Indexed OCR Text

Pages 421-440

عليه وسلم أن تحتجب منه لما رأى من شبهه البين بعتبة ، فإنه قام فيه دليلان
متعارضان : الفراش والشبه ، والنسب فى الظاهر لصاحب الفراش أقوى ،
ولأنها أمر ظاهر مباح والفجور أمر باطن لا يعلم ويجب ستره لا إظهاره كما
قال: ((للعاهر الحجر)) كما يقال : بفيك الكثلب وبفيك الأثلب ، أي: عليك
أن تسكت عن إظهار الفجور فإن الله يبغض ذلك ، ولما كان احتجابها منه
ممكناً من غير ضرر، أمرَها بالاحتجاب لما ظهر من الدلالة على أنه ليس
أخاها في الباطن.
فتين أن الاسم الواحد بنفى في حكم ويثبت في حكم . فهو أخ فى الميراث
وليس بأخ فى المحرمية . وكذلك ولد الزنا عند بعض العلماء، وابن الملاعنة
عند الجميع إلا من شذ ؛ ليس بولد فى الميراث ونحوه، وهو ولد فى تحريم
النكاح والمحرمية.
٠
ولفظ النكاح وغيره فى الأمر، يتناول الكامل ، وهو العقد والوطء،
كما فى قوله: (فَنكِحُوَأْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ ) وقوله: (حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا
غَيْرَهُ ) وفى النهي يعم الناقص والكامل ؛ فينهى عن العقد مفرداً وإن لم يكن
وطه كقوله: (وَلَا تَنكِحُواْ مَانَكَحَ ءَبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَآءِ ) وهذا لأن
الآمر مقصوده تحصيل المصلحة ، وتحصيل المصلحة إنما يكون بالدخول كما
لو قال: اشتر لي طعاماً ؛ فالمقصود ما يحصل إلا بالشراء والقبض ،
والناهي مقصوده دفع المفسدة ، فيدخل كل جزء منه ؛ لأن وجوده مفسدة
٤٢١

وكذلك النسب والميراث معلق بالكامل منه ، والتحريم معلق بأدنى سبب
حتى الرضاع .
وكذلك كل ما يكون له مبتدأ وكمال، ينفي تارة باعتبار انتفاء كماله، ويثبت
تارة باعتبار ثبوت مبدئه . فلفظ الرجال بعم الذكور وإن كانوا صغاراً فى مثل
) ولا يعم
قوله: ( وَإِن كَانُواْإِخْوَةُ رِّجَالًا وَنِسَاءً فَلِلَّ كَرِ مِثْلُ حَظِ الأُنثِينِ
الصغار في مثل قوله: ( وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَنِ الَّذِينَ
يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِالْقَرِّيَةِ الظَّالِ أَهْلُهَا
) فإن باب الهجرة والجهاد عمل
يعمله القادرون عليه ، فلو اقتصر على ذكر المستضعفين من الرجال لظن أن
الولدان غير داخلين ، لأنهم ليسوا من أهله وم ضعفاء، فذكرم بالاسم الخاص
ليبين عذرم فى ترك الهجرة ووجوب الجهاد. وكذلك الإيمان له مبدأ وكمال ،
وظاهر وباطن، فإذا علقت به الأحكام الدنيوية من الحقوق والحدود كقن
الدم والمال والمواريث، والعقوبات الدنيوية ، علقت بظاهره لا يمكن غير ذلك
إذ تعليق ذلك بالباطن متعذر ؛ وإن قدر احياناً فهو متعر علماً وقدرة ؛
فلا يعلم ذلك علماً يثبت به في الظاهر ، ولا يمكن عقوبة من يعلم ذلك منه
في الباطن .
وبهذين المثلين كان النبى صلى الله عليه وسلم يمتنع من عقوبة المنافقين ؛ فإن
فيهم من لم يكن يعرفهم كما أخبر الله بذلك؛ والذين كان يعرفهم لو عاقب بعضهم
لغضب له قومه ؛ ولقال الناس : إن محمداً يقتل أصحابه ؛ فكان يحصل بسبب ذلك
٤٢٢

نفور عن الإسلام؛ إذ لم يكن الذنب ظاهراً ، يشترك الناس فى معرفته. ولما
هم بعقوبة من يتخلف عن الصلاة، منعه من فى البيوت من النساء والذرية، وأما
مبدؤه فيتعلق به خطاب الأمر والنهى، فإذا قال الله: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا
قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ) ونحو ذلك، فهو أمر فى الظاهر لكل من أظهره ، وهو
خطاب فى الباطن لكل من عرف من نفسه أنه مصدق للرسول ، وإن كان
عاصياً، وإن كان لم يقم بالواجبات الباطنة والظاهرة، وذلك أنه إن كان لفظ :
( الَّذِينَ ءَامَنُوّا) يتناولهم فلا كلام ، وإن كان لم يتناولهم فذاك لذنوبهم، فلا
تكون ذنوبهم مانعة من أمرهم بالحسنات التى إن فعلوها كانت سبب رحمتهم ،
وإن تركوها كان أمرم بها ، وعقوبتهم عليها عقوبة على ترك الإيمان ، والكافر
يجب عليه أيضاً ، لكن لا يصح منه حتى يؤمن، وكذلك المنافق المحض لا يصح
منه فى الباطن حتى يؤمن .
وأما من كان معه أول الإيمان ، فهذا يصح منه، لأن معه إقراره فى الباطن
بوجوب ما أوجبه الرسول ، وتحريم ما حرمه ، وهذا سبب الصحة ، وأما كماله
فيتعلق به خطاب الوعد بالجنة والنصرة والسلامة من النار ، فإن هذا الوعد إنما
هو لمن فعل المأمور وترك المحظور ، ومن فعل بعضاً وترك بعضاً ، فيثاب على
ما فعله ، ويعاقب على ماتركه ، فلا يدخل هذا فى اسم المؤمن المستحق للحمد
والثناء، دون النم والعقاب. ومن نفى عنه الرسول الإيمان ، فنفي الإيمان في
هذا الحكم، لأنه ذكر ذلك على سبيل الوعيد . والوعيد إنما يكون بنفي ما
يقتضي الثواب ، ويدفع العقاب، ولهذا ما فى الكتاب والسنة من نفي الإيمان
٤٢٣

عن أصحاب الذنوب ، فإنما هو فى خطاب الوعيد والذم ، لا فى خطاب الأمر
والنهي ، ولا فى أحكام الدنيا .
واسم الإسلام والإيمان والإحسان هي أسماء ممدوحة مرغوب فيها لحسن
العاقبة لأهلها ، فبين النبى صلى الله عليه وسلم أن العاقبة الحسنة لمن اتصف بها
على الوجه الذي بينه ؛ ولهذا كان من نفي عنهم الإيمان؛ أو الإيمان والإسلام
جميعاً، ولم يجعلهم كفاراً، إنما نفى ذلك فى أحكام الآخرة ، وهو الثواب، لم
ينفه فى أحكام الدنيا . لكن المعتزلة ظنت أنه إذا انتفى الاسم انتفت جميع أجزائه
فلم يجعلوا معهم شيئاً من الإيمان والإسلام ، فجعلوهم مخلدين فى النار، وهذا
خلاف الكتاب والسنة وإجماع السلف ، ولو لم يكن معهم شيء من الإيمان
والإسلام ، لم يثبت فى حقهم شيء من أحكام المؤمنين والمسلمين، لكن كانوا
كالمنافقين. وقد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع التفريق بين المنافق الذي
يكذب الرسول فى الباطن ، وبين المؤمن المذنب ، فالمعتزلة سو وا بين أهل
الذنوب وبين المنافقين في أحكام الدنيا والآخرة فى نفي الإسلام والإيمان عنهم.
بل قد يثبتونه للمنافق ظاهراً ، وينفونه عن المذنب باطناً وظاهراً.
فإن قيل: فإذا كان كل مؤمن مسلماً ، وليس كل مسلم مؤمناً - الإيمان
الكامل - كما دل عليه حديث جبريل وغيره من الأحاديث مع القرآن، وكما
ذكر ذلك عمن ذكر عنه من السلف، لأن الإسلام الطاعات الظاهرة ، وهو
الاستسلام والانقياد، لأن ((الإسلام في الأصل)) هو الاستسلام والانقياد ،
٤٢٤

وهذا هو الانقياد والطاعة ، والإيمان فيه معنى التصديق والطمأنينة ، وهذا
قدر زائد ، فما تقولون فيمن فعل ما أمره الله، وترك ما نهى الله عنه مخلصاً لله
تعالى ظاهراً وباطناً ؟ أليس هذا مسلماً باطنا وظاهراً ، وهو من أهل
الجنة ، وإذا كان كذلك فالجنة لا يدخلها إلا نفس مؤمنة ، فهذا يجب أن
يكون مؤمناً.
قلنا: قد ذكرنا غير مرة، أنه لا بد أن يكون معه الإيمان الذى وجب
عليه ، إذ لو لم يؤد الواجب لكان معرضاً للوعيد ؛ لكن قد يكون من الإيمان
ما لا يجب عليه إما لكونه لم يخاطب به ، أو لكونه كان عاجزاً عنه ، وهذا
أولى ، لأن الإيمان الموصوف فى حديث جبريل، والإسلام ، لم يكونا واجبين
فى أول الإسلام، بل ولا أوجبا على من تقدم قبلنا من الأمم اتباع الأنبياء أهل
الجنة ، مع أنهم مؤمنون مسلمون ، ومع أن الإسلام دين الله الذي لا يقبل
دينا غيره ؛ وهو دين الله فى الأولين والآخرين ، لأن الإسلام عبادة الله وحده
لا شريك له بما أمر ، فقد تتنوع أوامره فى الشريعة الواحدة ، فضلاً عن
الشرائع ، فيصير فى الإسلام بعض الإيمان بما يخرج عنه فى وقت آخر ، كالصلاة
إلى الصخرة ، كان من الإسلام حين كان الله أمر به ، ثم خرج من الإسلام لما
نهى الله عنه .
ومعلوم أن الخمس المذكورة فى حديث جبريل ، لم يجب فى أول الأمر ،
بل الصيام والحج وفرائض الزكاة ، إنما وجبت بالمدينة ؛ والصلوات الخمس إنما
٤٢٥

وجبت ليلة المعراج؛ وكثير من الأحاديث ليس فيها ذكر الحج لتأخر وجوبه
إلى سنة تسع أو عشر على أصح القولين ؛ ولما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم
كان من اتبعه وآمن بما جاء به، مؤمناً مسلماً؛ وإذا مات كان من أهل الجنة ،
ثم إنه بعد هذا زاد «الإيمان ، والإسلام)) حتى قال تعالى: (اُلْيَوْمَ أَ كْمَلْتُ لَكُمْ
دِينَكُمْ ) وكذلك الإيمان فإن هذا الإيمان المفصل الذي ذكره فى حديث
جبريل ، لم يكن مأموراً به فى أول الأمر لما أنزل الله سورة العلق والمدثر ، بل
إنما جاء هذا في السور المدنية ، كالبقرة ، والنساء وإذا كان كذلك لم يلزم أن
يكون هذا الإيمان المفصل واجباً على من تقدم قبلنا .
وإذا كان كذلك ، فقد يكون الرجل مسلماً يعبد الله وحده لا يشرك به
شيئاً ، ومعه الإيمان الذي فرض عليه ، وهو من أهل الجنة وليس معه هذا
الإيمان المذكور فى حديث جبريل ، لكن هذا يقال: معه ما أمر به من الإيمان
والإسلام، وقد يكون مسلماً يعبد الله كما أمر، ولا يعبد غيره ويخافه ويرجوه؛
ولكن لم يخلص إلى قلبه أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ولا أن
يكون الله ورسوله والجهاد فى سبيله أحب إليه من جميع أهله وماله ؛ وأن يحب
لأخيه ما يحب لنفسه، وأن يخاف الله لا يخاف غيره؛ وأن لا يتوكل إلا على اللّه؛
وهذه كلها من الإيمان الواجب ؛ وليست من لوازم الإسلام ؛ فإن الإسلام هو
الاستسلام وهو يتضمن الخضوع لله وحده؛ والانقياد له، والعبودية لله وحده ؛
وهذا قد يتضمن خوفه ورجاءه . وأما طمأنينة القلب بمحبته وحده ، وأن يكون
أحب إليه مما سواهما، وبالتوكل عليه وحده ، وبأن يحب لأخيه المؤمن ما يحب
٤٢٦

لنفسه ؛ فهذه من حقائق الإيمان التى تختص به ، فمن لم يتصف بها، لم يكن من
المؤمنين حقاً وإن كان مسلماً ، وكذلك وجل قلبه إذا ذكر الله ، وكذلك
زيادة الإيمان إذا تليت عليه آياته .
فإن قيل: ففوات هذا الإيمان من الذنوب أم لا؟ قيل : إذا لم يبلغ
الإنسان الخطاب الموجب لذلك ، لا يكون تركه من الذنوب وأما إن بلغه الخطاب
الموجب لذلك فلم يعمل به كان تركه من الذنوب إذا كان قادراً على ذلك، وکثیر
من الناس أو أكثرم ليس عندم هذه التفاصيل التى تدخل فى الإيمان ، مع
أنهم قائمون بالطاعة الواجبة في الإسلام ، وإذا وقعت منهم ذنوب تابوا واستغفروا
منها ؛ وحقائق الإيمان التى في القلوب لا يعرفون وجوبها؛ بل ولا أنها من
الإيمان بل كثير ممن يعرفها منهم ، يظن أنها من النوافل المستحبة إن
صدق بوجوبها.
((فالإِسلام)) يتناول من أظهر الإسلام وليس معه شيء من الإيمان، وهو
المنافق المحض ، ويتناول من أظهر الإسلام مع التصديق المجمل فى الباطن ولكن
لم يفعل الواجب كله لا من هذا ولا هذا ، وهم الفساق يكون فى أحدم شعبة
نفاق، ويتناول من أتى بالإسلام الواجب وما يلزمه من الإيمان ؛ ولم يأت بتمام
الإيمان الواجب. وهؤلاء ليسوا فساقا تاركين فريضة ظاهرة ،ولا مرتكبين
محرماً ظاهراً لكن تركوا من حقائق الإيمان الواجبة علماً وعملاً بالقلب يتبعه
بعض الجوارح ما كانوا به مذمومين .
٤٢٧

وهذا هو ((النفاق)) الذي كان يخافه السلف على نفوسهم . فإن صاحبه قد
يكون فيه شعبة نفاق. وبعد هذا ما ميز الله به المقربين على الأبرار أصحاب
اليمين من إيمان وتوابعه ، وذلك قد يكون من باب المستحبات ، وقد يكون
أيضاً مما فضل به المؤمن: إيمان وإسلام مما وجب عليه ولم يجب على غيره. ولهذا
قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع
فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)) وفى الحديث الآخر: «ليس
وراء ذلك من الإيمان مثقال حبة خردل» فإن مراده أنه لم يبق بعد هذا الإنكار
ما يدخل فى الإيمان حتى يفعله المؤمن ؛ بل الإنكار بالقلب آخر حدود الإيمان،
ليس مراده أن من لم ينكر ذلك لم يكن معه من الإيمان حبة خردل: ولهذا قال:
ليس وراء ذلك)) فجعل المؤمنين ثلاث طبقات ، وكل منهم فعل الإيمان الذي
يجب عليه، لكن الأول لما كان أقدرم، كان الذي يجب عليه أكمل مما يجب
على الثاني ، وكان ما يجب على الثاني أكمل ما يجب على الآخر، وعلم بذلك أن الناس
يتفاضلون فى الإيمان الواجب عليهم بحسب استطاعتهم مع بلوغ الخطاب
إليهم کلهم .
٤٢٨

فصل
وأما ((الاستثناء فى الإيمان)) بقول الرجل : أنا مؤمن إن شاء الله ، فالناس
فيه على ((ثلاثة)) أقوال: منهم من يوجبه، ومنهم من يحرمه، ومنهم من يجوز
الأمرين باعتبارين ؛ وهذا أصح الأقوال . فالذين يحرمونه م المرجئة والجهمية
ونحوهم، ممن يجعل الإيمان شيئاً واحداً يعلمه الإنسان من نفسه، كالتصديق
بالرب ونحو ذلك مما فى قلبه؛ فيقول أحدهم: أنا أعلم أني مؤمن، كما أعلم أني
تكلمت بالشهادتين، وكما أعلم أني قرأت الفاتحة ، وكما أعلم أني أحب رسول الله؛
وأني أبغض اليهود والنصارى . فقولي : أنا مؤمن كقولي: أنا مسلم، وكقولي :
تكلمت بالشهادتين ، وقرأت الفاتحة، وكقولي : أنا أبغض اليهود والنصارى ،
ونحو ذلك من الأمور الحاضرة التى أنا أعلمها وأقطع بها، وكما أنه لا يجوز أن
يقال: أنا قرأت الفاتحة إن شاء الله، كذلك لا يقول: أنا مؤمن إن شاء الله،
لكن إذا كان يشك فى ذلك فيقول : فعلته إن شاء الله ، قالوا : فمن استثنى
فى إيمانه فهو شاك فيه وسموم الشكاكة.
والذين أوجبوا الاستثناء لهم مأخذان :
( أحدهما) أن الإيمان هو مامات عليه الإنسان؛ والإنسان إنما يكون
٤٢٩

عند الله مؤمناً وكافراً، باعتبار الموافاة وما سبق فى على الله أنه يكون عليه ، وما
قبل ذلك لا عبرة به . قالوا : والإيمان الذي يتعقبه الكفر، فيموت صاحبه
كافراً، ليس بإيمان ، كالصلاة التى يفسدها صاحبها قبل الكمال ؛ وكالصيام
الذي يفطر صاحبه قبل الغروب ، وصاحب هذا هو عند الله كافر لعلمه بما يموت
عليه ، وكذلك قالوا فى الكفر، وهذا المأخذ مأخذ كثير من المتأخرين من
الكلابية وغيرهم ممن يريد أن ينصر ما اشتهر عن أهل السنة والحديث ، من
قولهم : أنا مؤمن إن شاء الله ، ويريد مع ذلك أن الإيمان لا يتفاضل؛ ولا يشك
الإنسان فى الموجود منه، وإنما يشك فى المستقبل، وانضم إلى ذلك أنهم
يقولون: محبة الله ورضاه وسخطه وبغضه قديم. ثم هل ذلك هو الإرادة أم
صفات أخر ؟ لهم فى ذلك ((قولان)).
وأكثر قدمائهم يقولون: إن الرضى والسخط والغضب ونحو ذلك صفات
ليست هي الإرادة، كما أن السمع والبصر ليس هو العلم، وكذلك الولاية
والعداوة . هذه كلها صفات قديمة أزلية عند أبي محمد عبد الله بن سعيد بن
كلاب ومن اتبعه من المتكلمين ، ومن أتباع المذاهب من الحنبلية والشافعية
والمالكية وغيرهم.
قالوا : والله يحب فى أزله من كان كافراً إذا علم أنه يموت مؤمناً . فالصحابة
ما زالوا محبوبين لله وإن كانوا قد عبدوا الأصنام مدة من الدهر ، وإبليس مازال
الله يبغضه وإن كان لم يكفر بعد. وهذا على أحد القولين لهم، فالرضى والسخط
٤٣٠

يرجع إلى الإرادة، والإرادة تطابق العلم. فالمعنى : ما زال الله يريد أن يثيب
هؤلاء بعد إيمانهم، ويعاقب إبليس بعد كفره . وهذا معنى صحيح . فإن الله
يريد أن يخلق كل ما على أن سيخلقه. وعلى قول من يثبتها صفات أخرى، يقول:
هو أيضاً حبه تابع لمن يريد أن يثيبه . فكل من أراد إثابته فهو يحبه وكل من
أراد عقوبته فإنه يبغضه ، وهذا تابع للعلم. وهؤلاء عندم لا يرضى عن أحد بعد
أن كان ساخطاً عليه ، ولا يفرح بتوبة عبد بعد أن تاب عليه، بل ما زال يفرح
بتوبته . والفرح عندهم إما الإرادة وإما الرضى . والمعنى ما زال يريد إثابته
أو يرضى عمن يريد إثابته. وكذلك لا يغضب عندم يوم القيامة دون ما قبله . بل
غضبه قديم إما بمعنى الإرادة ، وإما بمعنى آخر .
فهؤلاء يقولون : إذا علم أن الإنسان يموت كافراً ، لم يزل مريداً لعقوبته،
فذاك الإيمان الذي كان معه باطل لا فائدة فيه ، بل وجوده كعدمه . فليس
هذا بمؤمن أصلاً، وإذا علم أنه يموت مؤمناً، لم يزل مريداً لإثابته ، وذاك
الكفر الذي فعله وجوده كعدمه. فلم يكن هذا كافراً عندم أصلاً. فهؤلاء
يستثنون فى الإيمان بناء على هذا المأخذ ، وكذلك بعض محققيهم بستثنون
فى الكفر ، مثل أبى منصور الماتريدي، فإن ما ذكروه مطرد فيهما. ولكن
جماهير الأئمة على أنه لا يستثنى فى الكفر ، والاستثناء فيه بدعة لم يعرف عن
أحد من السلف، ولكن هو لازم لهم.
والذين فرقوا من هؤلاء قالوا: نستثنى فى الإيمان رغبة إلى الله فى أن
٤٣١

يثبتنا عليه إلى الموت، والكفر لا يرغب فيه أحد. لكن يقال: إذا كان قولك:
مؤمن ، كقولك: فى الجنة . فأنت تقول عن الكافر: هو كافر . ولا تقول :
هو فى النار ، إلا معلقاً بموته على الكفر، فدل على أنه كافر في الحال قطعاً .
وإن جاز أن يصير مؤمناً، كذلك المؤمن . وسواء أخبر عن نفسه أو عن غيره.
فلو قيل عن يهودي أو نصرانى: هذا كافر ، قال: إن شاءالله؛ إذ لم يعلم أنه
يموت كافراً ؛ وعند هؤلاء لا يعلم أحد أحداً مؤمناً إلا إذا علم أنه يموت عليه؛
وهذا القول قاله كثير من أهل الكلام أصحاب ابن كلاب ، ووافقهم على ذلك
كثير من أتباع الأمّة، لكن ليس هذا قول أحد من السلف، لا الأئمة الأربعة
ولا غيرهم، ولا كان أحد من السلف الذين يستثنون في الإيمان ، يعللون
بهذا، لا أحمد ولا من قبله.
ومأخذ هذا القول ، طرده طائفة ممن كانوا فى الأصل يستثنون فى الإيمان
اتباعا للسلف، وكانوا قد أخذوا الاستثناء عن السلف، وكان أهل الشام
شديدين على المرجئة ، وكان محمد بن يوسف الفريابي صاحب الثوري مرابطاً
بعسقلان لما كانت معمورة ، وكانت من خيار ثغور المسلمين ، ولهذا كان
فيها فضائل لفضيلة الرباط فى سبيل الله ، وكانوا يستثنون في الإيمان اتباعاً
للسلف ، واستثنوا أيضاً فى الأعمال الصالحة، كقول الرجل: صليت إن شاء الله
ونحو ذلك، بمعنى القبول ، لما فى ذلك من الآثار عن السلف. ثم صار كثير من
هؤلاء بآخرة يستثنون فى كل شيء ، فيقول هذا ثوبى إن شاء الله، وهذا حبل
٤٣٢

إن شاء الله . فإذا قيل لأحدم : هذا لا شك فيه؛ قال : نعم لا شك فيه؛ لكن
إذا شاء الله أن يغيره غيره؛ فيريدون بقولهم إن شاء الله جواز تغييره فى المستقبل،
وإن كان فى الحال لا شك فيه؛ كأن الحقيقة عندهم التى لايستثنى فيها ما لمتتبدل،
كما يقوله أولئك فى الإيمان : إن الإيمان ما على الله أنه لا يتبدل حتى يموت
صاحبه عليه.
لكن هذا القول. قاله قوم من أهل العلم والدين باجتهاد ونظر ، وهؤلاء
الذين يستثنون في كل شيء تلقوا ذلك عن بعض أتباع شيخهم، وشيخهم الذي
ينتسبون إليه يقال له : أبو عمرو عثمان بن مرزوق ، لم يكن من يرى هذا
الاستثناء ، بل كان فى الاستثناء على طريقة من كان قبله ؛ ولكن أحدث
ذلك بعض أصحابه بعده، وكان شيخهم منتسباً إلى الإمام أحمد، وهو من أتباع
عبد الوهاب بن الشيخ أبى الفرج المقدسي ، وأبو الفرج من تلامذة القاضي
أبى يعلى. وهؤلاء كلهم وإن كانوا منتسبين إلى الإمام أحمد ، فهم يوافقون
ابن كلاب على أصله الذي كان أحمد ينكره على الكلابية ، وأمر بهجر الحارث
المحاسبي من أجله، كما وافقه على أصله طائفة من أصحاب مالك ، والشافعي،
وأبى حنيفة، كأبى المعالي الجوينى ، وأبى الوليد الباجي، وأبى منصور الماتريدي
وغيرهم ، وقول هؤلاء فى مسائل متعددة من مسائل الصفات ، وما يتعلق بها،
كمسألة القرآن، هل هو سبحانه يتكلم بمشيئته وقدرته ؟ أم القرآن لازم لذاته؟
وقولهم فى ((الاستثناء)) مبنى على ذلك الأصل.
٤٣٣

وكذلك بناه الأشعري وأتباعه عليه ؛ لأن هؤلاء كلهم كلابية يقولون:
إن الله لم يتكلم بمشيئته وقدرته ، ولا يرضى ولا يغضب على أحد بعد إيمانه
وكفره ولا يفرح بتوبة النائب بعد توبته . ولهذا وافقوا السلف على أن القرآن
كلام الله غير مخلوق: ثم قالوا: إنه قديم لم يتكلم به بمشيئته وقدرته . ثم
اختلفوا بعد هذا فى القديم، أهو معنى واحد؟ أم حروف قديمة مع تعاقبها؟ كما
بسطت أقوالهم وأقوال غيرهم في مواضع أخر .
وهذه الطائفة المتأخرة تنكر أن يقال: قطعاً في شيء من الأشياء ، مع
علوم فى الاستثناء ، حتى صار هذا اللفظ منكراً عنده ، وإن قطعوا
بالمعنى فيجزمون بأن محمداًرسول الله، وأن الله ربهم ولا يقولون: قطعا. وقد
اجتمع بي طائفة منهم ، فأنكرت عليهم ذلك ، وامتنعت من فعل مطلوبهم
حتى يقولوا : قطعاً ، وأحضروا لي كتاباً فيه أحاديث عن النبى صلى الله
عليه وسلم أنه نهى أن يقول الرجل : قطعاً وهي أحاديث موضوعة مختلقة، قد
افتراها بعض المتأخرين .
والمقصود هنا أن ((الاستثناء فى الإيمان)) لما علل بمثل تلك العلة، طرد
أقوام تلك العلة فى الأشياء التى لا يجوز الاستثناء فيها بإجماع المسلمين ، بناء على
أن الأشياء الموجودة الآن إذا كانت في على الله تتبدل أحوالها ؛ فيستثنى فى
صفاتها الموجودة فى الحال ويقال: هذا صغير إن شاء الله ، لأن الله قد يجعله
كبيراً ويقال: هذا مجنون إن شاء الله ، لأن الله قد يجعله عاقلا ويقال للمرتد :
٤٣٤

هذا كافر إن شاء الله لإمكان أن يتوب . وهؤلاء الذين استثنوا فى الإيمان بناء
على هذا المأخذ، ظنوا هذا قول السلف.
وهؤلاء وأمثالهم من أهل الكلام ينصرون ما ظهر من دين الإسلام ،
كما ينصر ذلك المعتزلة والجهمية وغيرم من المتكلمين ، فينصرون إثبات الصانع
والنبوة والمعاد ونحو ذلك. وينصرون مع ذلك ما ظهر من مذاهب أهل السنة
والجماعة، كما ينصر ذلك الكلابية والكرامية والأشعرية ونحوم ، ينصرون أن
القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الله يرى فى الآخرة وأن أهل القبلة لا يكفرون
بالذنب ولا يخلدون في النار ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم له شفاعة فى
أهل الكبائر وأن فتنة القبر حق وعذاب القبر حق ، وحوض نبينا صلى الله
عليه وسلم فى الآخرة حق . وأمثال ذلك من الأقوال التى شاع أنها من أصول
أهل السنة والجماعة . كما ينصرون خلافة الخلفاء الأربعة ، وفضيلة أبى بكر
وعمر ونحو ذلك.
وكثير من أهل الكلام فى كثير مما ينصره لا يكون عارفاً بحقيقة دين
الإسلام فى ذلك، ولا ما جاءت به السنة. ولا ما كان عليه السلف. فينصر ماظهر
من قولهم ، بغير المآخذ التى كانت مآخذه فى الحقيقة بل بمآخذ أخر قد
تلقوها عن غيرهم من أهل البدع ، فيقع فى كلام هؤلاء من التناقض والاضطراب
والخطأ ما ذم به السلف مثل هذا الكلام وأهله ، فإن كلامهم فى ذم مثل هذا
الكلام كثير. والكلام المذموم هو المخالف للكتاب والسنة ، وكل ما خالف
٤٣٥

الكتاب والسنة فهو باطل وكذب فهو مخالف للشرع والعقل، (وَتَمَّتْ
كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدّلًا ) .
فهؤلاء لما اشتهر عندم عن أهل السنة أنهم يستثنون فى الإيمان ، ورأوا
أن هذا لا يمكن إلا إذا جعل الإيمان هو ما يموت العبد عليه ، وهو ما يوافي به
العبد ربه، ظنوا أن الإيمان عند السلف هو هذا؛ فصاروا يحكون هذا عن
السلف؛ وهذا القول لم يقل به أحد من السلف ؛ ولكن هؤلاء حكوه عنهم
بحسب ظنهم: لما رأوا أن قولهم لا يتوجه إلا على هذا الأصل، وهم يدعون
أن ما نصروه من أصل جهم فى الإيمان ، هو قول المحققين والنظار من أصحاب
الحديث. ومثل هذا يوجد كثيراً فى مذاهب السلف التى خالفها بعض النظار
وأظهر حجته فى ذلك ولم يعرف حقيقة قول السلف ؛ فيقول من عرف حجة
هؤلاء دون السلف، أو من يعظمهم، لما يراه من تميزهم عليه : هذا قول
المحققين . وقال المحققون. ويكون ذلك من الأقوال الباطلة، المخالفة للعقل مع
الشرع ؛ وهذا كثيراً ما يوجد فى كلام بعض المبتدعين وبعض الملحدين . ومن
آتاه الله علماً وإيماناً؛ على أنه لا يكون عند المتأخرين من التحقيق، إلا ما هو
دون تحقيق السلف لا فى العلم ولا فى العمل ، ومن كان له خبرة بالنظريات
والعقليات، وبالعمليات ، على أن مذهب الصحابة دائماً أرجح من قول من بعدهم
وأنه لا يبتدع أحد قولاً في الإسلام إلا كان خطأ ، وكان الصواب قد سبق
إليه من قبله.
٤٣٦

قال أبو القاسم الأنصاري، فيما حكاه عن أبي إسحاق الإسفرائينى ، لما
ذكر قول أبي الحسن وأصحابه في الإيمان ، وصحح أنه تصديق القلب قال : ومن
أصحابنا ؛ من قال بالموافاة ، وشرط في الإيمان الحقيقي أن يوافي ربه به ، ويختم
عليه . ومنهم من لم يجعل ذلك شرطاً فيه فى الحال .
قال الأنصاري: لما ذكر أن معظم أئمة السلف ، كانوا يقولون: الإيمان
معرفة بالقلب ، وإقرار باللسان ، وعمل بالجوارح قال: الأكثرون من هؤلاء
على القول بالموافاة . ومن قال بالموافاة، فإنما يقوله فيمن لم يرد الخبر بأنه من
أهل الجنة . وأما من ورد الخبر بأنه من أهل الجنة ، فإنه يقطع على إيمانه ، كالعشرة
من الصحابة . ثم قال : والذي اختاره المحققون؛ أن الإيمان هو التصديق .
وقدذكرنا اختلاف أقوالهم فى الموافاة ؛ وأن ذلك هل هو شرط فى صحة
الإيمان وحقيقته فى الحال ، وكونه معتداً عند الله به وفى حكمه ، فمن قال: إن
ذلك شرط فيه، يستثنون في الإطلاق فى الحال ؛ لا أنهم يشكون فى حقيقة
التوحيد والمعرفة ؛ لكنهم يقولون : لا يدري أي الإيمان الذي نحن
موصوفون به فى الحال ، هل هو معتد به عند الله ؟ على معنى أنا ننتفع
به فى العاقبة ، ونجتني من تماره.
فإذا قيل لهم : أمؤمنون أنتم حقاً؟ أو تقولون إن شاء الله؟ أو تقولون
نرجو ؟ فيقولون محن مؤمنون إن شاء الله، يعنون بهذا الاستثناء، تفويض الأمر
فى العاقبة إلى الله سبحانه وتعالى، وإنما يكون الإيمان إيماناً معتداً به فى حكم
٤٣٧

الله، إذا كان ذلك على الفوز وآية النجاة، وإذا كان صاحبه - والعياذ بالله ..
في حكم الله من الأشقياء. يكون إيمانه الذي تحلى به فى الحال عارية . قال : ولا
فرق عند الصائرين إلى هذا المذهب ، بين أن يقول : أنا مؤمن من أهل الجنة
قطعاً ؛ وبين أن يقول أنا مؤمن حقاً .
قلت : هذا إنما يجىء على قول من يجعل الإيمان متناولاً لأداء الواجبات
وترك المحرمات؛ فمن مات على هذا كان من أهل الجنة ، وأما على قول الجهمية
والمرجئة، وهو القول الذي نصره هؤلاء الذين نصروا قول جهم؛ فإنه يموت
على الإيمان قطعاً ، ويكون كامل الإيمان عنده، وهو مع هذا عنده من أهل
الكبائر الذين يدخلون النار ، فلا يلزم إذا وافى بالإيمان ، أن يكون من أهل
الجنة . وهذا اللازم لقولهم يدل على فساده ، لأن الله وعد المؤمنين بالجنة.
وكذلك قالوا: لاسيما والله سبحانه وتعالى يقول: (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ
جَنَّتٍ ) الآية. قال: فهؤلاء - يعني القائلين بالموافاة جعلوا الثبات على هذا
التصديق والإيمان الذي وصفناه إلى العاقبة والوفاء به فى المآل شرطاً فى
الإيمان شرعا ، لا لغة ، ولا عقلاً. قال : وهذا مذهب سلف أصحاب الحديث
والأكثرين؛ قال: وهو اختيار الإمام أبي بكر بن فورك؛ وكان الإمام محمد
ابن إسحاق بن خزيمة بغلو فيه ، وكان يقول : من قال : أنا مؤمن حقاً
فهو مبتدع .
وأما مذهب سلف أصحاب الحديث ، كابن مسعود وأصحابه ، والثوري
٤٣٨
أ
I

وابن عيينة، وأكثر علماء الكوفة ، ويحيى بن سعيد القطان فيما يرويه عن
علماء أهل البصرة ، وأحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة ، فكانوا يستثنون في
الإيمان . وهذا متواتر عنهم ، لكن ليس فى هؤلاء من قال : أنا أستثنى لأجل
الموافاة، وأن الإيمان، إنما هو اسم لما يوافى به العبد ربه: بل صرح أتمة
هؤلاء بأن الاستثناء إنما هو لأن الإيمان يتضمن فعل الواجبات . فلا يشهدون
لأنفسهم بذلك، كما لا يشهدون لها بالبر والتقوى : فإن ذلك مما لا يعلمونه وهو
تركية لأنفسهم بلا علم؛ كما سنذكر أقوالهم إن شاء الله فى ذلك.
وأما الموافاة ؛ فما علمت أحداً من السلف علل بها الاستثناء ولكن كثير من
المتأخرين ، يعلل بها من أصحاب الحديث من أصحاب أحمد ومالك والشافعي
وغيرهم: كما يعلل بها نظارم كأبي الحسن الأشعري وأكثر أصحابه، لكن ليس
هذا قول سلف أصحاب الحديث . ثم قال :
فإن قال قائل : إذا قلتم أن الإيمان المأمور به فى الشريعة ، هو ماوصفتموه
بشرائطه ، وليس ذلك متلقى من اللغة ، فكيف يستقيم قولكم إن الإيمان
لغوي ؟ قلنا الإيمان هو التصديق لغة وشرعا، غير أن الشرع ضم إلى التصديق
أوصافا وشرائط: مجموعها بصير مجزياً مقبولاً كما قلنا فى الصلاة والصوم والحج
ونحوها ، والصلاة في اللغة: هي الدعاء غير أن الشرع ضم إليها شرائط.
فيقال: هذا يناقض ما ذكروه فى مسمى الإيمان ، فإنهم لما زعموا أنه
فى اللغة التصديق، والشرع لم يغيره ، أوردوا على أنفسهم .
٤٣٩

فإن قيل : أليس الصلاة والحج والزكاة معدولة عن اللغة ، مستعملة فى غير
مذهب أهلها . قلنا: قد اختلف العلماء فى ذلك ، والصحيح أنها مقررة على
استعمال أهل اللغة ، ومبقاة على مقتضياتها ، وليست منقولة ، إلا أنها زيد فيها
أمور . فلو سلمنا للخصم كون هذه الألفاظ منقولة ، أو محمولة على وجه من
المجاز بدليل مقطوع به ، فعليه إقامة الدليل على وجود ذلك فى الإيمان . فإنه
لا يجب إزالة ظواهر القرآن بسبب إزالة ظاهر منها .
فيقال : أنتم فى الإيمان جعلتم الشرع زاد فيه وجعلتموه كالصلاة والزكاة
مع أنه لا يمكن أحداً أن يذكر شيئاً من الشرع دليلاً على أن الإيمان لا يسمى
به ، إلا الموافاة به وبتقدير ذلك ، فمعلوم أن دلالة الشرع على ضم الأعمال إليه
أكثر وأشهر ، فكيف لم تدخل الأعمال فى مسماه شرعا؟ وقوله: لا بدمن
دليل مقطوع به عنه جوابان :
( أحدهما ): النقض بالموافاة، فإنه لا يقطع فيه .
( الثاني) : لا نسلم ، بل نحن نقطع بأن حب الله ورسوله وخشية الله
ونحو ذلك ، داخل فى مسمى الإيمان فى كلام الله ورسوله أعظم مما نقطع ببعض
أفعال الصلاة والصوم والحج، كمسائل النزاع. ثم أبو الحسن ، وابن فورك
وغيرهما من القائلين بالموافاة ، ثم لا يجعلون الشرع ضم إليه شيئاً، بل عندهم
كل من سلبه الشرع اسم الإيمان ، فَقَدْ فُقدَ من قلبه التصديق .
قال : ومن أصحابنا [من]١ لم يجعل الموافاة على الإيمان شرطاً فى كونه إيماناً
(١) أضيفت حسب مفهوم السياق .
٤٤٠