلام الله ورسوله وكلام سائر الناس ، بل فيهم من يظن الشرع عبارة عما يحكم به القاضي . ومن هؤلاء من لا يميز بين القاضي العالم العادل والقاضي الجاهل والقاضي الظالم، بل ما حكم به حاكم سماء شريعة ، ولا ريب أنه قد تكون الحقيقة فى نفس الأمر التى يحبها الله ورسوله خلاف ما حكم به الحاكم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنكم تختصمون إلى ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ، وإنما أقضى على نحو مما أسمع ، فمن قضيت له من حق أخيه ٣١٤ شيئاً فلا بأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار)). فالحاكم يحكم بما يسمعه من البينة والإقرار، وقد يكون للآخر حجيج لم يبينها، وأمثال هذا. فالشريعة فى نفس الأمر هي الأمر الباطن ، وما قضى به القاضي ينفذ ظاهراً ، وكثير من الأمور قد يكون باطنها بخلاف ما يظهر لبعض الناس ، ومن هذا قصة موسى والخضر : فإنه كان الذي فعله مصلحة ، وهو شريعة أمره الله بها ، ولم يكن مخالفاً لشرع الله، لكن لما لم يعرف موسى الباطن كان في الظاهر عنده أن هذا لا يجوز، فلما بين له الخضر الأمور وافقه ، فلم يكن ذلك مخالفاً للشرع . وهذا الباب يقال فيه : قد يكون الأمر فى الباطن بخلاف ما يظهر ، وهذا صحيح . لكن تسمية الباطن حقيقة، والظاهر شريعة، أمر اصطلاحي. ومن الناس من يجعل الحقيقة هي الأمر الباطن مطلقاً ، والشريعة الأمور الظاهرة . وهذا كما أن لفظ ((الإسلام)) إذا قرن بالإيمان أريد به الأعمال الظاهرة ، ولفظ ((الإيمان)) يراد به الإيمان الذي فى القلب كما فى حديث جبريل ، فإذا جمع بيها فقيل : شرائع الإسلام وحقائق الإيمان ، كان هذا كلاماً صحيحاً ؛ لكن متى ٣١٥ أفرد أحدهما تناول الآخر ، فكل شريعة ليس لها حقيقة باطنة ، فليس صاحبها من المؤمنين حقاً، وكل حقيقة لا توافق الشريعة التى بعث الله بها محمداً صلى الله عليه وسلم فصاحبها ليس بمسلم ، فضلاً عن أن يكون من أولياء الله المتقين. وقد يراد بلفظ الشريعة ما يقوله فقهاء الشريعة باجتهاده ، وبالحقيقة ما يذوقه ويجده الصوفية بقلوبهم، ولا ريب أن كلا من هؤلاء مجتهدون : تارة مصييون ، وتارة مخطئون، وليس لواحد منهما تعمد مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ثم إن اتفق اجتهاد الطائفتين ، وإلا فليس على واحدة أن تقلد الأخرى إلا أن تأتى بحجة شرعية توجب موافقتها . فمن الناس من يظهر أن الحلاج قتل باجتهاد فقهي يخالف الحقيقة الذوقية التى عليها هؤلاء ، وهذا ظن كثير من الناس ؛ وليس كذلك ، بل الذي قتل عليه إنما هو الكفر، وقتل باتفاق الطائفتين، مثل دعواه أنه يقدر أن يعارض القرآن بخير منه ، ودعواه أنه من فاته الحج أنه يبني بيتا يطوف به ، ويتصدق بشيء قدره ، وذلك يسقط الحج عنه. إلى أمور أخرى توجب الكفر باتفاق المسلمين الذين يشهدون أن محمداً رسول الله: علماؤم وعبادم وفقها ؤم وفقراؤهم وصوفيتهم . و ( فريق ) يقولون : قتل لأنه باح بسر التوحيد والتحقيق : الذي ما ٣١٦ كان ينبغي أن يبوح به ؛ فإن هذا من الأسرار التى لا يتكلم بها إلا مع خواص الناس ، وهي مما تطوى ولا تروى وينشدون: من الرجال ولم يؤخذ له ثار من باح بالسر كان القتل شيمته وكذا دماء البائحين تباح (١) باحوا بالسر تباح دماؤهم وحقيقة قول هؤلاء يشبه قول قائل: إنما قاله النصارى فى المسيح حق. وهو موجود لغيره من الأنبياء والأولياء ؛ لكن ما يمكن التصريح به ، لأن صاحب الشرع لم يأذن فى ذلك، وكلام صاحب منازل السائرين وأمثاله يشير إلی هذا، وتوحيده الذي قال فيه : إذ كل من وحده جاحد ما وحد الواحد من واحد عارية أبطلها الواحد توحيد من يخبر عن نعته توحيده إياه توحيده ونعت من ينعته لاحد فإن حقيقة قول هؤلاء أن الموحد هو الموحد ، وأن الناطق بالتوحيد على لسان العبد هو الحق ، وأنه لا يوحده إلا نفسه فلا يكون الموحد إلا الموحد ويفرقون بين قول فرعون: ( أَنَارَتُّكُمُ الْأَعْلَى ) وبين قول الحلاج: أنا الحق وسبحانى . فإن فرعون قال ذلك : وهو يشهد نفسه ، فقال عن نفسه، وأما أهل الفناء فغابوا عن نفوسهم، وكان الناطق على لسانهم غيرهم . (١) كذا بالأصل ٣١٧ وهذا مما وقع فيه كثير من المتصوفة المتأخرين، ولهذا رد الجنيد - رحمه الله - على هؤلاء لما سئل عن التوحيد فقال: هو الفرق بين القديم والمحدث، فبين الجنيد - سيد الطائفة - أن التوحيد لايتم إلا بأن يفرق بين الرب القديم ، والعبد المحدث؛ لا كما يقوله هؤلاء الذين يجعلون هذا هو هذا ، وهؤلاء أهل الاتحاد والحلول الخاص والمقيد ، وأما القائلون بالحلول والاتحاد العام المطلق، فأولئك هم الذين يقولون: إنه بذاته في كل مكان ، أو إنه وجود المخلوقات ، وقد بسط الكلام على هؤلاء في غير هذا الموضوع. و (المقصودهنا): أن الخلاج لم يكن مقيداً بصف من هذه الأصناف بل كان قد قال من الأقوال التى توجب الكفر والقتل ، باتفاق طوائف المسلمين ، ما قد ذكر فى غير هذا الموضع. وكذلك أنكره أكثر المشايخ، وذموه : كالجنيد ، وعمر بن عثمان المكي، وأبى يعقوب الهرجوري . ومن التبس عليه حاله منهم فلم يعرف حقيقة ماقاله -- إلا من كان يقول بالحلول والاتحاد مطلقاً أو معيناً - فإنه يظن أن هذا كان قول الخلاج وينصر ذلك ؛ ولهذا كانت فرقة ابن سبعين فيها من رجال الظلم جماعة منهم الخلاج - وعند جماهير المشايخ الصوفية، وأهل العلم أن الخلاج لم يكن من المشايخ الصالحين ؛ بل كان زنديقاً وزهده لأسباب متعددة بطول وصفها، ولم يكن من أهل الفناء فى ((توحيد الربوبية))؛ بل كان قد ٣١٨ تعلم السحر وكان له شياطين تخدمه إلى أمور أخرى مبسوطة فى غير هذا الموضع . وبكل حال آدم لما أكل هو وحواء من الشجرة ، لم يكن زائل العقل ولا فانيا فى شهود القدر العام، ولا احتج على موسى بذلك، بل قال : لم تلومني على أمر كتبه الله علي قبل أن أخلق ؟ فاحتج بالقدر السابق لا بعدم تميزه بين المأمور والمحظور . فصل إذا عرف هذا. فنقول : الصواب فى قصة آدم وموسى ، أن موسى لم يلم آدم إلا من جهة المصيبة التى أصابته وذريته بما فعل، لا لأجل أن تارك الأمر مذنب عاص؛ ولهذا قال : لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة ؟ لم يقل : لماذا خالفت الأمر ؟ ولماذا عصيت ؟ والناس مأمورون عند المصائب التى تصيبهم بأفعال الناس أو بغير أفعالهم بالتسليم للقدر، وشهود الربوبية، كما قال تعالى: (مَآ أَصَابَ مِن مُصِيبَةٍ إِلَّ بِإِذْنِ اَللَّهِ وَمَن يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ) قال ابن مسعود أو غيره: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((احرص على ٣١٩ ماينفعك واستعن بالله ولا تعجزن ، وإن أصابك شيء فلا تقل : لو أني فعلت ، لكان كذا وكذا ، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل فإن (لو) تفتح عمل الشيطان )) . فأمره بالحرص على ما ينفعه وهو طاعة الله ورسوله، فليس للعباد أنفع من طاعة الله ورسوله وأمَرَه إذا أصابته مصيبة مقدرة أن لا ينظر إلى القدر ولا يتحسر بتقدير لا يفيد ، ويقول: قدر الله وما شاء فعل، ولا يقول: لو أني فعلت لكان كذا، فيقدر مالم يقع، يتمنى أن لو كان وقع ؛ فإن ذلك إنما يورث حسرة وحزنا لا يفيد، والتسليم للقدر هو الذي ينفعه، كما قال بعضهم : الأمر أمران أمر فيه حيلة فلا تعجز عنه. وأمر لاحيلة فيه فلا تجزع منه. وما زال أئمة الهدى من الشيوخ وغيرم يوصون الإنسان بأن يفعل المأمور ويترك المحظور، ويصبر على المقدور، وإن كانت تلك المصيبة بسبب فعل آدمي . فلو أن رجلاً أنفق ماله فى المعاصي حتى مات ، ولم يخلف لولده مالاً ، أو ظلم الناس بظلم صاروا لأجله يبغضون أولاده ، ويحرمونهم ما يعطونه لأمثالهم لكان هذا مصيبة فى حق الأولاد حصلت بسبب فعل الأب، فإذا قال أحدهم لأبيه : أنت فعلت بنا هذا: قيل للابن هذا كان مقدوراً ٣٢٠