Indexed OCR Text

Pages 81-100

سئل شيخ الإسلام رحمه اللّه تعالى(١)
عن حسن إرادة الله تعالى الخلق الخلق وإنشاء الأنام، وهل يخلق لعلة أو
لغير علة؟ فإن قيل لا لعلة فهو عبث - تعالى الله عنه - وإن قيل لعلة ، فإن
قلتم إنها لم تزل ، لزم أن يكون المعلول لم يزل ، وإن قلتم إنها محدثة لزم أن
يكون لها علة، والتسلسل محال .
فأجاب الحمد لله رب العالمين . هذه المسألة كبيرة من أجل المسائل الكبار
التى تكلم فيها الناس وأعظمها شعوباً وفروعاً، وأكثرها شيهاً ومحارات ؛ فإن
لها تعلقاً بصفات الله تعالى وبأسمائه وأفعاله، وأحكامه من الأمر والنهي والوعد
والوعيد، وهي داخلة فى خلقه وأمره، فكل ما فى الوجود متعلق بهذه المسألة،
فإن المخلوقات جميعها متعلقة بها وهي متعلقة بالخالق سبحانه، وكذلك الشرائع
كلها : الأمر والنهي والوعد والوعيد متعلقة بها، وهي متعلقة بمسائل القدر
والأمر ، وبمسائل الصفات والأفعال، وهذه جوامع علوم الناس ، فعلم الفقه الذي
هو الأمر والنهي متعلق بها .
(١) تسمى: ((أقوم ما قيل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل))
٨١

وقد تكلم الناس فى ((تعليل الأحكام الشرعية والأمر والنهى)) كالآمر
بالتوحيد والصدق والعدل والصلاة والزكاة والصيام والحج، والنهي عن الشرك
والكذب والظلم والفواحش ، هل أمر بذلك لحكمة ومصلحة وعلة اقتضت
ذلك؟ أم ذلك لمحض المشيئة وصرف الإرادة؟ وهل علل الشرع بمعنى الداعي
والباعث؟ أو بمعنى الأمارة والعلامة؟ وهل يسوغ فى الحكمة أن ينهى الله عن
التوحيد والصدق والعدل، ويأمر بالشرك والكذب والظلم أم لا؟
وتكلم الناس في تنزيه الله تعالى عن الظلم هل هو منزه عنه مع قدرته عليه
أم الظلم ممتنع لنفسه لا يمكن وقوعه؟
وتكلموا في محبة الله ورضاه وغضبه وسخطه. هل هي بمعنى إرادته، أو هي
الثواب والعقاب المخلوق، أم هذه صفات أخص من الإرادة ؟
وتنازعوا فيما وقع فى الأرض من الكفر والفسوق والعصيان ، هل
يريده ويحبه ويرضاه كما يريد ويحب سأر ما يحدث؟ أم هو واقع بدون قدرته
ومشيئته، وهو لا يقدر أن يهدي ضالا ولا يضل مهتدياً ؟ أم هو واقع بقدرته
ومشيئته؟ ولا يكون فى ملكه ما لا يريد، وله فى جميع خلقه حكمة بالغة ، وهو
يبغضه ويكرهه ويمقت فاعله،ولا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر، ولا
يريده الإرادة الدينية المتضمنة لمحبته ورضاه، وإن أراده الإرادة الكونية التى
تتناول ما قدره وقضاه؟. وفروع هذا الأصل كثيرة لا يحتمل هذا
الموضع استقصاءها.
٨٢

ولأجل تجاذب هذا الأصل ووقوع الاشتباه فيه صار الناس فيه إلى
التقديرات الثلاثة المذكورة فى سؤال السائل ، وكل تقدير قال به طوائف من
بنى آدم من المسلمين وغير المسلمين .
(فالتقدير الأول) هو قول من يقول خلق المخلوقات وأمر بالأمورات
لا لعلة ولا لداع ولا باعث ، بل فعل ذلك لمحض المشيئة وصرف الارادة ، وهذا
قول كثير ممن يثبت القدر ، وينتسب إلى السنة من أهل الكلام والفقه وغيرهم.
وقد قال بهذا طوائف من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرم، وهو
قول الأشعري وأصحابه، وقول كثير من ((نفاة القياس في الفقه)) الظاهرية
كابن حزم وأمثاله .
ومن حجة هؤلاء أنه لو خلق الخلق لعلة لكان ناقصاً بدونها مستكملاًبها؛
فإنه إما أن يكون وجود تلك العلمة وعدمها بالنسبة إليه سواء ، أو يكون وجودها
أولى به. فإن كان الأول امتنع أن يفعل لأجلها، وإن كان الثاني ثبت أن وجودها
أولى به، فيكون مستكملاً بها، فيكون قبلها ناقصاً .
ومن حجتهم ما ذكره السائل من أن العلة إن كانت قديمة وجب قدم
المعلول ؛ لأن العلة الغائية وإن كانت متقدمة على المعلول فى العلم والقصد - كما
يقال: أول الفكرة آخر العمل ، وأول البغية آخر الدرك. ويقال إن العلمة الغائية
بها صار الفاعل فاعلاً - فلا ريب أنها متأخرة فى الوجود عنه ؛ فمن فعل فعلاً
٨٣

لمطلوب يطلبه بذلك الفعل كان حصول المطلوب بعد الفعل ، فإذا قدر أن ذلك
المطلوب الذي هو العلة قديماً كان الفعل قديماً بطريق الأولى .
فلو قيل : إنه يفعل لعلة قديمة لزم أن لايحدث شيء من الحوادث وهو
خلاف المشاهدة ، وإن قيل إنه فعل لعلة حادثة لزم محذوران :
( أحدهما ) أن يكون محلاً للحوادث ؛ فإن العلة إذا كانت منفصلة عنه
فإن لم يعد إليه منها حكم امتنع أن يكون وجودها أولى به من عدمها ، وإذا قدر
أنه عاد إليه منها حكم كان ذلك حادثاً فتقوم به الحوادث.
( المحذور الثاني ) أن ذلك يستلزم التسلسل من وجهين ( أحدهما ) أن
تلك العلمة الحادثة المطلوبة بالفعل هي أيضاً مما يحدثه الله تعالى بقدرته ومشيئته ،
فإن كانت لغير علة لزم العبث كما تقدم ، وإن كانت لعلة عاد التقسيم فيها ، فإذا
كان كل ما أحدثه أحدثه، لعلة والعلة مما أحدثه لزم تسلسل الحوادث (الثاني)
أن تلك العلة إما أن تكون مرادة لنفسها أو لعلة أخرى، فإن كانت مرادة
لنفسها امتنع حدوثها لأن ما أراده الله تعالى لذاته وهو قادر عليه لا يؤخر
إحداثه ، وإن كانت مرادة لغيرها فالقول في ذلك الغير كالقول فيها ويلزم
التسلسل . فهذا ونحوه من حجج من ينفي تعليل أفعال الله تعالى وأحكامه.
(والتقدير الثاني ) قول من يجعل العلة الغائية قديمة كما يجعل العلة الفاعلية
٨٤

قديمة، كمايقول ذلك طوائف من المسلمين كما سيأتي بيانه، وكما يقول ذلك من
يقوله من المتفلسفة القائلين بقدم العالم . وهؤلاء أصل قولهم أن المبدع للعالم
علة تامة تستلزم معلولها ، لا يجوز أن يتأخر عنها معلولها. وأعظم حججهم
قولهم : إن جميع الأمور المعتبرة فى كونه فاعلا إن كانت موجودة في الأزل
لزم وجود المفعول في الأزل ، لأن العلة التامة لا يتأخر عنها معلولها، فإنه لو
تأخر لم تكن جميع شروط الفعل وجدت فى الأزل ، فإنا لا نعني بالعلة التامة
إلا ما يستلزم المعلول ، فإذا قدر أنه تخلف عنها المعلول لم تكن تامة ، وإن لم
تكن العلة التامة - التى هي جميع الأمور المعتبرة فى الفعل وهي المقتضى التام
لوجود الفعل وهي جميع شروط الفعل التى يلزم من وجودها وجود الفعل
إن لم يكن جميعها فى الأزل - فلا بد إذا وجد المفعول بعد ذلك من تجدد
سبب حادث وإلا لزم ترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجح، وإذا كان هناك
سبب حادث فالقول فى حدوثه كالقول فى الحادث الأول ، ويلزم التسلسل .
قالوا فالقول بانتفاء العلة التامة المستلزمة للمفعول يوجب إما التسلسل وإما
الترجيح بلا مرجح.
ثم أكثر هؤلاء يثبتون علة غائية للفعل وهي بعينها الفاعلية ، ولكنهم
متناقضون ، فإنهم يثبتون له العلة الغائية ويثبتون لفعله العلة الغائية، ويقولون
مع هذا ليس له إرادة بل هو موجب بالذات ، لا فاعل بالاختيار . وقولهم
باطل من وجوه كثيرة .
٨٥

(منها) أن يقال: هذا القول يستلزم أن لا يحدث شيء، وأن كل ما
حدث حدث بغير إحداث محدث. ومعلوم أن بطلان هذا أبين من بطلان
التسلسل ، وبطلان الترجيح بلا مرجح، وذلك أن العلة التامة المستلزمة لمعلولها
يقترن بها معلولها ولا يجوز أن يتأخر عنها شيء من معلولها . فكل ما حدث
من الحوادث لا يجوز أن يحدث عن هذه العلة التامة ، وليس هناك ما تصدر
عنه الممكنات سوى الواجب بنفسه الذي سماه هؤلاء علة تامة ، فإذا امتنع صدور
الحوادث عنه وليس هناك ما يحدثها غيره لزم أن تحدث بلا محدث.
(وأيضاً ) فلو قدر أن غيره أحدثها فإن كان واجباً بنفسه كان القول فيه
كالقول فى الواجب الأول ، وأصل قولهم: إن الواجب بنفسه علة تامة تستلزم
مقارنة معلوله له ، فلا يجوز أن يصدر على قولهم عن العلة التامة حادث ، لابواسطة
ولا بغير واسطة ؛ لأن تلك الواسطة إن كانت من لوازم وجوده كانت
قديمة معه ، فامتنع صدور الحوادث عنها وإن كانت حادثة كان القول
فيها كالقول فى غيرها .
وإن قدر أن المحدث للحوادث غير واجب بنفسه كان ممكناً مفتقراً إلى
موجب يوجب به. ثم إن قيل أنه محدث كان من الحوادث، وإن قيل إنه قديم
كان له علة تامة مستلزمة له ، وامتنع حينئذ حدوث الحوادث عنه، فإن الممكن
لا يوجد هو ولا شيء من صفاته وأفعاله إلا عن الواجب بنفسه ؛ فإذا قدر
حدوث الحوادث عن ممكن قديم معلول لعلة قديمة ، قيل : هل حدث فيه سبب
٨٦

يقتضي الحدوث أم لا؟ فإن قيل: لم يحدث سبب لزم الترجيح بلا مرجح، وإن
قيل : حدث سبب لزم التسلسل كما تقدم .
( الوجه الثاني ) الذي يبين بطلان قولهم أن يقال: مضمون الحجة أنه
إذا لم يكن ثم علة قديمة لزم التسلسل أو الترجيح بلا حرجح، والتسلسل عندكم
جائز. فإن أصل قولهم إن هذه الحوادث متسلسلة شيئاً بعد شىء ، وإن حركات
الفلك توجب استعداد القوابل لأن تفيض عليها الصور الحادثة من العلة القديمة
سواء قلتم : هي العقل الفعال ، أو هي الواجب الذي يصدر عنه بتوسط العقول،
أو غير ذلك من الوسائط ، وإذا كان التسلسل جازاً عندكم لم يمتنع حدوث
الحوادث عن غير علة موجبة للمعلول وإن لزم التسلسل ؛ بل هذا خير في الشرع
والعقل من قولكم. وذلك أن الشرع أخبر أن الله خلق السموات والأرض فى
ستة أيام وهذا مما اتفق عليه أهل الملل: المسلمون واليهود والنصارى . فإن قيل: إنه
خلقها بسبب حادث قبل ذلك كان خيراً من قولكم إنها قديمة أزلية معه فى الشرع،
وكان أولى فى العقل ؛ لأن العقل ليس فيه ما يدل على قدم هذه الأفلاك حتى
يعارض الشرع، وهذه الحجة العقلية إنما تقتضى أنه لا يحدث شيء إلا بسبب
حادث ، فإذا قيل : إن السموات والأرض خلقها الله تعالى بما حدث قبل ذلك لم
يكن فى حجتكم العقلية ما يبطل هذا .
( الوجه الثالث ) أن يقال: حدوث حادث بعد حادث بلا نهاية إما أن
يكون ممكناً في العقل أو ممتنعاً ؛ فإن كان ممتنعاً فى العقل لزم أن الحوادث جميعها
٨٧

لها أول كما يقول ذلك من يقوله من أهل الكلام ، وبطل قولهم بقدم حركات
الأفلاك، وإن كان ممكنا أمكن أن يكون حدوث ما أحدثه الله تعالى كالسموات
والأرض موقوفا على حوادث قبل ذلك، كما تقولون أنتم فيما يحدث فى هذا العالم
من الحيوان والنبات والمعادن والمطر والسحاب وغير ذلك، فيلزم فساد حجتكم
على التقديرين .
ثم يقال: إما أن تثبتوا لمبدع العالم حكمة وغاية مطلوبة، وإما أن لا تثبتوا؛
فإن لم تثبتوا بطل قولكم بإثبات العامة الغائية ، وبطل ما تذكرونه من حكمة الباري
تعالى فى خلق الحيوان وغير ذلك من المخلوقات ، و( أيضا ) فالوجود يبطل
هذا القول ؛ فإن الحكمة الموجودة فى الوجود أمر يفوق العد والإحصاء،
كإحداثه سبحانه لما يحدثه من نعمته ورحمته وقت حاجة الخلق إليه ، كإحداث
المطر وقت الشتاء بقدر الحاجة، وإحداثه للإنسان الآلات التى يحتاج إليها
بقدر حاجته ، وأمثال ذلك مما ليس هذا موضع بسطه ، وإن أثبتم له حكمة مطلوبة
- وهي باصطلاحكم العلة الغائية- لزمكم أن تثبتوا له المشيئة والإرادة
بالضرورة، فإن القول : بأن الفاعل فعل كذا لحكمة كذا بدون كونه مريداً
لتلك الحكمة المطلوبة جمع بين النقيضين ؛ وهؤلاء المتفلسفة من أكثر الناس
تناقضاً ولهذا يجعلون العلم هو العالم والعلم، هو الإرادة، والإرادة هي القدرة،
وأمثال ذلك، كما قد بسط الكلام عليهم فى غير هذا الموضع .
(وأما التقدير الثالث ) وهو أنه فعل المفعولات وأمر بالمأمورات لحكمة
٨٨

محمودة ، فهذا قول أكثر الناس من المسلمين وغير المسلمين ، وقول طوائف
من أصحاب أبى حنيفة والشافعي ومالك وأحمد وغيرهم ، وقول طوائف من أهل
الكلام من المعتزلة والكرامية والمرجئة وغيرم، وقول أكثر أهل الحديث
والتصوف وأهل التفسير وقول أكثر قدماء الفلاسفة ، وكثير من متأخريهم
كأبى البركات وأمثاله؛ لكن هؤلاء على أقوال:
(منهم) من قال : إن الحكمة المطلوبة مخلوقة منفصلة عنه أيضا ؛ كما يقول
ذلك من يقوله من المعتزلة والشيعة ومن وافقهم؛ وقالوا : الحكمة فى ذلك
إحسانه إلى الخلق؛ والحكمة فى الأمر تعويض المكلفين بالثواب؛ وقالوا إن فعل
الإحسان إلى الغير حسن محمود فى العقل؛ خلق الخلق لهذه الحكمة من غير أن
يعود إليه من ذلك حكم ؛ ولا قام به فعل ولا نعت .
فقال لهم الناس: أنتم متناقضون فى هذا القول، لأن الإحسان إلى الغير
محمود لكونه يعودمنه على فاعله حكم محمد لأجله ؛ إما لتكميل نفسه بذلك ؛ وإما
لقصده الحمد والثواب بذلك؛ وإما لرقة وألم يجده فى نفسه يدفع بالإحسان ذلك
الألم وإمالالتذاذه وسروره وفرحه بالإحسان ؛ فإن النفس الكريمة تفرح وتسر
وتلتذ بالخير الذي يحصل منها إلى غيرها، فالإحسان إلى الغير محمود، لكون
المحسن يعود إليه من فعله هذه الأمور حكم يحمد لأجله ، أما إذا قدر أن وجود
الإحسان وعدمه بالنسبة إلى الفاعل سواء لم يعلم أن مثل هذا الفعل يحسن منه
بل مثل هذا يعد عبئاً فى عقول العقلاء، وكل من فعل فعلا ليس فيه لنفسه لذة
٨٩

ولا مصلحة ولا منفعة بوجه من الوجوه لا عاجلة ولا آجلة كان عابثا ولم يكن
محموداً على هذا، وأنتم علمتم أفعاله فراراً من العبث فوقعتم في العبث ؛ فإن
العبث هو الفعل الذي ليس فيه مصلحة ولا منفعة ولا فائدة تعود على الفاعل؛
ولهذا لم يأمر الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من
العقلاء أحداً بالإحسان إلى غيره ونفعه ونحو ذلك إلا لما له فى ذلك من المنفعة
والمصلحة ، وإلا فأمر الفاعل بفعل لايعود إليه منه لذة ولا سرور ولا منفعة
ولا فرح بوجه من الوجوه لافي العاجل ولا فى الآجل لا يستحسن من الآمر .
ونشأ من هذا الكلام نزاع بين المعتزلة وغيرهم ومن وافقهم في «مسألة
التحسين، والتقبيح العقلي)) فأثبت ذلك المعتزلة وغيرهم ومن وافقهم من أصحاب
أبى حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأهل الحديث وغيرهم، وحكوا ذلك عن أبي
حنيفة نفسه ، ونفى ذلك الأشعرية ومن وافقهم من أصحاب مالك والشافعي
وأحمد وغيرهم، واتفق الفريقان على أن الحسن والقبح إذا فسرا يكون الفعل
نافعا للفاعل ملائما له ولكونه ضاراً للفاعل منافراً له أنه يمكن معرفته بالعقل ، كما
يعرف بالشرع . وظن من ظن من هؤلاء أن الحسن والقبح المعلوم بالشرع خارج
عن هذا، وهذا ليس كذلك، بل جميع الأفعال التى أوجبها الله تعالى وندب
إليها هي نافعة لفاعليها ومصلحة لهم. وجميع الأفعال التى نهى اللّه عنها هي ضارة
الفاعليها ومفسدة في حقهم، والحمد والثواب المترتب على طاعة الشارع نافع للفاعل
ومصلحة له، والذم والعقاب المترتب على معصيته ضار للفاعل ومفسدة له .
٩٠

والمعتزلة أثبتت الحسن فى أفعال الله تعالى لا بمعنى حكم يعود إليه من أفعاله.
ومنازعوم لما اعتقدوا أن لاحسن ولا قبح فى الفعل إلا ماعاد إلى الفاعل منه
حكم نفوا ذلك، وقالوا: القبيح في حق الله تعالى هو الممتنع لذاته ، وكل مايقدر
ممكنا من الأفعال فهو حسن ؛ إذ لافرق بالنسبة إليه عندم بين مفعول ومفعول
وأولئك أثبتوا حسناً وقبحاً لا يعود إلى الفاعل منه حكم يقوم بذاته، إذ عندهم
لا يقوم بذاته لا وصف ولا فعل ولا غير ذلك، وإن كانوا قد يتناقضون .
ثم أخذوا بقيسون ذلك على ما يحسن من العبد ويقبح فجعلوا يوجبون
على الله سبحانه ما يوجبون على العبد، ويحرمون عليه من جنس ما يحرمون على
العبد، ويسمون ذلك العدل والحكمة مع قصور عقلهم عن معرفة حكمته وعدله
ولا يثبتون له مشيئة عامة ، ولا قدرة تامة ، فلا يجعلونه على كل شيء قديرا
ولا يقولون («ماشاء اللّه كان ومالم يشألم يكن)) ولا يقرون بأنه خالق كل شيء ويثبتون
له من الظلم مانزه نفسه عنه سبحانه، فإنه قال (وَمَن يَعْمَلُ مِنَ الصَّلِحَتِ وَهُوَ
مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا ) أي لايخاف أن يظلم فيحمل عليه من سيئات
غيره ولا يهضم من حسناته. وقال تعالى ( مَايُبَدَُّ الْقَوْلُ لَدَىَّ وَمَا أَنْبِظَلَّمٍ
لِلْغِيدِ ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم فى حديث البطاقة الذي رواه الإمام
أحمد والترمذي وغيرها ((يجاء برجل من أمتى يوم القيامة فتنشر له تسعة
وتسعون سجلاً كل سجل مد البصر ، فيقال له: هل تنكر من هذا شيئاً؟
فيقول : لا يارب، فيقال له: ألك عذر ألك حسنة؟ فيقول لا يارب فيقول: بلى
٩١

إن لك عندنا حسنة، وإنه لا ظلم عليك اليوم ، قال فتخرج له بطاقة فيها أشهد
أن لا إله إلا الله فتوضع البطاقة فى كفة والسجلات فى كفة فطاشت السجلات
وثقلت البطاقة)). فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لايظلم، بل يثاب على
ما أتى به من التوحيد، كما قال تعالى (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ,
وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّايَرَهُ ).
وجمهور هؤلاء الذين يسمون أنفسهم ((عدلية)) يقولون : من فعل كبيرة
واحدة أحبطت جميع حسناته ، وخلد فى نار جهنم . فهذا الذي سماه الله ورسوله
ظلما يصفون الله به مع دعوام تنزيهه عن الظلم، ويسمون تخصيصه من يشاء
برحمته وفضله وخلقه ما خلقه لما له فيه من الحكمة البالغة ظلما . والكلام فى
هذه الأمور مبسوط فى غير هذا الموضع ولكن نبهنا على مجامع أصول
الناس فى هذا المقام .
وهؤلاء المعتزلة ومن وافقهم من الشيعة يوجبون على الله سبحانه أن يفعل
بكل عبد ما هو الأصلح له فى دينه ، وتنازعوا فى وجوب الأصلح فى دنياه ،
ومذهبهم أنه لا يقدر أن يفعل مع مخلوق من المصلحة الدينية غير مافعل،ولايقدر
أن يهدي ضالا ولا يضل مهتديا .
وأما سائر الطوائف الذين يقولون بالتعليل من الفقهاء وأهل الحديث
والصوفية وأهل الكلام كالكرامية وغيرم والمتفلسفة أيضا فلا يوافقونهم على
٩٢

هذا ؛ بل يقولون إنه يفعل ما يفعل سبحانه لحكمة يعلمها سبحانه وتعالى، وقد يعلم
العباد أو بعض العباد من حكمته ما يطلعهم عليه وقد لا يعلمون ذلك . والأمور
العامة التي يفعلها تكون لحكمة عامة ورحمة عامة ، كإرسال محمد صلى الله عليه
وسلم؛ فإنه كما قال تعالى ( وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلَّرَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ) فإن إرساله كان من
أعظم النعمة على الخلق وفيه أعظم حكمة للخالق ورحمة منه لعباده كما قال تعالى
(لَقَدْ مَنَّاللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيِهِمْ رَسُولً مِّنْ أَنْفُسِهِمْيَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِهِ، وَيُزَكِّيِهِمْ
وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَاُلْحِكْمَةَ) وقال تعالى (وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ
لِيَقُولُواْأَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنْ يَيْنِنَاْ أَلَيْسَ اَللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّكِرِينَ ) وقال
(وَمَا مُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْنِ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَبِّكُمْ
وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِى اَللَّهُ الشَّكِرِينَ)
) قالوا هو محمد صلى
وقال تعالى ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ الَهِ كُفْرًا
الله عليه وسلم.
فإذا قال قائل : فقد تضرر برسالته طائفة من الناس كالذين كذبوه من
المشركين وأهل الكتاب كان عن هذا جوابان :
(أحدهما ) أنه نفعهم بحسب الإمكان ، فإنه أضعف شرم الذي كانوايفعلونه
لولا الرسالة بإظهار الحجج والآيات التى زلزلت ما فى قلوبهم، وبالجهاد والجزية
التى أخافتهم وأذلتهم حتى قل شرم ، ومن قتله منهم مات قبل أن يطول عمره
فى الكفر فيعظم كفره، فكان ذلك تقليلا لشره، والرسل صلوات الله عليهم
٩٣

بعثوا بتحصيل المصالح وتكميلها ، وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان .
( والجواب الثاني ) أن ما حصل من الضرر أمر مغمور فى جنب ما حصل
من النفع ، كالمطر الذي عم نفعه إذا خرب به بعض البيوت أو احتبس به بعض
المسافرين والمكتسبين كالقصارين وبحوم ، وما كان نفعه ومصلحته عامة كان
خيراً مقصوداً ورحمة محبوبة وإن تضرر به بعض الناس. وهذا الجواب أجاب به
طوائف من المسلمين وأهل الكلام والفقه وغيرم من الحنفية والحنبلية وغيرهم
ومن الكرامية والصوفية ، وهو جواب كثير من المتفلسفة .
وقال هؤلاء: جميع ما يحدثه فى الوجود من الضرر فلا بد فيه من حكمة
قال الله تعالى ( صُنْعَاللهِالَّذِىَ أَنْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ) وقال ( الَّذِىَ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ
خَلَقَهُ,) والضرر الذي يحصل به حكمة مطلوبة لا يكون شراً مطلقاً، وإن كان
شراً بالنسبة إلى من تضرر به ؛ ولهذا لا يجيء في كلام الله تعالى وكلام رسوله
صلى الله عليه وسلم إضافة الشر وحده إلى الله؛ بل لا يذكر الشر إلا على أحد
وجوه (( ثلاثة)) إما أن يدخل فى عموم المخلوقات، فإنه إذا دخل فى العموم
أفاد عموم القدرة والمشيئة والخلق، وتضمن ما اشتمل عليه من حكمة تتعلق
بالعموم ، وإما أن يضاف إلى السبب الفاعل ، وإما أن يحذف فاعله .
فالأول كقوله تعالى ( اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ) ونحو ذلك، ومن هذا الباب
أسماء الله المقترنة كالمعطي المانع، والضار النافع، المعز المذل، الخافض الرافع،
٩٤

فلا يفرد الاسم المانع عن قرينه، ولا الضار عن قرينه ؛ لأن اقترانها يدل على
العموم ، وكل ما فى الوجود من رحمة ونفع ومصلحة فهو من فضله تعالى، وما فى
الوجود من غير ذلك، فهو من عدله ، فكل نعمة منه فضل ، وكل نقمة منه
عدل، كما فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يمين اللّه ملأى
لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات
والأرض؟ فإنه لم يغض ما فى يمينه ، وبيده الأخرى القسط يخفض ويرفع))
فأخبر أن يده اليمنى فيها الإحسان إلى الخلق ، ويده الأخرى فيها العدل
والميزان الذي به يخفض ويرفع ، فخفضه ورفعه من عدله ، وإحسانه إلى
خلقه من فضله .
وأما حذف الفاعل فمثل قول الجن ( وَأَنَّا لَ نَدْرِىّأَشَرُّأُرِيدَ بِمَن فِ اُلْأَرْضِ أَمْ
أَرَادَيِهِمْرَبُهُمْرَشَدًا) وقوله تعالى في سورة الفاتحة (صِرَاطَ الَّذِينَ أَعْمْتَ
عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّآلِينَ) ونحو ذلك.
وإضافته إلى السبب كقوله (مِن شَرِّمَاخَلَقَ ) وقوله (فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيَبَهَا )
مع قوله (فَأَرَادَ رَبِّكَ أَنْ يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا) وقوله تعالى (مَا أَصَابَكَ
مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِوَمَآ أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَن نَّفْسِكَ) وقوله (رَبَّنَاظَمْنَا أَنْفُسَنَا)
وقوله تعالى (أَوَلَمَّآ أَصَبَتَّكُم مُّصِيبَةٌ قَدْأَصَبْتُم مِّثْلَيَّهَا قُلْتُمْ أَنَّ هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ
أَنْفُسِكُمْ ) وأمثال ذلك .
٩٥

ولهذا ليس من أسماء الله الحسنى اسم يتضمن الشر ، وإنما يذكر الشر فى
مفعولاته، كقوله ( نَبِّئْ عِبَادِىّ أَنِى أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ الْعَذَابُ
اٌلْأَلِيمُ) وقوله (إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌرَّحِيمٌ) وقوله (أَعْلَمُواْ
أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّالَّهَ غَفُورٌرَّحِيمٌ)، وقوله (إِنَّبَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدُ * إِنَّهُ.
) فبين سبحانه أن بطشه شديد ،
هُوَيُبْدِئُ وَيُعِيدٌ * وَهُوَالْغَفُورُالْوَدُودُ
وأنه هو الغفور الودود .
واسم ((المنتقم)) ليس من أسماء الله الحسنى الثابتة عن النبي صلى الله عليه
وسلم وإنماجاء في القرآن مقيداً كقوله تعالى (إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ ) وقوله
(إِنَّاللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انِتِقَاءِ ) والحديث الذي في عدد الأسماء الحسنى الذى يذكر
فيه المنتقم فذكر في سياقه ((البر التواب المنتقم العفو الرؤوف)) ليس هو عند
أهل المعرفة بالحديث من كلام النبي صلى الله عليه وسلم بل هذا ذكره الوليد
ابن مسلم عن سعيد بن عبد العزيز أو عن بعض شيوخه؛ ولهذالم يروه أحد من
أهل الكتب المشهورة إلا الترمذى ، رواه عن طريق الوليد بن مسلم بسياق
ورواه غيره باختلاف فى الأسماء ، وفى ترتيبها : يبين أنه ليس من كلام النبي
صلى الله عليه وسلم. وسائر من روى هذا الحديث عن أبى هريرة ثم عن الأعرج
ثم عن أبى الزناد لم يذكروا أعيان الأسماء؛ بل ذكروا قوله صلى الله عليه وسلم
((إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة)) وهكذا
أخرجه أهل الصحيح كالبخارى ومسلم وغيرهما ، ولكن روي عدد الأسماء من
٩٦

طريق أخرى من حديث محمد بن سيرين عن أبى هريرة ورواه ابن ماجه وإسناده
ضعيف يعلم أهل الحديث أنه ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم،
وليس فى عدد الأسماء الحسنى عن النبى صلى الله عليه وسلم إلا هذان الحديثان
كلاهما مروي من طريق أبى هريرة وهذا مبسوط فى موضعه .
والمقصود هنا التنبيه على أصول تنفع فى معرفة هذه المسألة فإن نفوس بى
آحم لايزال يحوك فيها من هذه المسألة أمر عظيم .
وإذا على العبد من حيث الجملة أن لله فيما خلقه وما أمر به حكمة عظيمة
كفاه هذا، ثم كلما ازداد علما وإيمانا ظهر له من حكمة الله ورحمته مايبهر عقله،
ويبين له تصديق ما أخبر الله به في كتابه حيث قال (سَنُرِيهِمْ ءَايَتِنَا فِى الْآَفَاقِ
وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ) فإنه صلى اللّه عليه وسلم قال فى الحديث
الصحيح ((لله أرحم بعباده من الوالدة بولدها)) وفى الصحيحين عنه أنه قال:
((إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة أزل منهارحمة واحدة فبهابتراحم الخلق
حتى إن الدابة لترفع حافرها عن ولدها من تلك الرحمة، واحتبس عنده تسعا
وتسعين رحمة، فإذا كان يوم القيامة جمع هذه إلى تلك فرحم بها عباده)) أو كما
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ثم هؤلاء الجمهور من المسلمين وغيرهم كأئمة المذاهب الأربعة وغيرهم من
السلف والعلماء الذين يثبتون حكمته فلا ينفونها - كما نفاها الأشعرية ونحوهم
٩٧

الذين لم يثبتوا إلا إرادة بلا حكمة، ومشيئة بلارحمة ولامحبة ولا رضى ، وجعلوا
جميع المخلوقات بالنسبة إليه سواء لا يفرقون بين الإرادة والمحبة والرضى، بل ماوقع
من الكفر والفسوق والعصيان قالوا: إنه يحبه ويرضاه كما يريده وإذا قالوالا يحبه ولا يرضاه
دينا قالوا إنه لا يريدهديناً ومالم يقع من الإيمان والتقوى فإنه لا يحبه ولا يرضاه عنده كمالا
يريده. وقد قال تعالى ( إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ ) فأخبر أنه لا يرضاه ،
مع أنه قدره وقضاه - لايوافقون المعتزلة على إنكار قدرة الله تعالى وعموم خلقه
ومشيئته وقدرته ، ولا يشبهونه بخلقه فيما يوجب ويحرم، كما فعل هؤلاء، ولا
يسلبونه ماوصف به نفسه من صفاته وأفعاله ، بل أثبتوا له ما أثبته لنفسه من
الصفات والأفعال، ويزهوه عمانزه عنه نفسه من الصفات والأفعال ، وقالوا إن
الله خالق كل شيء ومليكه، وماشاء كان ومالم يشأ لم يكن، وهو على كل شيء قدير،
وهو يحب المحسنين والمتقين والمقسطين ، ويرضى عن السابقين الأولين من
المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ولا يحب الفساد ولا يرضى
لعباده الكفر ولا يرضى بالقول المخالف لأمر الله ورسوله.
وقالوا : مع أنه خالق كل شيء وربه ومليكه فقد فرق بين المخلوقات أعيانها
وأفعالها، كما قال تعالى: ( أَفَتَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَُْجْرِمِينَ) وكما قال: (أَمْ حَسِبَ
اُلَّذِينَ اجْتَرَحُواْالسَّيِّئَاتِ أَنْ تَجْعَلَهُمْ كَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ سَوَاءَ فَّحْيَاهُمْ
وَمَمَاتُهُمَّسَآءَ مَا يَحْكُمُونَ) وقال تعالى: ( أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
وقال تعالى :
الصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِ اْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ).
٩٨

(وَمَايَسْتَوِىِ الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلَ الظُّلُمَتُ وَلَ النُّورُ * وَلَ الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ *
وَمَا يَسْتَوِى الْأَحْيَةُ وَ الْأَمْوَتُ ) وأمثال ذلك مما يبين الفرق بين المخلوقات،
وانقسام الخلق إلى شقي وسعيد كما قال تعالى: ( هُوَ الَّذِى خَلَقَّكُمْ فَنْكُنْكَافِرٌ
وَمِنكُ مُؤْمِنٌ) وقال تعالى: (فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الصَّلَلَةُ ) وقال تعالى:
) وقال تعالى:
يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِى رَحْمَتِهِ، وَالَّلِمِينَ أَعَدَّلَهُمْ عَذَابَ أَلِيماً
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَبِذٍ يَنَفَرَّقُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ
فَهُمْ فِى رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْبِشَايَتِنَا وَلِقَآٍ اُلْآَخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ
فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ ) ونظائر هذا فى القرآن كثيرة .
وينبغي أن يعلم أن هذا المقام زل فيه طوائف من أهل الكلام والتصوف
وصاروا فيه إلى ماهو شر من قول المعتزلة ونحوم من القدرية، فإن هؤلاء
يعظمون الأمر والنهي والوعد والوعيد وطاعة الله ورسوله ، ويأمرون بالمعروف
وينهون عن المنكر، لكن ضلوا فى القدر، واعتقدوا أنهم إذا أثبتوا مشيئة عامة وقدرة
شاملة وخلقاً متناولا لكل شيء لزم من ذلك القدح فى عدل الرب وحكمته،
وغلطوا فى ذلك .
فقابل هؤلاء قوم من العلماء والعباد وأهل الكلام والتصوف ، فأثبتوا
القدر وآمنوا بأن اللّه رب كل شيء ومليكه، وأنه ماشاء كان ومالم يشأ لم يكن،
وأنه خالق كل شيء وربه ومليكه ، وهذا حسن وصواب ؛ لكنهم قصروا في
الأمر والنهي والوعد والوعيد، وأفرطوا حتى خرج غلامهم إلى الإلحاد ، فصاروا
من جنس المشركين الذين قالوا (لَوْشَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآءَابَآ ؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا
٩٩

مِن شَرٍ ). فأولئك القدرية وإن كانوا يشبهون المجوس من حيث أنهم أثبتوا فاعلا لما
اعتقدوه شراً غير الله سبحانه، فهؤلاء شابهوا المشركين الذين قالوا: (لَوْشَآءَ
اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَىْءٍ ) فالمشركون شر من المجوس، فإن
المجوس يقرون بالجزية باتفاق المسلمين ، وقد ذهب بعض العلماء إلى حل نسائهم
وطعامهم، وأما المشركون فاتفقت الأمة على تحريم نكاح نسائهم وطعامهم،
ومذهب الشافعي وأحمد فى المشهور عنه وغيرهما أنهم لا يقرون بالجزية ، وجمهور
العلماء على أن مشركي العرب لايقرون الجزية وإن أقرت المجوس ؛ فإن النبى
صلى الله عليه وسلم لم يقبل الجزية من أحد من المشركين، بل قال ((أمرت أن
أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله ؛ فإذا قالوها
عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على اللّه عز وجل)).
والمقصود هنا أن من أثبت القدر واحتج به على إبطال الأمر والنهي فهو
شر من أثبت الأمر والنهي ولم يثبت القدر ، وهذا متفق عليه بين المسلمين
وغيرهم من أهل الملل بل بين جميع الخلق ، فإن من احتج بالقدر وشهود
الربوبية العامة لجميع المخلوقات، ولم يفرق بين المأمور والمحظور ، والمؤمنين
والكفار ، وأهل الطاعة وأهل المعصية، لم يؤمن بأحد من الرسل ولا بشيء
من الكتب ، وكان عنده آدم وإبليس سواء ، ونوح وقومه سواء، وموسى
وفرعون سواء، والسابقون الأولون وكفار مكة سواء .
وهذا الضلال قدكثر في كثير من أهل التصوف والزهد والعبادة، لاسيما
١٠٠