Indexed OCR Text
Pages 21-40
وقد صرح أئمة هذا القول بأنه ((يتحرك)) كما ذكر ذلك حرب الكرمانى عن أهل السنة والجماعة، وسمى منهم : أحمد بن حنبل ؛ وسعيد بن منصور ، وإسحاق بن إبراهيم، وغيرم. وكذلك ذكره عثمان بن سعيد الدارمي عن أهل السنة ، وجعل نفي الحركة عن الله عز وجل من أقوال الجهمية التى أنكرها السلف، وقال: كل حي متحرك وما لا يتحرك فليس بحي ، وقال بعضهم : إذا قال لك الجهمى : أنا كافر برب يتحرك . فقل : أنا مؤمن برب يفعل ما يشاء. وهؤلاء يقولون من جعل هذه الأفعال غير ممكنة ولا مقدورة له فقد جعله دون الجماد، فإن الجماد وإن كان لا يتحرك بنفسه فهو يقبل الحركة فى الجملة . وهؤلاء يقولون : إنه تعالى لا يقبل ذلك بوجه ولا تمكنه الحركة، والحركة والفعل صفة كمال ، كالعلم والقدرة والإرادة. فالذين ينفون تلك الصفات سلبوه صفات الكمال ؛ فكذلك هؤلاء الكلابية . وأولئك ((نفاة الصفات )) إذا قيل لهم: لو لم يكن حياً عليماً سميعاً بصيراً متكلماً : للزم أن يكون ميتاً - جاهلاً - أصم ـ أعمى - أخرس. وهذه نقائص يجب تنزيهه عنها ، فإنه سبحانه قد خلق من هو حي سميع بصير متكلم عالم؛ قادر متحرك ؛ فهو أولى بأن يكون كذلك؛ فإن كل كمال فى المخلوق المعلول فهو من كمال الخالق الذى يسمونه علة فاعلية . ٢١ و ( أيضاً ) فالقديم الواجب بنفسه أكمل من المحدث فيمتنع أن يختص الناقص بالكمال . قالوا : وأما الجماد فلا يسمى حياً ولا ميتاً وقد ذكرنا فى غير موضع الجواب عن هذه بأجوبة : ( أحدها ) أن قولهم: إن الجماد لا يسمى حياً، وإنما يسمى ميتاً ما كان قابلاً للحياة: هو اصطلاح . وإلا فالقرآن قد سمى الجماد ميتاً فى غير موضع كقوله تعالى: ( وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ الَّهِلَا يَخْلُقُونَ شَيْئًاوَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَتُّ غَيْرُ أَحْيَأٍْ وَمَا يَشْعُرُونَ ) الآية. فسمى الأصنام أمواتاً وهي حجارة ، وقال: (وَءَايَةٌ لَُّ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْبَيْتَهَا ). ( الوجه الثانى) : لا نسلم امتناع قبول هذه الحياة ، بل الرب تعالى قد جعل الجمادات قابلة للحياة، ولا يمتنع قبولها لها، فإن اللّه تعالى قد جعل عصى موسى حية تسعى ، فدل على أن الخشب يمكن أن يكون حيواناً ، وموسى لما اغتسل جعل بوبه على حجر ففر الحجر بثوبه، وقد أحيا الله الحوت المشوي الذى كان معه ومع فتاه، وقد سبح الحصى والطعام - سبح وهو يؤكل - وكان حجر يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم؛ وحن الجذع، والجبال سبحت مع داود ، ونظائر هذا كثيرة؛ وقد قال تعالى (وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَِّحُ بِحْدِهِ). ( الوجه الثالث ) أن يقال : هب أنه لا يوصف بالموت إلا ما قبل الحياة ، فمعلوم أن ما قبل الحياة أكمل ممن لا يقبلها ؛ فالجنين فى بطن أمه قبل أن ينفخ ٢٢ فيه الروح أكمل من الحجر، وقد قال تعالى: (وَكُنْتُمْ أَمْوَتًا فَأَخْيَكُمْ) فالجنين يمكن أن يصير حياً فى العادة، ناطقاً نطقاً يسمعه الإنسان السماع المعتاد، فهو أكمل من الحجر والتراب. و (أيضاً) فيقال لهم: رب العالمين إما أن يقبل الانصاف بالحياة والعلم ونحو ذلك. وإما أن لايقبل ، فإن لم يقبل ذلك ولم يتصف به كان دون الأعمى الأصم الأبكم ؛ وإن قبلها ولم يتصف بها كان ما يتصف بها أكمل منه ؛ فعلوه دون الإنسان والبهائم، وهكذا يقال لهم فى أنواع الفعل القائم به: كالإنيان ؛ والمجيء ؛ والنزول ، وجنس الحركة، إما أن يقبل ذلك وإما أن لا يقبله؛ فإن لم يقبله كانت الأجسام التى تقبل الحركة ولم تتحرك أكمل منه؛ وإن قبل ذلك ولم يفعله كان ما يتحرك أكمل منه ؛ فإن الحركة كمال للمتحرك، ومعلوم أن من يمكنه أن يتحرك بنفسه أكمل ممن لا يمكنه التحرك . وما يقبل الحركة أكمل ممن لا يقبلها . والنفاة عمدتهم أنه لو قبل الحركة لم يخل منها ، ويلزم وجود حوادث لا تتناهى ؛ ثم ادعوا نفي ذلك وفي نفيه نقائص لا تتناهى، والمثبتون لذلك يقولون: هذا هو الكمال؛ كما قال السلف: لم يزل الله متكلماً إذا شاء، كما قال ذلك ابن المبارك، وأحمد بن حنبل وغيرهما، وذكر البخارى عن نعيم بن حماد أنه قال: الحي هو الفعال ، وما ليس بفعال فليس بمحي. وقد عرف ٢٣ بطلان قول الجهمية وغيرهم بامتناع دوام الفعل والحوادث كما قد بسط في غير هذا الموضع . والمقصود ههنا: إن هؤلاء لا يجعلونه قادراً على هذه الأفعال ، وهي أصل الفعل ، فلا يكون على شيء قدير ـ على قولهم - بل ولا على شيء. وقد قال: ( وَمَاقَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ) : قال ابن عباس - فى رواية الوالبي عنه: هذه فى الكفار ، فأما من آمن إن الله على كل شيء قدير - فقد قدر الله حق قدره . وذكروا فى قوله: (مَاقَدَرُواْاللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ) ماعرفوه حق معرفته ، وما عظموه حق عظمته، وما وصفوه حق صفته ، وهذه الكلمة ذكرها الله في ثلاثة مواضع: في الرد على المعطلة ، وعلى المشركين، وعلى من أنكر إنزال شيء على البشر، فقال في الأنعام: (وَمَاقَدَرُواْاللَّهَ حَتَّ قَدْرِهِإِذْقَالُواْمَا أَنَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّنْ شَىْءٍ) وقال فى الحج: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ) - إلى قوله تعالى ــ مَاقَدَرُواْاللَّهَ حَقَّ قَدْرِةِّهِإِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزٌ ) وقال فى الزمر: (وَمَا قَدَرُواْاللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَتُ مَطْوِيَتْ بِيَمِينِهِ، سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّايُشْرِكُونَ) . وقد ثبت فى الصحيحين من حديث ابن مسعود: (( إن حبراً من اليهود قال للنبى صلى الله عليه وسلم: يا محمد! إن الله يوم القيامة يجعل السموات على ٢٤ إصبح والأرض على إصبح والجبال والشجر على إصبع، والماء والثرى وسأر الخلق على إصبع ثم هزهن، ويقول: أنا الملك قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم تصديقاً لقول الحبر. ثم قرأ: (وَمَا قَدَرُواْاللَّهَ حَّ قَدْرِهِ) الآية وفى الصحيحين أيضاعن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يقبض الله الأرض يوم القيامة. ويطوي السماء بيمينه ، ثم يقول : أنا الملك، أين ملوك الأرض ؟ ثم يقول: أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟» وكذلك في الصحيحين من حديث ابن عمر ((يطوي الله السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك. أين الجيارون؟ أين المتكبرون ؟)) وفي لفظ لمسلم قال: ((يأخذ الجبار تبارك وتعالى سمواته وأرضه بيديه جميعاً، فجعل يقبضها ويبسطها، ثم يقول: أنا الملك، أنا الجبار، وأنا الملك ، أين الجبارون ؟! وأين المتكبرون؟! ويميل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يمينه وعن شماله حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شىء منه حتى أنى لأقول: أساقط هو برسول الله صلى الله عليه وسلم)). وفى السنن عن عوف بن مالك الأشجعى قال: «قمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فقام فقرأ سورة البقرة لايمر بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف وتعوذ؛ قال: ثم ركع بقدر قيامه يقول في ركوعه: سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة ؛ ثم يسجد بقدر قيامه ثم قال فى سجوده : مثل ذلك ثم قام فقرأ : بآل عمران ؛ ثم قرأ سورة)) رواه أبو داود والنسائى والترمذي فى الشمائل. فقال في هذا الحديث: ((سبحان ذي ٢٥ الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة)) وهذه الأربعة نوزع الرب فيها: كما قال: «أين الملوك؟! أين الجبارون؟! اين المتكبرون؟!)) وقال عز وجل : ((العظمة إزاري، والكبرياء ردائى؛ فمن نازعنى واحداً منها عذبته)). ونفاة الصفات ماقدروا الله حق قدره؛ فإنه عندم لايمسك شيئاً : ولا يقبضه ؛ ولا يطويه ؛ بل كل ذلك ممتنع عليه ؛ ولا يقدر على شيء من ذلك؛ وهم أيضاً فى الحقيقة يقولون : ما أنزل الله على بشر من شيء لوجهين : (أحدهما) : أن الإنزال إنما يكون من علو، والله تعالى عنده ليس فى العلو فلم ينزل منه شيء. وقد قال تعالى: (وَالَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ (تَنزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اَللَّهِالْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ) إلى غيرِ ذلك، مِن رَّكَ بِالْحَقِّ ) وقولهم: إنه خلقه فى مخلوق، ونزل منه باطل ؛ لأنه قال: (مُنٌَّ مِّن رَّبِّكَ ) ولم يجيء هذا فى غير القرآن؛ والحديد ذكر أنه أزله مطلقاً ، ولم يقل منه ، وهو منزل من الجبال ، والمطر أنزل من السماء والمراد أنه أزله من السحاب، وهو المزن كما ذكر ذلك فى قوله: (ءَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ ). و (الثانى): أنه لو كان من مخلوق لكان صفة له وكلاما له ، فإن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل ؛ ولأن الله لا يتصف بالمخلوقات، ولو اتصف بذلك لا نصف بأنه مصوت إذا خلق الأصوات ، ومتحرك إذا خلق الحر كات فى غيره ، إلى غير ذلك. إلى أن قال: فقد تبين أن الجهمية ما قدروا ٢٦ الله حق قدره ، وأنهم داخلون فى هذه الآية ، وأنهم لم يثبتوا قدرته لا على فعل ولا على الكلام مشيئته ، ولا على نزوله، وعلى إنزاله منه شيئاً، فهم من أبعد الناس عن التصديق بقدرة الله، وأنه على كل شيء قدير ، وإذا لم يكن قديراً لم يكن قوياً، ويلزمهم أنه لم يخلق شيئاً، فيلزمهم الدخول فى قوله: (ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَاقَدَرُ واْاللَّهَ حَقَّ قَدْرِةِ إِنَّ اللَّهَلَقَوِىّ عَزِيزُ ). فهم ينفون حقيقة قدرته في الأزل، وحقيقة قولهم : أنه صار قادراً بعد أن لم يكن ، والقدرة التى يثبتونها لاحقيقة لها . وهذا أصل مهم ، من تصوره عرف حقيقة الأقوال الباطلة ، وما يلزمها من اللوازم ، وعرف الحق الذي دل عليه صحيح المنقول ، وصريح المعقول، لاسيما فى هذه الأصول التى هي أصول كل الأصول ، والضالون فيها لما ضيعوا الأصول حرموا الوصول، وقد تبين أنه كلما نحققت الحقائق وأعطى النظر والاستدلال حقه من التام كان ما دل عليه القرآن هو الحق، وهو الموافق للمعقول الصريح الذي لم يشتبه بغيره مما يسمى معقولا، وهو مشتبه مختلط ، كما قال مجاهد فى قوله تعالى: ( إِنَّالَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا ) قال: م أهل البدع والشبهات ، فهم فى أمور مبتدعة فى الشرع ، مشتبهة في العقل . والصواب هو ما كان موافقا للشرع مبينا في العقل ، فإن الله سبحانه أخبر أن القرآن منزل منه ، وأنه تنزيل منه وأنه كلامه وأنه قوله وأنه كفر من قال إنه قول البشر وأخبر : أنه قول رسول كريم من الملائكة ورسول كريم ٢٧ من البشر ، والرسول يتضمن المرسل، فبين أن كلا من الرسولين بلغه، لم يحدث هو منه شيئاً ، وأخبر أنه جعله قرآناً عربيا ، وقال: عما ينزل منه جديداً بعد نزول غيره قديما: (مَايَأْنِهِم مِّن ذِكْرِمِن ◌َّيِّهِمْ مُحْدَثٍ ) وأخبر أن الكلام المعين وقتا معينا كما قال تعالى: (فَلَمَّا أَنَنْهَا نُودِىَ يَمُوسَىَ) وقال: (وَلَقَدُ خَلَقْنَكُمْ ثُمَّصَوَّرْنَكُمْ ثُمَّقُلْنَا لِلْمَلَئِكَةِ أَسْجُدُواْ لَّدَمَ ) . والذين قالوا: إنه ((مخلوق)) ليس معهم حجة إلا ما يدل على أنه تكلم بمشيئته وقدرته وهذا حق لكن ضموا إلى ذلك أن ما كان بمشيئته لا يقوم بذاته. فغلطوا ولبسوا الحق بالباطل ، فضموا ما نطق به القرآن الموافق للشرع والعقل إلى ما أحدثوه من البدع والشبهات . وكذلك الذين قالوا: إنه ((قديم)) ليس معهم إلا ما يدل على أنه قائم بذاته، لكن ضموا إلى ذلك أن ما يقوم بذاته لا يكون بمشيئته وقدرته فأخطأوا في ذلك ولبسوا الحق بالباطل، وأولئك فسروا قوله: (جَعَلْنَهُ قُزْءَ نَّا عَرَبِيًّا ) بأنه جعله باتنا عنه مخلوقا، وقالوا: جعل - بمعنى خلق - وهؤلاء قالوا : جعلناه سميناه كما فى قوله: (وَجَعَلُوْاْلْمَلَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِنَثًا) وهذا إنما يقال: فيمن اعتقد فى الشىء صفة حقا أو باطلا إذا كانت الصفة خفية فيقال: أخبر عنه بكذا وكون القرآن عربياً أمر ظاهر لايحتاج إلى الإخبار ثم كل من أخبر بأنه عربي فقد جعله عربياً بهذا الاعتبار ، والرب تعالى اختص بجعله عربيا فانه ٢٨ هو الذى تكلم به وأنزله. فجعله قرآناعربيا بفعل قام بنفسه وهو تكلم به، واختاره لأن يتكلم به عربيا - عن غير ذلك من الألسنة - باللسان العربى وأنزله به . ولهذا قال أحمد: الجعل من الله قديكون خلقا وقد يكون غير خلق؛ فالجعل فعل، والفعل قد يكون متعدياً إلى مفعول مباين له : كالخلق، وقد يكون الفعل لازما وإن كان له مفعول في اللغة كان مفعوله قائمًا بالفعل : مثل التكلم ؛ فإن التكلم فعل يقوم بالمتكلم والكلام نفسه قائم بالمتكلم ؛ فهو سبحانه جعله قرآنا عربيا فالجعل قائم به والقرآن العربى قائم به، فان ((الكلام)) يتضمن شيئين: يتضمن فعلا: هو التكلم، والحروف المنظومة والأصوات الحاصلة بذلك الفعل .ولهذا يجعل القول تارة نوعا من الفعل، وتارة قسيما للفعل، كما قد بسطت هذه الأمور في غير هذا الموضع. والله أعلم. وقد ذكرت في غير هذا الموضع أنه ما احتج أحد بدليل سمعي أو عقلي على باطل إلا وذلك الدليل إذا أعطى حقه وميز ما يدل عليه مما لا يدل تبين أنه يدل على فساد قول المبطل المحتج به ؛ وأنه دليل لأهل الحق وأن الأدلة الصحيحة لا يكون مدلولها إلا حقا والحق لا يتناقض بل يصدق بعضه بعضاً . والله أعلم. (المسألة السادسة ): دوام كونه قادراً فى الأزل والأبد فإنه قادر ولا ٢٩ يزال قادراً على ما يشاؤه بمشيئته، فلم يزل متكلما إذا شاء وكيف شاء، وهذا قول السلف والأئمة كابن المبارك وأحمد . إلى أن قال: وفى صحيح البخاري تعليقاً عن سعيد بن جبير أن رجلا سأل ابن عباس عن قوله: (وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) (وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ) (وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ) فكأنه كان فمضى ، فقال ابن عباس قوله : (وكان الله) ( وكان الله ) فإنه يجل نفسه عن ذلك، وسمى نفسه بذلك لم يجله أحد غيره، وكان أي لم يزل كذلك. رواه عبد بن حميد فى تفسيره مسنداً موصولاً ورواه ابن المنذر أيضاً فى تفسيره ، وهذا لفظ رواية عبد . والمقصود هنا التنبيه على تنازع الناس فى ((مسألة القدرة)). وفى الحقيقة أنه من لم يقل بقول السلف فإنه لا يثبت لله قدرة ، ولا يثبته قادراً فالجهمية ومن اتبعهم ، والمعتزلة والقدرية المجبرة والنافية: حقيقة قولهم : أنه ليس قادراً وليس له الملك، فإن الملك إما أن يكون هو القدرة ؛ أو المقدور: أو كلاهما، وعلى كل تقدير فلا بدمن القدرة ؛ فمن لم يثبت له القدرة حقيقة لم يثبت له ملكا؛ كما لايثبتون له حمداً . إلى أن قال: و ( أيضاً ) فالقديم الأزلي: القيوم الصمد الواجب الوجود بنفسه الغني عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه ؛ أحق بالكمال من الممكن المحدث المفتقر ؛ فيمتنع أن يكون هذا قادراً على الكلام والفعل ؛ والقيوم ٣٠ الصمد ليس قادراً على الفعل والكلام؛ إلى أن قال : والمقصودهنا : أنه سبحانه عدل لا يظلم؛ وعدله إحسان إلى خلقه فكل ما خلقه فهو إحسان إلى عباده ولهذا كان مستحقاً للحمد على كل حال ، ولهذا ذكر فى سورة النجم أنواعاً من مقدوراته؛ ثم قال: (فَأَتِءَالَآءِرَبِّكَ نَتَمَارَى) فدل على أن هذه الأنعم مثل إهلاك الأمم المكذبة للرسل ؛ فإن فى ذلك من الدلالة على قدرته وحكمته ونعمته على المؤمنين ونصره للرسل؛ وتحقيق ماجاؤا به وإن السعادة فى متابعتهم والشقاوة فى مخالفتهم ماهو من أعظم النعم . وكذلك ماذكره فى سورة الرحمن وكل مخلوق هو من آلائه من وجوه: منها أنه يستدل به عليه وعلى توحيده وقدرته وغير ذلك. وأنه يحصل به الإيمان والعلم وذكر الرب. وهذه النعمة أفضل ما أنعم الله به على عباده فى الدنيا ، وكل مخلوق يعين عليها ويدل عليها، هذا مع ما فى المخلوقات من المنافع لعباده غير الاستدلال بها. فإنه سبحانه يقول: (فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانٍ) لما يذكر ما يذكره من الآية وقال: ( فَأَتِّءَالَِّرَبِّكَ نَتَمَارَى ) والآلاء: هي النعم؛ والنعم كلها من آياته الدالة على نفسه المقدسة ووحدانيته ونعونه ومعاني أسمائه، فهي آلاء آيات، وكل ما كان من آلائه فهو من آياته، وهذا ظاهر ؛ وكذلك كل ما كان من آياته فهو من آلائه ، فإنه يتضمن التعريف والهداية والدلالة على الرب تعالى. وقدرته وحكمته ورحمته ودينه . والهدى أفضل النعم . ٣١ و ( أيضاً) ففيها نعم ومنافع لعباده : غير الاستدلال : كما فى خلق الشمس والقمر والسحاب والمطر والحيوان والنبات؛ فإن هذه كلها من آياته ، وفيها نعم عظيمة على عباده غير الاستدلال ، فهي توجب الشكر لما فيهامن النعم ، وتوجب التذكر لما فيها من الدلالة. قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ اُلَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَأَنْ يَذَكَّرَ أَوْأَرَادَ شُكُورًا) وقال: (تَبْصِرَةَ وَذِكْرَى لِكُلّ عَبْدٍ قُِّيبٍ ) فإن العبد يدعوه إلى عبادة الله داعي الشكر وداعي العلم، فانه يشهد نعم الله عليه ، وذاك داع إلى شكرها؛ وقد جبلت النفوس على حب من أحسن إليها ، والله تعالى هو المنعم المحسن الذي ما بالعباد من نعمة فمنه وحده ، كما في الحديث ((من قال إذا أصبح: اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لاشريك لك، فقد أدى شكر ذلك اليوم ، ومن قال: ذلك إذا أمسى فقد أدى شكر تلك الليلة )) رواه أبو حاتم وابن حبان في صحيحه من حديث ابن عباس، وفى حديث آخر (( من قال: الحمد لله ربي لا أشرك به شيئاً أشهد أن لا إله إلا الله)) (١). وقد ذم سبحانه من كفر بعد إيمانه كما قال: ( قُلْ مَن يُنَجِّيَكُمْ مِن ظُلُمَتِ اُلْبَرِّوَالْبَحْرِ ) الآية. فهذا فى كشف الضر، وفي النعم قال: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَّكُمْ أَنَّكُمْتُكَذِّبُونَ ) أي : شكركم، وشكر مارزقكم الله، ونصيكم تجعلونه تكذيباً وهو الاستسقاء بالأنواء ، كما ثبت فى حديث ابن عباس الصحيح قال : مطر (١) بياض في الأصل ٣٢ الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم : ((أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر، قالوا: هذه رحمة الله، وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا، قال: فنزلت هذه الآية (فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَقِعِ النُّجُومِ) - حتى بلغ - ( وَتَجْعَلُونَ رِزْقَّكُمْأَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ) رواه مسلم. وفي صحيح مسلم أيضاً عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ما أنزل من السماء من بركة إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين، ينزل الله الغيث فيقول: الكوكب كذا وكذا. وفى لفظ له: ((بكوكب كذا وكذا)) وفى الصحيحين عن زيد بن خالد الجهني قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح على إثر سماء كانت من الليل، قال: ((أندرون ماذا قال ربكم؟ قالوا : اللهورسوله أعلم ! قال قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فمن قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، ومن قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذاك كافر بي مؤمن بالكوكب)). وهذا كثير جداً في الكتاب والسنة، يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره ، ويشركه به، قال بعض السلف : هو كقولهم كانت الربح طيبة والملاح حاذقاً . ولهذا قرن الشكر بالتوحيد، في الفاتحة وغيرها: أولها شكر،وأوسطها توحيد، وفى الخطب المشروعة لا بد فيها من تحميد وتوحيد، وهذان هما ركن فى كل خطاب، ثم بعد ذلك يذكر المتكلم من مقصوده ما يناسب من الأمر والنهي والترغيب والترهيب ، وغير ذلك . ٣٣ وقوله: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد))، يتضمن التوحيد والتحميد، وكذلك كان يقول عقب الصلاة: ((لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولوكره الكافرون)» وهو سبحانه يفتتح خطابه بالحمد ويختم الأمور بالحمد، وأول ما خلق آدم كان أول شيء أنطقه به الحمد، فإنه عطس فأنطقه بقوله الحمد لله، فقال له: يرحمك ربك يا آدم ! وكان أول ما تكلم به الحمد، وأول ما سمعه الرحمة . وهو يختم الأمور بالحمد كقوله: (وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِأْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُللَّهِرَبِّ اَلْعَلَمِينَ) (فَقُطِعَ دَابُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِرَبِ الْعَلَمِينَ) (وَءَاخِرُ دَعْوَنِهُمْ أَنِ اْحَمْدُ لِلَّهِرَبِّ الْعَلَمِينَ) وهو سبحانه (لَهُ الْحَمْدُ فِ الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) . والتوحيد أول الدين وآخره، فأول مادعا إليه الرسول صلى الله عليه وسلم شهادة أن لا إله إلا الله، وقال: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لاإله إلا الله)) وقال لمعاذ: ((إنك تأتى قوماً أهل كتاب فليكن أول ماتدعو إليه: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله)) وختم الأمر بالتوحيد فقال فى الصحيح من رواية مسلم عن عثمان: (( من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة)) وفى الحديث الصحيح من رواية مسلم عن أبى هريرة ((لقنوا موتا كم لا إله إلا الله)) وفى السنن من حديث معاذ (( من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة)). وفى المسند (( إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد ٣٤ حين الموت إلا وجد روحه لها روحا)) وهي الكلمة التى عرضها على عمه عند الموت . فهو سبحانه جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أرادشكوراًفيتذكر الآيات المثبتة العلم والإيمان فإذا عرف آلاءالله شكره على آلائه، وكلاهما متلازمان، فالآيات والآلاء متلازمان، ما كان من الآلاء فهو من الآيات، وما كان من الآيات فهو من الآلاء، وكذلك الشكر والتذكر متلازمان، فإن الشاكر إنما يشكر بحمده، وطاعته وفعل ما أمر به، وذلك إنما يكون بتذكر ماتدل عليه آياته من أسمائه وممادحه ؛ ومن أمره ونهيه فيثى عليه بالخير، ويطاع فى الأمر هذا هو الشكر ، ولابد فيها من التذكر، والتذكر إذا تذكر آياته عرف مافيها من النعمة والإحسان ، فآياته تعم المخلوقات كلها ، وهي خير ونعم وإحسان . فكل ماخلقه سبحانه فهو نعمة على عباده ، وهو خير وهو سبحانه بيده الخير، والخير بيديه، وفى دعاء القنوت: ((وشي عليك الخير كله)) وفى دعاء الاستفتاح: ((والخير بيديك والشر ليس إليك)). وكل ما خلقه الله فله فيه حكمة كما قال: ( صُنْعَ اللَّهِ الَّذِىَّ أَنْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ) وقال: ( الَّذِىِّ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُ ). وهو سبحانه غني عن العالمين. ((فالحكمة )) تتضمن شيئين: (أحدهما ): حكمة تعود إليه يحبها ويرضاها. ٣٥ و ( الثانى) إلى عباده هي نعمة عليهم يفرحون بها ويلتذون بها ؛ وهذا في المأمورات وفى المخلوقات . أما فى ((المأمورات)) فإن الطاعة هو يحبها ويرضاها ؛ ويفرح بتوبة التائب أعظم فرح بعرفه الناس ؛ فهو يفرح أعظم مما يفرح الفاقد لزاده وراحلته فى الأرض المهلكة إذا وجدها بعد اليأس ؛ كما أنه يغار أعظم من غيرة العباد ؛ وغيرته أن يأتى العبد ما حرم عليه ، فهو يغار إذا فعل العبد ما نهاه ، ويفرح إذا تاب ورجع إلى ما أمره به والطاعة عاقبتها سعادة الدنيا والآخرة؛ وذلك مما يفرح به العبد المطيع ؛ فكان فيما أمر به من الطاعات عاقبته حميدة تعود إليه وإلى عباده ففيها حكمة له ورحمة لعباده؛ قال تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تَجَرَةِ ◌ُجِيكُ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * نُؤْمِنُونَ بِالَِّوَرَسُولِهِ، وَتُجَهِدُونَ فِي سَبِيلِاللَّهِبِأَمْوَلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَ لِ كُمْ خَوْلَّكُمْ إِنَكُنَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْذُنُوبَكُمْوَيُدْ خِكُمْ جَنَّتٍ تَجْرِىِ مِنْ تَحِهَا الْأَنْهَرُوَمَسَلِكِّنَ لِبَةً فِ جَنَّتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوُّ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ الَهِ وَفَنْحٌ غَرِبُ وَبَشْرِالْمُؤْمِنِينَ ) ففي الجهاد عاقبة محمودة للناس فى الدنيا يحبونها: وهي النصر والفتح؛ وفى الآخرة الجنة؛ وفيه النجاة من النار ؛ وقد قال فى أول السورة: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ صَفَّا كَأَنَّهُم بُنِيَنٌ مَّرْصُوصٌ) فهو يحب ذلك؛ ففيه حكمة عائدة إلى الله تعالى وفيه رحمة للعباد؛ وهي ما يصل إليهم من النعمة في الدنيا ٣٦ والآخرة ؛ هكذا سأر ما أمر به؛ وكذلك ماخلقه خلقه لحكمة تعود إليه بحها، وخلقه لرحمة بالعباد ينتفعون بها . والناس لما تكلموا فى ((علة الخلق وحكمته)) تكلم كل قوم بحسب عليهم فأصابوا وجهاً من الحق؛ وخفي عليهم وجوه أخرى . وهكذا عامة ما تنازع فيه الناس يكون مع هؤلاء بعض الحق ؛ وقد تركوا بعضه وكذلك مع الآخرين. ولا يشتبه على الناس الباطل المحض ؛ بل لابد أن يشاب بشيء من الحق؛ فلهذا لايزالون مختلفين إلا من رحم ربك؛ فإنهم م الذين آمنوا بالحق كله؛ وصدقوا كل طائفة فيما قالوه من الحق : فهم جاءوا بالصدق وصدقوا به فلا يختلفون . ولأهل الكلام هنا (( ثلاثة أقوال)) لثلاث طوائف مشهورة، وقد وافق كل طائفة ناس من أصحاب الأئمة الأربعة أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد . (القول الأول): ((قول من نفى الحكمة)). وقالوا هذا يفضى إلى الحاجة ؛ فقالوا يفعل ما يشاء لا لحكمة، فأثبتوا له القدرة والمشيئة ، وأنه يفعل ما يشاء. وهذا تعظيم، ونفوا الحكمة لظنهم أنها تستلزم الحاجة. وهذا قول الأشعري وأصحابه ، ومن وافقهم : كالقاضي أبي يعلى وابن الزاغوني والجوينى ، ٣٧ والباجي ونحوهم ، وهذا القول في الأصل قول جهم بن صفوان ومن اتبعه من المجبرة. والفلاسفة لهم قول أبعد من هذا . وهو أن ما يقع من عذاب النفوس وغير ذلك من الضرر لا يمكن دفعه . فإنهم يقولون : إنه موجب بذاته، وكل ما يقع هو من لوازم ذاته. و [لو ] قالوا إنه موجب بمشيئته وقدرته لما يفعله لكانوا قد أصابوا. وقد قالوا أيضاً الشريقع فى العالم مغلوباً مع الخير فى الوجود. وهذا صحيح؛ لكن هذا يستلزم أن يكون الخالق قد خلق لحكمة معلومة تسلم ولا تعد ، وإلا فمع انتفاء هذين يبقى الكلام ضائعاً . ففي قول كل طائفة نوع من الحق، ونوع من الباطل فهذه ((أربعة أقوال)). ( والقول الخامس) : قول الأئمة وهو أن له حكمة فى كل ما خلق ؛ بل له فى ذلك حكمة ورحمة . ( والقول الثاني) أي من ((الثلاثة)) التى لأهل الكلام: إنه يخلق ويأمر لحكمة تعود إلى العباد، وهو نفعهم والإحسان إليهم؛ فلم يخلق، ولم يأمر إلا لذلك، وهذا قول المعتزلة وغيرهم؛ ثم من هؤلاء من تكلم فى تفصيل الحكمة . فأنكر القدر؛ ووضع لربه شرعاً بالتعديل والتجويز. وهذا قول ((القدرية)) ومنهم من أقر بالقدر وقال: لله حكمة خفيت علينا. وهذا قول ابن عقيل ٣٨ وغيره من المثبتين للقدر ؛ فهم يوافقون المعتزلة على إثبات حكمة ترجع إلى المخلوق لكن يقرون مع ذلك بالقدر . ( والقول الثالث ): قول من أثبت حكمة تعود إلى الرب ؛ لكن بحسب علمه . فقالوا : خلقهم ليعبدوه ويحمدوه ويثنوا عليه ويمجدوه، وهم من خلقه لذلك وهم من وجد منه ذلك فهو مخلوق لذلك؛ وهم المؤمنون، ومن لم يوجد منه ذلك فليس مخلوقاً له . قالوا : وهذه حكمة مقصودة وهي واقعة . بخلاف الحكمة التى أثبتتها المعتزلة ؛ فإنهم أثبتوا حكمة هي نفع العباد، ثم قالوا: خلق من علم أنه لا ينتفع بالخلق بل يتضرر به ؛ فتناقضوا. ونحن أثبتنا حكمة علم أنها تقع فوقعت وهي معرفة عباده المؤمنين به ، وحمدهم له ؛ وتناؤم عليه ؛ وتمجيدهم له؛ وهذا واقع من المؤمنين . قالوا : وقد يخلق من يتضرر بالخلق لنفع الآخرين ، وفعل الشر القليل لأجل الخير الكثير حكمة، كإنزال المطر لنفع العباد وإن تضمن ضرراً لبعض الناس . قالوا: وفى خلق الكفار وتعذيبهم اعتبار للمؤمنين ، وجهاد ومصالح. وهذا القول اختيار القاضي أبى حازم بن القاضي أبي يعلى، ذكره فى كتابه (أصول الدين)» الذي صنفه على كتاب محمد بن الهيصم الكرامي. قالوا: وقوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلََّّ لِيَعْبُدُونِ ) هو مخصوص بمن وقعت منه العبادة، وهذا قول طائفة من السلف والخلف. قالوا : والمراد ٣٩ بذلك من وجدت منه العبادة، فهو مخلوق لها ، ومن لم توجد منه فليس مخلوقاً لها ؛ وعن سعيد بن المسيب قال: ما خلقت من يعبدنى إلا ليعبدنى ؛ وكذلك قال الضحاك والفراء وابن قتيبة - وهذا قول خاص بأهل طاعته - قال الضحاك : هي للمؤمنين؛ وهذا قول الكرامية . كما ذكره محمد بن الهيصم. قال: ويدل عليه قوله قبل ذلك (فَنَوَلَّ عَنْهُمْ) ثم قال: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَاُلْإِنسَ إِلَّلِيَعْبُدُونِ ) أي هؤلاء المؤمنين الذين تنفعهم الذكرى . قالوا : وهي غابة مقصودة واقعة ، فإن العبادة وقعت من المؤمنين ، وهذا القول اختيار أبى بكر بن الطيب؛ والقاضى أبى يعلى وغيرهما ممن يقول: إنه لا يفعل لعلة. قالوا: ــ واللفظ للقاضي أبي يعلى - هذا بمعنى الخصوص لا العموم؛ لأن البله والأطفال والمجانين لا يدخلون تحت الخطاب. وإن كانوا من الإنس. وكذلك الكفار يخرجون من هذا بدليل قوله: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًامِنَ الْجِنّ وَالْإِنسِّ ) الآية. فمن خلق للشقاء والجهم لم يخلق للعبادة. قلت : قول هؤلاء الكرامية ومن وافقهم. وإن كان أرجح من قول الجهمية والمعتزلة، فيما أثبتوه من حكمة الله؛ وقولهم فى تفسير الآية، وإن وافقوا فيه بعض السلف. فهو قول ضعيف مخالف لقول الجمهور ، ولما تدل عليه الآية. فإن قصد العموم ظاهر في الآية ، وبين بياناً لا يحتمل النقيض ، إذ لو كان المراد المؤمنين فقط لم يكن فرق بينهم وبين الملائكة ؛ فإن الجميع قد فعلوا ما خلقواله ٤٠